غزة غداة الهدنة... عودة مريرة وجثث «مُتبخرة» وانتشار لـ«حماس»

أسواق شمال القطاع تفتقد البضائع... والسكان يستعجلون إدخال المساعدات

TT

غزة غداة الهدنة... عودة مريرة وجثث «مُتبخرة» وانتشار لـ«حماس»

فلسطينيون يعبرون يوم الأحد بين الأنقاض في شمال غزة (رويترز)
فلسطينيون يعبرون يوم الأحد بين الأنقاض في شمال غزة (رويترز)

تماسكت الهدنة المقررة بين إسرائيل وحركة «حماس» في قطاع غزة لليوم الثاني على التوالي، بينما تكشفت ملامح العودة المريرة بين السكان الذين تحركوا صوب منازلهم المدمرة فوق جثث غير معروفة، غداة أول تبادل للأسرى بين الحركة الفلسطينية وإسرائيل.

وبينما انتشرت على نحو واسع عناصر من الشرطة التابعة لـ«حماس» في مناطق مختلفة بالقطاع وأخصها شمالاً، قال الدفاع المدني الفلسطيني إن عناصره بدأت البحث عن جثث تحت الأنقاض، وقدّر ناطق باسمه أنهم يبلغون «أكثر من 10 آلاف شهيد».

ودخل اتفاق الهدنة حيز التنفيذ، يوم الأحد، بعد حرب استمرت 15 شهراً، ودمرت قطاع غزة، وأشعلت الشرق الأوسط.

ورصد مراسل «الشرق الأوسط» في غزة عربات تجرها حيوانات، تحمل عائلات وأمتعتهم، لتنقلهم إلى مناطق في شمال القطاع، وخصوصاً في بيت لاهيا، وأجزاء من بيت حانون.

فلسطينيون نازحون يعودون يوم الاثنين إلى رفح (أ.ب)

وقال أكرم المكاوي، وهو من سكان بيت لاهيا، إنه «في اليوم الأول من وقف إطلاق النار عند تفقده منطقة سكنه، وجد منزله قائماً ومتضرراً بشكل طفيف» ما شجعه على نقل أمتعته من مركز الإيواء الذي يوجد به في مخيم الشاطئ إلى منزله مجدداً.

وأضاف المكاوي لـ«الشرق الأوسط» أنه يتفهم الصعوبات في إيجاد حياة بمنزله في ظل عدم توفر المياه، لكنه استدرك: «بدأت فوراً بإصلاح ما يمكن إصلاحه به... أريد العودة لمنزلي لأنام مطمئناً دون أن يشاركني أحد... أريد أن أحصل على حريتي البسيطة في امتلاك نفسي وعائلتي».

لكن سكان مخيم جباليا كانوا أقل حظاً، إذ دمرت الهجمات الإسرائيلية كل منازلهم تقريباً، وبقيت بعض المناطق الصالحة للسكن في أجزاء من بيت لاهيا وبيت حانون، ولكنها متضررة بدرجات متفاوتة.

وأيضاً في رفح جنوب القطاع، أفاد سكان عادوا إلى منازلهم بأنهم لم يجدوا لها أثراً باستثناءات محدودة.

وستتطلب إعادة إعمار غزة بعد الحرب مليارات الدولارات. وأظهر تقييم للأضرار أصدرته الأمم المتحدة هذا الشهر أن إزالة أكثر من 50 مليون طن من الأنقاض التي خلَّفها القصف الإسرائيلي قد يستغرق 21 عاماً بتكلفة تصل إلى 1.2 مليار دولار.

البحث عن الجثث

وخلال مؤتمر صحافي، الاثنين، قال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل إن «الخسائر البشرية لطواقم الدفاع المدني بلغت 48 في المائة بين قتلى ومصابين ومعتقلين منذ بدء الحرب الإسرائيلية»، مشيراً إلى أن هناك 2842 قتيلاً من أفراد الدفاع المدني في الحرب الإسرائيلية «تبخرت أجسادهم ولم نجد لها أثراً».

وطالب بصل بإدخال طواقم عربية وأجنبية بكامل معداتها للمساعدة على التعامل مع الواقع الكارثي الذي يفوق قدرات الدفاع المدني الفلسطيني في غزة.

وقال أحد السكان ويدعى ياسر أبو يونس، لـ«وكالة الأنباء الألمانية»: «تم هدم منزلي بالكامل - المنزل الذي بنيته بنفسي على مدى سنوات كثيرة».

وعاد أبو يونس وعائلته إلى منزلهم في رفح بجنوب قطاع غزة بعد أن لجأوا إلى مخيم المواصي على ساحل البحر المتوسط.

وتابع الأب لأربعة أبناء والبالغ من العمر 40 عاماً: «لقد صُدمت مما رأيته في رفح»، ووصف الدمار الشامل، وأضاف أن هناك جثثاً «بعضها متحلل أو نصفها أكلته الكلاب، ملقاة في العراء».

فلسطينيون يعبرون يوم الأحد بين الأنقاض في شمال غزة (رويترز)

انتشار أوسع

في غضون ذلك، انتشرت قوات الأمن التابعة لـ«حماس» على نطاق واسع في غزة، وشاهد مراسل «الشرق الأوسط» عدداً منهم في جباليا شمالاً.

وارتدى عناصر القوات الأمنية ملابس عسكرية على عكس اليوم الأول حين ظهر بعضهم بملابس مدنية ولثام، وهم يحملون أسلحتهم، وظهرت المركبات الأمنية لـ«حماس» تجوب الشوارع.

ووفقاً لمصادر أمنية، فإن اجتماعات بدأتها الأجهزة الأمنية التابعة لـ«حماس» استهدفت إعادة ترتيب صفوفها سريعاً، والبدء بمهامها الأمنية بمختلف أنواعها.

أسواق الشمال بلا بضائع

ومع ساعات صباح الاثنين، خرج سكان من مراكز الإيواء وبعض البيوت التي يوجدون فيها، لتلمس الواقع الجديد تحت الهدنة، غير أنهم صدموا بأسواق خالية من البضائع في شمال القطاع، بينما كانت البضائع متوافرة بصورة أفضل في الجنوب، وفق ما أفاد سكان في رفح.

نائل عوض وهو من سكان حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، كان واحداً من بين آلاف المواطنين الذين يستعدون لشراء احتياجاتهم بأسعار منخفضة وتنافسية، إلا أنه فوجئ عند وصوله سوق الحي أنها «فارغة تماماً ولا يوجد فيها سوى الباذنجان والفلفل الأخضر، وبعض المنظفات» وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».

وأضاف: «كنا نتوقع بعد أن يتوقف العدوان، أن تدخل البضائع فوراً، وأن تكون الأسواق مليئة بالاحتياجات التي كنا نأمل أن تدخل بعد فترة صعبة عشناها في مناطق مدينة غزة وشمالها، إلا أن الأسواق لليوم الثاني فارغة إلا من بعض الحاجيات التي كانت متوفرة من قبل، ولا يزال ثمنها باهظاً».

شاحنات مساعدات لحظة دخولها إلى رفح جنوب قطاع غزة (رويترز)

وتحدث حميد أبو المعزة وهو من سكان جباليا ونازح إلى خان يونس جنوب قطاع غزة، أن معظم «البضائع متوفرة في وسط وجنوب القطاع، وانخفضت غالبية أسعارها؛ بينما بعضها لا يزال متغير السعر، مثل الدخان والطحين (الدقيق) والمجمدات».

المساعدات الإنسانية

ويتطلع السكان إلى تدفق المساعدات الإنسانية لصالح المؤسسات الدولية وغيرها، لتسليمها للمواطنين وفق آليات متبعة تهدف إلى إيصالها لكل مستحقيها دون تمييز.

ويتوقع دخول كميات جيدة في الأيام المقبلة من المساعدات، وفق تقديرات وزارة التنمية الاجتماعية، التي أكدت أن عمليات التوزيع ستتم بالتنسيق المشترك مع كل الجهات المختصة لضمان وصولها لكل المواطنين الذين يعانون ويلات الحرب.

وتحدث مصدر في إحدى المؤسسات الدولية المشرفة على توزيع المساعدات إلى «الشرق الأوسط»، عن «دخول كميات لا بأس بها دخل بالأمس من منطقة زيكيم (منطقة غلاف غزة شمال القطاع) إلى المؤسسات العاملة في توزيع المساعدات».

وبيَّن المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه أن «هذه المساعدات جيدة مقارنةً بما كان يدخل سابقاً، ويتوقع دخول مزيد خلال الأيام القليلة المقبلة»، مشيراً إلى دخول كميات من الوقود للمستشفيات والمراكز الطبية، وكذلك المخابز والبلديات.

دمار واسع لحق بمستشفى أبو يوسف النجار في رفح جنوب غزة (د.ب.أ)

ويأمل السكان بدخول سريع للبيوت المتنقلة (الكرفانات)، والخيام ذات النوعية الجيدة التي يمكن من خلالها توفير مبيت لهم، حيث يتوقع دخول كميات كبيرة منها، وفق ما ينص عليه اتفاق وقف إطلاق النار.

وقال المصدر بمؤسسة المساعدات الدولية إن «هناك آلاف البيوت المتنقلة، وعشرات الآلاف من الخيام بانتظار إدخالها، والتي ستلبي احتياجات السكان خاصةً بعد تدمير مناطق مخيم جباليا وبلدتي بيت لاهيا وبيت حانون بشكل كبير».

وأشارت إلى أنه «سيتم قريباً البدء بتجهيز ساحات لتكون معسكرات لخيام وكرفانات لإيواء النازحين والمشردين والمدمَّرة منازلهم في ظل هذه الظروف الصعبة، خصوصاً أن مناطق شمال القطاع تنتظر عودة نحو مليون نازح نزحوا منها بداية الحرب إلى جنوب قطاع غزة».


مقالات ذات صلة

خطة «مجلس السلام» تنص على نزع سلاح «حماس» وتدمير أنفاق غزة خلال 8 أشهر

المشرق العربي لاجئون فلسطينيون يحتمون في مخيم بمدينة غزة في يوم ممطر... 26 مارس 2026 (رويترز)

خطة «مجلس السلام» تنص على نزع سلاح «حماس» وتدمير أنفاق غزة خلال 8 أشهر

أظهرت وثيقة أن «مجلس السلام» قدّم خطة لحركة «حماس» تتطلب الموافقة على تدمير شبكة أنفاق تحت قطاع غزة والتخلي عن السلاح على مراحل خلال ثمانية أشهر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي نيران تتصاعد من مكان استهدفته ضربة إسرائيلية قرب مخيم للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)

«حماس» سترد على خطة نزع السلاح بطلب تعديلات

تسيطر حالة من التشاؤم على موقف الفصائل الفلسطينية، التي تنشط داخل القطاع، من الخطة التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام»، نيكولا ميلادينوف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص نازحون فلسطينيون يمشون إلى جانب خيامهم التي غمرتها مياه الأمطار في مدينة غزة يوم الخميس (د.ب.أ)

خاص «الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

حذرت وزارة الخارجية الأميركية من عدم التزام حركة «حماس» بنزع سلاحها كما تنص خطة الرئيس دونالد ترمب لوقف إطلاق النار في غزة مشيرة إلى أن ذلك سيواجه بتبعات صعبة.

محمد الريس (القاهرة)
المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن بنيويوك الثلاثاء الماضي (الأمم المتحدة)

«حماس» غاضبة من ملادينوف: يربط كل شيء بنزع السلاح

أبدى قياديون بحركة «حماس» غضباً تصاعد خلال الأيام القليلة الماضية، تجاه الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، على خلفية إحاطته أمام مجلس الأمن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص النيران تتصاعد من مخيم للنازحين في دير البلح بوسط غزة بعد غارة إسرائيلية الأربعاء (أ.ف.ب) p-circle

خاص «اغتيالات وأجهزة تجسس تنفجر ذاتياً»... كيف تتحرك إسرائيل في مناطق «حماس»؟

يُخيم الجمود النسبي على المسار السياسي بشأن مستقبل قطاع غزة؛ غير أن ذلك لم يمنع إسرائيل من مواصلة اغتيالاتها قيادات عسكرية، معتمدةً على أجهزة تجسس تنفجر ذاتياً.

«الشرق الأوسط» (غزة)

المفوضية الأممية للاجئين تحذر من «كارثة إنسانية» في لبنان بسبب الحرب

نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)
نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)
TT

المفوضية الأممية للاجئين تحذر من «كارثة إنسانية» في لبنان بسبب الحرب

نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)
نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)

حذرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، الجمعة، من أن لبنان يواجه أزمة إنسانية متفاقمة تنذر بالتحول إلى كارثة، وذلك بعد نحو شهر من اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.

وأفادت المفوضية بأن أكثر من مليون شخص في هذا البلد أُجبروا على الفرار من منازلهم، أي واحد من كلّ خمسة سكان، منذ الثاني من مارس (آذار)، حين اندلعت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» الموالي لإيران.

وقالت كارولينا ليندهولم بيلينغ، ممثلة المفوضية في لبنان، للصحافيين في جنيف متحدثة من بيروت: «لا يزال الوضع مقلقاً للغاية، وهناك خطر فعلي لوقوع كارثة إنسانية». وأشارت: «نلحظ هنا في لبنان أزمة اقتصادية تتفاقم على نحو مقلق».

واستطردت: «أكثر من 136 ألف نازح يعيشون في 660 ملجأ جماعياً، أغلبيتها مدارس مكتظّة. وحتّى لو نزحوا، هم لا يشعرون بالأمان»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وصرّحت كارولينا ليندهولم بيلينغ: «تعيش عائلات في خوف دائم ولا شكّ في أن التداعيات النفسية، لا سيّما على الأطفال، ستستمرّ إلى ما بعد النزاع الراهن».

اندلعت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» في لبنان في 2 مارس حين هاجم الحزب الدولة العبرية بصواريخ رداً على مقتل المرشد الإيراني في ضربات إسرائيلية أميركية.

وترد إسرائيل بغارات كثيفة في أنحاء لبنان وتوغل بري في الجنوب، ما أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص.

وفي جنوب لبنان، تسبّب تدمير إسرائيل لجسور استراتيجية في عزل أكثر من 150 ألف شخص، معطلاً بشدّة وصول المساعدات الإنسانية، حسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

«مفجع»

ووجّهت المفوّضية نداء لجمع أكثر من 60 مليون دولار بغية توسيع استجابتها، محذّرة من أن الحاجات تتزايد بوتيرة أسرع من الموارد.

وقالت كارولينا ليندهولم بيلينغ: «كان لبنان يواجه أصلاً أزمات متعدّدة، وهذا النزوح الكبير يحدث ضغوطات شديدة على الأسر والخدمات». وصرّحت: «يقول لي الناس مراراً إن جلّ ما يريدونه هو العودة إلى منازلهم».

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، التي يواجه مركزها اللوجيستي للمساعدات الطارئة في دبي صعوبات على مستوى النقل البحري والجوّي، عن إرسال أوّل دفعة من المساعدات الإنسانية برّاً إلى لبنان.

وأفاد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من جانبه بأن الصليب الأحمر اللبناني يوزّع المساعدات، وخصوصاً البطانيات والفرش والوجبات الغذائية والخبز ومياه الشرب.

وأشار الناطق باسم الاتحاد تومازو ديلا لونغا إلى أن الصليب الأحمر اللبناني هو أكبر مزوّد لخدمات الإسعاف في البلد، ووضع خطّة طارئة لنقل الدم بغية تزويد المستشفيات به بلا انقطاع.

وقال: «بين 2 و23 مارس، نفّذت فرق الصليب الأحمر اللبناني 2754 مهمّة إسعاف و11 عملية بحث وإنقاذ في مواقع حضرية»، مشيراً إلى مقتل متطوّع وإصابة عدّة متعاونين آخرين خلال أداء مهامهم.

وأضاف: «يعمل المتعاونون والمتطوّعون تحت ضغوطات هائلة لضمان سلامتهم وسلامة المصابين الذين يقومون بإجلائهم على السواء».

وأشارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة من جانبها إلى أن النساء الحوامل يواجهن الولادة في ملاجئ مؤقتة لا نفاذ فيها لخدمات الرعاية مثل قاعات المدارس.

وقالت ممثّلة الهيئة في لبنان جيلان المسيري: «تواجه النساء خوفاً دائماً وليالي بلا نوم وإنهاكاً كاملاً، فيما يضطررن لطمأنة أطفال مرعوبين».

وبين النازحين أكثر من 370 ألف طفل «لا مكان آمناً لهم»، حسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).

وقال ممثّل «اليونيسف» في لبنان، ماركولويجي كورسي: «هو نزوح كبير ومباغت وفوضوي يمزّق العائلات ويفرغ بلدات بكاملها مع تداعيات ستبقى بعد توقّف العنف»، مشيراً إلى أن «إنهاك الأطفال اللبنانيين النفسي والمعنوي مفجع».


لبنان يتجه لمعالجة أزمة السفير الإيراني بمساعٍ لـ«تنفيس الاحتقان»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يتجه لمعالجة أزمة السفير الإيراني بمساعٍ لـ«تنفيس الاحتقان»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)

تتجه السلطات اللبنانية إلى «تبريد» الأزمة السياسية الداخلية التي ترتبت على قرار وزارة الخارجية بإبعاد السفير الإيراني لدى لبنان، محمد رضا شيباني، بشكلٍ لا تتراجع فيها «الخارجية» عن القرار، ولا تتخذ إجراءات بحقّه في حال بقي في لبنان بعد المهلة المُعطاة له لمغادرة البلاد يوم الأحد المقبل، وفق ما قالت مصادر وزارية، لـ«الشرق الأوسط».

وقاطع أربعة وزراء شيعة، من أصل خمسة، يمثلون ثنائي «حزب الله» و«حركة أمل»، جلسة مجلس الوزراء، الخميس؛ اعتراضاً على قرار «الخارجية» باعتبار شيباني «شخصاً غير مرغوب به».

وقالت المصادر الوزارية إن الجلسة الحكومية، الخميس، «لم تناقش ملف شيباني، وكان رئيس الحكومة نواف سلام يغلق أي نقاش حول هذا الملف، طالباً التركيز على الملفات الحياتية للتعامل مع أزمة النزوح، وتداعياتها، والاتصالات مع الجهات الدولية والجهات المانحة لمساعدة لبنان». وأكدت أن معالجة ملف شيباني تجري وفق مساعٍ لـ«تنفيس الاحتقان».

الوزير مكي

وكان وزير التنمية الإدارية فادي مكي، وهو الوزير الشيعي الخامس، قد شارك في الجلسة الوزارية، الخميس، مما عرَّضه لانتقادات. وقال مكي، بعد لقائه بالرئيس اللبناني جوزيف عون، الجمعة: «إننا استعرضنا آخِر المستجدات في ضوء مشاركتي في جلسة مجلس الوزراء، وكانت مناسبة لتأكيد أن المرحلة تفرض التضامن الداخلي وتعزيز حضور الدولة وتغليب المسؤولية الوطنية». وتابع: «الأولوية، اليوم، هي لمواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر، واحتضان النازحين، وتكثيف كل الجهود لوقف الحرب، مع تأكيد السلم الأهلي والحوار الداخلي».

وأضاف: «أكّدتُ أن لا خيار لنا إلا الدولة ومؤسساتها الشرعية، وأن لبنان، اليوم، بأمسّ الحاجة إلى قرارات تُوحِّد لا تُفرِّق. وأعبّر عن كامل ثقتي بما يقوم به فخامة الرئيس، بالتنسيق مع دولة رئيس مجلس النواب ودولة رئيس مجلس الوزراء».

مبادرة «التيار الوطني الحر»

في غضون ذلك، يستكمل «التيار الوطني الحر» زياراته على الفعاليات السياسية، لشرح مقترح لحماية لبنان. وقال رئيسه النائب جبران باسيل، بعد زيارته رئيس البرلمان نبيه بري، إن أهم ما في المقترح هو «موضوع الوحدة الوطنية؛ لأنها أساس كل شيء وأساس هذا الوطن وأساس بقائه والأساس الذي من خلاله يستطيع لبنان أن يخرج سالماً من هذه الحرب التي نحن فيها».

وتابع: «للأسف، هناك منطقان يتواجهان: منطقنا الذي يقول 100 يوم حرب من الخارج على لبنان ولا يوم واحد من الحرب بين اللبنانيين، والمنطق الثاني يعلن رسمياً أنه فلتكن حرب داخلية في لبنان، المهم أن ننتهي من الحرب الخارجية». وأضاف: «نحن لا نريد حرباً داخلية ولا خارجية، نحن في بعض الأحيان ليست لدينا القدرة لمنع الحرب الخارجية، للأسف، للأسباب التي نتفق أو نختلف عليها نحن اللبنانيين، لكن نحن بالتأكيد لدينا القدرة على أن نمنع الحرب الداخلية، وهذه مسؤوليتنا ومهمتنا في المرحلة المقبلة، لذا في كل يوم سنعود ونذكر وننبه، خاصة المغرَّر بهم والذين ينجرّون وراء غرائز طائفية لا مكان لها».

وأضاف: «اليوم، معركتنا ليست طائفية، نحن بمواجهة أخطار يجب إبعادها عنا بأن نتكلم كلاماً وطنياً وليس كلاماً طائفياً، فالناس الذي ينجرّون وراء هذا الكلام يجب ألا يتذوقوا، لا هم ولا أولادهم ولا أي أحد، طعم الحرب الداخلية؛ لأن الجميع ذاق مرارتها بما يكفي، ويجب أن نمنع تكرارها، هذه مسؤوليتنا، وهذا خطابنا، وهذا كلامنا الجامع بين بعضنا البعض، هكذا تنتهي الأزمة أكيد، وهكذا ينجو لبنان، وبعدها نتطلع مع خلافاتنا السياسية كيف سنبنيه، لكن الأهم أن يبقى لبنان، ويبقى لبنان بوحدتنا الوطنية».

إغاثة النازحين

وبينما تتجه أزمة السفير الإيراني للاحتواء، ينصبّ التركيز اللبناني على إغاثة النازحين. وأطلع وفد من الصليب الأحمر الدولي، برئاسة المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأدنى والأوسط نيكولاس فون آركس، الرئيس عون على عمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر في ضوء استمرار التصعيد العسكري في عدد من البلدات والقرى اللبنانية والعمليات الإنسانية التي تقوم بها اللجنة بالتعاون مع الصليب الأحمر اللبناني والتنسيق مع الجيش اللبناني والقوات الدولية العاملة في الجنوب. وعرَض فون آركس لتدهور الوضع الإنساني ونزوح الآلاف من القرى والبلدات المستهدَفة دون أن يتمكنوا من العودة بسبب تدهور الأوضاع، مشيراً إلى الصعوبات التي تواجه الفرق في أثناء عملها ومؤكداً استمراريتها في العمل وتأمين المستلزمات للمستشفيات والمراكز الصحية وإيصال المساعدات.

وقال: «أسهمنا في تأمين الوصول إلى المياه لأكثر من 800000 شخص من خلال ضمان استمرارية تشغيل محطّات الضخ. إضافةً إلى ذلك، نجحنا في إيصال المساعدات الأساسية إلى نحو 10000 شخص في مختلف القرى، فضلاً عن دعمنا للمستشفيات لضمان استمرارها في تقديم العلاج للجرحى والمرضى».

من جهته، طلب الرئيس عون الاهتمام بأبناء الجنوب الموجودين في قراهم وبلداتهم وتأمين المساعدات الضرورية لتعزيز صمودهم.

وكان مدير الصليب الأحمر قد أكد، بعد زيارته رئيس البرلمان نبيه بري، استمرار حضور اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الميدان، ولا سيما في المناطق الأكثر تضرراً، وتلك التي يصعب الوصول إليها، حيث تُواصل فِرق اللجنة تقديم الدعم للمتضررين، بالتوازي مع جهود الجهات الأخرى في دعم النازحين بمراكز الإيواء.

وأشار الوفد إلى استمرار وجود فِرق اللجنة في جنوب لبنان، خصوصاً في تبنين ومرجعيون؛ لتأمين وصول المساعدات والخدمات الصحية، في ظل ازدياد عزلة هذه المناطق عن باقي البلاد، كما شدد الوفد على أهمية احترام القانون الدولي الإنساني بما يشمل حماية المدنيين والبنى التحتية والخدمات الأساسية والمُسعفين والطواقم الطبية.


السفير البابوي ينفذ جولة تضامنية في القرى المسيحية جنوبي لبنان

السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
TT

السفير البابوي ينفذ جولة تضامنية في القرى المسيحية جنوبي لبنان

السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)

جال السفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا في عدد من القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان، شملت بلدات كوكبا ومرجعيون والقليعة، في زيارة حملت رسائل تضامن مباشرة مع السكان المسيحيين الصامدين في بلداتهم، في ظل تصاعد التوترات الأمنية وتفاقم الضغوط المعيشية.

وقال بورجيا خلال الجولة إن «الواجب يفرض أن نكون حاضرين ومتضامنين، وأن نتشارك الأفراح والآلام حيثما تدعو الحاجة»، في إشارة إلى البعد الإنساني للزيارة. والتقى، برفقة رئيس «كاريتاس لبنان»، عدداً من الأهالي، مطّلعاً على أوضاعهم المعيشية وشهاداتهم حول تداعيات الوضع الأمني على حياتهم اليومية.

مساعدات دولية لدعم السكان

بالتوازي، وصلت إلى قضاء مرجعيون قافلة مساعدات مؤلفة من 15 شاحنة محمّلة بمواد إغاثية، جرى تفريغها في بلدة القليعة بإشراف رئيس البلدية حنا ضاهر.

ونُظّمت القافلة بإشراف برنامج الغذاء العالمي، وبمساهمة منظمات دولية، في إطار الاستجابة الإنسانية للأوضاع الناجمة عن التصعيد العسكري.

وشملت المساعدات مواد غذائية، ومستلزمات للنظافة الشخصية، ومياه شرب، إضافة إلى بطانيات وفرش وأدوات مطبخ أساسية، بهدف دعم قدرة الأهالي على الصمود في مناطقهم.

وأكد المنظمون أن هذه القافلة تشكل الدفعة الأولى ضمن خطة طوارئ، على أن تتبعها شحنات إضافية خلال الأيام المقبلة لتوسيع نطاق الاستجابة.

السفير البابوي خلال وصوله إلى الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)

قرى حدودية بين الصمود والهشاشة

وتُعد القرى المسيحية في قضاء مرجعيون، ومنها القليعة وكوكبا، من أبرز البلدات الواقعة على تماس مباشر مع الحدود الجنوبية، وقد شكّلت تاريخياً نموذجاً للتنوع الديني في المنطقة، حيث تتداخل مع محيط ذي غالبية مسلمة.

وعاشت هذه القرى على مدى عقود تحت وطأة التحولات الأمنية، من الاحتلال الإسرائيلي الذي انتهى عام 2000، إلى تداعيات حرب يوليو (تموز) 2006، وصولاً إلى جولات التصعيد المتكررة منذ عام 2023 حتى اليوم، ما جعلها في موقع هش بين الاستقرار والانكشاف.

ورغم ذلك، حافظت هذه البلدات على حضورها السكاني، مدفوعة بعوامل التمسك بالأرض والروابط الاجتماعية، غير أن الأزمات الاقتصادية الأخيرة، إلى جانب التوترات الأمنية، دفعت بعض العائلات إلى النزوح المؤقت، وسط مخاوف من اتساع ظاهرة الفراغ السكاني.

ويؤكد أبناء المنطقة أن التحدي لم يعد أمنياً فقط، بل بات مرتبطاً بقدرتهم على الاستمرار في ظل الضغوط الاقتصادية وتراجع الخدمات، ما يضفي أهمية إضافية على المبادرات الإغاثية والزيارات التضامنية.

رسائل دينية سابقة

وكان بورجيا قد زار قبل أيام مدينة صور، حيث شارك في قداس ترأسه المطران جورج إسكندر. وفي كلمته، شدد على أن زيارته تهدف إلى «حمل المحبة إلى بيوت اللبنانيين»، مستحضراً دعوات البابا ليو الرابع عشر إلى التمسك بالأمل والسير في طريق السلام.

وقال: «لبنان بلد مميز بتنوعه، وما يجمع أبناءه أكبر مما يفرقهم»، داعياً إلى «رفع الصلاة من أجل السلام وعدم الانجرار إلى منطق الحرب»، ومؤكداً أن «البابا يتابع ما يجري في لبنان عن كثب ويقف إلى جانب شعبه».