غزة غداة الهدنة... عودة مريرة وجثث «مُتبخرة» وانتشار لـ«حماس»

أسواق شمال القطاع تفتقد البضائع... والسكان يستعجلون إدخال المساعدات

TT

غزة غداة الهدنة... عودة مريرة وجثث «مُتبخرة» وانتشار لـ«حماس»

فلسطينيون يعبرون يوم الأحد بين الأنقاض في شمال غزة (رويترز)
فلسطينيون يعبرون يوم الأحد بين الأنقاض في شمال غزة (رويترز)

تماسكت الهدنة المقررة بين إسرائيل وحركة «حماس» في قطاع غزة لليوم الثاني على التوالي، بينما تكشفت ملامح العودة المريرة بين السكان الذين تحركوا صوب منازلهم المدمرة فوق جثث غير معروفة، غداة أول تبادل للأسرى بين الحركة الفلسطينية وإسرائيل.

وبينما انتشرت على نحو واسع عناصر من الشرطة التابعة لـ«حماس» في مناطق مختلفة بالقطاع وأخصها شمالاً، قال الدفاع المدني الفلسطيني إن عناصره بدأت البحث عن جثث تحت الأنقاض، وقدّر ناطق باسمه أنهم يبلغون «أكثر من 10 آلاف شهيد».

ودخل اتفاق الهدنة حيز التنفيذ، يوم الأحد، بعد حرب استمرت 15 شهراً، ودمرت قطاع غزة، وأشعلت الشرق الأوسط.

ورصد مراسل «الشرق الأوسط» في غزة عربات تجرها حيوانات، تحمل عائلات وأمتعتهم، لتنقلهم إلى مناطق في شمال القطاع، وخصوصاً في بيت لاهيا، وأجزاء من بيت حانون.

فلسطينيون نازحون يعودون يوم الاثنين إلى رفح (أ.ب)

وقال أكرم المكاوي، وهو من سكان بيت لاهيا، إنه «في اليوم الأول من وقف إطلاق النار عند تفقده منطقة سكنه، وجد منزله قائماً ومتضرراً بشكل طفيف» ما شجعه على نقل أمتعته من مركز الإيواء الذي يوجد به في مخيم الشاطئ إلى منزله مجدداً.

وأضاف المكاوي لـ«الشرق الأوسط» أنه يتفهم الصعوبات في إيجاد حياة بمنزله في ظل عدم توفر المياه، لكنه استدرك: «بدأت فوراً بإصلاح ما يمكن إصلاحه به... أريد العودة لمنزلي لأنام مطمئناً دون أن يشاركني أحد... أريد أن أحصل على حريتي البسيطة في امتلاك نفسي وعائلتي».

لكن سكان مخيم جباليا كانوا أقل حظاً، إذ دمرت الهجمات الإسرائيلية كل منازلهم تقريباً، وبقيت بعض المناطق الصالحة للسكن في أجزاء من بيت لاهيا وبيت حانون، ولكنها متضررة بدرجات متفاوتة.

وأيضاً في رفح جنوب القطاع، أفاد سكان عادوا إلى منازلهم بأنهم لم يجدوا لها أثراً باستثناءات محدودة.

وستتطلب إعادة إعمار غزة بعد الحرب مليارات الدولارات. وأظهر تقييم للأضرار أصدرته الأمم المتحدة هذا الشهر أن إزالة أكثر من 50 مليون طن من الأنقاض التي خلَّفها القصف الإسرائيلي قد يستغرق 21 عاماً بتكلفة تصل إلى 1.2 مليار دولار.

البحث عن الجثث

وخلال مؤتمر صحافي، الاثنين، قال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل إن «الخسائر البشرية لطواقم الدفاع المدني بلغت 48 في المائة بين قتلى ومصابين ومعتقلين منذ بدء الحرب الإسرائيلية»، مشيراً إلى أن هناك 2842 قتيلاً من أفراد الدفاع المدني في الحرب الإسرائيلية «تبخرت أجسادهم ولم نجد لها أثراً».

وطالب بصل بإدخال طواقم عربية وأجنبية بكامل معداتها للمساعدة على التعامل مع الواقع الكارثي الذي يفوق قدرات الدفاع المدني الفلسطيني في غزة.

وقال أحد السكان ويدعى ياسر أبو يونس، لـ«وكالة الأنباء الألمانية»: «تم هدم منزلي بالكامل - المنزل الذي بنيته بنفسي على مدى سنوات كثيرة».

وعاد أبو يونس وعائلته إلى منزلهم في رفح بجنوب قطاع غزة بعد أن لجأوا إلى مخيم المواصي على ساحل البحر المتوسط.

وتابع الأب لأربعة أبناء والبالغ من العمر 40 عاماً: «لقد صُدمت مما رأيته في رفح»، ووصف الدمار الشامل، وأضاف أن هناك جثثاً «بعضها متحلل أو نصفها أكلته الكلاب، ملقاة في العراء».

فلسطينيون يعبرون يوم الأحد بين الأنقاض في شمال غزة (رويترز)

انتشار أوسع

في غضون ذلك، انتشرت قوات الأمن التابعة لـ«حماس» على نطاق واسع في غزة، وشاهد مراسل «الشرق الأوسط» عدداً منهم في جباليا شمالاً.

وارتدى عناصر القوات الأمنية ملابس عسكرية على عكس اليوم الأول حين ظهر بعضهم بملابس مدنية ولثام، وهم يحملون أسلحتهم، وظهرت المركبات الأمنية لـ«حماس» تجوب الشوارع.

ووفقاً لمصادر أمنية، فإن اجتماعات بدأتها الأجهزة الأمنية التابعة لـ«حماس» استهدفت إعادة ترتيب صفوفها سريعاً، والبدء بمهامها الأمنية بمختلف أنواعها.

أسواق الشمال بلا بضائع

ومع ساعات صباح الاثنين، خرج سكان من مراكز الإيواء وبعض البيوت التي يوجدون فيها، لتلمس الواقع الجديد تحت الهدنة، غير أنهم صدموا بأسواق خالية من البضائع في شمال القطاع، بينما كانت البضائع متوافرة بصورة أفضل في الجنوب، وفق ما أفاد سكان في رفح.

نائل عوض وهو من سكان حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، كان واحداً من بين آلاف المواطنين الذين يستعدون لشراء احتياجاتهم بأسعار منخفضة وتنافسية، إلا أنه فوجئ عند وصوله سوق الحي أنها «فارغة تماماً ولا يوجد فيها سوى الباذنجان والفلفل الأخضر، وبعض المنظفات» وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».

وأضاف: «كنا نتوقع بعد أن يتوقف العدوان، أن تدخل البضائع فوراً، وأن تكون الأسواق مليئة بالاحتياجات التي كنا نأمل أن تدخل بعد فترة صعبة عشناها في مناطق مدينة غزة وشمالها، إلا أن الأسواق لليوم الثاني فارغة إلا من بعض الحاجيات التي كانت متوفرة من قبل، ولا يزال ثمنها باهظاً».

شاحنات مساعدات لحظة دخولها إلى رفح جنوب قطاع غزة (رويترز)

وتحدث حميد أبو المعزة وهو من سكان جباليا ونازح إلى خان يونس جنوب قطاع غزة، أن معظم «البضائع متوفرة في وسط وجنوب القطاع، وانخفضت غالبية أسعارها؛ بينما بعضها لا يزال متغير السعر، مثل الدخان والطحين (الدقيق) والمجمدات».

المساعدات الإنسانية

ويتطلع السكان إلى تدفق المساعدات الإنسانية لصالح المؤسسات الدولية وغيرها، لتسليمها للمواطنين وفق آليات متبعة تهدف إلى إيصالها لكل مستحقيها دون تمييز.

ويتوقع دخول كميات جيدة في الأيام المقبلة من المساعدات، وفق تقديرات وزارة التنمية الاجتماعية، التي أكدت أن عمليات التوزيع ستتم بالتنسيق المشترك مع كل الجهات المختصة لضمان وصولها لكل المواطنين الذين يعانون ويلات الحرب.

وتحدث مصدر في إحدى المؤسسات الدولية المشرفة على توزيع المساعدات إلى «الشرق الأوسط»، عن «دخول كميات لا بأس بها دخل بالأمس من منطقة زيكيم (منطقة غلاف غزة شمال القطاع) إلى المؤسسات العاملة في توزيع المساعدات».

وبيَّن المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه أن «هذه المساعدات جيدة مقارنةً بما كان يدخل سابقاً، ويتوقع دخول مزيد خلال الأيام القليلة المقبلة»، مشيراً إلى دخول كميات من الوقود للمستشفيات والمراكز الطبية، وكذلك المخابز والبلديات.

دمار واسع لحق بمستشفى أبو يوسف النجار في رفح جنوب غزة (د.ب.أ)

ويأمل السكان بدخول سريع للبيوت المتنقلة (الكرفانات)، والخيام ذات النوعية الجيدة التي يمكن من خلالها توفير مبيت لهم، حيث يتوقع دخول كميات كبيرة منها، وفق ما ينص عليه اتفاق وقف إطلاق النار.

وقال المصدر بمؤسسة المساعدات الدولية إن «هناك آلاف البيوت المتنقلة، وعشرات الآلاف من الخيام بانتظار إدخالها، والتي ستلبي احتياجات السكان خاصةً بعد تدمير مناطق مخيم جباليا وبلدتي بيت لاهيا وبيت حانون بشكل كبير».

وأشارت إلى أنه «سيتم قريباً البدء بتجهيز ساحات لتكون معسكرات لخيام وكرفانات لإيواء النازحين والمشردين والمدمَّرة منازلهم في ظل هذه الظروف الصعبة، خصوصاً أن مناطق شمال القطاع تنتظر عودة نحو مليون نازح نزحوا منها بداية الحرب إلى جنوب قطاع غزة».


مقالات ذات صلة

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: نجاة قائد الدائرة العسكرية في «الجهاد» من محاولة اغتيال بإيران

خاص أكرم العجوري قائد «سرايا القدس» التابعة لحركة «الجهاد الإسلامي» (حسابات داعمة للحركة في «إكس») p-circle

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: نجاة قائد الدائرة العسكرية في «الجهاد» من محاولة اغتيال بإيران

كشفت 3 مصادر في حركة «الجهاد الإسلامي» الفلسطينية عن نجاة قائد الدائرة العسكرية فيها، أكرم العجوري، من غارة إسرائيلية استهدفته في إيران قبل شهر تقريباً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون نازحون يحملون جثمان أيمن أبو حسنة خلال جنازته في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة أمس والذي أفادت التقارير بمقتله ليلاً في غارة إسرائيلية أثناء قيادته دراجة نارية (أ.ف.ب)

مقتل 5 في غارات إسرائيلية متفرقة على قطاع غزة

مسعفون يفيدون بمقتل 5 في غارات إسرائيلية منفصلة، وسكان يفيدون بوقوع اشتباك بين «حماس» ومجموعة مسلحة مدعومة من إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جانب من الدمار في قطاع غزة جراء الحرب (رويترز - أرشيفية)

«مجلس السلام»: خطة غزة تحتاج إلى إحراز تقدم سريع والمحادثات «ليست سهلة»

قال كبير مبعوثي «مجلس السلام» إلى غزة، اليوم (الاثنين)، إنه «متفائل إلى حد ما» بإمكان التوصل إلى اتفاق بشأن خطة نزع سلاح حركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع يوم الاثنين (صورة من فيديو بثته رويترز) p-circle

خاص عصابات مدعومة إسرائيلياً تستعرض قدراتها في شمال غزة وجنوبها

نفذت عصابات مسلحة تدعمها إسرائيل وتتمركز بمناطق سيطرتها شرق الخط الأصفر في غزة تحركات متزامنة لاستعراض القدرات العسكرية واللوجيستية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم السبت (أ.ف.ب)

خاص «رد إيجابي» من «حماس» في القاهرة قد يفضي لاتفاق قريباً

أكدت مصادر عدة من حركة «حماس» أن وفدها الموجود في القاهرة قدّم «رداً إيجابياً» على مقترح قدمه الوسطاء بشأن تنفيذ «اتفاق متزامن» ما بين المرحلتين الأولى والثانية

«الشرق الأوسط» (غزة)

تدريب الدفعة الأولى من المنتسبات إلى «معهد الشرطة النسائية» في سوريا

داخل فصل دراسي في دورة التأهيل والتدريب الأولى بمعهد الشرطة النسائية السورية (وزارة الداخلية)
داخل فصل دراسي في دورة التأهيل والتدريب الأولى بمعهد الشرطة النسائية السورية (وزارة الداخلية)
TT

تدريب الدفعة الأولى من المنتسبات إلى «معهد الشرطة النسائية» في سوريا

داخل فصل دراسي في دورة التأهيل والتدريب الأولى بمعهد الشرطة النسائية السورية (وزارة الداخلية)
داخل فصل دراسي في دورة التأهيل والتدريب الأولى بمعهد الشرطة النسائية السورية (وزارة الداخلية)

بدأ «معهد الشرطة النسائية» التابع لوزارة الداخلية السورية تنفيذ الخطة التدريبية المقررة للمنتسبات لدورة أفراد الشرطة بالمعهد، والتي تشمل برامج مكثفة في التأهيل العسكري والبدني.

وهذه الدفعة هي الأولى من المنتسبات لدورة أفراد الشرطة النسائية، وسط إجراءات تنظيمية متكاملة، وأجواء مفعمة بالانضباط والالتزام.

وأوضحت وزارة الداخلية أن الخطة التدريبية المقررة تشمل برامج مكثفة في التأهيل العسكري والبدني، لرفع مستوى اللياقة والجاهزية الميدانية، توازيها حزمة من العلوم القانونية والشرطية، لضمان أداء المهام وفق الأطر القانونية والمهنية، مع التركيز على مهارات التعامل والضبط المسلكي «بما ينسجم مع خصوصية العمل الأمني النسائي»، حسب بيان الوزارة.

برامج مكثفة في التأهيل العسكري والبدني بدورة أفراد الشرطة الأولى في معهد الشرطة النسائية (الداخلية السورية)

ويأتي رفد سلك قوى الأمن الداخلي بهذه الدفعة الجديدة، تجسيداً لاستراتيجية وزارة الداخلية في تعزيز دور المرأة السورية في المنظومة الأمنية، ورفد مختلف الوحدات والقطاعات بكوادر نسائية مؤهَّلة، قادرة على تحمل المسؤولية، والمساهمة بفاعلية في حفظ الأمن والنظام العام، بما يواكب متطلبات العمل الميداني؛ حسب بيان الداخلية السورية.

افتتاح «معهد الشرطة النسائية» في ريف دمشق منتصف مارس بحضور وزير الداخلية وقيادات المعهد (الداخلية السورية)

​وكان وزير الداخلية، أنس خطاب، قد افتتح معهد الشرطة النسائية في مدينة التل بريف دمشق، منتصف مارس (آذار) الماضي، في خطوة تهدف إلى تعزيز دور المرأة في العمل الشرطي والأمني، وتوسيع مشاركتها في مختلف الاختصاصات.

وقال خطاب في كلمة خلال الافتتاح، إن تجهيز المعهد وإعداد مناهجه استغرقا نحو عام من العمل المتواصل، بذل خلاله فريق متخصص جهوداً كبيرة لتأمين بيئة تدريبية حديثة تواكب متطلبات العمل الشرطي، وتوفر للمنتسبات مقومات التعلم والتأهيل المهني.

العميد هدى محمود سرجاوي مديرة «معهد الشرطة النسائية» (الداخلية السورية)

وأكدت مديرة المعهد، العميد هدى محمود سرجاوي، في كلمة الافتتاح، أن إنشاء المعهد يأتي ضمن رؤية وطنية لتطوير العمل الشرطي وتحديثه بما ينسجم مع متطلبات المرحلة، وليكون منصة تدريبية متخصصة لإعداد كوادر شرطية نسائية قادرة على التعامل مع مختلف القضايا المجتمعية.

وأشارت هدى سرجاوي إلى أن المعهد يمثل خطوة نحو بناء نموذج مؤسسي، يعكس إيمان الدولة بقدرات المرأة ودورها في حماية المجتمع وتعزيز الاستقرار.

نموذج من التعليمات التي تتعلمها المنتسبة لمعهد الشرطة النسائية في سوريا

يهدف المعهد إلى تأهيل المنتسبات من خلال برامج تدريبية متخصصة، تشمل العلوم الشرطية والقانونية والمهارات الميدانية، إضافة إلى التدريب على آليات التعامل مع القضايا المجتمعية التي تتطلب حضوراً نسائياً ضمن العمل الشرطي.

وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عن فتح باب القبول للالتحاق بالمعهد، داعية الراغبات في الانتساب إلى تقديم طلباتهن استناداً إلى شروط محددة.

واشترطت الوزارة على المتقدمة أن يكون عمرها بين 18 و26 عاماً، وأن تكون حاصلة على الشهادة الثانوية، كحد أدنى، كما يشترط أن تكون حسنة السيرة والسلوك، وغير محكوم عليها بأي جناية أو جُرم شائن.


إسرائيل تُحيي «ذكرى الاستقلال» بمهرجانين متناقضين

إسرائيليون في مقبرة جبل هرتزل خلال احتفالات بذكرى القتلى العسكريين الثلاثاء (رويترز)
إسرائيليون في مقبرة جبل هرتزل خلال احتفالات بذكرى القتلى العسكريين الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُحيي «ذكرى الاستقلال» بمهرجانين متناقضين

إسرائيليون في مقبرة جبل هرتزل خلال احتفالات بذكرى القتلى العسكريين الثلاثاء (رويترز)
إسرائيليون في مقبرة جبل هرتزل خلال احتفالات بذكرى القتلى العسكريين الثلاثاء (رويترز)

تشهد إسرائيل، بداية من الثلاثاء وحتى الأربعاء، مجموعة كبيرة من المهرجانات والطقوس في الذكرى السنوية الـ78 لما تسميه بـ«يوم الاستقلال»، لكن المناسبة باتت مساحة لخطابين ومهرجانين متناقضين بين جمهور وحكومة يمينيين يدعون إلى «حرب أبدية» في مقابل دعاة «سلام» وعائلات قتلى الحروب الذين يطالبون بوقف المعارك.

وبدأ المسار «الاحتفالي» ليلة الاثنين - الثلاثاء، بـ«إحياء ذكرى ضحايا معارك إسرائيل»، وذلك حتى مساء الثلاثاء، ويختتم بيوم كامل من الاحتفالات والمهرجانات بـ«ذكرى التأسيس».

ويتضمن جدول النشاطات حفلاً في باحة حائط البراك (المبكى في السردية الإسرائيلية) بالقدس الشرقية المحتلة، وآخر في مقابر «عظماء الأمة» على جبل هرتزل في القدس الغربية، وثالث في باحة الكنيست.

أفراد من الجيش الإسرائيلي يستخدمون هواتفهم الذكية في مقبرة بتل أبيب يوم الثلاثاء (رويترز)

وصار المهرجان مهرجانين؛ أحدهما يخلّد الخوف والحروب، والثاني يدعو لفتح «آفاق سلام» تنهي الحروب، وبات الاختلاف بين الطرفين عداءً واعتداءات.

وأظهرت خطابات قادة إسرائيل السياسيين والعسكريين في هذه النشاطات، تغيراً كبيراً على مستويات رسمية وشعبية، وبعد هجوم حركة «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، برزت مفاهيم سياسية واستراتيجية بقوة، وخرجت أسوأ صورة لإسرائيل في تاريخها منذ النكبة التي فرضتها على الشعب الفلسطيني.

وعلى مستوى الحكومة اليمينية المتطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو والقادة العسكريين، فإنهم يتعهدون بدورهم بالعيش على الحراب إلى الأبد.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يضع إكليلاً من الزهور في المقبرة العسكرية بجبل هرتزل في القدس الثلاثاء (إ.ب.أ)

لقد أصبح عدد قتلى الحروب في إسرائيل 25.648 جندياً ورجل أمن، بينهم 174 جندياً إسرائيلياً قتلوا فقط في حروب السنة الأخيرة، هذا عدا عن 79 مدنياً.

وارتفع عدد أفراد العائلات الثكلى إلى 59 ألفاً و583 شخصاً، هم الآباء والأمهات والأرامل والأيتام. ومع ذلك، فقد أكد نتنياهو ورئيس أركان الجيش، إيال زامير، في خطاباتهما العديدة في هذه المناسبة، أنه «كُتب على إسرائيل أن تعيش على الحرب إلى الأبد». أي أنهما يبشران شعبهما بمزيد من القتل واليتم.

اعتداءات من الميليشيات

وفي ليلة الاثنين - الثلاثاء، حاولت مجموعة من المواطنين طرح خطاب سياسي مختلف عن التحشيد؛ وهم جزء لا يتجزأ من عائلات الثكلى (نحو ألف شخص من عائلات إسرائيلية وفلسطينية فقدت أبناء) اجتمعوا بشكل سري في ساحة في تل أبيب، وقرروا إحياء ذكراهم معاً، على أمل أن يشعر كل طرف بألم الآخر، ويتوقف القتل.

وهكذا كانوا يفعلون منذ 21 عاماً في كل سنة؛ في البداية كان المجتمع الإسرائيلي يحترم مشاعرهم، حيث إنهم عائلات ثكلى، إلا أنهم في السنوات الأخيرة باتوا يتعرضون لاعتداءات فظة.

نشطاء سلام إسرائيليون وفلسطينيون يرفعون لافتات خلال مظاهرة ضد إخلاء الفلسطينيين من منازلهم في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)

ومنعت الحكومة وصول الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة، وباتوا يخاطبون الشركاء من الإسرائيليين بالفيديو. وفي السنة الماضية، اعتدى عدد من ميليشيات اليمين المتطرف المسلحة على المحتفلين جسدياً، في كنيس يهودي.

وفي رسالة واضحة لهم، قررت الشرطة، الأحد، إغلاق ملف التحقيق ضد هؤلاء المعتدين، من دون توجيه أي لائحة اتهام ضد المتورطين، رغم وجود توثيقات عديدة ومقاطع فيديو من زوايا مختلفة، ولقطات بث مباشر نشرها المهاجمون أنفسهم، زعمت الشرطة أنها «لم تتمكن من تحديد هوية المشتبه بهم».

والتقطت الميليشيات رسالة الشرطة لكي يعيدوا الاعتداء هذه السنة... وبالفعل، عرف هؤلاء بمكان المهرجان السري وقدم نحو 100 ميليشياوي منهم وحاولوا الاعتداء الجسدي على المشاركين في إحياء ذكرى أولادهم، وشتموهم: «خونة» و«يسار قذر». وبالطبع هتافهم التقليدي: «الموت للعرب».

«دولة مُختطفة»

ومقابل الاحتفالات الرسمية بـ«الاستقلال»، يقيم عدد من كبار المسؤولين والوزراء السابقين والجنرالات المتقاعدين، مهرجاناً مستقلاً للمناسبة في تل أبيب.

ويقود النشاط السابق، رئيس الأركان ووزير الدفاع الأسبق، موشيه يعلون، ورئيس الأركان الذي خلفه، دان حالوتس. وقد أصدرا بياناً جاء فيه: «عشية الذكرى الـ78 لـ(الاستقلال) نحن نضطر، بكل ألم، إلى الإعلان (ليس للمرة الأولى) بأن إسرائيل دولة تم اختطافها. اختطفها أناس يعتبرون مواردها ملكاً خاصاً لهم، وقيمها التأسيسية عائقاً سياسياً (...) يتم استخدام الاحتفال كمنصة لتمجيد حكومة فقدت الحياء، هم يحاولون هندسة الوعي ومحو الإخفاقات، ومن أجل تحقيق ذلك هم يحولون رموز الأمة إلى زينة شخصية».

«سخرية من الاستقلال»

وقد امتلأت الصحافة الإسرائيلية، الثلاثاء، بالمقالات التي تسخر لأول مرة من استخدام كلمة «استقلال». وقال رئيس الوزراء الأسبق، إيهود باراك، إنه «ما زال يوجد لدينا عيد وطني، أما الاستقلال فأقل بقليل». وأضاف: «إسرائيل أصبحت خلال الحرب محمية للولايات المتحدة، التي تفرض عليها قرارات عملياتية ودبلوماسية حاسمة بأوامر قاسية، بل مهينة أحياناً».

متظاهر إسرائيلي في تل أبيب مساء السبت يرتدى قناعاً لوجه يشبه الرئيس الأميركي يحمل دمية طفل تحمل وجه نتنياهو (أ.ب)

وأنشأت صحيفة «هآرتس» مقالاً افتتاحياً، الثلاثاء، جاء فيه: «إسرائيل نتنياهو هي دولة مكسورة، منقسمة ومنبوذة، لكن لا شيء من هذا يجعل قيادتها تجري حساباً للنفس. العكس هو الصحيح».

وقالت الصحيفة: «إسرائيل بحاجة ماسة إلى تغيير جذري. بحاجة إلى قيادة جديدة تفهم أن لا أمل في الحفاظ على استقلالها وتجسيده بكامله ما دامت هي تواظب على رفضها العمل على حل للنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، وتبادر إلى خطوة سياسية تحرر الفلسطينيين من سيطرتها. هي بحاجة لقيادة تبحث عن حل وسط، تدفع قدماً بالسلام مع أعدائها والسلام في داخلها، تسعى لأن تكون دولة يعيش عموم مواطنيها - اليهود والعرب - بأمان في حدود معترف بها وتهجر أحلامها المسيحانية عن دولة شريعة في حدود الوعد، فقط قيادة جديدة يمكنها أن تسمح بمستقبل حقيقي ويوم استقلال سعيد».


ماكرون: فرنسا ملتزمة بدعم وقف النار في لبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في قصر الإليزيه في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في قصر الإليزيه في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

ماكرون: فرنسا ملتزمة بدعم وقف النار في لبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في قصر الإليزيه في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في قصر الإليزيه في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ب)

أعلن مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه سيجدد، خلال لقائه اليوم الثلاثاء، في العاصمة باريس مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، تأكيد التزام فرنسا الكامل بوقف إطلاق النار في لبنان ودعمها لسيادته ووحدة أراضيه، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وفي وقت تتأهب فيه باكستان لاستضافة جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران مع اقتراب موعد انتهاء الهدنة غد الأربعاء، ينتظر أن يعقد لبنان وإسرائيل اجتماعاً جديداً في واشنطن خلال الأسبوع الجاري.

وأوضح المكتب الرئاسي الفرنسي أن «ماكرون وسلام سيبحثان أيضاً الدعم الإنساني للنازحين، ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية والمالية الضرورية لتعزيز سيادة لبنان، وإعادة إعماره، واستعادة ازدهاره».

ويأتي اللقاء الذي سيعقد في قصر الإليزيه، بعد أيام من استهداف قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان «يونيفيل»، بنيران أسلحة خفيفة، السبت الماضي، ما أدى إلى مقتل جندي فرنسي من القوة الدولية وإصابة ثلاثة آخرين، اثنان منهم بجروح خطيرة.

واتهم كل من ماكرون و«يونيفيل»، «حزب الله» اللبناني في الهجوم، لكن الحزب نفى أي علاقة له به.

وكان سلام توقف صباح اليوم الثلاثاء، في لوكسمبورغ لحضور اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي المخصص لبحث الأوضاع في الشرق الأوسط.