الرئيس الفرنسي عازم على إثارة ملف سلاح «حزب الله» خلال زيارته للبنان

سيعلن عن مبادرات بينها مؤتمر دولي لدعم الجيش والقوى الأمنية

الرئيس اللبناني الجديد جوزيف عون (وسط) مجتمعاً برئيس مجلس النواب نبيه بري (يسار) ورئيس الحكومة المكلف نواف سلام يوم 14 الحالي في قصر بعبدا الرئاسي (إ.ب.أ)
الرئيس اللبناني الجديد جوزيف عون (وسط) مجتمعاً برئيس مجلس النواب نبيه بري (يسار) ورئيس الحكومة المكلف نواف سلام يوم 14 الحالي في قصر بعبدا الرئاسي (إ.ب.أ)
TT

الرئيس الفرنسي عازم على إثارة ملف سلاح «حزب الله» خلال زيارته للبنان

الرئيس اللبناني الجديد جوزيف عون (وسط) مجتمعاً برئيس مجلس النواب نبيه بري (يسار) ورئيس الحكومة المكلف نواف سلام يوم 14 الحالي في قصر بعبدا الرئاسي (إ.ب.أ)
الرئيس اللبناني الجديد جوزيف عون (وسط) مجتمعاً برئيس مجلس النواب نبيه بري (يسار) ورئيس الحكومة المكلف نواف سلام يوم 14 الحالي في قصر بعبدا الرئاسي (إ.ب.أ)

لن يصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان صباح الجمعة خالي الوفاض؛ فجعبته ستكون مليئة بالوعود والمشاريع والرسائل التي تذهب كلها في اتجاه توفير الدعم للبنان على المستويات السياسية والاقتصادية والإعمارية والعسكرية. فرنسا تريد المساعدة على نجاح التجربة اللبنانية الجديدة التي بدأت مع انتخاب الرئيس العماد جوزيف عون وتسمية القاضي نواف سلام رئيساً للحكومة، ويفترض أن تستكمل سريعاً بتسمية الحكومة لبدء ورشة إنهاض لبنان. وتريد باريس أن تواكب خطوات العهد الجديد على صُعد عدة: ترميم السيادة اللبنانية بخروج القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان وتمكين قوى الدولة الشرعية من فرض هيمنتها على كامل الأراضي اللبنانية وفرض الرقابة على الحدود، وذلك من خلال توفير الدعم للجيش اللبناني والقوى الأمنية ومساعدة الرئيس الجديد على تحقيق ما وعد به في خطاب القسم، بما في ذلك العمل على إقناع «حزب الله» بالتخلي عن السلاح والانخراط في اللعبة السياسية اللبنانية كبقية الأحزاب.

 

مبادرة فرنسية جديدة لدعم قوى الشرعية اللبنانية

تريد باريس أن توظف إمكاناتها وعلاقاتها، وفق ما تقوله مصادرها؛ «من أجل تعبئة الأسرة الدولية لصالح لبنان». وينتظر أن يعلن ماكرون عن مبادرات جديدة عقب اجتماعه بعون في قصر بعبدا. وقالت مصادر الإليزيه، في معرض تقديمها للزيارة، إن باريس «ستواصل جهودها من أجل التعبئة الدولية وتجميع شركاء لبنان»، مؤكدة أن فرنسا «ستكون بتصرف السلطات اللبنانية من أجل توفير الدعم الذي تريده»، مضيفة أنها «ترى الظروف (الجديدة) أصبحت ملائمة» لإنجاح التعبئة المنشودة، خصوصاً في موضوع «رصّ الجهود الدولية لدعم سيادة لبنان؛ ما يعني (بداية) توفير الدعم للجيش والقوى الأمنية التي يحتاج إليها لبنان»، خصوصاً لجهة تطويع أعداد من الجنود؛ لما لذلك من تأثير مباشر على تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار ونشر الوحدات اللبنانية في الجنوب وفقاً للقرار 1701، فضلاً عن تأمين الحدود وفرض سلطة الدولة على أراضي الجمهورية.

في هذا السياق، أفاد قصر الإليزيه بأن باريس ستواصل العمل لتعبئة شركائها في الاتحاد الأوروبي لدعم الجيش والقوى الأمنية في مجالات التدريب والتأهيل والتجهيز وتوفير البنى التحتية. والجديد أيضاً، أن الجانب الفرنسي يريد أن يستفيد لبنان من مركز التدريب الذي أقامته باريس للمساعدة في تدريب المطوعين الجدد وتأهيلهم بالتوازي مع ما تقوم به بريطانيا والولايات المتحدة على هذا الصعيد. في السياق عينه، شددت مصادر الإليزيه على أهمية الدور الذي تعزم المملكة العربية السعودية على القيام به لمساعدة الجيش اللبناني على المستويين المالي والتجهيزي. وقال الإليزيه إن الرياض «شريك رئيسي لتوفير الاستقرار في لبنان وقد عملنا معها بشكل وثيق». وتجدر الإشارة إلى أن ماكرون اتصل صباح الخميس بولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مستبقاً بذلك وصوله إلى بيروت للتشاور معه بشأن الملف اللبناني، مذكرة بأنه كان على رأس المواضيع التي بحثها المسؤولان خلال زيارة ماكرون إلى السعودية بداية ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وبناءً على ما سبق؛ ينتظر أن يعلن ماكرون «مبادرة جديدة» من أجل لبنان على شاكلة مؤتمر تدعو إليه وتستضيفه باريس بالاشتراك مع الدول الأوروبية لدعم الجيش اللبناني وتوفير والمساعدات الإنسانية للمدنيين.

الاقتصاد والعودة لصندوق النقد الدولي

يحلّ في المقام الثاني ملف إعادة الإعمار بما يحتاج إليه من تعبئة أموال ضخمة. وترى باريس أنه سيطرح سريعاً، لكن السير به يتطلب من السلطات اللبنانية أن تنجز عدداً من الإصلاحات «حتى تتمكن فرنسا من ضمان تعبئة الأسرة الدولية». وشدد الإليزيه على الحاجة «سريعاً جداً» إلى إصلاح القطاع المصرفي، وإلى الإصلاحات البنيوية لضمان شفافية الدورة الاقتصادية (أي بعيداً عن الفساد). وبحسب مصادر فرنسية أخرى، فإن الأسرة الدولية، قياساً لتجارب سابقة، في حاجة إلى ضمانات أن المساعدات التي قد توفر ستذهب في الاتجاه الصحيح، ومن غيرها سيكون من الصعب إقناع وتعبئة الممولين الإقليميين والدوليين الاستثمار في الاقتصاد اللبناني. من هنا، تؤكد باري بقوة على الحاجة إلى الوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي الذي يمكن اعتباره شرطاً للتعبئة الدولية لصالح لبنان ولعودة الثقة به والسبيل لتنظيف اقتصاده وإعادة إطلاقه على أسس سليمة وشفافة. وكل ذلك يصبّ، وفق المقاربة الفرنسية في إطار الذهاب نحو تنمية لبنان وازدهار اقتصاده.

ليست الشروط المشار إليها جديدة؛ إذ سبق للأسرة الدولية أن طالبت بتحقيقها منذ سنوات، وتحديداً منذ مؤتمر «سيدر» الذي عُقد في باريس ربيع عام 2018 ونتج منه وعود بتوفير 11 مليار دولار من المساعدات، شرط أن يقوم لبنان بإنجاز الإصلاحات المطلوبة منه. لكن باريس ترى أن الوضع تغير اليوم في لبنان مع انتخاب رئيس جديد للجمهورية عرض، في خطاب القسم، خطة إصلاحية طموحة ومع وجود رئيس حكومة إصلاحي أيضاً. وقالت مصادر الإليزيه إن ماكرون «سيكون سعيداً بمواكبة لبنان على صعيد الإصلاحات ومواصلة انخراط فرنسا في ظروف تبدو ملائمة للسير بها». وفي أي حال، فإن باريس تريد العمل مع السلطات اللبنانية «من أجل تحديد الوسائل التي بحوزتنا لمساعدة لبنان على تعزيز سيادته وتمكينه من الازدهار والمحافظة على وحدته».

سلاح «حزب الله»

تعي باريس أن موضوع سلاح «حزب الله» يشكّل عقبةً كأداء بوجه السلطات الجديدة، وقد رحبت بخطاب الرئيس عون أمام البرلمان وبالفقرة التي أكد فيها «حق الدولة في احتكار حمل السلاح. دولة تستثمر في جيشها ليضبط الحدود ويساهم في تثبيتها جنوباً وترسيمها شرقاً وشمالاً وبحراً...». ونظراً لحساسية هذا الملف؛ فإن المصادر الرئاسية قاربته من زاوية ثبات رؤيتها له منذ ما قبل الحرب الأخيرة، وأنه في الوضع الراهن «ثمة إمكانية لأن يعود (حزب الله) إلى (العمل في) الإطار السياسي». وبرأيها، فإن إضعافه، عسكرياً، بشكل كبير ومقتل أمينه العام حسن نصر الله وسقوط نظام بشار الأسد وصعوبة إعادة تسليحه، وتضاؤل الدعم الخارجي الذي كان يحظى به، كلها عوامل يمكن أن تحفزه للتخلي عن سلاحه والانخراط في المشهد اللبناني سياسياً.

وذكرت هذه المصادر أن ماكرون قبل أن يكون «حزب الله» حاضراً في الطاولة المستديرة للحوار السياسي التي ترأسها في قصر الصنوبر، في عام 2020، وأنه منذ ذلك الوقت يدعوه إلى التخلي عن سلاحه، وأنه «سينقل هذه الرسالة مجدداً لجميع الأطراف وليس فقط لـ(حزب الله)». وفي أي حال، تذكر باريس بأنه سعت مع واشنطن وقبل الحرب المفتوحة بين «حزب الله» وإسرائيل لإقناع الأخير بوقف إطلاق النار مع إسرائيل، لكن دون طائل. كذلك أشارت إلى وجود مطالب من المجتمع المدني اللبناني، بمختلف مكوناته، لضرورة التغيير وترميم السيادة وأن أفضل ترجمة لذلك هي انتخاب عون وتكليف سلام؛ ولذا «يتعين على (حزب الله) أن يستمع لهذا المطلب الذي نؤيده، ومن أجل أن يستفيد لبنان من هذه الفرصة للنهوض واستعادة السيادة والأمن والازدهار».

باريس استجابت لدعوات إقليمية للمساعدة على ملء الفراغ المؤسساتي

ليس سراً أن فرنسا تُعدّ الوحيدة من بين الدول الغربية التي تحافظ على علاقة مباشرة مع «حزب الله». وقبل الانتخابات الأخيرة، اجتمع الوزير السابق جان إيف لودريان بمحمد رعد، رئيس كتلة الحزب في البرلمان؛ للدفع باتجاه إقناعه بانتخاب جوزيف عون. وتؤكد باريس أن ديبلوماسيتها لعبت دوراً كبيراً، مع أطراف الخماسية، في تسهيل انتخاب عون ولاحقاً في تكليف نواف سلام تشكيل الحكومة. وقال مصدر رئاسي رفيع إن الرئيس ماكرون «استجاب لدعوات صادرة عن أطراف إقليمية، في الأيام الأخيرة؛ من أجل تسهيل الخروج من الأزمة المؤسساتية وتسهيل انتخاب رئيس وأيضاً تسمية رئيس حكومة»، مشيراً أيضاً إلى المهمة التي قام بها لودريان الذي زار لبنان ثماني مرات.

وفي المحصلة، فإن تتمناه باريس هو أن يتخلى «حزب الله» عن سلاحه وأن ينخرط في إطار «عقد سياسي حكومي يتيح ترميم عمل المؤسسات بشكل طبيعي ويعيد إيجاد اللُّحمة بين اللبنانيين». وفي سياق موازٍ، شددت المصادر الفرنسية على الدور النشط الذي لعبته الديبلوماسية الفرنسية بالتشارك خصوصاً مع الولايات المتحدة الأميركية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار ولإنشاء آلية الرقابة والإشراف عليه، وتؤكد أن التعاون بين الإدارتين الأميركيتين (الأولى المنتهية ولايتها والقادمة) سهَّل كثيراً الوصل إلى النتائج الإيجابية. كذلك، شددت على تواصل التنسيق مع واشنطن وعلى التركيز على احترام منطوق الاتفاق من الجانبين الإسرائيلي واللبناني بما في ذلك إنجاز انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان وفق الروزنامة الموضوعة. وفي هذا السياق، كانت الدوائر الفرنسية تعمل على عقد اجتماع صباح الجمعة، في قصر الصنوبر، بين ماكرون والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لبحث ملف الاتفاق وتطبيق القرار 1701. كذلك سيعقد ماكرون اجتماعات مع قادة «يونيفيل» ومع المسؤولين عن آلية المراقبة لتقييم الوضع جنوباً ودراسة الخطوات المقبلة.

وبالتوازي، فإن باريس حرصت على الإشارة إلى أنه، في سعيها لمساعدة لبنان على استعادة سيادته، فإن وزير خارجيتها شدد خلال اجتماعه مع أحمد الشرع، رئيس «هيئة تحرير الشام» وسلطة الأمر الواقع الجديد في سوريا، خلال زيارته مؤخراً لدمشق مع نظيرته الألمانية أنالينا بايربوك، على «ضرورة احترام السيادة اللبنانية وحصل على وعد بأن سوريا لن تكون مصدر تهديد لأي بلد في جوارها، وأن دمشق تعي المشاغل اللبنانية» لجهة التهريب والسيطرة على الحدود المشتركة.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تحدّد «منطقة حمراء» شمال «الخط الأصفر» في جنوب لبنان

تحليل إخباري قافلة تضم آليات لقوات «اليونيفيل» في المنطقة الحدودية في إسرائيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تحدّد «منطقة حمراء» شمال «الخط الأصفر» في جنوب لبنان

استحدث الجيش الإسرائيلي «منطقة حمراء» غير معلنة في جنوب لبنان، تحاذي منطقة الخط الأصفر التي أعلن عنها قبل أسابيع

نذير رضا (بيروت)
خاص الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

خاص «حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الحرب الإعلامية التي اتسمت بسقوف سياسية عالية لن تحجب الأنظار عما حمله البيانان الأخيران للحزب، وتحديداً الذي أصدره أمينه العام نعيم قاسم

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد عقب انفجارات في جنوب لبنان (رويترز) p-circle

قتيلان بينهما عسكري في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان

ندد لبنان بهجوم إسرائيلي على جنوب البلاد، الثلاثاء، أسفر عن مقتل 3 أفراد من الدفاع المدني اللبناني.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً النائب ملحم رياضي موفداً من رئيس حزب «القوات» سمير جعجع (الرئاسة اللبنانية)

اتصالات داخلية لتوحيد موقف لبنان... ودعم واسع لمواقف عون

تتكثف الاتصالات الداخلية في لبنان لتوحيد الموقف حيال المفاوضات مع إسرائيل في ظل الخلاف في مقاربة الموضوع لا سيما مع اعتراض «حزب الله»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أطفال ربيع خريس يتناولون وجبة الإفطار أثناء جلوسهم في مأواهم داخل مخيم مؤقت في بيروت (رويترز)

اليأس يحكم قبضته على أسرة لبنانية نازحة وسط استمرار التوترات

بعد نحو شهرين على اندلاع الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، يكابد ربيع خريس، وهو أب لتسعة أبناء، ظروف نزوح قاسية في خيمة ببيروت بعد فراره من جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت )

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
TT

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

تفتح تسريبات إعلامية متقاطعة من داخل «حزب الله» حول تفعيل قتال «الاستشهاديين» (الانتحاريين) باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة على الجبهة الجنوبية، مع بروز حديث عن خيارات قتالية غير تقليدية تعيد إلى الواجهة مفردات الحرب في ثمانينات القرن الماضي.

وكشفت تسريبات إعلامية من مصادر عسكرية في «حزب الله» عن أنّ الحزب يدرس العودة إلى «تكتيكات الثمانينات»، بما في ذلك تفعيل ما وصفته بـ«مجموعات الاستشهاديين».

ويكتسب هذا الطرح بعداً إضافياً في ضوء سوابق خطابية داخل الحزب، إذ كان الأمين العام السابق لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، قد وصف خلال «حرب الإسناد» عام 2024 المقاتلين في الجنوب بـ«الاستشهاديين»، في توصيف عكس طبيعة القتال وظروفه الميدانية. ويعيد استحضار المصطلح اليوم طرح تساؤلات حول دلالاته، بين كونه تعبيراً تعبويّاً أو مؤشراً إلى خيارات عملياتية محتملة.

قيود البيئة والتحول التكنولوجي

قال العميد المتقاعد يعرب صخر لـ«الشرق الأوسط» إن «الواقع الميداني في جنوب لبنان يجعل الحديث عن عودة العمليات الانتحارية أقرب إلى الطرح النظري منه إلى الخيار العملي».

وأضاف: «الجنوب اليوم شبه خالٍ من السكان بفعل النزوح والدمار، وهو ما يفقد هذا النوع من العمليات أحد أهم عناصره، أي القدرة على التخفي داخل البيئة المدنية».

وتابع: «التطور التكنولوجي في مجالات الرصد والاستطلاع، إلى جانب امتلاك إسرائيل بنك أهداف واسعاً، يجعل تنفيذ مثل هذه العمليات شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، في ظل المراقبة المستمرة والتتبع الدقيق، فضلاً عن صعوبة الحركة والوصول الميداني».

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)

وأوضح أن «التلويح بوجود عمليات مثل هذه على الحدود مع إسرائيل يُستخدم في سياق دعائي»، معتبراً أن «الرسالة الفعلية تتجاوز البعد العسكري لتطال الداخل اللبناني، حيث يجري توظيف هذا الخطاب بوصفه أداة ضغط على المسؤولين والقوى السياسية، لدفعهم نحو خيارات معينة في السياسة الخارجية».

وأضاف: «استحضار أسلوب الثمانينات لا يقتصر على العمليات الانتحارية، بل يستدعي أيضاً نمطاً كاملاً شمل الخطف والاغتيالات».

وخلص إلى أن «المقارنة بين واقع الجنوب اليوم وما كان عليه في ثمانينات القرن الماضي ليست دقيقة»، مؤكداً أن «الحديث عن عودة هذا النمط القتالي يبقى في إطار الشعارات والضغط السياسي، أكثر منه خياراً عسكرياً قابلاً للتنفيذ في ظل المعطيات الحالية».

بين النظرية والتطبيق

في المقابل، قال العميد المتقاعد فادي داوود لـ«الشرق الأوسط»: «الكلام عن استعادة أساليب ثمانينات القرن الماضي ليس مجرد طرح إعلامي، بل يعكس وجود هذا الخيار ضمن بنك القدرات المتاحة لدى الحزب».

وأضاف أن الحديث عن الانتحاريين الجاهزين للتنفيذ «يندرج في إطار القدرات البشرية التي لطالما شكّلت أحد عناصر قوة الحزب/». وتابع: «هذه العمليات، رغم التطور التكنولوجي الكبير في وسائل الرصد والمراقبة، لا تزال قادرة على إحداث تأثير ميداني، لأن التكنولوجيا تبقى محدودة الفعالية في مواجهة عنصر بشري مصمّم على الوصول إلى هدفه».

وأوضح أن «فعالية هذا النوع من العمليات تبقى مرتبطة بطبيعة الهدف ومستوى الحماية الأمنية المحيطة به، والإجراءات الميدانية التي تحيط بالمقار والمنشآت»، مشيراً إلى أن «إمكانية النجاح تختلف من حالة إلى أخرى تبعاً لهذه المعايير».

ولفت إلى أن «أي استخدام محتمل لهذه القدرات سيبقى موجهاً نحو أهداف إسرائيلية»، مضيفاً أن «تنفيذ عمليات من هذا النوع في الداخل الإسرائيلي يتطلب قدرة على التسلل والوصول المباشر إلى الهدف، وهو أمر يواجه تحديات كبيرة ميدانياً، ما يجعل نسبة النجاح متفاوتة».

ورأى أن «مجرد التلويح بهذا الخيار يحمل بُعداً نفسياً واستراتيجياً، إذ يعيد إلى الذاكرة الإسرائيلية تجارب سابقة، ويوجه رسالة بأن أي تسوية لا تراعي التوازنات قد تقود إلى تصعيد خارج الأطر التقليدية».

أنقاض مبانٍ مدمّرة في بلدة كفركيلا الحدودية جنوب لبنان (رويترز)

دلالات المصطلح ميدانياً

في موازاة ذلك، نقل مصدر مواكب لعمليات «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» أن «استخدام مصطلح الاستشهاديين لا يُقصد به بالضرورة العودة إلى نمط العمليات الانتحارية التقليدية، بل يعكس طبيعة المرحلة الميدانية في ظل الحصار المفروض على مناطق في جنوب لبنان».

وأضاف: «المقاتلون يدركون تماماً حجم المخاطر التي تحيط بهم، ويتعاملون معها على أساس القتال حتى أقصى الحدود».

وتابع: «المقصود بالمصطلح هو الجهوزية للالتحام في أصعب الظروف الميدانية، والاستمرار في المواجهة حتى الموت إذا فُرض ذلك، لا بوصفه خياراً تكتيكياً منفصلاً بل بوصفه جزءاً من طبيعة المعركة نفسها».


وزير الدفاع اللبناني: ذهبنا إلى المفاوضات للسلام مع إسرائيل وليس للاستسلام والمقايضة

وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

وزير الدفاع اللبناني: ذهبنا إلى المفاوضات للسلام مع إسرائيل وليس للاستسلام والمقايضة

وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)

أكد وزير الدفاع الوطني اللبناني اللواء ميشال منسى، الخميس، أن بلاده ذهبت إلى المفاوضات للسلام وليس للاستسلام والمقايضة.

ونقلت «الوكالة الوطنية للإعلام» عن اللواء منسي قوله، خلال لقائه شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، في دار الطائفة بفردان، الخميس: «ناقشت وشيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز في العدوان الإسرائيلي على وطننا، والسعي المتواصل لوقفه. التأكيد على صون الوحدة الوطنية، والالتفاف حول الشرعية اللبنانية، وحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني والأجهزة الرسمية كان قاسمنا المشترك، ومساعدة شعبنا على تجاوز المحنة كان هاجسنا، والترفع عن الحسابات الصغيرة لمصلحة الأهداف الوطنية الكبيرة سيبقى مبتغانا وهدفنا».

وأضاف: «إذا كنا ذاهبين إلى مفاوضات؛ فهي للسلام وليس للاستسلام. نحن نذهب للمفاوضة وليس للمقايضة. نريد وقف أنهار الدماء إكراماً للشهداء، ونرفض كلبنانيين، مسلمين ومسيحيين، إلا أن نبقى موحدين ومتحدين».

وأعرب عن أمله أن «تنتهي هذه المحنة وتعبر هذه الغيمة ويطلع نور الخلاص على لبنان وشعبه».

بدوره، شدد شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز على «واجب الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها الشرعية. وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية؛ خصوصاً في الظروف الراهنة، دعماً لتنفيذ المهام المنوطة بها في حماية لبنان وسيادته»، محذراً من كل «محاولات العبث بالسلم الأهلي، فلبنان القوي هو لبنان الموحَّد».


مقتل 9 أشخاص وإصابة 13 وفقدان 3 في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)
يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)
TT

مقتل 9 أشخاص وإصابة 13 وفقدان 3 في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)
يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)

قتل 9 أشخاص وأصيب 13 وفقد 3 آخرون في غارات إسرائيلية اليوم الخميس على جنوب لبنان.

ووفقاً لما ذكرته «الوكالة الوطنية للإعلام» في بيان لها: «أدى العدوان الجوي الذي نفذته الطائرات الحربية الإسرائيلية اليوم إلى استشهاد ثلاثة مواطنين في بلدة جبشيت وجرح سبعة آخرين وتدمير مبنى سكني».

وأشارت الوكالة إلى «استشهاد أربعة مواطنين في بلدة تول أيضاً وجرح ستة آخرين وتدمير مبنى سكني»، لافتة إلى «استشهاد مواطنين اثنين في بلدة حاروف وتدمير منزل».

وطبقاً للوكالة، «تعرض منزل عائلة موظف في مجلس الجنوب في بلدة الحنية - قضاء صور، لغارة صهيونية غادرة، ما أدى إلى انهياره بشكل كامل على رؤوس قاطنيه».

وقال مجلس الجنوب، في بيان صحافي، إن مصير الموظف وابنه ووالدته لا يزال مجهولاً في ظل منع فرق الإسعاف من الوصول إلى موقع الغارة، مناشداً الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل» ولجنة المكانيزم تسريع الاتصالات لوصول فرق الإسعاف إلى معرفة مصير الموظف وعائلته والقيام بما يلزم.

يذكر أن اتفاقاً لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل قد دخل حيز التنفيذ اعتباراً من منتصف ليل يوم الخميس قبل الماضي، بعد أسابيع من الغارات الجوية الإسرائيلية التي بدأت فجر الثاني من مارس (آذار) الماضي، رداً على هجمات لـ«حزب الله».