كيف نفهم لبنان؟

رئيسا الجمهورية جوزيف عون والبرلمان نبيه بري خلال لقائهما في بعبدا أمس (إكس)
رئيسا الجمهورية جوزيف عون والبرلمان نبيه بري خلال لقائهما في بعبدا أمس (إكس)
TT

كيف نفهم لبنان؟

رئيسا الجمهورية جوزيف عون والبرلمان نبيه بري خلال لقائهما في بعبدا أمس (إكس)
رئيسا الجمهورية جوزيف عون والبرلمان نبيه بري خلال لقائهما في بعبدا أمس (إكس)

لم يُهمل التاريخ لبنان منذ الأزل. جعل فيه الاستقرار حالة استثنائيّة، أما الفوضى واللا استقرار فهما الحالة الطبيعيّة. يقولون عنه إنه ممرّ للحضارات. كان أحرى القول إنه ممرّ الغزوات والاجتياحات، إن كان مع الإمبراطوريات القديمة والحديثة، أو حتى بعد اعتماد مبدأ الدولة - الأمة الحديثة. يقوم على «موزاييك» قاتل إذا استغلّ من الخارج، ومُبدع إذا أُحسن استغلاله داخلياً، وسمحت الظروف الخارجيّة بذلك.

من هنا، وبسبب التكرار العُنفي في تاريخ لبنان، قد يمكن استنتاج نظريّة تساعد في فهم مسار أحداثه. كما يمكن استنتاج نمط مُتكرّر لا يمكن الهروب منه على الأقلّ حتى الآن. فماذا عن النظريّة والنمط؟

نظرية الدوائر الثلاث

كل شيء يحصل في لبنان من خلال الدائرة الأكبر (النظام العالميّ). تؤثر ديناميكية الدائرة الكبرى على الدائرة الإقليميّة بشكل مباشر. بعدها تتظهّر هشاشة الواقع اللبناني في الدائرة الصغرى المحليّة، لينتج نمط على الشكل التالي: لا استقرار داخلياً، مع إمكانية الذهاب إلى حرب أهليّة. وبعد أن تستنفد الحرب الأهلية وظيفتها وفوائدها لمن أشعلها، يُفرض الحل السياسي على لبنان فرضاً، إن كان بالقوة العسكرية، أو بتوافق بين الدائرة الكبرى والدائرة الإقليميّة. هذه هي العلاقة بين الدوائر الثلاث (النظريّة) التي تنتج نمط فرض الحلول.

5 جنرالات

خمسة قادة للجيش انتخبوا رؤساء للجمهورية، أربعة منهم بشكل متتالٍ؛ وهم: إميل لحود، وميشال سليمان، وميشال عون، واليوم جوزيف عون. أما الخامس فكان اللواء فؤاد شهاب عام 1958. فما المشترك بينهم ككلّ؟

فرض اللواء شهاب، بتوافق بين جمال عبد الناصر ودوايت آيزنهاور الرئيس الأميركي آنذاك، بعد شبه حرب أهلية في لبنان عام 1958.

بعد اتفاق الطائف، انتخب الرئيس رينيه معوضّ. اغتيل معوّض لأنه لم يُرِد التعامل مع حالة تمرّد الجنرال ميشال عون بالقوة العسكريّة. انتخب الرئيس إلياس الهراوي الذي طلب رسمياً من سوريا، وعبر قرار من مجلس الوزراء اللبناني، التدخّل لضرب التمرّد العوني في بعبدا (مذكرات الهراوي).

بعد التمديد للرئيس الهراوي ثلاث سنوات، قرر الرئيس حافظ الأسد انتخاب الجنرال إميل لحوّد. والغريب بالأمر هو الاتصال الهاتفي من الرئيس الهراوي وهو عائد من الشام بالجنرال لحود ليقول له: «مبروك، أنت الرئيس».

انتخب العماد ميشال سليمان بعد غزوة بيروت من قبل «حزب الله» عام 2008، وبعد اتفاق الدوحة.

في عام 2016، انتخب العماد ميشال عون بعد فراغ دام لسنتين، وبعد إصرار «حزب الله» على انتخابه.

انتخب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية بعد فراغ دام أكثر من سنتين، وذلك بسبب إصرار «حزب الله» وحلفائه على الإتيان برئيس يطمئنون له لحماية ما يُسمّى محور المقاومة. لكن الفارق اليوم هو التحوّلات الجذرية التي حصلت في المنطقة بعد سقوط «حزب الله» العسكريّ، وأيضاً سقوط النظام السوري، كما سقوط المشروع الإيرانيّ. يُضاف إلى ذلك ما قد يحمله الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب في جعبته، والذي لا يمكن توقّعه.

قهر النظرية

هل يمكن الخروج من هذه الدوامة وقهر النظرية كما النمط؟

الجواب عن هذا السؤال صعب لكنه ليس مستحيلاً، لكن كيف؟ إن أفضل طريقة وتوقيت للخروج من هذه الدوامة، يكون في مرحلة فرض الحل على لبنان. ففي هذه المرحلة تكون كل القوى بالدوائر الثلاث متفقة على الحل. كما يكون اللبنانيون مستعدين للقبول بالحل المفروض. وعليه قد يمكن بناء دولة حامية وراعية لمواطنيها، وليست مسرحاً للاستغلال الجيوسياسيّ، أو لتصفية الحسابات، أو اعتبار لبنان أنه ورقة قوّة تُضاف إلى وسائل القوة التي يملكها من يريد السيطرة عليه.

ألا يتظهّر هذا الأمر في مشروع وحدة الساحات؟ ألا يُظهر التاريخ نوعاً من التكرار في هذه التجارب؟ ألم يبتلع لبنان منظّمة التحرير الفلسطينية؟ ألم يبتلع لبنان الهيمنة السورية؟ ألم يبتلع لبنان محور الساحات، الذي بدأ من لبنان، وانتهى فيه؟

مرحلة جديدة

يدخل لبنان مع الرئيس الجديد مرحلة جديدة. وقد يمكن اعتبار خطاب القسم الذي ألقاه على أنه خريطة طريق وفي كل الأبعاد. وهي مسار مهم للخروج من دوامة النظرية والنمط أعلاه. من هنا ضرورة الاستفادة من هذا التغيير لإعادة بناء لبنان (سويسرا الشرق). وهنا، قد يمكن اقتباس ما قاله المفكّر والمؤرّخ اللبناني الكبير فؤاد افرام البستاني، بأن وضع لبنان يتعلّق مباشرة بالمثلث المكوّن من عكا، والشام وبيروت. فإذا كانت عكا والشام قويتين، يدفع لبنان الثمن. هكذا كان الوضع خلال الحرب الأهلية عام 1975 مع الرئيس السوري حافظ الأسد، ومع مشروع هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميركي الراحل. في تلك المرحلة، كانت عكا والشام قويتين، ليدفع لبنان الثمن. حالياً، ومع انتخاب رئيس جديد للبنان، فإن الوضع مختلف. فالشام تعيد لملمة نفسها، وعكا قويّة. أما لبنان فهو في طريق العودة إلى بناء الدولة.

تجربة الردع

في الختام قد يمكن القول إن لبنان يمتلك مكوّنات النجاح، المنافسة، وحتى بناء دولة إقليميّة قويّة، وليس بالضرورة بالبعد العسكري فقط كما كانت الحال مع وحدة الساحات، التي اعتمدت بُعد القوة العسكرية والفوضى مرتكزات أساسيّة لاستراتيجيتها الكبرى. فلبنان يملك قوّة ردع عسكرية بعد التجربة مع إسرائيل، لكن من ضمن الدولة حتماً. وهو يملك الثروات الطبيعية من نفط وغاز. وأخيراً وليس آخراً، يملك الرأسمال البشري المُميّز. فهل سيتّعظ هؤلاء ويخرجون من قوقعتهم والعودة إلى الانتماء، إلى التنوّع اللبناني الفريد من نوعه بعد تجربة مريرة وطويلة؟


مقالات ذات صلة

واشنطن تلجم خطة إسرائيل جرّ سوريا إلى لبنان

المشرق العربي عناصر من الأمن العام اللبناني عند معبر «المصنع» الحدودي مع سوريا في سهل البقاع شرق لبنان يوم الأحد 5 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

واشنطن تلجم خطة إسرائيل جرّ سوريا إلى لبنان

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب أن الولايات المتحدة أوقفت القصف الإسرائيلي لمعبر «المصنع» الحدودي بين سوريا ولبنان، ولجمت بذلك مخططاً يهدف إلى جرّ سوريا للحرب.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي جنود إسرائيليون من لواء «غولاني» داخل بلدة في عمق جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

إسرائيل تخطط لإعادة إنتاج الشريط الحدودي في جنوب لبنان

لمحت إسرائيل إلى أن حدود التوغل البري في جنوب لبنان، ستمتد إلى 10 كيلومترات حداً أقصى، وهي المسافة التي قطعتها بالفعل على محورين على الأقل.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي لبنانية تبكي بعد تفقدها الأضرار في منزلها الناتجة عن غارة إسرائيلية استهدفت منطقة عين سعادة شرق مدينة بيروت (أ.ب)

مقتل مسؤول «القوات» بغارة إسرائيلية يفاقم التوترات الداخلية في لبنان

أدت الغارة الإسرائيلية التي استهدفت أحد المباني في منطقة عين سعادة ذات الغالبية المسيحية شرق بيروت مساء الأحد إلى زيادة الشرخ بين المجتمعات المضيفة والنازحين.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي نازحة من ضاحية بيروت الجنوبية إلى المدينة الرياضية في بيروت (الشرق الأوسط)

لبنان عاجز عن مواجهة أزمة النزوح المتفاقمة

يواجه لبنان واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث، مع تجاوز عدد النازحين عتبة المليون شخص نتيجة الحرب المستمرة بين إسرائيل و«حزب الله».

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي أحد جنود قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (اليونيفيل)

«يونيفيل»: هجمات «حزب الله» وإسرائيل قرب مواقعنا «قد تستدعي رداً نارياً»

أعربت قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل) عن «قلق بالغ» إزاء الهجمات التي يشنها «حزب الله» وإسرائيل قرب مواقعها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

واشنطن تلجم خطة إسرائيل جرّ سوريا إلى لبنان

عناصر من الأمن العام اللبناني عند معبر «المصنع» الحدودي مع سوريا في سهل البقاع شرق لبنان يوم الأحد 5 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
عناصر من الأمن العام اللبناني عند معبر «المصنع» الحدودي مع سوريا في سهل البقاع شرق لبنان يوم الأحد 5 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تلجم خطة إسرائيل جرّ سوريا إلى لبنان

عناصر من الأمن العام اللبناني عند معبر «المصنع» الحدودي مع سوريا في سهل البقاع شرق لبنان يوم الأحد 5 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
عناصر من الأمن العام اللبناني عند معبر «المصنع» الحدودي مع سوريا في سهل البقاع شرق لبنان يوم الأحد 5 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب أن الولايات المتحدة أوقفت القصف الإسرائيلي لمعبر «المصنع» الحدودي بين سوريا ولبنان، ولجمت بذلك مخططاً يهدف إلى جرّ سوريا للتدخل في الحرب على «حزب الله».

وقالت «هيئة البث الإسرائيلية العامة (كان11)» إن الإدارة الأميركية توجهت بهذا الطلب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعد وقت قصير من إصدار الناطق باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية تحذيراً بالإخلاء قبل الهجوم على الموقع.

وكان الجيش الإسرائيلي قد قصف مناطق قرب المعبر بحجة أن «حزب الله» يستخدم المعبر والطريق السريعة «إم30 (M30)» المجاورة لأغراض عسكرية، وقال إنه يستعد لمهاجمة المعبر، وطالب جميع الموجودين فيه بإخلائه تمهيداً لتدميره.

وذكر التقرير أن إسرائيل «تلقّت طلباً من الولايات المتحدة بتعليق الهجوم على المعبر لأسباب (سياسية)، وترك الأمر لمسؤولي الأمن السوريين الذين يعملون نيابة عن الرئيس السوري أحمد الشرع».

دورية للجيش السوري على طول الحدود السورية - اللبنانية في منطقة القصير الريفية يوم 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ونقلت «هيئة البثّ»، عن مصدر قالت إنه مطّلع على الموضوع، أن الحكومة السورية قالت للأميركيين إنها تعمل ضد «حزب الله»، وإنها أحبطت في الأيام الأخيرة محاولات تهريب أسلحة من سوريا إلى لبنان.

لكن مصادر أخرى ذكرت أن الهدف الحقيقي هو الضغط على دمشق كي تتدخل في الحرب، وهذا على الرغم من التجربة الشبيهة الفاشلة التي سمحت فيها إسرائيل بدخول الجيش السوري (بـ20 ألف جندي) إلى لبنان سنة 1976؛ وتسبب ذلك ليس فقط في مأساة لبنانية دامية، بل أيضاً في حروب عدة مع إسرائيل.

وتقول هذه المصادر، وفقاً لصحيفة «معاريف»، إنه «يتعزز في إسرائيل التقدير بأن فشل لبنان المتواصل في التصدي لـ(حزب الله)، وفقدان الثقة الأميركية والغربية بمؤسسات الدولة اللبنانية، كفيلان بإنشاء واقع إقليمي جديد في مركزه تفاهمات بين إسرائيل والنظام السوري الجديد بشأن توزيع المسؤوليات الأمنية في لبنان».

عناصر من الأمن العام اللبناني عند معبر «المصنع» الحدودي مع سوريا في سهل البقاع شرق لبنان يوم الأحد 5 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ووفق مصادر في إسرائيل، فإن «الرسالة التي تصل من الولايات المتحدة هي أن حكومة لبنان لم تنجح حتى في أن تلبي الحد الأدنى من التزامها، وأن الجيش اللبناني أيضاً غير قادر - وربما في بعض من الحالات لا يريد - على التصدي حقاً لـ(حزب الله). في واشنطن يفهمون أنه لا يوجد اليوم في لبنان شريك فاعل، وأنه لا يوجد جهاز سلطوي يمكنه أن ينزع سلاح (حزب الله)، ولا قوة عسكرية محلية يمكنها أن تفرض عليه واقعاً جديداً». الإحساس، على حد قول هذه المحافل، هو أنه «في الجانب اللبناني ببساطة: لا يوجد من يمكن الحديث معه»؛ لذلك؛ من ناحية إسرائيل، «توجد حاجة لتزويد حقيقي لجنود لبنان بالسلاح لوضع لا يعود فيه لـ(حزب الله) موطئ قدم في كل المنطقة التي يمكن تهديد بلدات الشمال منها».

ويعتقد المراقبون، تبعاً لذلك، أنه «لم تتبقَ عملياً إلا جهتان قادرتان وراغبتان في القتال ضد (حزب الله): إسرائيل، والنظام السوري الجديد برئاسة أحمد الشرع». ووفق مصادر إسرائيلية، فإن «هذه المصلحة مشتركة، وإن لم تكن حلفاً بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. النظام السوري يرى في (حزب الله) عدواً، وهذا كفيل بأن يصبح، عملياً، شريكَ مصالح في الساحة اللبنانية».

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يصافح بعض أعضاء الحكومة السورية لدى وصوله إلى دمشق الأحد 5 أبريل 2026 للقاء الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)

ووفق التقديرات في إسرائيل، فإنه إذا لم يوجد حل آخر، وإذا ما رفعت الولايات المتحدة والغرب أيديهم عن محاولة استخدام السلطة في لبنان ضد «حزب الله»، فيمكن أن «يتدحرج سيناريو تتبلور فيه تفاهمات بين إسرائيل وسوريا، تتمثل في أن يسيطر الجيش الإسرائيلي على جنوب لبنان، بينما يعمل السوريون في شمال لبنان ضد (حزب الله)». ووفق هذه المحافل في إسرائيل، فالحديث يدور عن «أهون الشرور في ظل الفراغ الناشئ».

إسرائيل تحاول إقناع واشنطن بوجهة نظرها، مع التأكيد على أن «الهدف ليس حرباً ضد الدولة اللبنانية، أو محاولة للسيطرة عليها وإدارتها، بل إزالة تهديد (حزب الله) وخلق واقع جديد يستوجب بعده ترتيباً آخر في لبنان، في إطاره لا يعود ممكناً لـ(حزب الله) أن يدير من هناك حرباً ضدها». وتريد إسرائيل أن تأخذ الولايات المتحدة دوراً في الاتصالات مع سوريا لتقنعها به.

غير أن «هيئة العمليات» في الجيش العربي السوري، أعلنت في 6 مارس (آذار) الماضي أن توسيع انتشار وحداته على طول الحدود مع البلدين، عبر إشراك وحدات من حرس الحدود وكتائب الاستطلاع، يأتي ضمن انتشار ميداني منظم يركّز على مراقبة الأنشطة الحدودية، ومكافحة التهريب، ومنع أي نشاط غير قانوني.

ووفق «وكالة الأنباء السورية (سانا)» الرسمية، فقد أكدت مصادر عسكرية أن الخطوة دفاعية وسيادية بحتة؛ هدفها توطيد الأمن الداخلي، وترسيخ الاستقرار على الشريط الحدودي، مشددةً على أن دمشق لا تخطط لأي عمل عسكري ضد دول الجوار، لكنها مستعدة للتعامل مع أي تهديد أمني يستهدفها.

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

يذكر أن وزير الخارجية الأميركي، هنري كيسنجر، هو الذي أدار المحادثات غير المباشرة بين نظام حافظ الأسد وإسرائيل، التي وافق فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها، إسحق رابين، على الاجتياح السوري للبنان (1976 - 2005)، وكان رابين يهدف من وراء ذلك إلى أن يقمع الجيش السوري التحالف اليساري اللبناني مع «منظمة التحرير الفلسطينية».

ولكن، مع الزمن، تبين أن الأسد أراد السيطرة على لبنان وإخضاعه لحكمه بكل الألوان السياسية فيه. وفي مراحل عدة كان ينقلب على إسرائيل، إلى أن نفذت غزو الليطاني في عام 1978، ثم حرب 1982. ولذلك يعدّ التدخل السوري آنذاك، فاشلاً حتى من وجهة النظر الإسرائيلية. لكن نتنياهو يسعى اليوم إلى جعل هذا التدخل شرطاً لتفاهمات أمنية مع النظام الجديد في دمشق.


«اغتيال 6 عناصر في 24 ساعة»... إسرائيل تلاحق نشطاء «حماس» و«الجهاد»

مشيعون يحملون يوم الاثنين جثمان الفلسطيني عبد الرحمن الخضري الذي قُتل في غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الأحد (رويترز)
مشيعون يحملون يوم الاثنين جثمان الفلسطيني عبد الرحمن الخضري الذي قُتل في غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الأحد (رويترز)
TT

«اغتيال 6 عناصر في 24 ساعة»... إسرائيل تلاحق نشطاء «حماس» و«الجهاد»

مشيعون يحملون يوم الاثنين جثمان الفلسطيني عبد الرحمن الخضري الذي قُتل في غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الأحد (رويترز)
مشيعون يحملون يوم الاثنين جثمان الفلسطيني عبد الرحمن الخضري الذي قُتل في غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الأحد (رويترز)

واصل الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية المختلفة في قطاع غزة والتي تركزت على اغتيال نشطاء الأجنحة العسكرية لحركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، بالتزامن مع خروقات يومية تطول المدنيين على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم إعلانه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وخلال أقل من 24 ساعة ممتدة منذ مساء الأحد وحتى منتصف نهار الاثنين بتوقيت فلسطين، قتل الجيش الإسرائيلي 6 نشطاء من «حماس» و«الجهاد».

واستهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية، قبيل ظهر الاثنين، فلسطينياً كان يقود دراجة هوائية بحي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة برفقة طفله بصاروخ مباشر، ما أدى إلى مقتله وإصابة طفله بجروح خطيرة. وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» إن القتيل هو محمد داوود من نشطاء «القسام» الجناح المسلح لـ«حماس».

فلسطينيون في موقع هجوم إسرائيلي على شخص أثناء ركوبه دراجة هوائية في مدينة غزة يوم الاثنين (رويترز)

واغتالت طائرة مسيّرة إسرائيلية، مساء الأحد، عبد الرحمن الخضري، أحد القيادات الميدانية البارزة في كتيبة «أجديدة» في حي الشجاعية التابعة لـ«سرايا القدس» الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي»، وذلك أثناء مروره بمحيط نادي الجزيرة الذي يضم نازحين شرقي مدينة غزة.

وحسب مصادر ميدانية، فإن الخضري شارك في المرحلة الثانية من هجوم السابع من أكتوبر 2023، وكان له نشاط بارز في التصدي للقوات الإسرائيلية خلال الحرب على القطاع، وأصيب خلال الحرب مرتين بجروح متفاوتة، كما أنه نجا من محاولة اغتيال سابقة، وشارك في سلسلة هجمات صاروخية انطلاقاً من القطاع.

مشيعون يحملون يوم الاثنين جثمان الفلسطيني عبد الرحمن الخضري الذي قُتل في غارة إسرائيلية يوم الأحد في مدينة غزة (رويترز)

الاغتيالات طالت كذلك 4 من عناصر «القسام» أثناء انتشارهم على حاجز أمني في منطقة ساحة الشوا شرقي مدينة غزة وهي منطقة حساسة أمنياً؛ إذ تبعد أقل من كيلومتر عن الخط الأصفر الفاصل بين مناطق «حماس» وإسرائيل.

وعلى صعيد آخر قتلت قوة إسرائيلية، صباح الاثنين، فلسطينياً يعمل سائقاً لمركبة مستأجرة من قبل «منظمة الصحة العالمية» عند مرورها في شارع العبارة على طريق صلاح الدين الرئيسي شرقي خان يونس جنوب قطاع غزة، وذلك بالتزامن مع إطلاق النار على حافلة أخرى تتبع شركة تجارية، ما أدى لإصابة 3 أشخاص.

ووصل طاقم من «الصحة العالمية» إلى مجمع ناصر الطبي، وتفقد جثمان السائق مجدي أصلان (53 عاماً) الذي كان يقيم في مخيم البريج وسط قطاع غزة.

وذكر الجيش الإسرائيلي، الاثنين، أنه استهدف مساء السبت الماضي، شخصاً يدعى علي العمارين، في قصف مركبته وسط قطاع غزة، بدعوى أنه يعمل في «تهريب الأسلحة لصالح (حماس)».

ووفقاً لمصادر ميدانية تحدثت إلى «الشرق الأوسط» فإن العمارين من عناصر جهاز مباحث شرطة «حماس»، وعمل سابقاً لفترة معينة حارساً شخصياً لأحد القيادات البارزة في «حماس»، بينما تعود ملكية السيارة التي كان على متنها إلى ناشط آخر في «القسام».

فلسطينيون يتفقدون الأضرار بعد قصف إسرائيلي في مدينة غزة يوم الاثنين (رويترز)

ووفقاً للمصادر الميدانية، فإن إسرائيل تكثف من استخدامها للطائرات المسيّرة الاستخبارية والانتحارية والهجومية في سماء قطاع غزة، خلال الأيام الأخيرة، وتستخدمها بشكل أساسي منذ الحرب على إيران، في وقت يلاحظ فيه غياب الطائرات الحربية المختلفة أو المروحية الهجومية.

وحسب رصد «الشرق الأوسط»، فإنه منذ بداية الحرب على إيران في نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي، اغتالت إسرائيل ما لا يقل عن 16 ناشطاً من «القسام» و«سرايا القدس»، وذلك في غارات استهدفتهم مباشرة، في حين أن هناك نشطاء آخرين ليسوا من المطلوبين، قُتلوا في هجمات استهدفت حواجز أمنية أو أهداف أخرى.

وكانت القناة «12» العبرية، ذكرت، قبل أيام، أن الجيش الإسرائيلي غيّر من سياساته العملياتية في غزة، وصعّد من هجماته لمهاجمة ما زعم أنها «أماكن تدريبات (حماس)، ومركبات الحركة ومواقع إنتاج أسلحة تحاول الحركة إعادة تأهيلها، وكل من يحمل الأسلحة سواء من عناصر جناحها العسكري أو الشرطة وغيرها».

وقيّم تقرير القناة العبرية أن «هذه العمليات تهدف بشكل أساسي لنزع سلاح (حماس) بالطريقة الصعبة كما كان يصفها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو».

ووصف «أبو عبيدة»، المتحدث باسم «القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، الأحد، دعوات نزع السلاح بأنها «غير مقبولة»، وذلك رداً على خطة قدمها الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، وأعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، تدمير الحركة الفلسطينية شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».


إسرائيل تخطط لإعادة إنتاج الشريط الحدودي في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون من لواء «غولاني» داخل بلدة في عمق جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون من لواء «غولاني» داخل بلدة في عمق جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تخطط لإعادة إنتاج الشريط الحدودي في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون من لواء «غولاني» داخل بلدة في عمق جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون من لواء «غولاني» داخل بلدة في عمق جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

لمحت إسرائيل إلى أن التوغل البري في جنوب لبنان، سيمتد إلى 10 كيلومترات حداً أقصى، وهي المسافة التي قطعتها بالفعل على محورين على الأقل، وتشير إلى أن الجيش الإسرائيلي ينوي إعادة إنشاء منطقة عازلة على الحدود، تشبه إلى حد بعيد المنطقة التي كانت قائمة قبل تحرير جنوب لبنان في عام 2000.

وفي ظل غياب أي مبادرات سياسية يمكن أن تفرمل الاندفاعة الإسرائيلية إلى جنوب لبنان، تحاول إسرائيل فرض أمر واقع على المفاوض اللبناني بعد احتلال مناطق من الجنوب، حسبما تقول مصادر نيابية لبنانية لـ«الشرق الأوسط»، مشيرة إلى أن إسرائيل تسعى لاحتلال أجزاء من الجنوب، ووضع هذا الواقع على طاولة المفاوضات بحيث يكون أي اتفاق أمني معها، مقابل الانسحاب. لكن المصادر نفسها، سجّلت أن إسرائيل لم تثبت بعد أي نقاط عسكرية جديدة في العمق اللبناني.

لبنانيات ينتحبن أثناء تشييع أقرباء لهنّ قُتلوا في غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور في جنوب لبنان (رويترز)

وجدَّد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، الاثنين، موقف لبنان الرافض للتوغل الإسرائيلي، قائلاً إن «التوغل الإسرائيلي في لبنان تحت ذرائع إنشاء منطقة عازلة أو حزام أمني هو أمر مرفوض بالكامل»، مؤكداً أن على إسرائيل وقف عملياتها الحربية والانسحاب من كامل الأراضي اللبنانية».

وجاء حديث سلام خلال اتصال تلقاه من رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الذي عبّر عن دعم إسبانيا للبنان وسلامة أراضيه، ولقرارات الحكومة اللبنانية، لا سيما ما يتعلق بحظر النشاط العسكري لـ«حزب الله». كما أدان الاعتداءات على قوات «يونيفيل»، وأكد ضرورة إجراء التحقيقات اللازمة في هذا الشأن. وأضاف أنّ إسبانيا ملتزمة بدعم الشعب اللبناني ومساندته، وقد خصصت مساعدات إنسانية إضافية بقيمة 9 ملايين يورو.

حدود العملية العسكرية

ورسمت التسريبات الإسرائيلية، الاثنين، حدوداً للعملية العسكرية في العمق اللبناني؛ إذ نقلت «هآرتس» عن مصادر في الجيش الإسرائيلي، قولها إن «خط تموضع القوات يشمل قرى لبنانية على بعد 10 كلم» من الحدود. وقالت إن قوات الجيش المتوغلة في جنوب لبنان لا تعتزم التقدم شمالاً، على الرغم من أن القيادة الشمالية للجيش تستعد لحشد مزيد من قواتها في جنوب لبنان.

دبابات إسرائيلية في بلدة بالجنوب اللبناني (الجيش الإسرائيلي)

وحسب المصادر، فإن القوات الإسرائيلية وصلت إلى ما يوصف بـ«الخط الأمامي» الذي طولبت بالوصول إليه بموجب الخطط العسكرية، ويشمل القرى اللبنانية التي تبعد نحو عشرة كيلومترات عن نهر الليطاني الذي يسيطر عليه الجيش الإسرائيلي.

ويرى الجيش الإسرائيلي أن انتشار قواته سيمنع إطلاق قذائف مضادة للمدرعات باتجاه البلدات في شمال إسرائيل. وقالت المصادر إن الجيش الإسرائيلي «طولب بتنفيذ أهداف دفاعية، ومنع توغل (حزب الله) إلى شمال إسرائيل وإطلاق نيران مباشرة على هذه المنطقة، من دون الانجرار إلى عملية أكثر تعقيداً في لبنان».

خط ما قبل عام 2000

وتشير التسريبات إلى أن إسرائيل، تخطط لإعادة إنتاج خط الشريط الحدودي الذي كان قائماً قبل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000. وقالت مصادر أمنية في الجنوب لـ«الشرق الأوسط» إن هذا العمق الذي تتحدث عن تل أبيب «يشبه المسافة الجغرافية التي كانت محتلة في السابق»، مشيرة إلى أن عمق العشرة كيلومترات «لا يعني أنه ثابت، وهو خاضع لتضاريس جغرافية؛ إذ قد يتوسع أكثر إلى 12 كيلومتراً مثلاً في بعض النقاط، أو ينحسر في أخرى إلى 8 كيلومترات مثلاً»، لكنها أعربت عن قناعتها بأن هذه الخطة «تشبه الشريط الحدودي السابق».

شاحنة ترفع الحطام من موقع استهداف إسرائيلي لمنزل بمنطقة الجناح في ضواحي بيروت (رويترز)

وبالفعل، وصلت إسرائيل إلى خط العشرة كيلومترات في نقطتين، هما نقطة البياضة انطلاقاً من رأس الناقورة البحري على الشاطئ الجنوبي، حيث وصل التوغل إلى نحو 10 كيلومترات، كذلك نقطة مدخل وادي الحجير من جهة بلدة القنطرة، انطلاقاً من الحدود في كفركلا، وهي مسافة تناهز العشرة كيلومترات. وتشير محاور التقدم في وادي الحجير ووادي السلوقي في تلك النقطة، إلى مساعٍ لـعدّ الواديين خط التماس بين القرى الحدودية على الخطين الأول والثاني، والعمق اللبناني في قرى الخط الثالث. كذلك تشير محاور التقدم من جهة شمال الخيام (تبعد 8 كيلومترات عن المطلة الإسرائيلية) إلى أن التوغل يبلغ هذه المسافة.

آثار الدمار الناتج من غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة برج رحال بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

ورغم الشبه الجغرافي بين أهداف التوغل اليوم، ومثيله في عام 1978 (تاريخ عملية الليطاني)، فإن الأهداف العسكرية تختلف بين الحقبتين. ويقول خبراء عسكريون إن الحزام الأمني السابق «كان يسعى لإبعاد القذائف الصاروخية (الكاتيوشا بحوزة منظمة التحرير الفلسطينية) عن المستوطنات الشمالية، والتي كان مداها لا يتخطى العشرة كيلومترات»... أما اليوم «فإن إسرائيل وجدت حلاً لتلك المقذوفات، عبر منظومات الدفاع الجوي، لكنها لم تجد حلاً للصواريخ الموجهة المضادة للدروع التي تتراوح مدياتها العملية بين 4 و7 كيلومترات». ويقول الخبراء إن هذه المسافة الجغرافية «من شأنها أن تبعد خطر الصواريخ المباشرة والموجهة عن المستوطنات الشمالية».

توغلات في الجنوب اللبناني

ومع وصول الجيش الإسرائيلي إلى نقطتين، يواصل التوغل لوصل المناطق التي نفذ منها، ببعضها، وهو ما يجري في وادي الحجير، حيث يواصل التقدم لملاقاة قواته جنوباً التي وصلت إلى وادي السلوقي (كانت حدود الحزام الأمني قبل عام 2000 أيضاً)، وهي مسافة تناهز الثماني كيلومترات، وتستدعي التوغل من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب باتجاه الوادي. أما في القطاع الغربي، فإن التوغل يتجه شرقاً من البياضة إلى شمع وأطراف مجدل زون الجنوبية، وهي التلال المشرفة على مدينة صور الساحلية، وكانت قبل عام 2000 الشريط الحدودي لمنطقة الحزام الأمني.

اللافت في التوغلات، أن القوات الإسرائيلية لم تستحدث أي نقطة ثابتة بعد، حسبما تقول المصادر الأمنية في الجنوب، لافتة إلى أن الجيش يتوغل، وينفذ تفجيرات لمنازل ومنشآت في القرى، قبل الانسحاب.

ونشر الجيش الإسرائيلي، الاثنين، مشاهد من التوغلات والتفجيرات، وقال إن عناصر «لواء غولاني» بقيادة الفرقة 36، تواصل نشاطها البري المركّز لتوسيع نطاق منطقة التأمين في جنوب لبنان، وقد دمّرت أكثر من 300 بنية تحتية جواً وبحراً، من بينها مخازن أسلحة ومبانٍ مفخخة ومواقع رصد لـ«حزب الله».