نواف سلام لتشكيل حكومة لبنان بعد جهود قلبت «المقاييس»

«حزب الله» اتّهم الأفرقاء الآخرين بـ«الإلغاء»... وعون يتمنى «تأليفاً سلساً»

TT

نواف سلام لتشكيل حكومة لبنان بعد جهود قلبت «المقاييس»

رئيس محكمة العدل الدولية رئيس الحكومة المكلف نواف سلام (أ.ف.ب)
رئيس محكمة العدل الدولية رئيس الحكومة المكلف نواف سلام (أ.ف.ب)

يستعد الرئيس اللبناني جوزيف عون، إلى تكليف القاضي نواف سلام، رئيس محكمة العدل الدولية، بتشكيل حكومة عهده الأولى، بناءً على نتائج الاستشارات النيابية المُلزمة التي انتهت لصالحه بفارق كبير، مُحدثاً بذلك مفاجأة سياسية إيجابية في لبنان بعد 4 أيام على انتخاب رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، الذي عُدَّ بداية لمرحلة جديدة في البلاد.

وفي خطوة لافتة، خرج الرئيس عون بعد انتهاء يوم الاستشارات الطويل إلى البهو ليثني على جهود الصحافيين. وقال في دردشة معهم: «أنجزنا الخطوة الأولى (الاستشارات والتكليف)، والخطوة التالية هي التأليف (تشكيل الحكومة)، وإن شاء الله يكون سلسلاً وينجز في أسرع وقت، لأن هناك فرصاً كثيرة في انتظارنا».

وحصل سلام، في نهاية الاستشارات التي استمرت طوال يوم الاثنين، على 85 صوتاً مقابل 9 أصوات لميقاتي، و34 «لا تسمية»، حيث أعلن مدير عام رئاسة الجمهورية أنطوان شقير، أن رئيس الجمهورية وبعدما تشاور مع رئيس مجلس النواب نبيه بري وأطلعه على نتائج الاستشارات رسمياً، استدعى القاضي نواف سلام لتكليفه، علماً أنه موجود خارج البلاد ومن المقرر أن يعود الثلاثاء.

وأتت نتيجة الاستشارات بعد ساعات عصيبة من المباحثات والاتصالات، نجحت في قلب مقاييس الموازين السياسية، وأدت إلى امتناع كتلتي «حزب الله» و«حركة أمل» عن التصويت في نهاية يوم الاستشارات الطويل، فيما اتهم رئيس كتلة الحزب النائب محمد رعد الطرف الآخر بـ«الانقلاب» على التوافق الذي تحقق في انتخاب رئيس الجمهورية، ومتهماً إياهم بـ«التقسيم والإلغاء والإقصاء»، مطالباً بـ«حكومة ميثاقية وأي حكومة تناقض العيش المشترك لا شرعية لها».

رئيس محكمة العدل الدولية رئيس الحكومة المكلف نواف سلام (أ.ف.ب)

مشاورات عصيبة

ولم يكن تقدم سلام سهلاً، إذ شهدت الاستشارات تنافساً ومعركة حقيقية بينه وبين ميقاتي الذي كانت المعلومات تشير حتى مساء الأحد، إلى تقدمه في المعركة، قبل أن تتبدّل المعطيات شيئاً فشيئاً ويتسم المشهد بالغموض طوال ساعات قبل الظهر، ومن ثم تنقلب رأساً على عقب لصالح سلام وتنتهي الاستشارات بتقدم كبير لصالحه، وذلك بأصوات المسيحيين والسُّنة والدروز، مقابل عدم تسميته من أي طرف شيعي، وهو ما رأى فيه البعض أنه قد يصعّب مهمّة سلام بتشكيل الحكومة، وما نقله بعض النواب عن رئيس الجمهورية، مشيرين إلى تخوفه من أن نكون أمام أزمة حكومية.

وبدأت الأمور تنقلب لصالح سلام منذ مساء الأحد، مع اتخاذ المعارضة قرارها بدعمه، فيما بقي موقف كثير من الكتل غير معلن حتى الساعة الأخيرة، وذلك في معركة لم يَعْتَد عليها اللبنانيون حيث كانت النتيجة لسنوات طويلة معروفة مسبقاً فيما السباق يرتكز على عدد الأصوات.

وكان موقف «الثنائي الشيعي»، (حزب الله وحركة أمل)، المؤلف من 30 نائباً، معروفاً لجهة دعم ميقاتي، فيما كانت المعارضة السابقة (30 نائباً)، وأبرزها حزب «القوات اللبنانية» و«حزب الكتائب اللبنانية» إضافةً إلى كتلة «تجدد» وتحالف التغيير» وعدد من النواب المستقلين، تدعم بشكل أساسي النائب فؤاد مخزومي، فيما أعلن عدد من النواب المستقلين دعم النائب إبراهيم منيمنة.

انسحاب منيمنة ومخزومي

لكنَّ الجهود التي بذلها بعض النواب نجحت في التوافق على انسحاب منيمنة ليلاً لصالح سلام، ليلحق به مخزومي صباحاً، وهو ما أدى إلى خلط الأوراق وزاد الأمور غموضاً. ومع استمرار الاتصالات المكثفة اتجهت الأنظار تحديداً إلى موقف «التيار الوطني الحر»، (13 نائباً)، و«اللقاء الديمقراطي»، (8 نواب)، إضافةً إلى «الاعتدال الوطني»، (6 نواب)، التي كانت مواعيدها بعد الظهر، لحسم النتيجة، بعدما كانت فترة قبل الظهر مخصصة بشكل أساسي للنواب المستقلين والكتل الصغيرة.

إرباك في أوساط «حزب الله»

كانت جولة بعد الظهر كفيلة بأن تُظهر التوافق في أوساط معارضي «حزب الله» على سلام، وهو ما انعكس إرباكاً في صفوف الحزب و«حركة أمل» التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري، وفي صفوف حلفائهما، إذ بعدما بدأت المعلومات تشير إلى توجه كل من «الحزب التقدمي الاشتراكي» و«التيار الوطني الحر» إلى تسمية سلام، عمدت كتلة «حزب الله» إلى طلب تأجيل موعدها الذي كان محدداً بعد ظهر الاثنين إلى الثلاثاء، وهو ما لم يتجاوب معه الرئيس عون، ليعود النواب ويحضروا الاستشارات كما كان مقرراً.

وكما كان متفقاً عليه فيما بين المعارضة، أعلنت «القوات اللبنانية» تسمية سلام، وقال النائب جورج عدوان، باسم الكتلة «عاد الأمل إلى كل اللبنانيين عند استماعهم إلى خطاب الرئيس لأنّه طوى صفحة مرحلة قديمة بكلّ مآسيها ومشكلاتها».

والتوجه نفسه اتخذه «اللقاء الديمقراطي»، وقال النائب تيمور جنبلاط باسم الكتلة: «باركنا للرئيس جوزيف عون ونحن خلفه كحزب في أي خطوة، وسمّينا نواف سلام».

وأشارت المعلومات إلى أن رئيس «الحزب التقدمي السابق» وليد جنبلاط، اتصل برئيس الحكومة نجيب ميقاتي بعد الظهر معتذراً عن عدم تسميته، بعدما كانت المعلومات تشير إلى توجّه «الاشتراكي» إلى دعمه.

وسمّت أيضاً كتلة «الاعتدال الوطني» التي تضم نواباً سُنة، سلام. كذلك، سمّى «التيار الوطني الحر» الذي كان قد رفض انتخاب الرئيس جوزيف عون، سلام وأعلن رئيسه النائب جبران باسيل، بعد الاجتماع بالرئيس عن ذلك، قائلاً: «إننا نرى فيه وجهاً إصلاحياً، وتابعنا عن قرب مواقفه لجهة حماية لبنان من إسرائيل».

رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل بعد تسمية نواف سلام لتأليف الحكومة (رويترز)

وأعلن النائب إبراهيم كنعان باسم «اللقاء التشاوري النيابي المستقل» تسمية سلام، على غرار كتلة «حزب الكتائب اللبنانية»، التي قال رئيسها النائب سامي الجميل: «الرئاسة كانت تحت الوصاية مثل لبنان كله. أما اليوم فالرئاسة تعود رمزاً لسيادة لبنان واستقلاله»، وتمنى «أن يفهم الجميع أنّ الإقصاء ممنوع، وجميعنا يجب أن نكون شركاء في بناء لبنان الجديد».

وامتنع «التكتل الوطني المستقل» الذي يضم النواب طوني فرنجية وفريد هيكل الخازن وملحم طوق، عن تسمية أي شخصية.

في المقابل سمى سلام أيضاً النائب عماد الحوت (الجماعة الإسلامية) وكتلة «التوافق الوطني» التي تضم النواب فيصل كرامي وعدنان طرابلسي وطه ناجي ومحمد يحيى وحسن مراد ونواف سلام.

بدورها سمّى سلام كل من «كتلة التغيير» التي تضم النواب ميشال دويهي ووضاح الصادق ومارك ضو، وكتلة «تجدد» التي تحدّث باسمها النائب فؤاد مخزومي الذي كان قد انسحب لصالح سلام معتبراً أنه «يجب أن يشكّل انتخاب عون حداً فاصلاً بين مرحلة وأخرى، ويجب أن يطوي صفحة التعطيل والفراغ وانحلال الدولة ومؤسساتها».

«حزب الله»

وفي الساعة الأخيرة للاستشارات، التقى وفد «حزب الله» الرئيس عون، وشنّ بعدها رئيس الكتلة النائب محمد رعد، هجوماً على معارضيه. وقال: «لقاؤنا مع رئيس الجمهورية كان من أجل الإعراب عن أسفنا لمن يريد أن يخدش إطلالة العهد التوافقية»، مضيفاً: «مرة جديدة يكمن البعض من أجل التفكيك والتقسيم والإلغاء والإقصاء تعمداً وكيديةً».

وأوضح: «خطونا خطوة إيجابية عند انتخاب رئيس الجمهورية وكنا نأمل أن نلاقي اليد التي لطالما تغنت بذلك وإذ بها قُطعت»، وأكد أن «من حقنا أن نطالب بحكومة ميثاقية، وأي حكومة تناقض العيش المشترك لا شرعية لها».

وقال: «سنراقب ونمضي بكل هدوء وحكمة، وسنرى أفعالهم من أجل إخراج المحتل من أرضنا واسترجاع الأسرى وإعادة الإعمار والتطبيق الصحيح لـ1701 بما يحفظ الوحدة الوطنية».

رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد (أ.ف.ب)

كذلك، امتنعت كتلة «التنمية والتحرير» عن تسمية أحد، وتحدث باسمها النائب أيوب حميد، بعد لقاء الكتلة مع الرئيس عون برئاسة رئيس البرلمان نبيه بري: «الكتلة لم تُسمِّ أحداً انطلاقاً من مبدأ أنه لا يجوز أن يكون هناك تناقض بين الميثاق والعيش المشترك الحقيقي»، فيما غادر بري من دون الإدلاء بأي تصريح.

رئيس البرلمان نبيه بري بعد لقائه رئيس الجمهورية جوزيف عون في نهاية الاستشارات النيابية المُلزمة لتكليف رئيس للحكومة (رويترز)

الجولة الأولى

كانت الاستشارات في فترة قبل الظهر التي التقى خلالها الرئيس عون 21 نائباً، قد انتهت بتقدم سلام على ميقاتي بحصول الأول على 12 صوتاً، والثاني على 7 أصوات، فيما امتنع نائبان عن التصويت هما نائب رئيس البرلمان إلياس بوصعب والنائب جميل السيد.

وبدأت الجولة الأولى من الاستشارات مع نائب رئيس مجلس النواب إلياس بوصعب بعدما قرر رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي كانت الاستشارات ستبدأ معه، أن يترأس وفد «كتلة التنمية والتحرير» بعد الظهر.

وقال بوصعب، بعد لقائه الرئيس عون، إن الأخير أكد له «انفتاح مختلف الدول على لبنان»، مضيفاً: «لدينا قلق من أن نذهب إلى اختلاف عمودي جديد، وكسر فريق على حساب آخر في رئاسة الحكومة، وهذا لن يسهّل بداية العهد، مما سيؤدي بنا إلى أزمة».

من جهته، وإثر لقائه رئيس الجمهورية، قال النائب إبراهيم منيمنة، الذي انسحب من الترشح لصالح سلام، إن «المرحلة تأسيسية وانتقالية». وقال: «آثرنا بعد نقاش مع فريقنا أن ننسحب لصالح نواف سلام لنؤمِّن التوافق للوصول إلى ترجمة العناوين السياسية التي كنا نطمح إليها. كل الثقة بشخصه أن ينفّذ هذه العناوين. سميتُ نواف سلام، وهي فرصة يجب عدم تضييعها».

مهمة التأليف بعد التكليف

ولا يعني تكليف رئيس جديد تشكيل حكومة أنّ ولادتها باتت قريبة. وغالباً ما استغرقت هذه المهمة أسابيع أو حتى أشهُراً، بسبب الانقسامات السياسية والشروط والشروط المضادّة في بلد يقوم نظامه على مبدأ المحاصصة، رغم أن هناك أفرقاء لبنانيين يرون أن مهمة التأليف لم تكن صعبة هذه المرة انطلاقاً من الوقائع والمعطيات السياسية والخارجية التي تؤكد ضرورة المضي قدماً في مرحلة التغيير.


مقالات ذات صلة

لبنان: ملف المحتجزين لدى إسرائيل إلى مرحلة جديدة

المشرق العربي جندي لبناني يؤمّن طريقاً في مدينة صور جنوب لبنان (الجمعة) بانتظار وصول موكب تابع للجنة الدولية للصليب الأحمر يحمل 4 أسرى أفرجت عنهم إسرائيل وسلّمتهم إلى السلطات اللبنانية في إطار اتفاق بين الجانبين (د.ب.أ)

لبنان: ملف المحتجزين لدى إسرائيل إلى مرحلة جديدة

يفتح الإفراج عن خمسة محتجزين لدى إسرائيل، ثلاثة لبنانيين وسوريين، مرحلة جديدة في ملف الأسرى والمفقودين

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تصاعد الدخان من موقع غارات إسرائيلية استهدفت قمة مرتفعات علي الطاهر بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

ما بعد «علي الطاهر»... ضغط سياسي إسرائيلي واحتمالات مفتوحة

يفتح إعلان إسرائيل تحقيق ما وصفته بـ«السيطرة العملياتية» على مرتفعات علي الطاهر مرحلة جديدة في جنوب لبنان، تتجاوز مصير الموقع نفسه إلى ما قد يليه عسكرياً.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي سجن رومية المركزي (الوكالة الوطنية للإعلام - أرشيفية)

لبنان: عون يوقّع قانون العفو وسلام يعجّل بنشره

فتح توقيع الرئيس اللبناني جوزيف عون، قانون العفو العام، الباب أمام بدء تطبيق واحد من أكثر الملفات القانونية والاجتماعية انتظاراً في لبنان

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من كشافة «المهدي» يحملون نعوش قياديّ بـ«حزب الله» وعائلته خلال تشييعهم بالضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

من تحرير الجنوب إلى منع الوصول لبيروت... «حزب الله» يبحث عن انتصار بديل

في وقت تواصل فيه إسرائيل احتلال أجزاء واسعة من جنوب لبنان وتدمير قرى بأكملها، تطرح مواقف مسؤولي «حزب الله» الأخيرة علامة استفهام حول تبدّل أولوياته.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي علم إسرائيلي مرسوم على جدار بجوار مبنى مدمر في قرية لبنانية على الحدود (أ.ف.ب)

الصليب الأحمر يعلن نقل أربعة أشخاص إلى لبنان أفرجت عنهم إسرائيل

أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الجمعة أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص إضافيين أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني.

«الشرق الأوسط» (بيروت )

«حماس» تطالب الدول العربية والإسلامية بالتحرك لمواجهة «مخططات التهجير»

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مُدمَّرة في جباليا بشمال قطاع غزة (د.ب.أ)
فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مُدمَّرة في جباليا بشمال قطاع غزة (د.ب.أ)
TT

«حماس» تطالب الدول العربية والإسلامية بالتحرك لمواجهة «مخططات التهجير»

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مُدمَّرة في جباليا بشمال قطاع غزة (د.ب.أ)
فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مُدمَّرة في جباليا بشمال قطاع غزة (د.ب.أ)

دعت حركة «حماس» الفلسطينية، الجمعة، الدول العربية والإسلامية لمواجهة «مخططات الاحتلال لتهجير» الفلسطينيين من قطاع غزة، وذلك عقب تصريحات بهذا الشأن أدلى بها وزيران إسرائيليان هذا الأسبوع.

وقال الناطق باسم «حماس»، حازم قاسم، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»: «إن تصاعد تصريحات وزراء في حكومة الاحتلال بشأن استمرار تبني مخططات تهجير الشعب الفلسطيني من قطاع غزة يمثل تطوراً بالغ الخطورة، ويكشف عن أن الاحتلال لم يتخلَّ عن هذا المخطط»، داعياً «الدول العربية والإسلامية إلى التَّحرُّك الجاد والموحَّد لمواجهة هذه المخططات، واتخاذ مواقف وإجراءات فاعلة لإفشالها».

وطرح وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، الخميس، خطةً لإفراغ قطاع غزة من سكانه الفلسطينيين وإبعادهم إلى الخارج.

ووضع بن غفير، الذي غالباً ما تلقى مواقفه المتشددة انتقادات غربية، هدفاً يتمثل في إبعاد 250 ألف فلسطيني من غزة خلال عام واحد، ثم مغادرة مَن تبقوا، أي مَن يقدَّر عددهم بنحو مليونَي نسمة، خلال السنوات الـ6 التالية.

وقال بن غفير، وهو أحد أبرز وجوه الائتلاف الحكومي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إن ما يطرحه «أمر واقعي»، مشيراً إلى أن دولاً عدة «مستعدة» لاستقبال سكان غزة، من دون أن يحددها.

وأضاف: «يجب أن نشجِّع هجرة سكان غزة»، عادّاً أن الخطة لا تعني «إرغام» الفلسطينيين على مغادرة أرضهم.

بدوره، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن لدى إسرائيل خططاً جاهزة لإخراج الفلسطينيين من قطاع غزة، لكنها تنتظر أن تحدد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه.

وقال كاتس: «لا يوجد في نهاية المطاف حل حقيقي لغزة من دون هذه الهجرة». وأضاف أن الحكومة الإسرائيلية «منظمة ومستعدة لإخراجهم، عن طريق البحر، والجو، وبكل وسيلة ممكنة».

ويُعدُّ التهجير القسري للمدنيين في الأراضي المحتلة جريمة حرب بموجب اتفاقات جنيف.


«المناطق التجريبية»... من جنوب لبنان إلى غزة

الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
TT

«المناطق التجريبية»... من جنوب لبنان إلى غزة

الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

تثير الفكرة التي طرحها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه، يسرائيل كاتس، وكلفا الجيش بإعداد تصور لتطبيقها، وتتعلق بنقل نموذج المناطق التجريبية في لبنان إلى قطاع غزة، جدلاً في تل أبيب بين من يعدُّها مقترحاً جدياً للتقدم في تطبيق خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وبين من يشكك فيها ويراها ألعوبة جديدة لمزيد من المماطلة.

وبحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، تقوم الفكرة على اختيار مناطق تقع خارج الخط الأصفر ولا ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي حالياً، على أن تدخل إليها قوات دولية للعمل على تفكيك البنى التحتية المسلحة وإقامة منظومة إدارة بديلة. ولكن، في المقابل، ستحتفظ إسرائيل بقدرتها على مراقبة هذه المناطق والسيطرة عليها أمنياً من خلال الاستخبارات والمراقبة الجوية والقدرة على تنفيذ ضربات عند الحاجة، من دون انتشار بري إسرائيلي دائم داخلها.

تفجير إسرائيلي في قرية الحنية جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)

ووفقاً للصحيفة، تأتي الخطة في إطار محاولة إيجاد نموذج يسمح بإدارة مناطق من غزة بعيداً عن سيطرة «حماس» مع الاستفادة من تجربة جنوب لبنان. ولكن المشككين يؤكدون أن تطبيق النموذج في غزة يواجه تحديات أكبر، خصوصاً في ظل عدم وجود جهة فلسطينية متفق عليها لتولي الإدارة المدنية والأمنية. ولذلك فإن الحديث يدور حالياً عن تصور وخطة قيد الدراسة، وليس عن اتفاق نهائي أو بدء تنفيذ فعلي لها.

ويرى المشككون أن الحكومة الإسرائيلية تطرح هذه الفكرة لغرض المماطلة، وامتصاص الغضب الأميركي من العراقيل التي تضعها في طريق تطبيق خطة الرئيس ترمب. وبحسب صحيفة «هآرتس»، فإن جارد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي، ونيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لمجلس السلام في غزة، ينتقدان حتى زميلهما آريه لايتستون، الذي كان البيت الأبيض قد عهد إليه حتى الآن بتنفيذ خطة ترمب المكونة من عشرين نقطة على أرض الواقع، ويعتبرونه «متساهلاً، وغير حازم، ولا يستطيع إدارة المفاوضات مع إسرائيل بالطريقة التي يريدها البيت الأبيض». وأضاف المصدر أن توني بلير، وهو عضو بارز آخر في مجلس السلام، قد أعرب في الأيام الأخيرة عن الاستياء من توجه لايتستون في هذه العملية.

الجيش الإسرائيلي رسم «الخط الأصفر» ليفصل بين المناطق التي يسيطر عليها في غزة والمناطق التي تسيطر عليها «حماس» (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتؤكد الصحيفة أن الأميركيين يذكرون عدداً من الحوادث التي تبين عدم جدية إسرائيل واستمرارها في وضع العراقيل. ومنها:

الاتفاق بين إسرائيل وألمانيا والولايات المتحدة على تشغيل معبر بيت حانون (ايرز) ووضع جهاز فحص ألماني متطور، لضمان السرعة والنجاعة، ووضع جهاز مماثل عند ميناء أسدود، لمنع الازدحام المروري عند معبر كرم أبو سالم، وتسهيل نقل المساعدات إلى غزة بطرق مختلفة، وبالتالي، توسيع نطاقها.

وقد تغيرت الجداول الزمنية على مدار الأشهر ولكنها كانت معروفة للجميع، وربما تم الاتفاق عليها بين الأطراف. وفي 21 أغسطس (آب) الماضي، نشر السفير الألماني الجديد لدى إسرائيل ألكسندر لانديستورف تغريدة احتفالية مرفقة بصور من احتفال متواضع أقيم عند معبر إيرز، وكتب أن الجهاز الجديد الذي وضع هناك سيضمن «وصول المزيد من المساعدات إلى غزة، مع الحفاظ على أمن إسرائيل». ولكن بعد أسبوع تقريباً، أصدر نتنياهو وكاتس بياناً مشتركاً جاء فيه: «لا توجد أي توجيهات لفتح معبر إيرز للبضائع». ومنذ ذلك الحين، ينتظر الدبلوماسيون الدوليون الموجودون في مركز التنسيق في كريات غات، في حالة حيرة، الحل للغز المعبر.

دبابات إسرائيلية تتحرك في بلدة زوطر الشرقية في جنوب لبنان في 8 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

ومن الأمثلة الصارخة على جوهر هذا المأزق، منْع إسرائيل دخول قوات حفظ السلام إلى غزة. ففي نهاية شهر يوليو (تموز)، قبل زيارة نتنياهو إلى واشنطن، أصدر مكتب رئيس الحكومة بياناً من مصدر سياسي مجهول يفيد بأن مجلس الوزراء وافق على دخول 200 جندي «من أوغندا والمغرب». وفي نهاية شهر أغسطس، أصدر مكتب رئيس الحكومة بياناً ينفي ذلك، وقال: «خلافاً للتقارير، لم توافق القيادة السياسية على دخول القوات الدولية إلى قطاع غزة». في الواقع كان يجب على المكتب أن يبدأ هذا البيان بعبارة «خلافاً لتصريحاتنا السابقة».

ومن الأمثلة الأخرى على السياسة التي تتبعها حكومة نتنياهو، قيام إسرائيل بالوقوف في وجه آلاف الغزيين الذين جندتهم اللجنة الفنية لقوات الشرطة الجديدة في غزة، ومنعهم من مغادرة القطاع للتدرب في مصر. وحسب المصدر نفسه، يخشى المجلس من أنه حتى لو سمح للمجندين بالمغادرة فقد تمنعهم إسرائيل من العودة بعد انتهاء التدريب بذريعة الأمن.

وتقول الصحيفة إن المسألة ليست مسألة خلافات، بل قضية تخريب صريح، وفي أحسن الأحوال شيء محكوم بضغوط انتخابية.


لبنان: ملف المحتجزين لدى إسرائيل إلى مرحلة جديدة

جندي لبناني يؤمّن طريقاً في مدينة صور جنوب لبنان (الجمعة) بانتظار وصول موكب تابع للجنة الدولية للصليب الأحمر يحمل 4 أسرى أفرجت عنهم إسرائيل وسلّمتهم إلى السلطات اللبنانية في إطار اتفاق بين الجانبين (د.ب.أ)
جندي لبناني يؤمّن طريقاً في مدينة صور جنوب لبنان (الجمعة) بانتظار وصول موكب تابع للجنة الدولية للصليب الأحمر يحمل 4 أسرى أفرجت عنهم إسرائيل وسلّمتهم إلى السلطات اللبنانية في إطار اتفاق بين الجانبين (د.ب.أ)
TT

لبنان: ملف المحتجزين لدى إسرائيل إلى مرحلة جديدة

جندي لبناني يؤمّن طريقاً في مدينة صور جنوب لبنان (الجمعة) بانتظار وصول موكب تابع للجنة الدولية للصليب الأحمر يحمل 4 أسرى أفرجت عنهم إسرائيل وسلّمتهم إلى السلطات اللبنانية في إطار اتفاق بين الجانبين (د.ب.أ)
جندي لبناني يؤمّن طريقاً في مدينة صور جنوب لبنان (الجمعة) بانتظار وصول موكب تابع للجنة الدولية للصليب الأحمر يحمل 4 أسرى أفرجت عنهم إسرائيل وسلّمتهم إلى السلطات اللبنانية في إطار اتفاق بين الجانبين (د.ب.أ)

يفتح الإفراج عن خمسة محتجزين لدى إسرائيل، ثلاثة لبنانيين وسوريين، مرحلة جديدة في ملف الأسرى والمفقودين، مع تأكيد مصدر رسمي لبناني لـ«الشرق الأوسط» أن الخطوة تشكل بداية لمسار سيستمر في المفاوضات المقبلة، بدءاً بالمدنيين وصولاً إلى معالجة ملف جميع الأسرى.

وفي المقابل، تكشف لائحة محدثة اطلعت عليها «الشرق الأوسط» عن أن أياً من اللبنانيين الثلاثة المفرج عنهم ليس مدرجاً بين أسمائها الـ36، ما يثير سؤالاً حول الحجم الفعلي للملف ودقة حصر المحتجزين والمفقودين.

واستُكملت، الجمعة، عملية الإفراج التي بدأت، الخميس، بتسليم اللبناني مالك كمال غازي، بعدما تولت اللجنة الدولية للصليب الأحمر نقل أربعة أشخاص إضافيين أفرجت عنهم إسرائيل إلى لبنان، قبل تسليمهم إلى السلطات اللبنانية في الجنوب.

وبذلك، بلغ إجمالي المفرج عنهم خلال يومين خمسة أشخاص: غازي الذي سُلّم الخميس، واللبنانيان علي حسن شور وحسين عبد الله محمود عياش، والسوريان أسعد محمود الحسيكة ووسام إبراهيم الصماوي الذين سُلّموا الجمعة، لتكون الحصيلة ثلاثة لبنانيين وسوريين، خلافاً للإعلان الإسرائيلي الأول الذي تحدث عن خمسة «مواطنين لبنانيين».

وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها سهّلت، بناء على طلب الأطراف المعنية، نقل الأشخاص الخمسة، موضحة أن شخصاً واحداً نُقل الخميس وأربعة آخرين الجمعة.

موكب تابع للجنة الدولية للصليب الأحمر يصل إلى مدينة صور جنوب لبنان (الجمعة) حاملاً أسرى لبنانيين أفرجت عنهم إسرائيل وسلّمتهم إلى السلطات اللبنانية عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر (د.ب.أ)

بداية لمسار

وأكد مصدر رسمي مطلع على ملف الأسرى لـ«الشرق الأوسط» أن القضية لن تتوقف عند الدفعة الحالية، وستبقى جزءاً من المطالب اللبنانية في الاتصالات والمسار التفاوضي.

وقال المصدر إن «الإفراج عن الأسرى الخمسة يشكل بداية لمسار يجري العمل على استكماله، ولن يقتصر الأمر على من أُفرج عنهم حتى الآن»، مؤكداً أن «المطالبة اللبنانية ستبقى مستمرة إلى حين إطلاق جميع الأسرى».

وأوضح المصدر أن «البداية في المرحلة الحالية ستكون مع المدنيين، على أن يتواصل العمل لاحقاً وصولاً إلى معالجة ملف جميع الأسرى»، مشيراً إلى أن «عدد المدنيين كان، بحسب المعلومات المتوافرة، في حدود 23 شخصاً، إلا أن العدد قد يكون ارتفع لاحقاً نتيجة توقيف أشخاص خلال الحرب أو بعد وقف إطلاق النار، وبينهم من أوقفوا في أثناء توجههم لتفقد منازلهم».

وأضاف أن «لبنان سيطرح في المفاوضات المقبلة، عند انعقادها، مطلب استكمال إطلاق الأسرى، ولن يكتفي بالإفراج عن الخمسة الذين سُلّموا، ومن بينهم سوريان».

وشدد المصدر على أن «ملف الأسرى حاضر في كل الاتصالات واللقاءات التي يجريها المسؤولون اللبنانيون مع المسؤولين والموفدين الأجانب»، لافتاً إلى أنه «أُثير على أعلى المستويات، بما في ذلك في المحادثات مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو». وأكد أن «الموقف اللبناني واضح، وهو مواصلة العمل وبذل كل الجهود الممكنة من أجل إعادة جميع الأسرى، من دون الاكتفاء بالدفعة التي أُفرج عنها».

عناصر من الجيش اللبناني يؤمّنون طريقاً في مدينة صور جنوب لبنان بانتظار وصول موكب تابع للجنة الدولية للصليب الأحمر يحمل أسرى لبنانيين أفرجت عنهم إسرائيل وسلّمتهم إلى السلطات اللبنانية (د.ب.أ)

اللبنانيون الثلاثة خارج لائحة الـ36

وتعطي اللائحة المحدثة للأسرى والمفقودين بُعداً إضافياً للعملية؛ إذ تضم 36 اسماً، لكن أسماء الذين أُفرج عنهم خلال اليومين لا ترد فيها.

ولا تمثل الأسماء الـ36، في الوقت نفسه، 36 أسيراً لبنانياً مؤكداً في السجون الإسرائيلية؛ إذ تجمع اللائحة بين محتجزين وردت معلومات عن أماكن وجودهم، ومفقودين لم يُحسم مصيرهم، وحالات يعود بعضها إلى عقود.

وتبدأ أقدم القضايا المدرجة بيحيى محمد سكاف منذ عام 1978، ثم عبد الله خليل عليان منذ عام 1981، والصياد محمد عادل الفران المفقود منذ عام 2005، إلا أن غالبية الحالات ترتبط بالحرب الأخيرة وما أعقبها.

وتظهر اللائحة مجموعة من المعتقلين خلال عام 2024، خصوصاً في عيتا الشعب وبليدا، إلى جانب عماد فاضل أمهز الذي اعتُقل في البترون. وتتسع الحالات بعد وقف إطلاق النار لتشمل مدنيين تقول البيانات إنهم اعتُقلوا من بلداتهم أو في أثناء محاولتهم العودة إليها أو خلال عملهم.

وتستمر الحالات المسجلة خلال عام 2026، وبينها اعتقالات في الخيام وحلتا وشبعا والقنطرة وبنت جبيل، إضافة إلى ثلاثة مزارعين تقول اللائحة إنهم اعتُقلوا في أثناء عملهم في حقولهم في حلتا، ما ينسجم مع حديث المصدر الرسمي عن احتمال ارتفاع عدد المدنيين المحتجزين نتيجة الاعتقالات اللاحقة.

عون: «الخطوة الأولى»

ووصف رئيس الجمهورية جوزيف عون الإفراج بأنه «الخطوة الأولى»، شاكراً المساعي والجهود التي بُذلت، ولا سيما من الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترمب، والجهات الدولية وفي مقدمها اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

ورأى عون أن الخطوة تجدد التأكيد على ضرورة استكمال ما نص عليه إطار العمل الثلاثي، وصولاً إلى استعادة السيادة اللبنانية كاملة، «غير منتقصة شبراً من أرضنا، ولا ناقصة إنساناً من شعبنا».

وجدد عون التزام استمرار العمل لتحقيق المطالب اللبنانية، وصولاً إلى وطن «لا سلاح على أرضه إلا لقواه الشرعية وحدها، ولا سيادة على أبنائه إلا لدولته الحامية الضامنة القادرة والعادلة».

وكان رئيس الحكومة نواف سلام قد أكد بدوره أن عودة أي لبناني محرر تشكل خطوة مهمة على طريق معالجة الملف، شاكراً الإدارة الأميركية، ولا سيما السفير ميشال عيسى، على الجهود المبذولة.

وأكد سلام أن العمل سيستمر حتى الإفراج عن جميع الأسرى وكشف مصير المفقودين، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.