«حماس» تشدد تعليماتها للحفاظ على حياة قادتها وكوادرها

وسط كلام عن قرب التوصل لاتفاق غزة... إسرائيل تكثف هجماتها باستخدام الذكاء الاصطناعي

دخان يتصاعد فوق شمال قطاع غزة جراء قصف إسرائيلي الاثنين (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد فوق شمال قطاع غزة جراء قصف إسرائيلي الاثنين (أ.ف.ب)
TT

«حماس» تشدد تعليماتها للحفاظ على حياة قادتها وكوادرها

دخان يتصاعد فوق شمال قطاع غزة جراء قصف إسرائيلي الاثنين (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد فوق شمال قطاع غزة جراء قصف إسرائيلي الاثنين (أ.ف.ب)

شددت حركة «حماس» التعليمات التي تصدرها لقياداتها وعناصرها داخل قطاع غزة، بالتخفي بشكل أكثر أماناً وتخفيف التحركات في ظل تشديد القوات الإسرائيلية من عملها الاستخباراتي، الذي يهدف لتنفيذ عمليات اغتيال تطال كل هدف ممكن بالنسبة لها، قُبيل الاتفاق المرتقب لوقف إطلاق النار الذي يشمل صفقة تبادل أسرى.

وكشفت مصادر مطَّلعة من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، أن قيادة الحركة على المستويين السياسي والعسكري أصدرت تعليمات صارمة للقيادات الميدانية، والنشطاء العسكريين، الذين تعدهم إسرائيل هدفاً لهم، بعدم الظهور أمام العلن وتقليل التحركات بما في ذلك سيراً على الأقدام، أو من خلال أي مركبات، ما لم يكن هناك ضرورة أمنية طارئة تستدعي ذلك.

فلسطينيون يملأون أوعية بالماء من خزان في خان يونس (أ.ف.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هذه التعليمات صدرت خلال اليومين الماضيين، مع تكثيف إسرائيل جهودها الاستخباراتية من خلال استخدام عوامل عدة من أبرزها الطائرات المسيَّرة الحديثة التي تعمل على تتبُّع المقاومين، سواء كانوا من قيادات بارزة أم من الصفوف الثانية والثالثة وصولاً للجنود المقاومين من النشطاء الفاعلين.

وأشارت المصادر إلى أن التعميم أكد أن الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة في ملف مفاوضات وقف إطلاق النار، وأن إسرائيل ستسعى خلال هذه الأيام لاصطياد أكبر عدد ممكن من المقاومين بهدف تصفيتهم في إطار محاولاتها الهادفة للقضاء على أي نشاط عسكري للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وهو الأمر الذي كانت تسعى إليه منذ بداية الحرب الحالية، وفشلت في تحقيقه بالقضاء الكامل على المقاومة، وفق ما جاء في التعميم الذي اطَّلعت «الشرق الأوسط» على تفاصيله.

وذكرت المصادر أن التعميم وُزع في ظل هذه الظروف الأمنية مكتوباً عبر نقله من قبل «المراسلين - البريد» البشري، الذي يرى أنه آمن لدى «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، في ظل الملاحقة والمتابعة الأمنية الإسرائيلية الشديدة خاصةً للإلكترونيات والإنترنت وغيره.

مبانٍ مدمَّرة في شمال قطاع غزة كما تظهر من إسرائيل الاثنين (رويترز)

وتَعَرَّضَ كثير من القادة الميدانيين والنشطاء البارزين في «حماس» لسلسلة اغتيالات مكثفة في الأيام الأخيرة، بينهم أسامة أبو ناموس، قائد «كتيبة الصبرة وتل الهوا»، الذي تعرض لـ4 محاولات اغتيال سابقة خلال الحرب، ونجا في بعضها، وأصيب في أخرى، كما اغتيل نائبه محمد الترك في ضربة جوية عنيفة استهدفت مربعاً سكنياً بمنطقة «السرايا» وسط مدينة غزة، واغتيل برفقته حمزة الديري ومحمود شاهين، وهما قائدا سرايا في الكتيبة نفسها، إلى جانب عدد من المقاومين الآخرين كانوا برفقتهم.

كما اغتيل حمدي أبو دان، قائد سرية النخبة في كتيبة الشيخ رضوان التابعة لـ«القسام»، إلى جانب مساعده محمد صيام، خلال عملية اغتيال استهدفتهما وهما يسيران على أقدامهما في منطقة مسجد فلسطين غرب مدينة غزة، كما اغتيل معتصم القوقا قائد «سرية النخبة» في «كتيبة الشاطئ» بقصف استهدفه قرب مجمع الشفاء الطبي، واغتيل عدد آخر من القيادات الميدانية والنشطاء، وحتى قيادات في العمل الخيري والدعوة لحركة «حماس» آخرهم وائل راشد، الذي اغتيل، ظهر الاثنين، في هجوم جوي نفذته طائرة مسيَّرة في حي الدرج وسط مدينة غزة، كما اغتيل 4 نشطاء من العمل الخيري من سكان بيت لاهيا وبيت حانون في غارة استهدفتهم بمنطقة مفترق ضبيط وسط المدينة أيضاً.

وتقول مصادر ميدانية من إحدى فصائل المقاومة الفلسطينية لـ«الشرق الأوسط»، إن الاحتلال الإسرائيلي يستخدم مؤخراً بكثافة طائرات مسيّرة من طرازي «هيرمز 650» و«660» وهما من الطائرات المتطورة جداً، التي ترتكز بشكل أساسي على استخدام خوارزميات تعتمد على الذكاء الاصطناعي في تتبُّع المقاومين، خصوصاً المطلوبين منهم.

قافلة عسكرية تتحرك في شمال قطاع غزة الاثنين (أ.ف.ب)

ووفق المصادر نفسها، فإن هذه الطائرات هي من تنفِّذ عمليات الاغتيال المكثفة التي تطول ناشطين بارزين وفاعلين في ميدان المقاومة، وفق وصفها.

وأشارت إلى أن بعضها يعمل من خلال تتبُّع هواتف أقارب المقاومين والتنصت عليها وعلى ما حولها حتى لو لم تكن متصلة بالإنترنت أو بالاتصال بشبكات الخليوي، كما أنها تعتمد على مسح مسافة كيلومتر مربع واحد بالكامل لكشف أي ثغرات إلكترونية يمكن من خلالها الوصول باستخدام الذكاء الاصطناعي لكلمات مشفرة يستخدمها المقاومون، أو تتبع الساعات اليدوية أو غيرها من الأدوات الشخصية التي يمكن لأي مقاوم أن يحملها.

وكشفت أنه صدرت تعليمات مشددة بعدم حمل أي ساعات أو أنظمة إلكترونية ربما تساعد على تتبُّع المقاومين.

فلسطيني يبكي وهو يحمل جثمان ابنته التي قُتلت بقصف إسرائيلي لمدينة غزة الاثنين (أ.ف.ب)

وكانت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية قد كشفت خلال الأسابيع الماضية أن الجيش الإسرائيلي لجأ إلى الذكاء الاصطناعي لتحديث بنك أهدافه باستمرار في غزة، وهذا زاد عدد الضحايا الفلسطينيين.

ووفقاً للصحيفة، فإن أحد برامج الذكاء الاصطناعي التي طورها الجيش الإسرائيلي اعتمد على أساس مئات الخوارزميات التنبؤية؛ ما يسمح للجنود بالتعامل مع مجموعة كبيرة ومتنوعة من البيانات، حيث توفر الخوارزميات إحداثيات الأنفاق والصواريخ والأهداف العسكرية الأخرى، ويتم وضع التوصيات التي تجتاز التدقيق في بنك الأهداف.

وطورت هذه البرامج شركات إسرائيلية في قطاع التكنولوجيا، وتم استخدامها خلال هذه الحرب لأول مرة، حيث اعتُمد عليها لتشكيل قاعدة معلومات استخبارية يتم تحليلها باستخدام صور الأقمار الاصطناعية وبيانات الاتصال، لكن هذه البرامج والتقنيات تثير قلق منظمات حقوقية، خصوصاً في ظل الحصيلة المرتفعة للضحايا في صفوف المدنيين الذين يشكلون غالبية ضحايا الحرب في قطاع غزة.


مقالات ذات صلة

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

المشرق العربي فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle 02:00

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

أعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، مقتل أحد جنوده وإصابة آخرين في جنوب لبنان، في ظل وقف لإطلاق النار تتبادل الدولة العبرية و«حزب الله» الاتهامات بانتهاكه.

وقال الجيش، في بيان، إنّ رقيباً في التاسعة عشرة من عمره قُتل في حادثة أصيب خلالها ضابط وأربعة جنود آخرين، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

ومنذ سريان وقف إطلاق النار في 17 أبريل (نيسان)، أعلن «حزب الله» مراراً تنفيذ عمليات تستهدف قوات إسرائيلية في جنوب لبنان، أو إطلاق صواريخ ومسيّرات نحو شمال الدولة العبرية، قائلاً إنها تأتي رداً على قيام الأخيرة بتنفيذ غارات وعمليات قصف وتفجير مبانٍ.


«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
TT

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

​أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي جرت في الضفة الغربية، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية والقروية وإقبالاً متوسطاً على التصويت، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة؛ وهي المدينة الوحيدة التي أجريت فيها انتخابات بالقطاع وسط معدلات مشاركة ضعيفة.

والانتخابات المحلية التي أجريت، السبت، هي الأولى وفق النظام الجديد الذي قررته السلطة الوطنية الفلسطينية، العام الماضي، ويُلزم المترشحين في كل الانتخابات ببرنامج «منظمة التحرير» أساساً للترشح؛ إذ تتعهد السلطة دولياً بمسار «حل الدولتين».

وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية، الأحد، النتائج النهائية للانتخابات المحلية، التي جرت في 183 هيئة محلية بالضفة الغربية، إلى جانب مدينة دير البلح في قطاع غزة، وقال رئيس اللجنة رامي الحمد الله، خلال مؤتمر صحافي، إن «الانتخابات جرت لأول مرة وفق قانون انتخابات جديد؛ يعمل بنظام القائمة المفتوحة، والنظام الفردي، وشمل ذلك دير البلح وسط قطاع غزة، باعتبار الوطن الجغرافي في الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة واحدة».

فلسطينية تدلي بصوتها في الانتخابات المحلية ببلدة بيرزيت الفلسطينية شمال رام الله بالضفة الغربية يوم السبت (أ.ف.ب)

وبحسب الحمد الله، فإن «عدد الناخبين المقترعين بلغ نحو 522 ألف ناخب، فيما فازت 197 هيئة محلية بالتزكية، وبلغت نسبة الاقتراع في الضفة الغربية 56 في المائة، مقارنة بـ53.7 في المائة بانتخابات 2012، و53.8 في المائة في 2017، و58 في المائة في 2022».

وفيما سجلت محافظة سلفيت شمال الضفة، أعلى نسبة اقتراع بلغت 71 في المائة، سجلت دير البلح بقطاع غزة أقل نسبة بواقع 23 في المائة.

«فتح» تعلن فوزاً كاسحاً

مع نشر النتائج النهائية، يوم الأحد، أكّدت «فتح» التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الفوز الكبير لقائمتها «الصمود والعطاء» في الانتخابات، معتبرة، في بيان لناطق باسمها، أن النتائج تمثل «استفتاءً شعبياً مؤيداً» لنهج الحركة وبرنامجها السياسي وخياراتها.

وأعلنت «فتح» فوزها في غالبية الهيئات المحلية؛ أبرزها الخليل وطولكرم وسلفيت والبيرة، وفي محافظة جنين وباقي المحافظات، وقالت إنها شكلت بالتوافق مع قوى العمل الوطنيّ والمؤسسات المحليّة 197 مجلساً بلدياً وقروياً بالتزكية؛ أبرزها بلديتا رام الله ونابلس الكبيرتان.

وجاء إعلان «فتح» بينما تغيب حركة «حماس» تماماً عن المنافسة؛ إذ لا تحظى بعضوية «منظمة التحرير» وكانت مشاركتها السابقة في الانتخابات تجري من دون الالتزام بكونها «ممثلاً شرعياً ووحيداً» للفلسطينيين، وفق ما تشدد السلطة.

وكانت «حماس» تشارك في الانتخابات التي كانت تجري في الضفة الغربية طيلة السنوات الماضية، إما عبر قوائم واضحة للحركة، أو من خلال دعم مرشحين آخرين غير رسميين؛ لكنها غابت هذه المرة عن الترشح، ولم تحشد للتصويت.

ومع غياب «حماس»، تنافست القوائم المدعومة من حركة «فتح» مع أخرى مستقلّة يقودها رجال أعمال، أو مرشحون من فصائل في «منظمة التحرير»؛ مثل «الجبهة الشعبية»، أو قوائم شكلتها عائلات كبيرة متحالفة، وفي بعض المناطق تنافست قوائم في المدينة الواحدة، تتبع كلها لحركة «فتح».

وتطالب «السلطة» حركة «حماس» بتسليم غزة والسلاح، والتحول إلى حزب سياسي والاعتراف بـ«منظمة التحرير» والتزاماتها، لكن «حماس» لم تعلن ذلك حتى الآن.

عام الانتخابات

وتعدّ الانتخابات المحلية تحضيراً لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والمجلس التشريعي، والرئاسة حال تقرر ذلك.

وروجت السلطة الفلسطينية للانتخابات المحلية في أعقاب «الإصلاحات» التي قالت إنها ستنفذها بوصفها جزءاً من «خطة السلام» للرئيس الأميركي دونالد ترمب لقطاع غزة، وقال عباس، الأحد، إن «هذا العام سيكون عام الانتخابات».

وتعهدت السلطة بإجراء انتخابات تشريعية وأخرى رئاسية بعد انتهاء الحرب على قطاع غزة.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته في الانتخابات المحلية بمركز تصويت بمدينة رام الله بالضفة الغربية يوم السبت (د.ب.أ)

وأضاف مهنئاً بالانتخابات المحلية: «هذا النجاح يشكل انتصاراً جديداً للإرادة الوطنية الفلسطينية، وتجسيداً حياً لتمسك شعبنا بخيار الديمقراطية». وأردف: «هذا الإنجاز يأتي في إطار عام الديمقراطية، الذي انطلق بانتخابات الشبيبة الفتحاوية، ويتواصل عبر الانتخابات المحلية، وسيتوج الشهر المقبل بعقد المؤتمر الثامن لحركة (فتح)، وانتخابات قيادتها، وصولاً إلى انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، بما يعزز الحياة الديمقراطية، ويكرس مبدأ (صوت المواطن هو الأساس لاختيار من يمثله)».

إقبال ضعيف في غزة

وفي قطاع غزة، شهدت الانتخابات المحلية التي أقيمت بمدينة دير البلح فقط، إقبالاً ضعيفاً، في أول منافسات من نوعها منذ عقدين.

وأظهرت معدلات التصويت أن دير البلح كانت الأقل مشاركة على مستوى الأراضي الفلسطينية (غزة والضفة)، حيث بلغت 23 في المائة.

وكان يحق لـ70449 ناخباً وناخبة المشاركة في العملية التي أشرف عليها 292 مراقباً. وأظهرت النتائج التي أعلنتها لجنة الانتخابات، أن أي قائمة من القوائم الأربع المتنافسة لم تحسم النتيجة لصالحها.

ويتشكل المجلس البلدي لدير البلح من 15 عضواً من الحاصلين على أعلى الأصوات، مع ضمان تمثيل نسائي لا يقل عن 4 سيدات. وحصدت قائمة «نهضة دير البلح» 6 مقاعد، و«مستقبل دير البلح» 5 مقاعد، فيما حصلت القائمتان «السلام والبناء» و«دير البلح تجمعنا» على مقعدين لكل منهما.

ووفقاً لمصدر مراقب على الانتخابات، فإنه قانونياً «لا بد أن تكون هناك تحالفات لتشكيل المجلس البلدي الجديد»، والتقديرات تشير إلى أن القائمتين الأضعف ستدعمان أو على الأقل إحداهما، القائمة الأكبر «نهضة دير البلح» المدعومة من شخصيات قيادية في حركة «فتح».

وأقر جميل الخالدي المدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية، بأن «الوضع الميداني الأمني وما فرضته الحرب من آثار وأولويات بالنسبة للمواطن في غزة، من الأسباب المهمة التي أدت لانخفاض نسبة الاقتراع، بشكل غير متوقع».

فلسطينيون بمدينة دير البلح وسط غزة قرب مركز تصويت في الانتخابات المحلية يوم السبت (أ.ب)

واعتبر الخالدي في مؤتمر صحافي لإعلان النتائج، أن «مجرد مشاركة دير البلح في ظل هذه الظروف الصعبة التي يحياها قطاع غزة، بمثابة خطة مهمة في جوهر العملية الديمقراطية الحرة والنزيهة التي جرت في أجواء منظمة، من دون أي مشاكل تذكر رغم كل الأوضاع الصعبة».

وقال زين الدين أبو معيلق والفائز عن قائمة «نهضة دير البلح»، إن جميع القوائم المشاركة هدفها تحقيق الخدمات للمواطنين وتحسينها، مرجحاً أن تتم عملية تشكيل المجلس البلدي الجديد دون أي تعقيدات.

ورفض أبو معيلق كما آخرون من الفائزين، التعليق على قضية النسبة الضعيفة للمشاركين في الانتخابات. فيما أرجع أحدهم فضل عدم ذكر هويته، ذلك إلى الظروف التي تحيط بالسكان من حيث الوضع الاقتصادي والإنساني والأمني، معرباً عن أمله في أن تتحسن مشاركة سكان قطاع غزة في الانتخابات المقبلة.

وقال المحلل السياسي المقيم في غزة مصطفى إبراهيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الانتخابات المحلية التي جرت في دير البلح، ربما لا تعبر عن حقيقة وقناعة الفلسطينيين بضرورة الانتخابات، وهذا ما تدلل عليه النسب المتدنية للمشاركين»، مضيفاً: «قد يكون أحد أسباب ذلك أنه لم تكن هناك مشاركة فصائلية حقيقية، رغم أن هناك قوائم محسوبة أو مدعومة من حركة (فتح)، لكنها اتخذت الطابع العشائري».

ورجح إبراهيم أنه في حال شاركت «فتح» أو «حماس»، بشكل مباشر أو بدعم حقيقي لأي من القوائم، «لكانت نتائج المشاركة أعلى مما رأينا سواء على صعيد الحسم أو المشاركة».

وأضاف: «رغم عدم رضا الفلسطينيين عن النظام السياسي القائم؛ فهناك أمل لدى كثير من السكان بأن تستعيد حركة (فتح) دورها، وكذلك (حماس) ما زالت لديها القدرة على المنافسة، لكن الاعتقاد الأكبر أنها لن تحقق نتائج كما كانت في نتائج الانتخابات المحلية والتشريعية عامي 2005 و2006».


لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
TT

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

من عيتا الشعب في أقصى جنوب لبنان، إلى الحدث وحي السلم في الضاحية الجنوبية لبيروت، تتوزع خسائر المواطن اللبناني جهاد سرور (67 عاماً) جراء الحرب الإسرائيلية التي بدأت في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بقرار «حزب الله» مساندة غزة انطلاقاً من لبنان.

يقول سرور لـ«الشرق الأوسط»: «خسرتُ معظم ما أملك نتيجة الحروب المتكررة التي طالت الجنوب وبيروت». ويشرح: «كنتُ أملك ثلاثة بيوت؛ بيت في عيتا الشعب تهدّم في الحرب الماضية، وبيت في الحدث تهدّم قبل نحو شهر في جولة الحرب الأخيرة، إضافة إلى شقة في حي السلم في ضاحية بيروت الجنوبية تضرّرت يوم الأربعاء الذي شهد قصفاً كثيفاً على بيروت والضاحية».

لا يعدد جهاد ممتلكاته بقدر ما يوثّق انهيارها: «لم يبقَ لي اليوم فعلياً سوى سقف بسيط وسيارة»، يقول، قبل أن يضيف جملة تختصر التجربة: «الخسارة لم تعد حدثاً واحداً، بل تمثل مساراً مستمراً يتجدّد مع كل جولة قصف وتصعيد».

المفارقة أن الرجل الذي أمضى 33 عاماً في الولايات المتحدة، وعاد إلى لبنان قبل 15 عاماً، يواجه اليوم ما لم يختبره في أي مكان آخر. يقول: «هذه التجربة قاسية وجديدة عليّ، لم أختبر سابقاً هذا المستوى من الدمار والحرب والتهجير، ولا هذا الإحساس بفقدان الاستقرار بشكل كامل».

جانب من الدمار جرَّاء الغارات الإسرائيلية بمنطقة الحوش شرق مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ب)

وسرور واحد من عشرات اللبنانيين الذين خسروا أملاكهم في أكثر من مكان جراء الحرب. غالباً ما كان أبناء المنطقة الحدودية في الجنوب، الذين يمتلكون منازل في بيروت أو ضاحيتها الجنوبية، يقيمون فيها في موسم الدراسة، بما يمكّن أبناءهم من تلقي التعليم الجامعي، ويعملون في المدينة خلال هذه الفترة، وينتقلون صيفاً إلى قراهم في الجنوب بغرض الاصطياف. وبالنظر إلى تزامن القصف في الجنوب والضاحية، خسر بعضهم أرزاقهم في المكانين.

عائلات في منزل واحد

ودفع القصف السكان إلى اختيار مكان آمن في العاصمة أو ضواحيها الشرقية أو جبل لبنان. يقول سرور: «اليوم نقيم في منزل تملكه زوجتي في بيروت، بعدما فقدت منازلي، ومعنا أيضاً أقارب من عائلات نازحة من الجنوب والضاحية»، مشيراً إلى أن عدد سكان الشقة «يناهز الـ35 شخصاً يقيمون في المنزل نفسه، تتراوح أعمارهم بين سنة و75 عاماً».

عائلة فادي الزين التي خسرت منزلين في الخيام بجنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت تجلس على شرفة مدمرة في الضاحية (أ.ب)

بهذا المعنى، لا يعود المنزل مساحة خاصة، بل ملجأ جماعي، من خلال توصيفه: «العيش بهذا الشكل يختصر حجم الأزمة، حيث تتحوّل المنازل إلى مراكز إيواء جماعية، في ظل غياب أي أفق واضح للحل أو العودة».

وحين يُسأل عن المستقبل لا يجيب بتوقع، بل بحالة: «بصراحة، لا يمكن التخطيط لشيء، نعيش يوماً بيوم»، مضيفاً: «الإنسان يصبح وكأنه في حالة تخدير، لا يفكّر في المستقبل؛ لأن الواقع يفرض نفسه بكل ثقله».

خسارة تاريخ كامل

في عيترون الحدودية، لا ينتهي الدمار مع انتهاء القصف. هناك، يبدأ فصل آخر من الحكاية. يقول حسن لـ«الشرق الأوسط»: «ما تعيشه البلدة اليوم ليس حادثة عابرة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاعتداءات، لكن هذه المرة بوتيرة أشدّ واتساع أكبر».

الاختلاف هذه المرة، كما يراه، ليس في الشدة فقط، بل في الطريقة: «التدمير لم يقتصر على الغارات خلال العمليات العسكرية، بل استمرّ بعد وقف إطلاق النار عبر تجريف المنازل بشكل منهجي باستخدام جرافات».

آليات عسكرية إسرائيلية تواكب جرافات على الحدود الشمالية مع لبنان في مارس الماضي (إ.ب.أ)

يستعيد حسن حرب 2006 بالقول: «تعرض المنزل الذي كنت أسكنه للقصف وتضرّر بشكل كبير، يومها لم نخسر حجارة فقط، بل خسرنا ما هو أبعد من ذلك». يسكت قليلاً، ثم يضيف: «فقدت مكتبتي بالكامل، ومعها سنوات من الذكريات والأوراق والكتب التي لا يمكن تعويضها. هذه الخسارة لا تُقاس مادياً».

اليوم، يعود الخوف نفسه، لكن بشكل أكثر حدة؛ إذ يضيف: «لم يعد الأمر مجرد قصف عابر، بل احتمال فقدان المنزل بالكامل نتيجة التجريف، ما يعني تكرار التجربة نفسها، ولكن بشكل نهائي هذه المرة».

ولا تتوقف الخسارة عنده شخصياً، يقول: «ثلاثة من أشقائي خسروا منازلهم بالكامل خلال حرب الإسناد»، مضيفاً: «الخسارة لم تعد فردية، بل باتت تطول العائلة بأكملها».

الخلاصة بحسب حسن تأتي قاسية وواضحة: «ما يجري اليوم يبدو كأنه إعادة رسم للبلدة بكل ما فيها. نحن لا نخسر منازل فقط، بل نخسر تاريخاً كاملاً».

بيتٌ دُمّر عام 1978... ولم يُستكمل حتى اليوم

في بنت جبيل، تأخذ الحكاية بُعداً آخر؛ بيتٌ بدأ تدميره قبل نحو نصف قرن، ولم يخرج من دائرة التهديد حتى اليوم. يقول نادر سعد لـ«الشرق الأوسط»: «قصة منزلنا ليست حادثة واحدة، بل سلسلة حروب متتالية، كل واحدة منها تأخذ شيئاً مما بقي».

يعود إلى البداية: «عام 1977 قُصف موقع (شلعبون) القريب من منزلنا، وكان بيتنا بمنزلة امتداد له؛ فيه مكتبة، وكان المقاتلون يأتون إليه للراحة أو للاستحمام».

مركبات ومدرعات عسكرية إسرائيلية أمام مبانٍ مدمرة في جنوب لبنان يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)

ثم تأتي اللحظة المفصلية، فيكشف: «عام 1978، دخلت القوات الإسرائيلية. طلبوا من جدتي الخروج، ثم فجّروا المنزل بالكامل. هذه كانت المرة الأولى». لكن اللافت أن التدمير لم يكن النهاية، بل بداية مسار أطول؛ إذ يضيف: «عام 1984 بدأ والدي إعادة البناء، وسنة 1985 أنجز الأساسات وبعض الأعمدة، وكان يعيش في خيمة إلى جانب ما بناه»، ويضيف: «لكن في منتصف العام نفسه، طُلب منه مغادرة المنطقة، فتركنا المنزل غير مكتمل».

ظلّ البيت كذلك سنوات طويلة؛ أعمدة بلا غرف، وجدران بلا حياة: «بقي على حاله حتى عام 2000، حين عدنا وبدأنا مجدداً البناء تدريجياً، من دون قدرة فعلية على إنهائه». حتى حين نجا من التدمير الكامل، بقي هشّاً أمام كل جولة. يقول: «في حرب 2006 تضرر المنزل بالشظايا، وتحطمت سيارتنا، لكنه لم يُدمّر كلياً».

ويضيف: «أما في حرب 2024، فقُصف منزل قريب جداً، وكان الانفجار قوياً إلى درجة أنه خلع الأبواب والنوافذ من بيتنا»، ثم تأتي أكثر مفارقة قسوة: «اليوم، ومن خلال صور الأقمار الاصطناعية، نرى الدبابات متمركزة حول المنزل، لكن لا نعرف إن كان دُمّر بالكامل أم لا».

ويختم بجملة تختصر نصف قرن: «هذا البيت، الذي دُمّر أول مرة عام 1978، ولم يُستكمل بناؤه حتى اليوم، كل حرب تعيده إلى نقطة الصفر، وكأن الزمن متوقف عند أول هدم!».