تركيا تتحدث عن «ضربة قاضية» يواجهها المسلحون الأكراد في سوريا

تحذيرات من انهيار سد تشرين... وفرنسا منزعجة من تصريحات فيدان

أحد عناصر فصائل الجيش الوطني السوري الموالي لتركيا يشاهد من بعيد الدخان المتصاعد نتيجة القصف في محيط سد تشرين (أ.ف.ب)
أحد عناصر فصائل الجيش الوطني السوري الموالي لتركيا يشاهد من بعيد الدخان المتصاعد نتيجة القصف في محيط سد تشرين (أ.ف.ب)
TT

تركيا تتحدث عن «ضربة قاضية» يواجهها المسلحون الأكراد في سوريا

أحد عناصر فصائل الجيش الوطني السوري الموالي لتركيا يشاهد من بعيد الدخان المتصاعد نتيجة القصف في محيط سد تشرين (أ.ف.ب)
أحد عناصر فصائل الجيش الوطني السوري الموالي لتركيا يشاهد من بعيد الدخان المتصاعد نتيجة القصف في محيط سد تشرين (أ.ف.ب)

أكدت تركيا عزمها على الاستمرار في عملياتها بشمال سوريا، حتى القضاء على تهديدات المسلحين الأكراد، في الوقت الذي عبّرت فيه أميركا عن «تفهمها» لمخاوفها. في المقابل، طالبت الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا بالعمل على وقف الهجمات التركية في سد تشرين (ريف حلب الشرقي)، محذرة من أنها ستؤدي إلى انهياره.

وقال الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إن استراتيجية تركيا للقضاء على الإرهاب من مصدره أنزلت ضربة قاضية بالتنظيمات الإرهابية، في إشارة إلى «حزب العمال الكردستاني» و«وحدات حماية الشعب» الكردية التي تقود «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، في سوريا والعراق.

إردوغان متحدثاً خلال مؤتمر لحزبه في ديار بكر جنوب شرقي تركيا السبت (الرئاسة التركية)

وأضاف إردوغان، في كلمة خلال المؤتمر الإقليمي لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في مدينة ديار بكر، كبرى المدن ذات الأغلبية الكردية في جنوب شرقي تركيا، السبت: «نحن في مرحلة كسر الحلقة الأخيرة من اللعبة الإمبريالية، ولا أحد يستطيع أن يجعل من أبناء صلاح الدين الأيوبي خدماً وعبيداً على أبواب الصهاينة».

وتابع أن تركيا تمكنت من تمزيق «الحزام الإرهابي» المراد تشكيله شمال سوريا، من خلال عملياتها العسكرية خارج الحدود، وأنه مع «تحرير» المعارضة السورية لدمشق ضاق الخناق على الإرهابيين الانفصاليين، وباتوا يبحثون عن أسياد جدد لهم، وأن أمامهم الآن خيارين لا ثالث لهما؛ إما التوبة عن الإرهاب وترك السلاح من دون شروط أو التصفية.

تفهم أميركي

في السياق ذاته، عبّرت أميركا عن تفهمهما لمخاوف تركيا بشأن الأمن ومكافحة الإرهاب. وقال وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية، جون باس، إن البلدين يعملان بالتنسيق الوثيق في هذه القضايا، ويحرصان على تحقيق الاستقرار الإقليمي.

جانب من مباحثات باس مع الجانب التركي في أنقرة (حساب مستشار الرئيس التركي عاكف تشاغطاي كيليتش في «إكس»)

وقال باس، الذي أجرى مباحثات في تركيا يومي الخميس والجمعة حول التطورات في سوريا، إن المحور الرئيسي للنقاشات كان «عملية الانتقال السياسي في سوريا بسلاسة»، والخطوات العملية لتحقيق ذلك، وإن أميركا ستسعى لتقديم الدعم الممكن لعملية الانتقال، وستعمل على اتخاذ خطوات من شأنها تعزيز الأمن في جميع أنحاء البلاد وتحسين الظروف لجميع السوريين.

وأضاف باس، في تصريحات عقب مغادرته تركيا نقلتها وسائل إعلام تركية السبت: «كما ذكر وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن (خلال زيارته لفرنسا الأربعاء)، نحن متفقون مع الحكومة التركية وكثير من الحكومات الأخرى على أن سوريا لا يمكن، ولا ينبغي أن تكون في المستقبل ملاذاً آمناً للمنظمات الإرهابية الأجنبية أو الإرهابيين الأجانب».

وتابع: «نعتقد أن على أي إرهابي أجنبي موجود في سوريا أن يغادر البلاد. ونرى أن معظم هؤلاء يجب أن يعودوا إلى أوطانهم أو الدول التي قدموا منها عبر عملية بالتعاون مع حكوماتهم، وأن يواجهوا العدالة بسبب أفعالهم».

قوات أميركية في الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)

ولفت باس إلى أن الوجود العسكري الأميركي في سوريا يهدف إلى منع ظهور تنظيم «داعش» مجدداً بوصفه تهديداً إقليمياً، مؤكداً أن تعاون بلاده مع «الوحدات» الكردية يندرج أيضاً في إطار مكافحة «داعش».

وذكر، في الوقت ذاته، أن العناصر الإرهابية الأجنبية، بما في ذلك عناصر «حزب العمال الكردستاني»، تستغل الوضع في سوريا من وقت لآخر، وأكد ضرورة ألا يشكل هذا الوضع تهديداً لتركيا أو لجيران سوريا الآخرين.

ولم يُشِر باس على وجه الدقة إلى الأجانب من عناصر «وحدات حماية الشعب» الكردية، الذين تطالب تركيا بخروجهم من سوريا، أو وقف الدعم الأميركي للقوات الكردية، وهو أمر يشكل نقطة خلاف مع أنقرة.

وأدلى مستشار اتصالات الأمن القومي بالبيت الأبيض، جون كيربي، بتصريحات مماثلة، ليل الجمعة - السبت، أكد فيها أن واشنطن «تتفهم» المخاوف الأمنية لتركيا في الشمال السوري، وأن الهدف الأساسي للوجود العسكري الأميركي في سوريا هو محاربة تنظيم «داعش» الإرهابي، لافتاً إلى أن المباحثات بين الولايات المتحدة وتركيا متواصلة بشأن «وحدات حماية الشعب» الكردية.

رد فرنسي

في السياق ذاته، رد وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، على تصريحات لنظيره التركي، هاكان فيدان، استبعد فيها أي دور للقوات الفرنسية في سوريا، قائلاً إن الشيء الوحيد الذي يمكن أن تفعله فرنسا هو استعادة مواطنيها من عناصر «داعش» المسجونين في هذا البلد.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)

وقال بارو، في مقابلة تلفزيونية ليل الجمعة - السبت، إن «هؤلاء، باستثناء الأطفال الذين هم غير مسؤولين بأي حال عما قام به ذووهم، ينبغي إبقاؤهم حيث ارتكبوا جريمتهم، تحت مراقبة الأكراد (قوات سوريا الديمقراطية التي تتولى حراسة سجون عناصر داعش)».

ولفت إلى أنه اتصل بنظيره التركي ليذكّره بأن مصالح تركيا وفرنسا وأوروبا تكمن، إلى حد بعيد، في ضمان استقرار سوريا وسيادتها ووحدتها.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول الجمعة (رويترز)

وعبّر فيدان، في مؤتمر صحافي بإسطنبول الجمعة، عن انزعاجه من تصريحات باور عقب مباحثاته مع نظيره الأميركي أنتوني بلينكن في باريس الأربعاء، بشأن قيام فرنسا وأميركا بنشر قوات على الحدود التركية - السورية لإنهاء مخاوف تركيا الأمنية.

وقال فيدان إن «تركيا لا تولي اعتباراً للدول التي تحاول أن تخدم مصالحها الخاصة في سوريا من خلال الاختباء وراء قوة أميركا».

وعدّ فيدان أن فرنسا «لديها سياسة لا تقوم على إعادة السجناء من أعضاء (داعش) إلى بلدهم»، قائلاً إنهم «لا يأبهون لأمننا ويطرحون دائماً مطالبهم الخاصة، ولا يتخذون أي خطوات بشأن مخاوفنا».

وتعهد فيدان مجدداً بأن تنهي تركيا مشكلة الوحدات الكردية إذا لم تقم الإدارة الجديدة في سوريا بالتعامل معها.

وتصاعدت التهديدات التركية في الأسابيع الأخيرة بشن عملية عسكرية ضد «قسد» في شمال شرقي سوريا، وتحاول أميركا، ومعها فرنسا، إثناء تركيا حليفتهما في حلف شمال الأطلسي (ناتو) عن القيام بها.

معارك سد تشرين

في الوقت ذاته، يتواصل التصعيد العسكري التركي بدعم من فصائل «الجيش الوطني السوري» الموالي لأنقرة، على محاور القتال بريف منبج للسيطرة على مواقع استراتيجية، في مقدمتها سد تشرين وجسر قره قوزاق.

أحد عناصر فصائل الجيش الوطني السوري الموالي لتركيا يشارك في قصف محيط سد تشرين (أ.ف.ب)

وشهد محور سد تشرين قصفاً عنيفاً من جانب القوات التركية والفصائل الموالية، السبت، كما نفذت «قسد» عملية تسلل على محور «تل سيرتيل» في ريف منبج، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات عنيفة مع الفصائل بالأسلحة الثقيلة والرشاشات، أسفرت عن مقتل 4 عناصر من فصيلي «لواء الوقاص» و«جيش النخبة» التابعين للجيش الوطني السوري و3 من عناصر «قسد»، بحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان».

وتتزامن الاشتباكات مع احتجاجاتٍ شعبية مؤيدة لـ«قسد» في محيط سد تشرين الاستراتيجي، حيث يطالب الأهالي بتدخل دولي عاجل وفرض حظر جوي لحماية مناطق شمال وشمال شرقي سوريا من الهجمات التركية.

وبالتوازي، نفذت قوات خاصة تابعة لـ «قسد» عملية تسلل استهدفت تجمعات وتحركات للفصائل المدعومة من تركيا في منطقة «تروازية» قرب ناحية عين عيسى في ريف الرقة، التي كانت تستعد لشن هجمات على مناطق «الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا».

وأسفرت العملية عن مقتل 3 عناصر من الفصائل وإصابة 7 آخرين بجروح متفاوتة، وتدمير عدة العربات العسكرية والأسلحة التابعة للفصائل.

الفصائل الموالية لتركيا تواصل الاشتباكات في محيط سد تشرين لأكثر من شهر (أ.ف.ب)

ودعت الإدارة الذاتية، المجتمع الدولي والقوى الفاعلة في سوريا، إلى وقف الهجمات التركية على محيط سد تشرين، محذرة من وقوع كارثة إنسانية حال انهياره.

وقالت، في بيان السبت، إنّه «مُنذ سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، واصلت الفصائل المدعومة من تركيا شن الهجمات على سد تشرين ومحيطه، واستهدفت الطائرات الحربية والمسيرة التركية المناطق المحيطة بالسد، ما أدى إلى التصعيد الجاري بين مجلس منبج العسكري و(قسد) من جهة، وما يسمى الجيش الوطني السوري، من جهة أخرى».

وأكدت أن انهيار سد تشرين لن يؤثر فقط على السكان وفقد مئات الأرواح، لكن يمكن أن تكون له آثار مدمرة على المنطقة بأسرها، بما في ذلك البنية التحتية الخدمية والممتلكات العامة والخاصة، فضلاً عن الآثار البيئية الضارة.

على صعيد آخر، بدأت تركيا استعداداتها لفتح قنصليتها في حلب، وأجرى القائم بأعمال سفارتها في دمشق، السفير برهان كور أوغلو، ونائب وزير البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي، عمر بولوك، جولة تفقدية في مبنى القنصلية، المغلق منذ عام 2012، والتقيا المسؤولين في الإدارة السورية الجديدة بحلب، حيث تم تقييم الأوضاع بالمدينة.

وقال كور أوغلو إن تركيا تشكل فريقاً جديداً لإدارة القنصلية العامة في حلب، وإن المبنى بحاجة إلى ترميم وتعديلات سيتم تنفيذها من أجل فتح القنصلية في أقرب وقت ممكن.


مقالات ذات صلة

تركيا: محاكمة مزدوجة وتحقيق جديد ضد إمام أوغلو

شؤون إقليمية متظاهرون يرفعون لافتات تطالب بإطلاق سراح رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو مع انطلاق محاكمته بتهمة الفساد في قاعة داخل سجن سيليفري (أ.ف.ب)

تركيا: محاكمة مزدوجة وتحقيق جديد ضد إمام أوغلو

فتحت نيابة عامة في إسطنبول تحقيقاً فورياً جديداً ضد رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو بتهمة إهانة وتهديد موظف عام أثناء تأدية عمله.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية تدريبات عسكرية لعناصر من «بيجاك» في أربيل شمال العراق يوم 26 فبراير الماضي (رويترز)

تركيا لوحت بالتدخل شمال العراق حال انخراط مسلحين أكراد في حرب إيران

كشفت مصادر تركية عن تلويح أنقرة بالتدخل العسكري في شمال العراق حال انخراط مسلحين أكراد في حرب إيران.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا صورة كبيرة لأوجلان رفعها أكراد مشاركون في احتفالات عيد «نوروز» بإسطنبول في 22 مارس مطالبين بإطلاق سراحه (أ.ف.ب)

تركيا تتحرك لإنهاء عزلة أوجلان في إيمرالي

اتخذت تركيا خطوة لإنهاء عزلة زعيم «العمال الكردستاني»، عبد الله أوجلان، في إطار عملية السلام التي تمر عبر حل الحزب، ونزع أسلحته.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية وزيرا الدفاع البريطاني والتركي خلال توقيع اتفاقية الدعم اللوجيستي وصيانة وتشغيل مقاتلات يوروفايتر تايفون في لندن الأربعاء (وزارة الدفاع التركية - إكس)

بريطانيا وتركيا توقعان اتفاقاً مليارياً في مجال الدفاع الجوي

وقعت تركيا وبريطانيا اتفاقية دعم فني ولوجيستي تتعلق بصيانة وتشغيل طائرات «يوروفايتر تايفون» تسعى تركيا لاقتنائها لتعزيز قدرات سلاحها الجوي

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية ​الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (د.ب.أ)

إردوغان: نعمل على إحلال السلام في إيران

كشف ​الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، اليوم (الثلاثاء)، عن أن أنقرة ‌ستواصل بذل ‌كل ​ما ‌في ⁠وسعها ​من أجل إحلال ⁠السلام خلال الحرب على إيران.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

بن عيفان: مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية

مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية (مواني البحر العربي)
مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية (مواني البحر العربي)
TT

بن عيفان: مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية

مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية (مواني البحر العربي)
مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية (مواني البحر العربي)

قال مسؤول ملاحي يمني إن مواني البحر العربي قادرة على أن تكون مراكز لوجستية عالمية بما تمتلكه من ميزة تنافسية وإمكانيات متعددة تُؤهلها لاستقبال مختلف أنواع السفن التجارية، وفي مقدمتها سفن الحاويات والبضائع العامة، إلى جانب سفن البضائع السائبة والسائلة.

وأوضح الدكتور نبيل بن عيفان، القائم بأعمال مدير الشؤون البحرية بالمكلا (شرق اليمن)، في تصريحات خاصة، لـ«الشرق الأوسط»، أن ميناء المكلا يتميز بقدرته على استقبال جميع أنواع السفن، بما فيها التقليدية مثل السفن الخشبية المعروفة محلياً بـ«الزعائم»، مشيراً إلى أنه يُعد من أكثر المواني في العالم استقبالاً لهذا النوع من السفن.

مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية (مواني البحر العربي)

ووصف بن عيفان التجربة السعودية في تطوير قطاع النقل البحري والمواني بأنها «ناجحة» على المستويين الإقليمي والعالمي، مُعرباً عن أمله في أن تستفيد المواني اليمنية، وفي مقدمتها ميناء المكلا، من هذه التجربة، إلى جانب الدعم السعودي السخي لمشاريع البنية التحتية في البلاد.

خريطة طريق

كان محسن العمري، وزير النقل اليمني، قد أعلن مؤخراً خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى مشاريع ملموسة، خصوصاً فيما يتعلق بمواني: «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، و«قنا» في شبوة، و«قرمة» في أرخبيل سقطرى، إلى جانب مشروع توسعة ميناء المكلا، الذي يُعد ركيزة أساسية في النشاط الملاحي اليمني.

وتعهّد العمري بالعمل على تحويل مواني البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية، بما يعزز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.

مقوّمات كبيرة

وأشار بن عيفان إلى أن ميناء قنا في محافظة شبوة يمتلك مقوّمات كبيرة تُؤهله ليكون ميناء تجارياً ناجحاً، خصوصاً من حيث موقعه الجغرافي، وأعماقه، ومساحته الخلفية (الظهير)، إضافة إلى سَعة الأرصفة والساحات.

وتطرّق بن عيفان إلى دراسةٍ سابقة أجراها حول ميناء عدن وأهميته الاستراتيجية، مبيناً أن الميناء يمتلك مقوّمات تنافسية عالمية، وفي حال استثمارها بالشكل الأمثل يمكن أن يصبح من أبرز مواني المنطقة وأكثرها تداولاً للبضائع.

الدكتور نبيل بن عيفان القائم بأعمال مدير الشؤون البحرية بالمكلا (الشرق الأوسط)

وأضاف: «على سبيل المثال، فإن الموقع الجغرافي للميناء يربط بين الشرق والغرب، ولا تحتاج السفن لأكثر من 4 أميال بحرية لتغيير اتجاهها والوصول إلى محطة الإرشاد، كما أنه ميناء محميّ طبيعياً من الأمواج والرياح الموسمية الشمالية الشرقية والجنوبية الغربية، ما يمكّنه من العمل على مدار العام دون توقف، ويقع على بُعد 105 أميال بحرية فقط من مضيق باب المندب، الذي تَعبره نحو 21 ألف سفينة سنوياً».

استمرار القدرة التشغيلية

ووفق تقرير أعدّته الأمم المتحدة، وفقاً لبن عيفان، فإن ميناء عدن يحتاج إلى حزمة استثمارية للحفاظ على استمرارية قدرته التشغيلية الحالية، في ظل تراجع هذه القدرة نتيجة نقص أعمال الصيانة وضعف البنية التحتية ومحدودية القدرات المؤسسية. كما أشار التقرير إلى غياب خطط استثمارية طويلة الأمد، وعدم إدماج إدارة المخاطر بشكل منهجي في عمليات صنع القرار، فضلاً عن ضعف الوعي بجوانب الصحة والسلامة والبيئة.

كان الوزير العمري قد أكد الجاهزية التشغيلية لميناء عدن، مشدداً على تقديم جميع التسهيلات الممكنة للخطوط الملاحية الدولية، بما في ذلك إبرام اتفاقيات استراتيجية مع الجانب الصيني لاستئناف نشاط «الترانزيت» المتوقف منذ عام 2010.

6 محاور

واستعرض عيفان ستة محاور رئيسية لتطوير المواني اليمنية، وفي مقدمتها ميناء عدن، تشمل: تطوير البنية التحتية، والتحول الرقمي، وتعزيز المنظومة الإدارية واللوجستية، وتنمية رأس المال البشري، وتحقيق متطلبات السلامة، والحفاظ على البيئة، إلى جانب ضرورة وجود منظومة قانونية متكاملة.

وأضاف: «لا يمكن إغفال دور القطاع الخاص في عملية التطوير، إذ يُعد إحدى الركائز الأساسية لنجاح تشغيل المواني، كما أثبتت التجارب أن إسناد تشغيلها إلى القطاع الخاص يسهم في رفع كفاءتها وتعزيز تنافسيتها».

أكد بن عيفان الرغبة في الاستفادة من التجربة السعودية بتطوير المواني (مؤسسة خليج عدن)

وفي حديثه عن الدور السعودي، أكد القائم بأعمال مدير الشؤون البحرية بالمكلا أن «هناك توجهاً مهماً لدى المملكة لدعم مشاريع البنية التحتية والاقتصادية في حضرموت بشكل خاص، واليمن بشكل عام، ونأمل أن تحظى المواني بنصيب وافر من هذا الدعم، انطلاقاً من اهتمامات المملكة وتجربتها الناجحة في هذا المجال».

وأضاف: «لمسنا هذا التوجه من خلال الزيارات واللقاءات التي عُقدت، إلى جانب السماح باستيراد سلع لم يكن مسموحاً بها سابقاً، فضلاً عن الاهتمام الإعلامي بنشاط المواني في اليمن، ومنها ميناء المكلا. ونأمل أن تُترجم هذه الجهود إلى توقيع مشاريع استثمارية في المواني الحالية والمستقبلية، ولا سيما مواني حضرموت في بروم والضبة، إلى جانب بقية المحافظات».

كما عبّر بن عيفان عن شكره للعمري، مُشيداً بالجهود التي يبذلها لتطوير الموانئ اليمنية، بما في ذلك مواني البحر العربي، وإعادة تشغيلها والاستفادة من مزاياها التنافسية، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني.


لقاء بعد عامين... أمٌّ غزّية تستعيد ابنتها بين وجع الفقدان وأمل النجاة

أطفال خدّج سيُنقلون من مجمع «الشفاء» الطبي في غزة للعلاج في مصر (أ.ب)
أطفال خدّج سيُنقلون من مجمع «الشفاء» الطبي في غزة للعلاج في مصر (أ.ب)
TT

لقاء بعد عامين... أمٌّ غزّية تستعيد ابنتها بين وجع الفقدان وأمل النجاة

أطفال خدّج سيُنقلون من مجمع «الشفاء» الطبي في غزة للعلاج في مصر (أ.ب)
أطفال خدّج سيُنقلون من مجمع «الشفاء» الطبي في غزة للعلاج في مصر (أ.ب)

في واحد من أكثر القصص إنسانيةً وسط أهوال الحرب، استعادت أمٌّ من قطاع غزة ابنتها التي أُجلِيَت رضيعةً إلى مصر قبل نحو عامين، بعد رحلة طويلة من القلق والانتظار. ويأتي هذا اللقاء ضمن عودة ثمانية أطفالٍ خُدّج أُجْلوا خلال الأسابيع الأولى من الحرب، بعد أن كانوا من بين أكثر من 30 رضيعاً في حالاتٍ حرجة داخل الحاضنات بمستشفى الشفاء في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

سندس الكرد، والدة الطفلة بيسان، وصفت مشاعرها لحظة الانتظار بأنها «ممزّقةً بين الخوف والفرح»، إذ خشيت ألا تتعرّف ابنتها إليها بعد هذا الغياب الطويل. وتروي أنها حاولت إخراج طفلتها من المستشفى خلال الاشتباكات، لكنها مُنعت بسبب وضعها الصحي الحرج، لتبدأ بعدها رحلة قاسية من الغموض، لم تعرف خلالها مصير ابنتها لأشهرٍ طويلة.

وتقول الأم: «عشت بين اليأس والأمل، أتابع الأخبار وأبحث في الصور، أحاول أن أشعر إن كانت تلك طفلتي أم لا». ولم تتلقَّ أي خبر مطمئن إلا بعد نحو عام، حين أُبلغت بأن بيسان على قيد الحياة وبصح جيدة في مستشفى ميداني بمصر، وقد تم التعرف إليها عبر سوار ورديّ وُضع لها عند الولادة. وتصف تلك اللحظة بأنها «حلم تحقق»، خصوصاً أنها كانت قد فقدت قبل ذلك طفلاً آخر ووالديها وشقيقها.

ويُعدّ لمّ شمل هؤلاء الأطفال مع عائلاتهم بارقة أمل نادرة في واقعٍ يهيمن عليه الدمار، ضمن مكاسب محدود رافقت هدنة غزة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. إلا أن هذه الهدنة لم تُنهِ حالة الغموض، حيث لا يزال مستقبل القطاع معلقاً بين الحرب والسلام.

ميدانياً، تسيطر القوات الإسرائيلية على نحو نصف قطاع غزة، فيما تُعزّز حركة «حماس» نفوذها في مناطق أخرى، وسط ظروف إنساني قاسية يعيشها السكان بين الأنقاض. كما يبقى ملف إعادة الإعمار مرتبطاً بشروط معقّدة، أبرزها نزع سلاح الحركة، دون مؤشرات واضح على تحقيق تقدّم.


مصادر من «حماس» تُقر بـ«تباين» مع الوسطاء حول خطة نزع السلاح

مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ)
مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ)
TT

مصادر من «حماس» تُقر بـ«تباين» مع الوسطاء حول خطة نزع السلاح

مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ)
مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ)

في الوقت الذي كشفت فيه مصادر فلسطينية لـ«الشرق الأوسط» أن مصر وقطر وتركيا شاركت في صياغة الخطة التي قدمها «مجلس السلام» لنزع سلاح الفصائل من قطاع غزة، أقرَّت مصادر من حركة «حماس» بوجود «تباين» مع الدول الوسيطة بشأن تلك الخطة، ولكنها عدَّته «طبيعياً».

وأكدت المصادر الفلسطينية المطلعة على عمل «لجنة إدارة غزة» لـ«الشرق الأوسط» أن الدول الوسيطة في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة، كانت مطَّلعة بشكل كامل على خطة «مجلس السلام»، وذلك قبل تقديمها إلى «حماس» والفصائل.

مسلحون من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات وسط غزة (إ.ب.أ)

وكانت وثيقة نشرتها «رويترز» ووسائل إعلام أخرى، الأسبوع الماضي، قد أظهرت أن «مجلس السلام» الذي شكَّله الرئيس الأميركي دونالد ترمب قدَّم خطة لـ«حماس» تتطلب الموافقة على تدمير شبكة أنفاق تحت قطاع ​غزة، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر.

وتحدد الخطة جدولاً زمنياً يبدأ بتولي اللجنة الوطنية لإدارة غزة مسؤولية الأمن في القطاع، وينتهي بانسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وحسب المصادر القريبة من «لجنة غزة»، فإن الدول الوسيطة الثلاث بالتعاون مع الولايات المتحدة، شاركت في صياغة الخطة المقدمة إلى «حماس»، وأدخلت تعديلات، ووضعت ملاحظات عليها خلال صياغتها، بهدف تطويرها.

وبعد تأكيدهم تسلُّم المقترح، الأسبوع الماضي، أبدى قياديون في «حماس» غضباً تجاه الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، وذلك بعدما قدم إحاطة أمام مجلس الأمن، الأسبوع الماضي، شدد فيها على أنه «لن يتسنى بدء إعادة الإعمار إلا بعد توثيق مراحل نزع السلاح».

«دعم الوسطاء للخطة»

وقال مصدران من «حماس» في غزة، إنه لا علم لديهما بشأن مشاركة الوسطاء في صياغة مقترح نزع السلاح، ولكنهما رجحا في إفادات منفصلة اطلاعهم على تفاصيله قبل طرحه على «حماس». بينما قال مصدر قيادي في «حماس» خارج غزة، إنهم «لم يتلقوا إفادات واضحة بمشاركة الوسطاء في إعداد المقترح، ولكن بعض الصياغات ودعم المقترح من الوسطاء يشير إلى أن تلك الدول كانت على علم به».

وكشف المصدر القيادي أن «المقترح تمت مناقشته داخلياً، وبُحثت بعض بنوده مع الدول الوسيطة خلال لقاءات عقدت في مصر وتركيا، خلال الأيام الأخيرة»؛ مشيراً إلى أن «الموقف الفلسطيني الجماعي سيقدَّم في إطار رؤية واضحة تهدف لإدخال تعديلات على بعض البنود المهمة، بما يرفض بشكل قاطع ربط ملف تسليم السلاح بالتقدم في كافة الخطوات».

جانب من اجتماع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ووفد حركة «حماس» برئاسة خليل الحية في أنقرة يناير الماضي (الخارجية التركية)

وأكد المصدر «ضرورة إلزام إسرائيل بتنفيذ ما عليها، في ظل أن الخطة الحالية تمنحها القدرة على المراوغة والضغط على (المقاومة) بأساليب مختلفة، لتحقيق هدفها الأساسي، وهو إبقاء غزة منطقة منزوعة السلاح، وإبقاء الأمن بيدها».

«التباين طبيعي»

ورداً على سؤال بشأن وجود خلاف في المواقف بين «حماس» والوسطاء، حول خطة نزع السلاح، أجمعت المصادر الثلاثة من الحركة على وجود «تباين»، وصفه أحدهم بـ«الطبيعي». وفسَّر المصدر القيادي ذلك بأنه من وجهة نظر «حماس» والفصائل فإن «ما يطرح لا يلبي المطالب الفلسطينية كاملة، ويفرض على الفصائل تسليم سلاحها دون مقابل حقيقي تقدمه إسرائيل».

واستشهد المصدر القيادي بأنه «في مفاوضات وقف إطلاق النار الأولى، كان هناك تجاوب لدى دول الوساطة مع مطالب الفصائل، ما دفعها والولايات المتحدة للتعامل بإيجابية مع ما طُرح، وهو ما تأمل فيه الفصائل مجدداً».

ويبدو أن حركة «حماس» ستواجه صعوبة في رفض الخطة، ولذلك ستلجأ لتقديم «تعديلات» عليها لتحقيق ما تعتبرها «مكاسب وطنية فلسطينية». غير أن إسرائيل ترفض ذلك بوضوح، وتلوِّح بالعودة للحرب.

وتنص الخطة على نزع السلاح بشكل كامل، الخفيف والثقيل، والفصائلي والعشائري والشخصي، ضمن خطة تهدف إلى قانون واحد، وسلاح واحد، وبما يضمن عدم مشاركة «حماس» في حكم القطاع مدنياً وأمنياً.

وكشف مصدر مصري، قبل أسبوع تقريباً، لـ«الشرق الأوسط»، أن وزارة الداخلية المصرية ستستقبل آلافاً من المرشحين للعمل في الشرطة الفلسطينية، التي ستعمل على حفظ الأمن في قطاع غزة، وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، وسيخضعون لتدريبات على كل أنواع العمل الشرطي لمدة 6 أسابيع؛ مشيراً إلى أن عدداً آخر من المرشحين سيتوجه إلى الأردن لحضور برامج مشابهة.

وخصصت اللجنة الوطنية لإدارة غزة، في الآونة الأخيرة، رابطاً للتقدم لوظيفة أمنية في القوة الفلسطينية الجديدة. وقد سجَّل عشرات الآلاف فيه، رغم أن ما كانت تهدف إليه مؤقتاً اللجنة هو نحو 5 آلاف عنصر شرطي.

وتسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل، إلى أن تبدأ عملية إعادة الإعمار في غزة انطلاقاً من مدينة رفح جنوب القطاع، وهي المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، قبل أن يتم البدء فيها بمناطق سيطرة «حماس»، والتي تربط الخطة الجديدة إعمارها بتسليم السلاح. وترفض «حماس» باستمرار ربط إعادة الإعمار بملفات أخرى مثل تسليم السلاح.