«سامي»: في البداية كنت أبكي أمام الصور ثم تبلّدت مشاعري

«مهرّب» ملفات التعذيب السورية لـ«الشرق الأوسط»: عشت مع الضحايا كأنهم أصدقائي (الحلقة الثالثة الأخيرة)

TT

«سامي»: في البداية كنت أبكي أمام الصور ثم تبلّدت مشاعري

من معرض سويسري لصور الضحايا في «ملفات قيصر» (أ.ف.ب)
من معرض سويسري لصور الضحايا في «ملفات قيصر» (أ.ف.ب)

في الحلقة الأخيرة من مقابلته الموسّعة مع «الشرق الأوسط»، يروي أسامة عثمان، «مهرّب» ملفات التعذيب السورية المعروفة باسم «ملفات قيصر»، كيف عاش لسنوات مع صور الضحايا حتى باتوا «كأنهم أصدقائي».

ويحكي كيف كان يبكي في البداية أمام الصور «ثم تبلدت مشاعري». ويقول: «عندما كنت أبكي كنت متأكداً أنني لا أزال إنساناً، لكن عندما أصبحت أنظر إلى هذه الصور بنوع من البرود فقط لأبحث عن صورة أحسست أنني غريب عن نفسي... بشار الأسد شوّه الضحايا من الخارج وشوّهنا من الداخل».

وقال عثمان الذي عُرف على مدى 11 عاماً باسمه الكودي «سامي» قبل أن يكشف عن هويته عبر «الشرق الأوسط»، إن «أكثر ما يؤلمك أن تسمع أقارب ضحية يتعرفون عليه من الصور ويقولون: الحمد لله أنه مات وأنهم خرجوا من آلام الانتظار... تقولها أم أو زوجة بحرقة تكاد تفطر الفؤاد».

وشارك «سامي» أبرز ما استوقفه في الصور التي بلغ عددها نحو 27 ألفاً، مثل «وجود أكثر من صورة يحمل فيها الضحية وشماً كبيراً لبشار الأسد على صدره»، أو ابتسامات عناصر الأمن أمام الجثث المشوهة بآثار التعذيب «وكأنهم في منطقة سياحية». وفيما يلي نص الحلقة:

«كأنهم أصدقائي»

* كيف استطعت احتمال رؤية هذا الكم الهائل من صور التعذيب؟

- أول صور وصلتني من «قيصر» كانت مؤلمة جداً. أنت لا تتصور. يمكنك أن ترى رجلاً أطلق عليه النار وقُتل في مواجهة عسكرية أو في جريمة جنائية عادية وتستطيع أن تتفهم الذي حصل. لكن أن تصل إلى يديك صور تظهر على صدور الضحايا آثار الحرق في مواضع متعددة!

عندما أرى هذه الصور أتعايش معها. أحس أن هذا الرجل هو أخي، هو أبي. ربما يتضاعف الألم هنا. أشعر بآثار الحرق على هذه الجثة وكأنه على صدري. ما الذي دفع المجرم إلى التنكيل بهذه الضحية بهذا الشكل؟ أقتله! أحكم عليه بالقتل! إذا كان دخل إلى السجن لكي يموت فيه، فاقتله. لماذا تقوم بالتعذيب بهذه الطريقة الهمجية؟ نحن لم نر عبر التاريخ نظاماً يصرف هذه الإمكانات لكي يقوم باحتجاز أعداد هائلة جداً من المواطنين، ويقوم بتعذيبهم بهذه الطريقة التي لا تستطيع العقول البشرية السوية أن تتخيلها.

* هل كنت تعاني من الأرق وقلة النوم. هل كنت تبكي مثلاً؟

- في المراحل الأولى لا تستطيع أن تمنع نفسك من البكاء، لأن هؤلاء الأشخاص ليسوا مجرد أرقام. هؤلاء الأشخاص لديهم أمهات تنتظرهم. لديهم أبناء. لديهم إخوة. لديهم قصة حياة. بشار الأسد حوّل هؤلاء إلى صورة ورقم، وحتى الآن بعد 10 سنوات من خروجنا لسوريا لدينا آلاف الصور التي تحمل أرقاماً من دون أسماء. لا نستطيع أن نعرف صاحب هذه الصورة ما اسمه، وكان لدينا أمل أنه عندما يسقط النظام نستطيع أن نحصل على السجلات التي تربط أسماء هؤلاء بأرقامهم، ونحن حتى هذه اللحظة لم نحصل عليها.

لذلك نعمل الآن في منظمة «ملفات قيصر للعدالة» مع بعض الجهات كي يكون لدينا تطبيق يمكنه مقارنة صور المفقودين التي قد يقدمها الأهالي مع الصور التي لدينا بالطريقة التي تتبعها عادة أجهزة البحث الجنائي في الدول، وتعتمد ربما على قياسات الجمجمة وعلى بعض التفاصيل الأخرى التي لا يمكن للعين المجردة أن تقوم بملاحظتها.

* قلت إنك كنت تبكي في البداية وتتأثر كثيراً بالصور. ماذا حدث لاحقاً بعد سنوات من العيش مع صور الضحايا والتعذيب؟

- بشكل طبيعي عندما يتكرر تصفح هذه الصور عشرات المرات - وهذه آلاف الصور - فأنت تمر أمامك الصورة. عندما سألتني عن موضوع الجثث والضحايا، فأنا في ذهني مباشرة الفرع 227 بعدّه الفرع الذي تكثر فيه حالات اقتلاع العيون. هذا لأنني شاهدت هذه الصور مئات المرات. الفرع 215 هو الفرع الذي قام بأكبر عدد ممكن من الانتهاكات تجاوزت نصف إجمالي هؤلاء الضحايا. هذه الأرقام حُفِرت بذاكرتي، كما حُفِرت صور الضحايا في السنوات الأولى. وصلت إلى مرحلة ربما إذا رأيت صورة أقول لك هذه من الفرع الفلاني.

سورية ضمن مجتمعين أمام سجن في دمشق غداة سقوط الأسد أملاً بجلاء مصير ذويهم المفقودين (أ.ف.ب)

أصبح هؤلاء كأنهم أصدقائي. بعض الصور كان يبدو فيها على الضحية أنه في اللحظة الأخيرة كان يصرخ. مات وفمه مفتوح. هذه الصرخة التي لم يسمعها سوى الله وصلت إلينا عبر الصورة. أحسست أنني كنت أعيش معه، أحسست أنه يطلب شيئاً ويكلفنا ويحملنا أمانة.

في السنوات التالية، وكأن مشاعرنا قد تبلدت. وهذا كان أمراً محزناً. يعني، عندما كنت أبكي كنت متأكداً أنني لا أزال إنساناً. لكن عندما أصبحت أنظر إلى هذه الصور بنوع من البرود فقط لكي أبحث عن صورة، أحسست أنني غريب عن نفسي. بشار الأسد جعلنا نتشوه، ليس من الخارج فقط كما فعل بهؤلاء الضحايا، ولكن من الداخل أيضاً.

* جرت عمليات قتل في المستشفيات كما سمعنا... هل ضلع أطباء في عمليات التعذيب؟

- من خلال الملف الذي خرجنا به من سوريا، كانت لدينا صور كما ذكرت قبل قليل لأشخاص لا تزال الأنابيب في أذرعهم واللصقات الطبية على أجسادهم. الكثيرون ممن يتضح أنهم كانوا في المستشفيات وانتُزعوا منها وكانوا يتعالجون بطريقة أو بأخرى لا أعرف ما الذي حصل لهم بالتحديد. هل هم اعتقلوا وأخذوا إلى المشفى أو هم مرضى ودخلوا المشفى ثم اعتقلوا من هناك؟

لا أستطيع أن أجزم بهذا الأمر ولا أبت في هذه التفصيلة لأنها تحتاج إلى أدلة أخرى لا أملكها بالتأكيد. شهدنا بعض المحاكمات في ألمانيا لأطباء اتهموا بارتكاب انتهاكات ضد المعتقلين، وهذا الأمر - إذا خرجنا من إطار البحث الحقوقي الصارم والذي لا يأخذ إلا بالأدلة - نجد كثيرين من الناحية الشعبية يتداولون هذه القصص حوله. ولكن كما ذكرت قبل قليل أي تداول إعلامي أو شعبي لعمليات القتل والتعذيب لا يكون له سند قانوني حقيقي لا يصمد للأسف أمام أي قاضٍ في أي محكمة في العالم.

التعرف على الضحايا وآلام الانتظار

* كشفت الصور عن مصير حالات مفقودين. هل اتصل بك أقارب لأصحاب الصور، وماذا كان شعورك تجاه هؤلاء؟

- على فترات متقاربة أو متباعدة كانت تأتيني صور بعض الأشخاص يشتبه ذووهم بأنهم قد يكونون من الضحايا الذين وردوا في ملف قيصر، وأحاول بالوسائل الطبيعية مساعدتهم. أقوم بتصفح آلاف الصور والمقارنة. أتنقل بعيني بين الصورة التي أرسلها الإخوة وصور «قيصر» وأحاول أن أجد ملامح الشبه. هذا الأمر كان يستغرق مني وقتاً طويلاً جداً حتى أستطيع أن أجد صورة فعلاً مشابهة لتلك الملامح في غالب الأحيان.

في غالب الأحيان عندما نرسل صورة الجسد الكامل للضحية إلى الأهل، لا يكون هو. وفي حالات قليلة يكون هو، وأكثر ما يؤلمك أن تسمع كلمة «الحمد لله. الحمد لله». لماذا؟ لأنه مات. الحمد لله تقولها أم أو زوجة بحرقة تكاد تفطر الفؤاد. أهل الضحية يقولون لك: الحمد لله أنه مات وأنهم خرجوا من حالة الانتظار وآلام الانتظار. هذا ينقلك إلى التفكير بمن أوصلهم إلى هذه الحالة، أن تصل الأم أن ترى ابنها معذباً بهذا الشكل وميتاً وتقول الحمد لله.

لدينا صور لبعض الأشخاص الذين فقدوا عيونهم. هناك صورة لضحية في فرع المخابرات الجوية، وهناك وشم على أسفل الصدر إلى ما فوق السرة بقليل لبشار الأسد وتحته مكتوب سوريا الأسد. هذا الرجل تم قتله تحت التعذيب في فرع المخابرات الجوية في دمشق.

في صورة أخرى عدد كبير من الضحايا من الجثث الملقاة في العربة وتنتمي إلى عدد من الفروع وليست من فرع واحد. وفي خلفية الصورة هناك جثث تم صفها بجانب بعضها وجثث ألقيت في العراء خارج المرأب، وهناك بعض الأعضاء المتعفنة. ما يثير الحسرة في هذه الصورة هو جندي تابع للنظام يبتسم ابتسامة تجعلك تشك في مشاعرك تجاه هذا المنظر بالكامل. هل هذا الشخص يبتسم سعادة أو هو يبتسم نتيجة أنه فقد الإحساس بما يجب أن يفعله حيال منظر بهذه القسوة؟

لدينا صورة لعناصر في أحد المشافي يبتسمون في صورة تذكارية كما لو أنهم في منطقة سياحية. وفي الخلفية نرى جثثاً يتم تغليفها بالنايلون، وهناك جثث أيضاً على الطاولات، وهذه جثث في الأرض، ويبدو من الطرف الآخر بعض الأطراف. ففعلاً كان ممرات المشافي تستخدم لتغليف الجثث.

لدينا صور ذات دقة عالية للعيون المفقودة بحيث يستطيع الطبيب الجنائي أو الطبيب الشرعي أن يحدد مدى الإصابة وما التلف الذي قامت به الحشرات على الجثة التي بين يدينا. لا أريد أن أستعرض الكثير، ولا أريد أن أزيد على هذه الصور أكثر من ذلك لأن الأمر مؤلم لمن يشاهدونه ومؤلم لأقارب هؤلاء الضحايا. وصلت رسالتنا إلى العالم وفهم العالم مؤخراً مدى إجرام هذا النظام الذي كشفت عنه صور «قيصر» قبل 10 سنوات. واليوم، كشفت عنه المؤسسات الأمنية والسجون ومن كانوا فيها، قبل أن يصبحوا في مرحلة هذه الصور.

محاكمة بشار الأسد

* حين سمعت أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منح بشار الأسد اللجوء الإنساني، بماذا شعرت؟

- من بداية التدخل الروسي في سوريا في 2015، كان النظام الروسي شريكاً في جرائم النظام السوري. وكانت نظرتنا إلى المسؤولين الروس على أنهم شركاء حقيقيون للنظام وربما تقع على عاتقهم مسؤولية أكبر من مسؤولية النظام نفسه، لذلك لم نستغرب أن يلجأ بشار الأسد إلى روسيا ولا أعتقد أن هذا اللجوء سيستمر طويلاً، لأننا سنسعى بكل قوة إلى استعادة بشار الأسد واستعادة الأموال المنهوبة ومحاكمته في دمشق.

* هل تتوقع أن تأتي ساعة تقف فيها في المحكمة ويكون بشار الأسد في القفص؟

- أرجو أن أعيش حتى أرى هذه اللحظة كما أمد الله بعمري حتى سمعت خبر سقوط بشار الأسد وتحرر دمشق.

* هل تعتقد أن بشار الأسد كان يعرف ما يجري في السجون السورية؟

- إذا كنت تسألني عن رأيي الشخصي، فنحن في سوريا لا يحصل شيء لا يعلم به الرئيس. هذا نظام قمعي أمني يجلس على رأس الهرم شخص اسمه بشار الأسد أو حافظ الأسد سابقاً، ولا يمكن أن يقوم موظف في الأجهزة الأمنية التابعة لهذا النظام بتصرف لا يرضى عنه رئيس هذا النظام.

ليس لدينا في ملفنا أي وثيقة تحمل توقيع بشار الأسد، لذلك من الناحية القانونية تقع المسؤولية على عاتق رؤساء الأجهزة الأمنية بشكل مباشر كتسلسل أوامر. لكن في سوريا الجميع يعلم أن ما يحصل في أصغر فرع أمني وسجن هو أمر ممنهج ومخطط يعلم به ويرضى عنه رأس النظام.

* هل لاحظتم أن الضحايا ينتمون إلى منطقة معينة أو طائفة معينة أو انتماء ما؟

- الضحايا في ملف قيصر هم سوريون، ونحن ندافع عن كل السوريين. إذا كانت الضحايا لدينا تحمل أرقاماً وليس أسماء فكيف لي أن أعرف أن هؤلاء ينتمون إلى طائفة معينة وهؤلاء ينتمون إلى طائفة أخرى.

هناك مؤشرات يمكن أن نأخذ بها. لدينا صور تحمل أوشاماً على أجساد الضحايا. وقد تفاجأ إذا قلت لك إن هناك أكثر من صورة، يحمل الضحية وشماً كبيراً لبشار الأسد على صدره. فأنت تقول هذا الرجل من مؤيدي بشار الأسد. لا أعلم من أي طائفة، لكن هذا الرجل وصل إلى مرحلة أن يضع وشماً على كامل جسده بصورة بشار الأسد فأكيد أنه يحب بشار الأسد.

من معرض سويسري لصور الضحايا في «ملفات قيصر» (أ.ف.ب)

هناك أوشام أيضاً لغير سوريين - ربما - وأقول ربما لأن وشم خريطة فلسطين مثلاً ليس خاصاً بإخوتنا الفلسطينيين لأننا جميعاً نحب فلسطين، لكن يغلب الظن هنا أن تقول ربما هذا الرجل فلسطيني من إخوتنا الفلسطينيين في سوريا.

من خلال هذه الأوشام يمكن لك أن تظن أو تتنبأ بأن هذا الرجل لديه الميل السياسي الفلاني أو ينتمي إلى الدولة الفلانية. لكن لا أستطيع ولا أزعم أن هؤلاء الضحايا كانوا من طائفة معينة لأنني لا أملك الدليل. عندما أستطيع ربط الأسماء مع الأرقام وينتهي هذا العمل الشاق، أستطيع أن أقول إن نسبة كبيرة من هؤلاء كانوا من الطائفة الفلانية أو لا.

المعركة الحقيقية في سوريا

* هل تعتقد أن سوريا جديدة في طريقها إلى الولادة قريباً؟

- إن شاء الله، ولكن أنا لا أريد أن أكون متشائماً. المعركة الحقيقية لبناء سوريا بدأت يوم 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024 بسقوط الأسد وتحرير دمشق. المعركة بدأت الآن، وما سبق كان فقط كسراً لهذا النظام القمعي وإزاحة رأس النظام فقط.

* متى سترجع إلى سوريا؟

- أنا أتحين الفرصة لكي أرجع إلى سوريا في أقرب وقت ممكن. لدي بعض الترتيبات الإدارية. إجراءات إدارية فقط. لو كان الأمر متاحاً ربما كنت من اليوم الأول قد ذهبت إلى سوريا، لكن هناك عقبات إدارية كثيرة تحول الآن بيني وبين الذهاب.

* هل لا يزال لديك خوف بسبب دورك في ملفات قيصر؟

- الخوف الذي كان قائماً ربما هو الآن مستمر، والمبررات التي دفعتنا لأن نخفي أسماءنا لأننا نخشى على أنفسنا وعائلاتنا ربما لا تزال قائمة. المخاطر أصبحت أكبر لأن النهج أو المبدأ الذي نسير عليه الآن هو المطالبة بمحاسبة ومساءلة كل من ارتكب جرائم ضد أبناء الشعب السوري. هذا الأمر يعني أن هناك الآلاف من الأشخاص الذين لا يعجبهم هذا النهج أو هذا المبدأ الذي نسعى إليه، لذلك نعم هناك خطورة كبيرة، وأنا مدرك لحجم هذا الخطر. وأنوي أن أسير في هذا الطريق وأتحمل النتائج كافة التي تترتب على القرار الذي اتخذته. لو كان بإمكاني أن أحقق شيئاً وأنا مختفٍ لفعلت، ولكن وصلنا إلى مرحلة بات ظهورنا وتقدم الملف أمرين متلازمين.

* يعني هل قيصر يفكر في الرجوع إلى سوريا؟

- أترك إجابة هذا الأمر له.

سيرة ذاتية

* أين ولدت وماذا درست؟

- أنا ولدت في سوريا في مدينة التل من ريف دمشق عام 1966. درست في سوريا. أول سنوات دراستي الابتدائية كانت في ليبيا في مدينة بنغازي التي أحبها كثيراً. أكملت دراستي بعد ذلك في مدينة التل ودرست في جامعة دمشق الهندسة المدنية.

* أين عملت بعد تخرجك؟

- عندما تخرجت كان هناك قانون فرضه حافظ الأسد أن كل مهندس يتخرج يجب أن يخدم في مؤسسات الدولة لمدة 5 سنوات، فكان لابد من أن تكون موظفاً في هذا النظام، وأنا أقول النظام لأنني أعتقد أن نظام بشار الأسد ليس فقط المؤسسات الأمنية بل كل مؤسسة خدمية في سوريا هي مؤسسة تنتمي إلى نظام الأسد وتجري عليها الأحكام الأمنية نفسها وكذلك الرقابة الأمنية الشديدة. بالنهاية كلها مؤسسات أمنية. لذلك كنت مضطراً أن أمضي فترة خدمة في إحدى مؤسسات الدولة في محافظتنا. كنا على الأغلب بصفتنا مهندسين مدنيين نذهب إلى وزارة الإدارة المحلية ويتم توزيعنا على البلديات فبدأت في بلدية رنكوس في القلمون بريف دمشق.

بعد ذلك، حصلت مشكلة مع رئيس البلدية ومع المحافظ في ذلك الوقت كان المجرم علي زيود، وتم نفينا إلى بلديات أبعد فخدمت أيضاً، لعام تقريباً أو أقل، في بلدية قرية في أعالي القلمون اسمها حوش عرب.

* مشكلة سياسية؟

- لا، لا. مشكلة إدارية. نحن عندما تسلمنا العمل في هذه البلدية أنا وزملائي المهندسون، وللصدفة كلنا من مدينة التل، كنا نسيّر شؤون الناس، يعني أنت تحتاج إلى ترخيص وأمورك نظامية فخذ ترخيصك واذهب وابن. عندك مشكلة أو تجاوز، نحلها بإنسانية ونحلها بأبسط الطرق. هذا الأمر لم يكن يناسب جو العمل في البلديات التي تقوم على دائرة من الرشوة والابتزاز. رئيس البلدية في النهاية قال: «إذا أنا لم آخذ أموالاً من الناس، فكيف أستطيع أن أعطي المال للمحافظ؟ يعني ببساطة إذا أنتو ما خليتوني آخذ رشوة من الناس، شلون بدفع الرشوة للمحافظ؟».

* هل كان يفترض أن تنتمي إلى حزب «البعث» مثلاً؟

- ليس بشكل إلزامي، ولكن لن تكون أمورك بخير إذا لم تكن منتمياً إلى الحزب. في الصف العاشر طلبني مدير المدرسة رحمه الله، وقال لي: أنت من الأوائل أنت وفلان، ويجب أن ندخل في «شبيبة الثورة» ونصبح أعضاء في حزب «البعث»، لأن عدم دخولكم سيجعل الآخرين يدخلون ونحن نريد عناصر جيدة، ومن هذا الكلام. رفضت والآخر الذي كان معي رفض. هو اعتقل بعد أسبوع ومات. بعد عدة سنوات عرفنا أنه قُتل من دون أن نعرف الملابسات.

أنا أصبحت متوتراً، فلدينا ضابط تدريب عسكري في المدرسة ولدينا موجه ولدينا المدير. هذا يرسلني إلى هذا لكي يقنعني ثم يعود إلى هذا لكي يقنعني، وفي آخر المطاف أنا أتحجج بأن أبي مسافر. قلت له: أسأل أبي، أسأل فلاناً، أسأل... في النهاية، قال لي: الآن هل ستكون معنا في حزب «البعث» أو لا؟ قلت له: لا. قال لي «اطلع برا». كلمة «اطلع برا» معناها أن لها ما بعدها، وأنا قلق. كنت طفلاً. كان عمري 16 سنة.

* لم تنتمِ إلى الحزب قطّ؟

- نعم، لم أنتمِ إلى الحزب قطّ. بعد ذلك مرت الأمور رغم هذه التوترات. كانوا يعتقلون الأساتذة. ونحن في المدرسة كنا في طابور الصباح عندما دخلت دورية من الأمن السياسي واعتقلوا أستاذ مادة التربية الدينية أمام أعيننا، ثم ما علمناه فيما بعد أنه قُتل.

* بأي تهمة؟

- في ذلك الوقت، كنا نعيش مرحلة «الإخوان المسلمين» والصراع ما بين النظام و«الإخوان»، و«الطليعة المقاتلة» في تلك الفترة كانت تعمل في دمشق وفي المدن السورية الأخرى، لذلك كانت أول تهمة لأي شخص «أنت إخوان... أبوك إخوان... قريبك إخوان». جو أمني نعيشه في المدرسة ونحن صغار. لم أنتم إلى الحزب، ولم أكن قط - لا في المدرسة ولا في الجامعة ولا بعد ذلك - في هذا الحزب ولا في غيره.

* انتميت إلى أي حزب آخر؟

- مطلقاً. أنا اليوم أنتمي إلى منظمة «ملفات قيصر للعدالة». وهذا العمل الحقوقي يجب أن يكون منزهاً عن أي انتماء سياسي آخر مهما كان واسع الطيف. هذه المنظمة كي تدافع عن جميع السوريين فيجب ألا يسيّس هذا الملف الإنساني أبداً.


مقالات ذات صلة

تهديد أميركي بإعادة فرض «عقوبات قيصر» على سوريا

المشرق العربي عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام (رويترز) play-circle

تهديد أميركي بإعادة فرض «عقوبات قيصر» على سوريا

هدد عضو مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام، اليوم السبت، بإعادة فرض العقوبات على سوريا وفقاً لقانون قيصر، إذا قام الجيش بأي عملية عسكرية ضد القوات الكردية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزراء الخارجية والدفاع السوريون والأتراك خلال لقائهم في دمشق (الدفاع التركية - إكس)

سوريا وتركيا تتهمان «قسد» بالمماطلة بتنفيذ اتفاق الاندماج وسط تصعيد في حلب

اتهمت أنقرة ودمشق «قسد» بالمماطلة في تنفيذ اتفاقية الاندماج في الجيش السوري الموقعة في 10 مارس الماضي، وأكدتا رفض أي محاولات للمساس بوحدة سوريا واستقرارها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)

الرئيس السوري يهنئ الشعب برفع عقوبات «قيصر» ويؤكد بدء مرحلة البناء

رحّب الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، الجمعة، برفع الولايات المتحدة نهائياً العقوبات المفروضة على سوريا، في خطوة تمهّد لعودة الاستثمارات إلى البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي تجمع الناس خلال مسيرة إحياءً للذكرى السنوية الأولى للإطاحة بنظام بشار الأسد في إدلب (إ.ب.أ) play-circle

سوريا تُرحّب بإلغاء «قانون قيصر»: خطوة نحو التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار

رحّبت وزارة الخارجية السورية، اليوم (الخميس)، بتصويت مجلس النواب الأميركي أمس لصالح إلغاء «قانون قيصر».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مجلس الشيوخ الأميركي (أ.ف.ب) play-circle

«النواب الأميركي» يقرّ إلغاء «عقوبات قيصر» المفروضة على سوريا

أقر مجلس النواب الأميركي، الأربعاء، مشروع قانون يتضمن إلغاء عقوبات «قيصر» التي كانت مفروضة على سوريا، وذلك ضمن مناقشته مشروع موازنة الدفاع للعام 2026.

واشنطن بوست

الداخلية السورية: جاهزون لاستلام وتأمين سجون «داعش» في الحسكة

عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)
عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)
TT

الداخلية السورية: جاهزون لاستلام وتأمين سجون «داعش» في الحسكة

عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)
عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)

أكدت وزارة الداخلية السورية اليوم الاثنين جاهزيتها الكاملة لاستلام إدارة وتأمين سجون عناصر تنظيم داعش في محافظة الحسكة بشمال شرق البلاد، بما يضمن منع أي خرق أمني أو محاولات فرار.

كما أعلنت الوزارة في بيان استعدادها للتنسيق المباشر مع الجانب الأميركي في إطار الجهود المشتركة لمنع عودة الإرهاب وضمان أمن المنطقة واستقرارها.

وحمل البيان قوات سوريا الديمقراطية (قسد) «المسؤولية الكاملة عن أي حالات هروب أو إطلاق سراح لعناصر تنظيم داعش من السجون الواقعة تحت سيطرتها، ولا سيما ما جرى في سجن الشدادي، وتعتبر ذلك خرقا أمنيا خطيرا يهدد الأمن السوري والإقليمي والدولي».

سجن يضم عناصر من «داعش» في القامشلي بالحسكة تحت حراسة قوات «قسد» (رويترز)

وقالت الوزارة إنها أتمت تجهيز قوة خاصة مشتركة من إدارة المهام الخاصة وإدارة السجون، مهمتها استلام وتأمين محيط السجن وإدارته الداخلية، وضمان تطبيق أعلى معايير الحراسة والاحتجاز، ومنع أي محاولات تسلل أو تهريب.

وأكدت الوزارة رفضها القاطع لما وصفتها «محاولات قسد استخدام ملف معتقلي داعش كورقة ابتزاز سياسي وأمني ضد الدولة السورية، أو ربط استعادة سيادة الدولة وبسط القانون بما يسمى ‘خطر السجون‘».

كان الجيش السوري أعلن قبل قليل السيطرة على مدينة الشدادي، وبدء عمليات لتأمين المنطقة واعتقال عناصر داعش الفارين الذين أطلقت «قسد» سراحهم.

وقالت قسد في وقت سابق إن سجن «الشدادي»، الذي يضم آلاف السجناء من عناصر تنظيم داعش، خرج عن سيطرتها بعد هجمات متكررة نفذتها فصائل مسلحة تابعة للحكومة المركزية في دمشق. وذكرت أيضا أن 9 من مقاتليها قتلوا وأصيب 20 آخرون في اشتباكات مع فصائل تابعة للحكومة قرب سجن «الأقطان» بالرقة الذي يضم معتقلي تنظيم داعش.


استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية

عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)
عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)
TT

استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية

عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)
عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)

سُجّل استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية إثر استفزازات إسرائيلية للضغط عليه للانسحاب من نقاط تموضع فيها، في ظلّ تصعيد ميداني وغارات جوية متواصلة على الجنوب.

وفي سياق مواصلة الجيش اللبناني تعزيز انتشاره الميداني وتثبيت نقاط تموضع جديدة في بلدات الحافة الأمامية، عمد الاثنين إلى تثبيت نقطة جديدة في منطقة خلة المحافر جنوب بلدة عديسة، مقابل الجدار الحدودي لمستعمرة مسكاف عام، وذلك بعد تثبيت نقطة سابقة في وسط بلدة كفركلا.

عسكري لبناني إلى جانب جرافة عسكرية تقوم بإزالة العوائق بمنطقة حدودية في جنوب لبنان (قيادة الجيش)

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إنه أثناء عملية تثبيت النقطة الجديدة، أقدم الجيش الإسرائيلي على استفزاز مباشر تمثّل في تحريك دبابة «ميركافا» خارج الجدار الحدودي وتوجيه مدفعها نحو الجنود اللبنانيين، في محاولة واضحة للضغط عليهم ودفعهم إلى الانسحاب من المواقع المتقدمة، إلا أن الجيش اللبناني واجه هذا التهديد باستنفار مماثل رافضاً التراجع، وعمد إلى تثبيت مركز له في المنطقة.

تصعيد جوي إسرائيلي

ويأتي هذا التوتر الميداني بالتوازي مع تصعيد جوي؛ إذ شنّ الجيش الإسرائيلي، يوم الاثنين، سلسلة غارات على جنوب لبنان، حيث قال إنها تستهدف مواقع يستخدمها «حزب الله» لتدريب عناصره. وقال في بيان إنه يهاجم «أهدافاً تابعة لـ(حزب الله) في الجنوب»، مشيراً إلى أن «هذه المواقع كانت تُستخدم لإجراء تدريبات تمهيداً لمهاجمة قوات إسرائيلية ومدنيين»، من دون أن يحدد مواقع هذه الغارات.

تصاعد الدخان جرَّاء الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان (أ.ف.ب)

في المقابل، أفادت «الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام» بأن الطيران الحربي الإسرائيلي نفّذ سلسلة غارات جوية عنيفة استهدفت بلدات أنصار والزرارية، ومجرى نهر الشتى عند أطراف بلدة اللويزة في منطقة إقليم التفاح، إضافة إلى بلدة كفرملكي، ما أدى إلى حالة من الخوف والقلق في صفوف الأهالي.

وتواصل إسرائيل شن غاراتها على لبنان رغم وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بعد حرب استمرت أكثر من عام، وتقول إن اعتداءاتها تستهدف «حزب الله»، وأحياناً حركة «حماس» الفلسطينية.

ويأتي ذلك في وقت أعلن فيه الجيش اللبناني الأسبوع الماضي إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع السلاح التي أقرتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة، إلا أن إسرائيل شككت بهذه الخطوة واعتبرتها «غير كافية بتاتاً»، مجددة مطالبتها بنزع سلاح الحزب في كل لبنان.


بعد أكثر من عام على الحرب... نازحون لبنانيون مهددون بخسارة سكنهم المؤقت

آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
TT

بعد أكثر من عام على الحرب... نازحون لبنانيون مهددون بخسارة سكنهم المؤقت

آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

مرّ أكثر من عام على انتهاء الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان، ولا يزال عدد كبير من اللبنانيين نازحين؛ يعيشون ظروفاً حياتية صعبة للغاية، خارج قراهم الجنوبية؛ نتيجة الوضع الأمني الهشّ وعدم حصولهم على أموال إعادة الإعمار، وهم اليوم مهددون بخسارة سكنهم المؤقت إذا لم يحصلوا على بدل إيواء جديد؛ مما سيضاعف معاناتهم أكثر.

وبدل الإيواء هو مبلغ مالي دفعه «حزب الله» للنازحين الذين دُمرت منازلهم؛ كي يتمكنوا من دفع إيجار مسكنهم المؤقت لمدة عام، وهم الآن يحتاجون إلى مبلغ مالي إضافي حتى تؤمَّن عودتهم إلى قراهم وتُبنى منازلهم الخاصة من جديد.

في انتظار العودة البعيدة

«محمد.ح» (56 سنة) أحد هؤلاء النازحين، الذين نزحوا قبل عامين، أيّ منذ دخول «حزب الله» حرب «الإسناد» في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023... يقول لـ«الشرق الأوسط»: «نزحت وعائلتي المؤلفة من 6 أشخاص، ولا نزال ننتظر عودتنا حتّى اللحظة؛ لدينا أمل، ولكنه ضئيل راهناً. أعتقد أن العودة وإعادة الإعمار تحتاجان مزيداً من الوقت!».

آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

ومحمد ابن بلدة شيحين الجنوبية التي تقع على الحدود اللبنانية الجنوبية، وهو أب لأربعة أولاد، ونازح يقيم في مدينة صور (جنوب لبنان)، دمرت إسرائيل منزله... يقول: «خسرت منزلي. أدفع نحو ثلثي راتبي؛ بدل إيجار وخدمات أساسية؛ الوضع الاقتصادي، كما الأمني، صعب للغاية هنا».

ومحمد أحد الآلاف من أبناء قرى حدودية عدة ما زالوا نازحين قسراً خارج قراهم؛ يعانون ظروفاً حياتية صعبة وغير طبيعية، وهم مهددون اليوم بخسارة مأواهم إذا لم يحصلوا على بدل إيواء مرة أخرى.

ووفق أرقام «اتحاد بلديات صور»، فإن أعداد النازحين المسجلين لديه تبلغ 15 ألفاً و600 شخص؛ هم 4500 عائلة. في حين تشير أرقام «مجلس الجنوب» إلى أن عدد النازحين من القرى الحدودية والخلفية بلغ 9585 عائلة، من أصل 17 ألفاً و106 عائلات، كانت تسكن بلدات الحافتين الأمامية والخلفية وعددها 40.

يروي محمد كيف تبدو البلدة راهناً: «مدمرة بنسبة 90 في المائة، ولا يقطنها أحد؛ غالبية أهلها نازحون قسراً ويقيمون في صور وضواحيها». ويقول: «محزِن جداً أننا لا نقصد بلدتنا سوى للضرورة؛ لدفن أحد موتانا أحياناً كثيرة»، علماً بأن بعض الأهالي يقصدون البلدة لأخذ حاجياتهم التي لم تتضرر جراء الاستهدافات الإسرائيلية.

ويضيف: «وُعدنا ببدل إيواء جديد، ربما في الأشهر الثلاثة المقبلة؛ صرفنا أموال الإيواء في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ولم يبق منها أي شيء».

حُرمنا أبسط متطلبات الحياة

وعن المساعدات العينية التي تصل إلى النازحين، يقول محمد: «عادة ما نحصل عليها من جمعيات بالتنسيق مع (اتحاد بلديات صور)؛ لكنها باتت شحيحة للغاية في الأشهر الأخيرة، وغير ذلك، فهي عبارة عن مواد غذائية (كالمعلبات والحبوب) وأدوات تنظيف، ولا تكفي وحدها».

ويُعلق: «بالتأكيد نعاني راهناً من تبعات النزوح... بعض الناس حُرم أبسط متطلبات الحياة والأساسية منها، كاللباس الجيد والطعام الجيد، بحيث بات معظمهم يأكلون ويلبسون بهدف البقاء على قيد الحياة؛ ليس أكثر».

جانب من مبنى مستهدف في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ويضيف: «نأمل دائماً أن نعود إلى قرانا وحياتنا السابقة رغم الوضع الأمني المأزوم»، علماً بأن عودة النازحين تحتاج إلى أموال لإعادة الإعمار وتجهيز بنى تحتية، من مياه وكهرباء وطرقات؛ كي تكون الحياة ممكنة في تلك البلدات والقرى. ويختم: «نعلم أن منح لبنان الأموال اللازمة لإعادة الإعمار أمرٌ مشروط، ويتطلب تنازلات جمّة؛ لذا لا يمكننا تحميل الدولة مسؤولية ما نحن عليه اليوم، إذ إن هناك واقعاً يفرض نفسه».

من جانبه، يقول محسن عقيل، نائب رئيس بلدية جبين، إحدى قرى قضاء صور: «مرّ أكثر من عام وأنا أعيش تجربة النزوح مع عائلتي، وعائلة ابني أيضاً، وعددنا 9 أفراد». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «نسكن جميعاً في منزل واحد بمنطقة برج الشمالي (صور)؛ بسبب بدلات الإيجار المرتفعة نسبياً بالنسبة إلينا».

مناطق جنوب لبنان تتعرض لقصف إسرائيلي دائم رغم اتفاق وقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

وعقيل عسكري متقاعد في الجيش اللبناني... «بنيتُ منزلي في قريتي عام 2009، وبقيت منذ ذلك هناك أنا وزوجتي وخلال (حرب الإسناد)، إلى أن خرجنا منها قبل قليل من بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان». ويقول: «نهاية العام قبل الماضي حصلنا على بدل إيواء؛ لا نعلم أين ستذهب الناس في حال لم يُدفع هذا البدل مرة أخرى».

أمنية العودة ولو إلى خيام...

ويتحدث عقيل عن أقصى أمنياته وأمنيات جميع النازحين في العام الجديد بالقول: «نتمنى أن تحمل لنا السنة الجديدة عودة قريبة، حتى ولو اضطر بعضنا إلى السكن في خيام بقريته»... سئم النازحون العيش حياة غير مستقرة ومؤقتة بعيداً عن أرضهم: «كنا نعيش حياة كريمة في منازل واسعة شيدناها من طوابق عدّة، وكانت لنا متاجر وممتلكات خاصة، لكن للأسف أعادتنا إسرائيل إلى نقطة الصفر راهناً».

وعن البلدة المهجورة حالياً، التي لطالما اشتهرت بزراعة التبغ والحنطة سابقاً، يقول عقيل: «تمّ جرف جميع منازل البلدة المهدمة بالتنسيق مع (مجلس الجنوب)، باستثناء 13 منزلاً بقيت على حالها قيد الإنشاء؛ لأنها كانت سكناً للجيش الإسرائيلي»...

يزور عقيل البلدة بشكل شبه يومي، وحينما تتطلب الحاجة، بمؤازرة الجيش، ويقول: «نعوّل على الدولة اللبنانية، خصوصاً رئيس مجلس النواب، نبيه بري؛ كي تتأمن عودة الأهالي إلى قراهم الحدودية... دمرت إسرائيل منازلنا وقرانا وهجرت سكانها، حتى إننا حُرمنا أولادَنا الذين سافروا خارج البلاد بحثاً عن مكان أفضل أماناً».