فكُّ عزلة «السيدة زينب» عن محيطها مع البلدات المجاورة

«الشرق الأوسط» تزور المنطقة جنوب دمشق بعد مغادرة الميليشيات الإيرانية

مقام «السيدة زينب» يعود إلى أهل المنطقة (الشرق الأوسط)
مقام «السيدة زينب» يعود إلى أهل المنطقة (الشرق الأوسط)
TT

فكُّ عزلة «السيدة زينب» عن محيطها مع البلدات المجاورة

مقام «السيدة زينب» يعود إلى أهل المنطقة (الشرق الأوسط)
مقام «السيدة زينب» يعود إلى أهل المنطقة (الشرق الأوسط)

العزلة المحكمة التي فرضها «الحرس الثوري» الإيراني على بلدة «السيدة زينب» جنوب دمشق انتهت. كل الطرق المؤدية إليها من دمشق باتت مفتوحة أمام الأهالي والزوار، مع انتهاء الوجود الإيراني وسقوط نظام الأسد.

الطريق إليها من أوتوستراد المتحلق الجنوبي، ومن ثم حي القزاز فبلدة ببيلا، وصولاً إلى بلدة حجيرة مدخل «السيدة زينب» الشمالي، خالٍ من جميع الحواجز. في حين أزيل الساتر الترابي الضخم الذي وضعته ميليشيات إيران وأجهزة الأمن السابقة، منذ سنوات الثورة الأولى، على مدخل حجيرة الواقعة على بعد كيلومتر واحد من مقام «السيدة زينب».

موقع الساتر الترابي السابق بين بلدتي ببيلا وحجيرة قبل الوصول إلى «السيدة زينب» (الشرق الأوسط)

كان الساتر يمنع دخول السيارات إلى حجيرة، في حين يتمكن الأفراد والدراجات الهوائية والنارية من تجاوزه عبر جانبيه للوصول إلى منازلهم، حيث ارتفاع الساتر أقل مما هو عليه في مناطق أخرى، وكان يوجد خلفه عناصر مسلحة يُعتقد أنها من أجهزة الأمن السورية و«حزب الله» اللبناني، تقوم بالتدقيق بشكل كبير في البطاقات الشخصية للمارّة.

كانت حجة عزل «مقام زينب»، وحصر الوصول إليه من طريق واحد هو مفرق المستقبل على الجهة الشرقية من مطار دمشق الدولي، حماية المقام من أهالي البلدات المجاورة (يلدا، وببيلا، وبيت سحم، وعقربا...) ذات الأغلبية السكانية السنية الموجودة تاريخياً هناك، بحجة وجود عداوة بين تلك البلدات التي كانت تسيطر عليها فصائل من «الجيش الحر» («جيش أبابيل»، و«لواء العز بن عبد السلام»، و«كتيبة ابن تيمية»، و«هيئة تحرير الشام»...)، وبين أهالي «السيدة زينب» التي أغرقتها إيران بالميليشيات (الطائفية) التابعة لها مع عوائلهم.

الطريق المؤدي من حي القزاز إلى بلدة ببيلا يشهد ازدحام السيارات مرة أخرى (الشرق الأوسط)

حالياً، الدخول من القزاز إلى ببيلا بات متاحاً للجميع، بعدما كان حاجز جيش النظام عند مدخل ناحية ببيلا الذي تمت إزالته، يدقق بالبطاقات الشخصية لركاب وسائل النقل وعموم السيارات، وبهويات المارّة، ويمنع الكثيرين من الدخول، ويعتقل العشرات من المتخلفين عن الخدمتين الإلزامية والاحتياطية، ومن كان يسميهم النظام «مطلوبين».

حاجز أمني للنظام السابق على طريق القزاز - ببيلا إلى «السيدة زينب» وقد خلا من المظاهر المسلحة (الشرق الأوسط)

في السياق ذاته، عادت الحيوية إلى طريق القزاز - ببيلا الذي بات يعج ذهاباً وإياباً بالسيارات الخاصة والعامة ووسائل نقل الركاب، في حين يغص دوار ببيلا بالسيارات والمارّة، وبدت المحال التجارية في أوج نشاطها، مزيّنة بعلَم سوريا الجديد على واجهاتها.

يقوم بحفظ الأمن في ببيلا مقاتلون من فصائل المعارضة المسلحة عادوا إليها بشكل فردي، إضافة إلى مجموعات من أهالي المنطقة، يتخذون من مبنى قسم شرطة ببيلا مقراً لهم.

مقاتل عرف نفسه بـ«أبو محمد»، يوضح وهو مفعم بالفرح، أنه «تمكن أخيراً من رؤية والديه»، بعد أكثر من ثماني سنوات على تهجيره إلى الشمال من قبل النظام.

منطقة «السيدة زينب» بعد إزالة حاجز «حزب الله» (الشرق الأوسط)

يقول المقاتل لـ«الشرق الأوسط»: «نقوم بتأمين الأمن للمواطنين، وحماية المؤسسات والدوائر الحكومية، وتنظيم السير، واستقبال شكاوى الأهالي ومتابعتها»، مشيراً إلى أن طبيعة الشكاوى التي تتضمن تهديدات بالانتقام «قليلة جداً».

رئيس المجلس المحلي في ببيلا محمد عنتر (الشرق الأوسط)

بدوره، رئيس المجلس المحلي في ببيلا، محمد عنتر، يصف الوضع في البلدة بأنه «جيد»، ويضيف: «في الساعات الأولى لسقوط النظام كان طاقم البلدية موجوداً في المقر، حميناه مع مقر المحكمة من الفوضى، وفي اليوم التالي تمت إزالة الحواجز».

ووفقاً لعنتر، فقد «جرى تشكيل لجان من المجتمع المحلي لضبط الأمن؛ لأن عدداً كبيراً من الناس كان بحوزتهم سلاح، وقد خصصنا لحماية كل جادة خمسة أشخاص. كما لدينا ضابط شرطة برتبة عقيد عرض خدماته، وقد تم تكليفه بتيسير الأمور بعد الاتفاق مع وجهاء البلدة لضبط مسألة السلاح والأمن، ريثما تصل (إدارة العمليات العسكرية) وتستلم الأمور»، مشيراً إلى أنه حتى الآن لم يصل مقاتلون منها إلى ببيلا.

ازدحام السيارات على دوار بلدة ببيلا بريف دمشق (الشرق الأوسط)

ويلفت عنتر إلى أن الساتر الترابي الضخم الذي أقامته ميليشيات إيران والنظام بين آخر طريق البلدة من الجهة الجنوبية ومدخل حجيرة، تمت إزالته. ويقول: «وضعوه لمنع أهالي ببيلا ويلدا وبيت سحم وعقربا من الدخول إلى (السيدة زينب) بحجة المحافظة على أمنها».

مبنى المجلس المحلي في ببيلا والمحكمة في البلدة (الشرق الأوسط)

ويضيف: «بعد فتح الطريق لم تحصل أي مشكلة في ببيلا ولا في (السيدة زينب)، ولم تحصل عمليات ثأر، وأصلاً أهل (السيدة زينب) - الأصليون - قاموا بتنظيف المقام، وحالياً هم من يحميه، وهو مفتوح للجميع دون استثناء وبكل احترام».

ويؤكد عنتر أن الوضع «أفضل بكثير» بعد خروج إيران وميليشياتها وسقوط حكم الأسد، مضيفاً: «بوجود الإيرانيين كنا نعيش في رعب؛ يعتقل الأمن الأشخاص لأسباب لا نتوقعها، أما الآن فكل الناس مرتاحة».

دوار بلدة حجيرة باتجاه «السيدة زينب» (الشرق الأوسط)

عودة الحياة الطبيعية والحيوية التي تشهدها ببيلا تنسحب على بلدة حجيرة؛ فمع تجاوز مكان الساتر الترابي المزال تبدو ملامح التغيّر مع مواصلة وسائل النقل؛ «السرافيس» والسيارات الخاصة والعامة، طريقها دون أي إعاقات، إلى دوار حجيرة الذي تزدحم فيه السيارات عند مفترقات الطرق المتفرعة عنه.

وبينما تحاول السيارات شق طريقها بصعوبة وسط الازدحام، يقول شاب لـ«الشرق الأوسط» نزل عند دوار حجيرة من «سرفيس» قادم من وسط دمشق: «هيك أحسن بمليون مرة، بربع ساعة صرت بالحارة، بعد ما كنا نقضي ساعة ونص على طريق المطار (25 كم)، ويذلّونا على حاجز المستقبل، أو نمشي 3 كم من حجيرة لببيلا لنطلع بـ(السرفيس) ونروح على الدوام». في حين يعقّب صاحب محل تجاري على مغادرة إيران وميليشياتها المنطقة، قائلاً: «الله لا يردهم»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «عقّدونا على الحواجز؛ هذا مسموح له (بالدخول) وهذا ممنوع، وهذا اعتقلوه وهذا احتجزوه».

مقر مغلق لإحدى الحوزات الإيرانية الشيعية في «السيدة زينب» (الشرق الأوسط)

بعد تجاوز دوار حجيرة نحو الشمال تبدأ الحدود الإدارية لـ«السيدة زينب»، ويظهر مقامها وقد أزيلت من مدخله كافة بقايا مخلفات النظام وإيران؛ من حواجز وأعلام وصور الأسد ورموز إيران وميليشياتها وراياتها، مع وجود عدد من العناصر المسلحة لضبط الأمن بدا أنهم من أهالي المنطقة، في حين ينتشر في قلب المدينة مقاتلون من «إدارة العمليات العسكرية».

العلَم السوري الجديد يزيّن محلاً لبيع الخضراوات في ببيلا (الشرق الأوسط)

ولعل أكثر ما يريح أهالي المنطقة وزوارها، هو انتهاء عمليات المراقبة الطائفية اللصيقة التي كان يقوم بها مسلحو الميليشيات الإيرانية للأشخاص الذين يوضح مظهرهم الخارجي أنهم من سكان المنطقة لا طارئين عليها، حيث كانت تلك العناصر تتعقبهم بدقة، محاولة التنصت عليهم عند إجرائهم مكالمات هاتفية.


مقالات ذات صلة

مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

خاص رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)

مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني.

علي السراي (لندن)
شؤون إقليمية إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)

«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

بعد شهرين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل لم تعد إيران تملك حاكماً واحداً غير منازع في قمة السلطة في قطيعة عن إرث الماضي قد تدفع طهران إلى مزيد من التصلب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية متظاهرون مناهضون للنظام الإيراني يشاركون في مسيرة احتجاجية أمام السفارة الإيرانية في لندن يوم 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)

بريطانيا تستدعي سفير إيران بسبب منشورات «غير مقبولة» للبعثة

استدعت بريطانيا، الثلاثاء، السفير الإيراني لدى المملكة المتحدة، احتجاجاً على ما وصفته الحكومة بتعليقات «غير مقبولة وتحريضية» نشرتها السفارة الإيرانية في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية إيرانية تمر أمام لوحة دعائية عملاقة كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب (الثورة) وسط طهران الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle

ترمب: إيران في «حالة انهيار» وتطلب فتح مضيق هرمز

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن إيران أبلغت واشنطن بأنها في «حالة انهيار»، وإنها تريد من الولايات المتحدة «فتح مضيق هرمز» سريعاً.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)
العالم العربي قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية.

«الشرق الأوسط» (المنامة)

مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
TT

مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)

قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مؤكدة أن القيود التي فُرضت عليه عام 2024 جاءت على خلفية «أخطار تتعلق بالسمعة»، لا بسبب «تورط مثبت في عمليات غسل أموال».

يأتي هذا التوضيح في وقت يواجه فيه التكليف المفاجئ للزيدي تشكيل الحكومة في بغداد خلفاً لمحمد شياع السوداني تدقيقاً سياسياً في خلفيته، بعد إدراج مصرف يملكه ضمن قيود فرضها البنك المركزي العراقي على التعامل بالدولار، في إطار ما قيل حينها إنها «حملة لمكافحة التدفقات المالية غير المشروعة».

وقال ممثلون عن شركة «K2 Integrity»، طلبوا عدم الإفصاح عن هوياتهم لأنهم غير مخولين بالتصريح، إن تحقيقاً مستقلاً أجرته الشركة لم يجد «أي أدلة موثوقة» تربط الزيدي أو «مصرف الجنوب» بـ«فيلق القدس»، كما لم يرصد تدفقات مالية مباشرة من المصرف إلى جهات إقليمية مصنفة عالية المخاطر.

وأوضح أحد الممثلين، لـ«الشرق الأوسط»، أن الحظر الذي أوصت به وزارة الخزانة الأميركية و«الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك على «مصرف الجنوب» اقتصر على التعامل بالدولار الأميركي، وكان مدفوعاً بمخاطر تتعلق بالسمعة وملكية المصرف، وليس بسبب ثبوت مخالفات تتعلق بغسل الأموال أو تمويل كيانات مرتبطة بإيران.

يُعدّ الزيدي، وهو رجل أعمال يمتلك مع شقيقه وشركائه شركات، من بينها «الأويس» و«الجنوب» و«قناة دجلة»، شخصية غامضة في المشهد السياسي، وجاء تكليفه في ظل رفض أميركي علني أدى إلى استبعاد نوري المالكي من السباق، في حين أفيد بأن رفضاً غير معلن استبعد السوداني أيضاً.

رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)

قيود على إيران

وكان العراق قد فرض في فبراير (شباط) 2024 قيوداً على 8 بنوك محلية، من بينها «مصرف الجنوب الإسلامي»، مانعاً إياها من الوصول إلى الدولار عبر نافذة البنك المركزي. وجاءت تلك الخطوة ضمن جهود تقودها واشنطن للحد من تحويل الأموال إلى إيران.

وقال متحدث باسم وزارة الخزانة آنذاك إن الإجراءات تهدف إلى «حماية النظام المالي العراقي من إساءة الاستخدام»، في إشارة إلى مخاوف من توظيف العملة الأميركية في أنشطة غير قانونية.

وتسلط هذه القضية الضوء على التحدي المستمر الذي تواجهه بغداد في تحقيق توازن بين علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة وإيران، في ظل اعتمادها الكبير على الدولار الأميركي، حيث يتلقى العراق نحو 10 مليارات دولار نقداً سنوياً من «الاحتياطي الفيدرالي»، وفق تقديرات رسمية.

ورحبت السفارة الأميركية في بغداد بتكليف الزيدي، مؤكدة دعمها جهود تشكيل حكومة «تعكس تطلعات العراقيين». ويأتي ذلك بعد أشهر من الجمود السياسي، وفي ظل ضغوط مارستها إدارة دونالد ترمب هددت خلالها بقطع الدعم عن العراق إذا عاد المالكي إلى السلطة.

ويواجه الزيدي مهلة 30 يوماً لتشكيل حكومته، وسط انقسامات حادة داخل «الإطار التنسيقي»، وفي وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية منذ الضربات العسكرية على إيران في فبراير 2026، وما تبعها من استهداف جماعات مسلحة للمصالح الأميركية في العراق.


«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
TT

«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

الحرب الكلامية المشتعلة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون و«حزب الله» حول من يفاوض باسم لبنان، وتصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية، أديا إلى تعليق اجتماع رئيس الجمهورية مع رئيس البرلمان نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، وتأجيله ريثما تؤدي الاتصالات إلى تنفيس أجواء الاحتقان، وخلق المناخ المريح لاجتماعهم، واستعيض عنه باتصالات مفتوحة بينهم ريثما تنجح الولايات المتحدة الأميركية في وقف الاعتداءات بما يسمح بمعاودة اللقاء في أقرب فرصة.

لكن هذه الحرب الإعلامية التي اتسمت بسقوف سياسية عالية لن تحجب الأنظار عما حمله البيان الذي أصدره أمين عام الحزب نعيم قاسم في تبريره للأسباب الكامنة وراء رفضه الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

فالجديد في موقف قاسم الذي قال فيه: «ليعلم أصحاب السلطة أن أداءهم لن ينفع لبنان، ولن ينفعهم، فما يريده العدو الإسرائيلي-الأميركي منهم ليس بيدهم، وما تريدونه منه لن يمنحكم إياه»، قوبل باستغراب من قبل أكثرية القوى السياسية التي تقف خلف عون في خياره الدبلوماسي التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية.

رسالة إيرانية

وقالت مصادر لبنانية مطلعة على مجريات الاتصالات لـ«الشرق الأوسط» إن ما لم يقله قاسم هو الأهم بإيحائه بأن حزبه هو وحده من يملك في الميدان ما يعطيه، وليس في مقدور السلطة أن تعطي ما لا تملك. وأكدت أنه أراد تمرير رسالة لمن يعنيهم الأمر أن إيران هي الأقدر على التفاوض بالإنابة عن لبنان، وهذا ما يكمن وراء شكره لها على توصلها مع الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار في محادثات باكستان.

ولفتت المصادر إلى أن قاسم أغفل عن قصد تسمية الجهة التي سيوكل إليها المفاوضات غير المباشرة، رغم قوله إنه «لو أتى وقف النار من أي وسيط علينا أن نقبل به».

دورية لقوات «اليونيفيل» في جنوب لبنان قرب المنطقة الحدودية مع إسرائيل (أ.ب)

وسألت المصادر عن صحة ما يتردد على نطاق واسع في بيروت أن «حزب الله» انتدب مستشارين عنه لتمثيله بالوفد الإيراني في مفاوضاته مع الولايات المتحدة في باكستان يعود إليهم عند الضرورة للوقوف على رأيهم حيال ما تطرحه إيران من نقاط يعتبرها أساساً لإنهاء الحرب في الجنوب اللبناني، مع أنهم لا يجلسون على الطاولة، ويوجدون في غرفة محاذية للقاعة التي تستضيف المفاوضات؟

وقالت إنه إذا صح ما يقال في هذا الخصوص، كمل نقل عن مصدر دبلوماسي وثيق الصلة بإحدى الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، فإن إصرار الحزب على إيداع الورقة اللبنانية في السلة الإيرانية سيصطدم بموقف أميركي لا عودة عنه، ليس لرفضه ربط لبنان بإيران فحسب، وإنما لأنه من غير الجائز مصادرة القرار اللبناني بالتفاوض المباشر مع إسرائيل الذي هو من صلاحية عون، بحسب المادة 52 من الدستور، وبالتالي لا يحق لحزب مصنف أميركياً على لائحة الإرهاب أن ينوب عن الدولة بعد أن رتب على بلده أكلافاً بشرية ومادية لا تقدّر بتفرُّده بقرار السلم والحرب عندما قرر إسناد غزة، وإيران.

لماذا يرفض «حزب الله» التفاوض المباشر؟

كما سألت «حزب الله»: هل يرفض المفاوضات المباشرة بذريعة أن كلمة الفصل تبقى له على خلفية حضوره العسكري في الميدان، ويعود له تسمية الجهة التي ترعاها؟ وماذا سيقول للبنانيين في ظل الاختلال في ميزان القوى بينه وبين إسرائيل التي تستمر في تجريف البلدات، وتدميرها الممنهج للمنازل، وارتكابها للمجازر بذريعة القضاء على ما تبقى من بنيته العسكرية؟ وقالت إن إصرار الحزب على شراء الوقت برفضه المفاوضات المباشرة يعني حكماً أنه يوفّر الذرائع لإسرائيل، وإن كانت ليست في حاجة إليها للتمادي في تدمير البلدات التي لا تقتصر على تلك الواقعة في المنطقة المعروفة بالخط الأصفر، وإنما تمتد إلى بلدات الخط الأمامي في شمال نهر الليطاني، وتطل على جنوبه.

الدخان يتصاعد جراء قذائف مدفعية إسرائيلية تستهدف جنوب لبنان (إ.ب.أ)

وقالت إن عامل الوقت ليس في مصلحة لبنان، وهذا ما يتطلب من الحزب مراجعة حساباته باتخاذه قراراً جريئاً يقضي بوضع سلاحه بعهدة الدولة لتحسين شروطها في المفاوضات المباشرة، لإنقاذ ما تبقى من البلدات الواقعة في جنوب نهر الليطاني، وضفته الشمالية.

غطاء سياسي لعون

ودعت المصادر لإخراج الوضع من التأزّم بتوفير الغطاء السياسي لعون الذي كان قال كلمته، ولن يتراجع عن دعوته للتفاوض المباشر برعاية أميركية، خصوصاً أنه يشترط لبدئها إلزام إسرائيل بوقف أعمالها العدائية على قاعدة تمسكه بالثوابت الوطنية، وعدم التفريط بها تحت أي ضغط خارجي، وهو يلتقي في هذا السياق مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري من موقع الاختلاف معه برفضه المفاوضات المباشرة.

وشددت على ضرورة تنفيس الاحتقان المسيطر على البلد من جراء تصاعد الاشتباك بين عون، الذي يحظى موقفه بتأييد غالبية اللبنانيين، و«حزب الله» الذي يكاد يغرّد وحيداً في موقفه، وإن كان بري يحرص على مراعاته لاستيعابه، واحتضانه. وقالت إن الضرورة الوطنية تقضي باعتماد لغة الاعتدال في الخطاب السياسي للحفاظ على الاستقرار، وعدم تعريض السلم الأهلي لأي انتكاسة.

استحالة عودة سكان الجنوب

وأبدت المصادر مخاوفها من أن يتحوّل النزوح المؤقت للجنوبيين من بلداتهم، في حال استمرت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» التي تصاعدت وتيرتها مع تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، إلى لجوء دائم لاستحالة عودتهم إلى قراهم التي سوّتها إسرائيل بالأرض، وحوّلت القسم الأكبر من جنوب الليطاني إلى منطقة محروقة يصعب العيش فيها. ولفتت إلى أن الخيار الدبلوماسي يبقى الوحيد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي بعد أن جرّب «حزب الله» الحرب بإسناده لغزة وإيران، ورتّب على البلد أثماناً غالية، وأن إصراره على رفع سقوفه السياسية سيواجه رفضاً بما يشبه الإجماع إذا ما اعتقد أنه يريد ثمناً سياسياً بادعائه، بخلاف ما هو حاصل في الميدان، أنه حقق انتصاراً على إسرائيل، وإذا كان هناك من ثمن فهو يقتصر أولاً وأخيراً على تسهيل عودة الجنوبيين إلى قراهم التي لن تكون ميسّرة ما لم تضع الحكومة خطة مدعومة عربياً ودولياً لإعادة إعمارها، وهذا ما يشكل إحراجاً للحزب إذا ما استمر على عناده بتمسكه بسلاحه الذي يصر المجتمع الدولي على وضعه بيد الدولة لبسط سلطتها على كافة أراضيها.


مصير الفصائل العراقية بين المراوغة والمواجهة مع واشنطن

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

مصير الفصائل العراقية بين المراوغة والمواجهة مع واشنطن

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

يفتح اتفاق «الإطار التنسيقي» على تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة البابَ أمام مزيد من التساؤلات بشأن الخطوة التالية التي قد تُقدم عليها الفصائل الموالية لإيران، لا سيما في ظل ترحيب البعثة الأميركية في العراق بقرار التكليف.

حتى في ظل غياب ترحيب أو دعم أميركي لافت على مستوى وزارة الخارجية أو البيت الأبيض، الذي سبق أن تدخّل برفض ترشيح نوري المالكي، فإن هذا التطور، حسب مراقبين، يحمل إشارة مرور حذِرة للمكلف علي الزيدي للشروع في تشكيل حكومة تراعي «اشتراطات واشنطن»، التي تكررت مراراً خلال الأشهر الأخيرة على لسان كبار المسؤولين الأميركيين، مع تشديدهم على تفكيك الفصائل المسلحة ومواجهة النفوذ الإيراني في العراق.

وليس من الواضح بعد قدرة المرشح علي الزيدي على الاستجابة للشروط الأميركية، لا سيما أنه مدعوم من قوى ترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران، وقد طالت بعضها مؤخراً عقوبات أميركية مشددة، مثل «عصائب أهل الحق» التي تُعد إحدى القوى الوازنة في «الإطار التنسيقي»، إلى جانب «كتائب سيد الشهداء»، التي رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن زعيمها أبو آلاء الولائي.

وحتى مع تصريحات وبيانات سابقة لقادة الفصائل، خصوصاً «كتائب حزب الله»، بشأن رفضهم تمرير أي حكومة من دون موافقتهم، وهي رغبة تتقاطع مباشرة مع الموقف الأميركي، فإن مسألة الخطوة التالية لهذه الفصائل إزاء تشكيل الحكومة لا تزال موضع ترقب وتساؤل لدى بعض المراقبين.

تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» (رويترز)

تجديد «البيعة» لخامنئي

وتزامناً مع الترحيب الأميركي بتكليف علي الزيدي، جددت حركة «النجباء»، وهي واحدة من أبرز الفصائل المسلحة الموالية لإيران، «بيعتها» للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، في ردٍّ يشير إلى الترحيب الأميركي، غير أن مراقبين يستبعدون تأثيرها الجدي على مسار تشكيل الحكومة، باعتبار أنها لا تمتلك أي تمثيل في مجلس النواب، كما أنها لم تشر في بيانها إلى الاستحقاق الحكومي الجاري.

وقالت الحركة في بيان «نجدد البيعة والعهد (لخامنئي)، فالعراق سيبقى أبداً هو القوة الضاربة في هذا المحور، وسنظل نحن أبناء (النجباء) جنودكم الأوفياء». وأضافت: «إننا اليوم، ومن موقع الإدراك العميق لسنن التاريخ، نجدد بيعتنا المطلقة لمشروع الولاية، معلنين أن تمسكنا بهذا الخط ليس خياراً سياسياً أملته الظروف، بل هو انصياع طوعي، فكل أمر يصدر عنكم هو عندنا تكليف مقدس». وذكرت، أن «كل تحدٍّ يرميه العدو في طريقنا يعد فرصة استراتيجية، نحن في قلب الصراع، ندرك مآلاته، فامضِ بنا حيث شئت».

«حَمْل السُّلَّم بالعَرض»

لا يستبعد الباحث والخبير في الجماعات الشيعية، نزار حيدر، أن تقوم الفصائل المسلحة بـ«حَمْلُ السُّلَّم بِالعَرض»، على حد وصفه عرقلة تشكيل الحكومة بعد استشعارها الدعم الأميركي.

وقال حيدر لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الموقف «ليس جديداً على الفصائل المسلحة التي لم تنخرط في العملية السياسية، إذ تعلن دائماً أن سلاحها وولاءها لطهران، وأن تجديد بيعتها للمرشد الجديد ما هو إلا تأكيد لموقفها الثابت والمعلن».

ويشير إلى أن «جماعات الفصائل لا تعتقد بمرجعية النجف التي لا تذهب مع نظرية ولاية الفقيه، كما أنها لا تعطي أي اعتبار للدستور والقانون ولسلطة مؤسسات الدولة، وعلى رأسها سلطة القائد العام للقوات المسلحة».

وقال حيدر إن الاتفاق على تكليف علي الزيدي والمباركة الأميركية «لم يكن هذه المرة نتيجة إمساك بالعصا من الوسط، بل ثمرة الإمساك بها من الطرف الأميركي».

ورأى حيدر أن «الفصائل سوف تحمل السلم بالعرض، كما يقال، لعرقلة عمل الحكومة الجديدة، خصوصاً أن من أبرز أولوياتها في برنامجها الحكومي حصر السلاح بيد الدولة، وتفكيك الميليشيات، بدعم من القوى السياسية والقضاء، فضلاً عن الإدارة الأميركية».

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

الفصائل لن تعترض

يختلف الأكاديمي والباحث عقيل عباس مع ما يذهب إليه نزار حيدر بشأن إمكانية عرقلة الفصائل لمسار تشكيل الحكومة، إذ يرى أنها «لن تعترض على هذا الترشيح، وستفعل ما دأبت عليه دائماً، أي تجنّب إظهار اعتراضات كبرى حيال مثل هذا القرار، حتى لا تضع نفسها في مواجهة علنية مع واشنطن».

وقال عباس لـ«الشرق الأوسط» إن الفصائل عادة «تعمل على التفاصيل لاحقاً، وهذه هي براعتها، من حيث كيفية تشكيل الحكومة ومنهاجها، وطبيعة اختيار الوزراء، ونوعية التنازلات التي يمكن أن تحصل عليها من الحكومة الجديدة».

ومع ذلك، لا يستبعد أن «تقدم الفصائل، في حال تبيّن لها أن المكلف بتشكيل الحكومة يمضي نحو تقديم تنازلات جدية لواشنطن بشأن تفكيكها، على اتباع أساليب أخرى، مثل عرقلة حصول الحكومة على الثقة في البرلمان أو تعقيد مفاوضات تشكيلها».

ورأى عباس أن السؤال الجوهري الذي يجدر أن يطرح هو: «هل ستستطيع الحكومة الجديدة أن تحميهم من الضغط الأميركي بخصوص تفكيكهم».

وقال إنه، ومع «عدم وجود اتفاق أميركي-إيراني بشأن الملفات الأساسية الثلاثة: النووي، والصواريخ الباليستية، وملف الوكلاء في المنطقة، فإن المشهد معقد، لكن السيناريو الأفضل للفصائل هو تفكيكها بموافقة إيرانية، بما يتيح لها البقاء داخل العمل السياسي والحكومي، أي الاستمرار في دائرة النفوذ والتمويل والتأثير، ولكن من دون دور عسكري».

وأشار عباس إلى أنه، ومع «عدم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، فإن حل الفصائل قد يُطرح محلياً عبر مواجهة مع الحكومة المقبلة، وهو ما يُمثل الاختبار الأصعب للحكومة أمام واشنطن».