3 سيناريوهات أمام الوجود العسكري الروسي في سوريا

«الحل العسكري» هزَمَ في 12 يوماً مسارات سياسية صاغتها موسكو لسنوات

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال تفقده قواته في قاعدة حميميم باللاذقية يوم 12 ديسمبر 2017 (سبوتنيك - أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال تفقده قواته في قاعدة حميميم باللاذقية يوم 12 ديسمبر 2017 (سبوتنيك - أ.ب)
TT

3 سيناريوهات أمام الوجود العسكري الروسي في سوريا

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال تفقده قواته في قاعدة حميميم باللاذقية يوم 12 ديسمبر 2017 (سبوتنيك - أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال تفقده قواته في قاعدة حميميم باللاذقية يوم 12 ديسمبر 2017 (سبوتنيك - أ.ب)

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، إنه سيلتقي الرئيس السوري السابق بشار الأسد الذي لجأ إلى روسيا بعد سقوط نظام حكمه في دمشق. ولكن ماذا سيقول بوتين، هذه المرة، لحليفه السابق بشار الأسد؟ وما العبارة الأولى التي قد يوجهها المضيف للرجل الذي ساعدته القوات الروسية على الفرار من بلاده في ليلة عاصفة بالأحداث؟

إدارة الكرملين التي تحرص عادة على إعداد إخراج جيّد للمشهد التلفزيوني، عندما يتعلق الأمر بلقاءات بوتين، قد تفضل هذه المرة أن تبتعد عدسات الكاميرات قليلاً عن تغطية الحدث. وربما يظهر بوتين جالساً إلى طاولة صغيرة مع اللاجئ حديثاً إلى موسكو، من دون صوت. إذ لا مكان في هذا اللقاء للعبارات البروتوكولية المعتادة.

لكن، لماذا أعلن بوتين إذن أنه ينوي لقاء الأسد؟ هل ينوي توبيخه؟ يرى كثيرون في روسيا أن تعنت الرئيس السابق أضر كثيراً بجهود موسكو. وهدد عملياً كل إنجازاتها في سوريا. وربما يحرمها لاحقاً من وجودها العسكري المهم في هذا البلد.

الرئيسان بوتين والأسد في قاعدة حميميم على الساحل السوري يوم 11 ديسمبر 2017 (سبوتنيك - أ.ب)

للمقارنة، لم يعلن بوتين في أي وقت، أنه ينوي مقابلة حليفه الأوكراني السابق، فيكتور يانوكوفيتش، الذي فر في ليلة شتائية عاصفة عام 2014، إلى روسيا، وحصل على بطاقة لاجئ مثل الأسد.

هناك من يقول: قد يكون اللقاء مجرد رسالة روسية إلى الحكم الجديد في سوريا. باعتبار أن موسكو ما زالت تحتفظ بأوراق للتأثير على الوضع. لكن هذه الفرضية تتعارض مع قناعة سائدة بأن الكرملين لا يلجأ عادة لاستخدام أوراق قد حُرقت بالفعل. وهنا أيضاً يبدو مثال يانوكوفيتش واضحاً. فالرجل الذي وجّه رسائل أكثر من مرة إلى مواطنيه، من منفاه في روستوف الروسية على بعد كيلومترات عدة من حدود بلاده، بأن عليهم خلع النظام الجديد والعودة إلى أحضان الكرملين، لم يكن قادراً على لعب أي دور مهم في كل التطورات اللاحقة التي شهدتها بلاده.

بانتظار اتضاح تفاصيل المشهد، يسابق الخبراء الروس التطورات الجارية في سوريا لوضع تصورات عن المرحلة المقبلة.

مشهد غامض

عنصران من المعارضة السورية يراقبان آليات عسكرية روسية قرب قاعدة حميميم يوم 16 ديسمبر 2024 (أ.ب)

وضع بعضهم سيناريوهات متشائمة للغاية. وكتب أحد الخبراء في المجلس الروسي لشؤون السياسة والدفاع، وهو مؤسسة بحثية مرموقة للغاية، التصور التالي:

«المشهد غامض، لكن يمكن أن نحدد المخاطر الجيوسياسية المحتملة التي تواجه العالم: صراع داخلي طويل الأمد مع عناصر الحرب الأهلية. ومن غير المعروف من سيتمكن بالضبط من الاستفادة من الفوضى في دمشق والحصول على موطئ قدم. (...) كارثة إنسانية. ملايين اللاجئين، وأزمة متفاقمة في البلاد نفسها، وتفاقم أزمة الهجرة في أوروبا. وتصاعد المواجهة بين الدول. لقد بدأنا نرى بالفعل تحريك إسرائيل والولايات المتحدة وإيران. يمكن للاعبين الآخرين أيضاً الانضمام. ربما يصبح شكل الصراع في الشرق الأوسط أكثر تعقيداً. وموجة جديدة من الإرهاب الدولي. وسوف يتجاوز هذا التهديد المنطقة بكثير ويمكن أن يؤثر على مجموعة واسعة من البلدان».

في نفس هذا السياق جاءت تعليقات الخبراء البارزين في روسيا. وضع أحدهم صورة معارض سوري يدوس على تمثال للأسد الأب، وكتب إلى جانب الصورة تعليقاً مطولاً يؤكد أن كل هذا «هو مجرد بداية» والقادم أسوأ. فيما تحدث آخر عن «لعنة (باراك) أوباما»، مستعيداً تاريخ التدخل السلبي للغرب في الأزمة السورية. بينما اكتفى ثالث بوضع تحليل متشائم آخر، تحت عنوان: «علينا أن نصلّي من أجل سوريا».

صحيح أن الفترة الزمنية ما زالت محدودة للغاية، لكن اللافت أن وسائل الإعلام الروسية وكل مراكزها البحثية لم تنشر أي خبر أو تحليل يحمل نوعاً من التفاؤل بغد أفضل لسوريا.

صورة بالأقمار الاصطناعية للفرقاطة الروسية الأميرال غريغوروفيتش أمام سواحل طرطوس يوم 13 ديسمبر 2024 (ماكسار تكنولوجيز - رويترز)

هل يعكس ذلك مخاوف على سوريا نفسها، أم هو نوع من نعي السياسة الروسية في هذا البلد، ومحاولة للقول بطريقة مستترة إن مشروع الكرملين قد فشل؟

ينفي الرئيس الروسي بقوة أي شعور بالهزيمة في سوريا. قال لصحافي غربي سأله عن الموضوع: «من يدفعون لك راتبك الشهري يريدون أن يظهروا أن روسيا هزمت في سوريا، لكن هذا غير صحيح».

تبرير بوتين لشعوره الواثق هذا، يقوم على أن بلاده «أنجزت كل الأهداف التي وضعتها» عندما تدخلت عسكرياً في عام 2015.

قال الرئيس: «أتينا إلى سوريا قبل عشر سنوات لمنع نشوء جيب إرهابي آخر في المنطقة مثل أفغانستان. نحن حققنا أهدافنا». والأكثر من ذلك أن بوتين ألمح إلى دور لعبه التدخل الروسي في «تطويع المعارضة السورية» فهو أضاف: «حتى تلك المجموعات المعارضة المسلحة التي حاربت الأسد لسنوات خضعت لتغييرات داخلية كبيرة». وسأل بوتين الصحافي الغربي: «حكوماتكم في الولايات المتحدة وأوروبا تريد الآن إقامة علاقات مع هذه المجموعات (...) فإذا كانت ما زالت إرهابية فلماذا تذهبون لإقامة علاقات معها؟».

لم يضع بوتين هنا، بين أهداف بلاده في سوريا، تقديم مشروع سياسي بديل لتسوية الأزمات الإقليمية يخالف المدخل الغربي للتعامل مع الأزمات. وهو أمر لطالما فاخر بشأنه مقربون من الكرملين على مدى السنوات الماضية. وكان المنطق المطروح يقوم على أن «الغرب دمّر العراق وليبيا بينما نحن ذهبنا إلى سوريا وأوقفنا الحرب وأطلقنا مساراً سياسياً للتسوية». وتأسيساً على هذا، برزت المقولة الرائجة في روسيا بأن التدخل في سوريا أكد عودة مكانة روسيا الدولية وأنه «لا حل لأي مشكلة إقليمية أو دولية من دون موسكو».

هذا المدخل يناقض التحليلات التي ترى أن التطورات الجارية عكست فشلاً كاملاً للمشروع الروسي في سوريا، وهو مشروع كان قائماً على تأكيد قدرة الكرملين على إطفاء الحريق المشتعل في البلد عبر مساري «أستانة» و«سوتشي» اللذين تمخضا عن اتفاقات خفض التصعيد ووقف النار وإطلاق عمل اللجنة الدستورية. وهذا أمر مهم للكرملين الذي طالما تفاخر بنجاحاته في سوريا «خلافاً للفشل الأميركي في كل منطقة وبلد دخلته قوات (حلف) الناتو».

صورة بالأقمار الاصطناعية لطائرة شحن روسية عملاقة من طراز أنتونوف 124 في حميميم يوم 13 ديسمبر 2024 (ماكسار تكنولوجيز - أ.ف.ب)

السبب، وفقاً لخبراء، أن المسار السياسي على الطريقة الروسية، الذي تم إطلاقه، وتثبيته عبر الضغط العسكري والمساومات والتوافقات مع طهران وأنقرة، لكنه في النهاية ظل عاجزاً عن إحراز أي تقدم على مدى سنوات، بل إنه فاقم الظروف على الأرض وانتهى بالانفجار الذي وقع أخيراً.

لذلك تقول بعض التعليقات النادرة في روسيا، إن تقدم المعارضة المسلحة السريع والمباغت هدم في 12 يوماً مقولة «لا حل عسكرياً في سوريا» التي تم فرضها بالقوة العسكرية على مدى سنوات.

برغم ذلك، سوف يظل السؤال عن تحقيق كل الأهداف الروسية مطروحاً للبحث وفقا لسيناريوهات التطور اللاحق في سوريا.

العنصر الثاني المهم هنا، أن الكرملين بدا عاجزاً للمرة الأولى منذ سنوات عن حماية حليفه بعدما أكد قبل أيام قليلة من فراره أنه «لن يتخلى عنه». وهنا، وفقاً لمحللين، تتداخل مجموعة من العناصر، بينها أن موسكو لم تكن قادرة على فتح جبهة واسعة جديدة وهي تواجه منعطفاً خطراً في الحرب الأوكرانية بعدما وصلت الأمور إلى حافة الانزلاق إلى مواجهة مباشرة وقوية محتملة مع حلف شمال الأطلسي. أيضاً أدركت موسكو سريعاً تبدل المزاج الإقليمي والدولي حيال ملف نفوذ إيران وأذرعها العسكرية في المنطقة. كما أن الكرملين لم يخف غضبه كما ظهر من تحليلات مقربين منه، حيال تعنت الرئيس السوري الطويل أمام خطط موسكو لتهدئة الأجواء مع تركيا وفتح نافذة لتحريك التسوية السياسية. ولعب عنصران مهمان آخران دوراً في الإحجام الروسي عن مساعدة الأسد هذه المرة، أولهما عدم رغبة موسكو في تقويض كل احتمالات التفاهم اللاحق مع تركيا في حال ذهبت نحو عملية عسكرية واسعة النطاق، وثانيهما أن موسكو لم ترغب في فتح جبهة واسعة تستبق إمكانات التفاهم لاحقاً مع إدارة الرئيس المنتخب دونالد ترمب حول الملف الأوكراني والعلاقة مع قضايا الأمن الاستراتيجي في أوروبا، وهي الأمور التي تحظى بأولوية مطلقة لدى الكرملين.

أما على صعيد إنجازات الكرملين العسكرية لجهة نشر القواعد في سوريا، فإن الوضع يبدو أكثر غموضاً وتعقيداً. كان المكسب الأكبر للكرملين خلال السنوات الماضية هو إبرام اتفاقات طويلة الأجل لإقامة دائمة للقواعد العسكرية الروسية في سوريا. ويعد هذا الوجود واحداً من العناصر التي تقترب لأن تكون خطاً أحمر بالنسبة إلى موسكو، كون قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية تحولتا بعد انتهاء العمليات العسكرية النشطة في سوريا إلى القيام بمهام ذات بعد استراتيجي بالنسبة إلى موسكو. ولم يخف قادة عسكريون أكثر من مرة أن الوجود العسكري في سوريا يعد ركيزة أساسية للوجود الروسي الحربي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كلها، وأن مهام السفن الحربية والبوارج الروسية تعتمد كثيراً على القواعد في سوريا التي باتت تشكل أهمية خاصة لرفد التحركات البحرية في المحيطات. وعلى هذا الأساس، فإن الوجود العسكري في سوريا يشكل تطبيقاً للحلم الروسي القديم بالإقامة في المياه الدافئة.

كما أنه يشكل معادلاً مهماً لوجود حلف شمال الأطلسي في المنطقة، وخصوصاً في تركيا.

برغم كل ذلك، يسارع مقربون من الكرملين للقول إن موسكو مستعدة لسحب قواعدها فوراً إذا دعت الضرورة، وهو أمر أشار إليه بوتين أكثر من مرة.

صورة بالأقمار الاصطناعية للقاعدة الروسية في طرطوس يوم 17 ديسمبر 2024 (ماكسار تكنولوجيز - رويترز)

3 سيناريوهات

في هذا الشأن يرى خبراء تحدثت معهم «الشرق الأوسط» أن موسكو قد تكون مستعدة للتعامل مع واحد من 3 سيناريوهات محتملة.

الأول وهو الأقرب لضمان مصالح روسيا، أن تنجح موسكو في ترتيب توافقات مع السلطات الجديدة لإبقاء الوجود العسكري لفترة زمنية محددة، بمعنى استبدال اتفاقات الـ49 سنة باتفاقية تنظم انسحاباً روسياً في مدة خمس سنوات مثلاً. وهذا قد يسهّل على السلطة الجديدة في سوريا آليات التعامل مع الضغوط الغربية لقطع كل أشكال التعاون مع موسكو.

الثاني يقوم على الاستغناء عن القاعدة الجوية في حميميم، في مقابل الإبقاء على وجود مهم في طرطوس، في استعادة للاتفاقات السابقة منذ عام 1972 التي كانت تنظم استخداماً للمركز اللوجيستي البحري من جانب السفن الروسية في المتوسط. هذا السيناريو يحافظ على مصالح روسيا ويمكن أن يضمن تقليص الضغط الغربي المحتمل إلى حد بعيد على دمشق.

الثالث ينطلق من اضطرار روسيا للانسحاب نهائياً، من القاعدتين، على أن تسعى لاحقاً لترتيب توافقات جديدة تقوم على إبرام اتفاقات لاستخدام متبادل للمواني الجوية والبحرية أسوة باتفاقات مماثلة موقعة مع بلدان كثيرة في المنطقة وخارجها وهي لا تثير حفيظة الغرب. مهما كانت طبيعة التطورات المحتملة، فإن المؤكد أن الكرملين لم يقم بعد بوضع استراتيجية للتعامل مع الوضع الناشئ في سوريا، وما حولها. والأسئلة المطروحة كثيرة، وعلى رأسها الوضع المتعلق بتقليص نفوذ إيران الإقليمي، وتعاظم الدورين التركي والإسرائيلي في سوريا، والرؤية المستقبلية لإقامة توازن جديد في العلاقات الإقليمية يضمن الحد الأدنى من مصالح الكرملين.


مقالات ذات صلة

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

خاص نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

تسود أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب بريف حماة الغربي، عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق.

سعاد جروس (دمشق)
شمال افريقيا لاجئات سودانيات في أسوان (مفوضية اللاجئين)

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

رَحلَّت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي ومستمرة إلى الآن.

رحاب عليوة (القاهرة)
المشرق العربي قوات الدفاع الوطني الرديفة لنظام الأسد (أرشيفية)

محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

وصف المتهم الضحايا التسعة في القضية والشهود والشرطة الهولندية، بالكذب. وقال، متحدثاً عبر مترجم: «جميعهم يتآمرون ضدي».

«الشرق الأوسط» (لاهاي (هولندا))
المشرق العربي تفتيش دقيق للكنائس السورية قبل انطلاق احتفال عيد الشعانين (الداخلية السورية)

كنائس سوريا تحيي «الشعانين» وسط إجراءات أمنية مكثفة

أحيت الكنائس المسيحية التي تتبع التقويم الغربي أحد الشعانين بالصلوات داخل حرم الكنائس، وسط إجراءات أمنية مكثفة في محيطها.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي سيارة لقوات الأمن أمام كنيسة في السقيلبية اليوم السبت (أ.ب)

سوريا: عودة الهدوء إلى مدينة مسيحية بعد أحداث شغب

عاد الهدوء إلى مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة، بعد ليلة من أعمال الشغب، إلا أن أجواء قلق ما زالت تسود في أوساط المسيحيين قبل «أحد الشعانين».

سعاد جروس (دمشق)

«حزب الله» يرفض «قطعياً» التفاوض المباشر مع إسرائيل

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (د.ب.أ)
الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (د.ب.أ)
TT

«حزب الله» يرفض «قطعياً» التفاوض المباشر مع إسرائيل

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (د.ب.أ)
الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (د.ب.أ)

أكّد الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، الاثنين، رفض حزبه تفاوض السلطات اللبنانية المباشر مع إسرائيل، الذي وصفه بأنه «خطيئة خطيرة»، محذّراً بأن مِن شأن ذلك أن يُدخل البلاد في «دوامة عدم استقرار»، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال قاسم، في بيانٍ بثّته وسائل الإعلام التابعة لـ«الحزب»: «نرفض التفاوض المباشر رفضاً قطعياً. وليعلم أصحاب السلطة بأن أداءهم لن ينفع لبنان ولن ينفعهم»، وعَدَّ أن مِن مسؤولية السلطة أن «تتراجع عن خطيئاتها الخطيرة التي تضع لبنان في دوامة عدم الاستقرار، وهي مسؤولة أن تُوقف المفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي وتعتمد غير المباشِرة».

وأضاف قاسم: «هذه المفاوضات المباشرة ومُخرجاتها كأنها غير موجودة بالنسبة إلينا، ولا تعنينا من قريب ولا بعيد». وأكد: «نحن مستمرون بمقاومتنا الدفاعية عن لبنان وشعبه... وسنردُّ على العدوان الإسرائيلي، ونواجهه» مشدداً على أنه «مهما هدّد العدو فلن نتراجع، ولن ننحني، ولن ننهزم».

بعد اندلاع الحرب الأخيرة بين إسرائيل و«حزب الله» التي بدأت في 2 مارس (آذار) الماضي، عقد سفيرا لبنان وإسرائيل في واشنطن جولتَيْ مباحثات مباشرة هي الأولى بين البلدين منذ عقود. إثر الجولة الأولى، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن وقف لإطلاق النار بدأ سريانه في 17 أبريل (نيسان) الحالي لمدة 10 أيام، قبل أن يعلن تمديده 3 أسابيع بعد جولة المحادثات الثانية. وتكرر السلطات اللبنانية أن هدف المفاوضات التي تعقد برعاية أميركية هو وقف الحرب وانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان وإعادة النازحين إلى مناطقهم، بعدما شرّدت المواجهات أكثر من مليون شخص.

ورغم وقف إطلاق النار، فإن إسرائيل تواصل تنفيذ قصف جوي ومدفعي، خصوصاً على جنوب لبنان، وتنفذ قواتها عمليات هدم وتفجير واسعة النطاق في كثير من البلدات الحدودية، حيث أعلنت إقامة «خط أصفر» يفصل عشرات القرى عن بقية الأراضي اللبنانية.

من جهته، يعلن «الحزب» تنفيذ عمليات تستهدف القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان أو إطلاق صواريخ ومسيّرات نحو شمال إسرائيل. وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار، الذي نشرت وزارة الخارجية الأميركية نصه وقالت إن حكومتَي لبنان وإسرائيل وافقتا عليه، «تحتفظ» إسرائيل «بحقها في اتخاذ كافة التدابير الضرورية للدفاع عن نفسها في أي وقت بمواجهة الهجمات... ولا يتأثر هذا الحق بوقف الأعمال العدائية». ويثير هذا البند رفضاً قاطعاً من «حزب الله» الذي يقول إن نص الاتفاق لم يُعرض على الحكومة، الممثل فيها «الحزب» وحلفاؤه.

وقتل 2509 أشخاص وأصيب 7755 على الأقل في لبنان جراء الهجمات الإسرائيلية، منذ بدء الحرب في 2 مارس الماضي، وفق وزارة الصحة.


أعنف يوم منذ وقف النار... 14 قتيلاً في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

تصاعد الدخان جرَّاء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (إ.ب.أ)
تصاعد الدخان جرَّاء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

أعنف يوم منذ وقف النار... 14 قتيلاً في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

تصاعد الدخان جرَّاء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (إ.ب.أ)
تصاعد الدخان جرَّاء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان (إ.ب.أ)

أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، الاثنين، أن الغارات الإسرائيلية على جنوب البلاد، الأحد، أسفرت عن مقتل 14 شخصاً، وهو اليوم الأعنف منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» قبل أكثر من أسبوع، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

يأتي هذا في الوقت الذي تبادلت فيه إسرائيل و«حزب الله» اتهامات جديدة بخرق الهدنة الهشَّة، حيث قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إن الجيش يستهدف الحزب «بقوة»، بينما تعهَّد «الحزب» المدعوم من إيران بمواصلة الرد على «الانتهاكات».

ودخل اتفاق لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 17 أبريل (نيسان) الحالي بعد جولة مفاوضات بين سفيري إسرائيل ولبنان في واشنطن. وبينما كان من المقرر أن يمتد 10 أيام، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 23 منه، تمديده 3 أسابيع إضافية، وذلك بعد جولة محادثات ثانية عُقدت في البيت الأبيض.

وتوجد القوات الإسرائيلية داخل «الخط الأصفر» الذي أعلنت عنه إسرائيل بعمق نحو 10 كيلومترات على طول الحدود مع لبنان، حيث جرى تحذير السكان من العودة.

وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن من بين القتلى امرأتين وطفلين، مضيفة أن 37 شخصاً آخرين أصيبوا بجروح.

وأسفرت الغارات الإسرائيلية عن مقتل من لا يقلون عن 36 شخصاً منذ بدء الهدنة، وفقاً لإحصاءات «وكالة الصحافة الفرنسية» التي تستند إلى أرقام وزارة الصحة.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، مقتل جندي «في معارك» بجنوب لبنان جُرح خلالها ضابط و5 عناصر.

من جانبه، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، الاثنين، أن «لواء جولاني» دمر أكثر من 50 موقعاً تابعاً لـ«حزب الله» جنوب الخط الأصفر في لبنان خلال الأيام الماضية. ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية عن المتحدث باسم الجيش القول إنه قد جرى خلال العملية تدمير مجمع تحت الأرض، «كان يستخدمه التنظيم الإرهابي لمهاجمة الجنود والمدنيين». وأضاف المتحدث: «كما عثرت القوات على متفجرات وأسلحة وقنابل وصواريخ ومعدات قتالية أخرى داخل غرفة أطفال». كما أفادت تقارير بأنه قد جرى، الأحد، اعتراض طائرة مسيرة مفخخة أُطلقت باتجاه القوات.

«حرية العمل»

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية بشن غارات جوية إسرائيلية على مواقع عدة في جنوب البلاد الأحد، شملت مناطق أصدرت إسرائيل تحذيراً بإخلائها.

وأفاد صحافيو «وكالة الصحافة الفرنسية» برصد نزوح أعداد كبيرة من سكان المناطق المشمولة بالإنذارات وبازدحام للسير باتجاه الشمال.

وقال نتنياهو خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة: «يجب أن يكون مفهوماً أن انتهاكات (حزب الله) تقوض وقف إطلاق النار»، مضيفاً: «سنفعل كل ما يلزم لإعادة إرساء الأمن».

وجرَّ «حزب الله» لبنان إلى حرب الشرق الأوسط بعد إطلاقه في 2 مارس (آذار) الماضي صواريخ على إسرائيل «ثأراً» لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في مطلع الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران يوم 28 فبراير (شباط) الماضي.

وأضاف نتنياهو الأحد: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة؛ وبالمناسبة؛ أيضاً، مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات، وهو أمر بديهي، بل أيضاً لإحباط التهديدات الفورية وحتى التهديدات الناشئة».

وبموجب نص الاتفاق الذي نشرته وزارة الخارجية الأميركية، فإن إسرائيل تحتفظ بحرية اتخاذ «كل التدابير الضرورية للدفاع عن نفسها في أي وقت بمواجهة الهجمات المخطط لها والوشيكة والمتواصلة».

وقال نتنياهو: «هذا يعني حرية التصرف ليس فقط للرد على الهجمات... ولكن أيضاً لاستباق التهديدات المباشرة وحتى التهديدات الناشئة».

في لبنان، شدَّد «حزب الله»، المدعوم من إيران، في بيان على أن «مواصلة المقاومة استهداف تجمعات العدو الإسرائيلي على أرضنا التي يحتلها، وقصفها» شمال إسرائيل، هي «ردّ مشروع على خروقاته المتمادية لوقف إطلاق النار منذ اليوم الأول».

أكثر من 2500 قتيل

وأنذر الجيش الإسرائيلي سكان 7 قرى شمال نهر الليطاني بالإخلاء «العاجل والفوري» تمهيداً لضربها، مشيراً إلى خرق «حزب الله» اتفاق وقف إطلاق النار.

وذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام» أن الطائرات الحربية الإسرائيلية قصفت قرية كفرتبنيت؛ ما أسفر عن سقوط ضحايا، وبعد ذلك بوقت قصير، أفادت «الوكالة» أيضاً بقصف إسرائيلي على بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان؛ ما أسفر عن وقوع إصابات، في حين دمرت غارة على قرية زوطر الشرقية مسجداً ومبنى دينياً آخر.

كما أفادت «الوكالة» بقصف إسرائيلي على قرى حدودية عدة أخرى.

وأفاد صحافيو «وكالة الصحافة الفرنسية» بتصاعد الدخان من النبطية الفوقا ومناطق أخرى بعد ضربات إسرائيلية.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه هاجم «خلايا إطلاق صواريخ ومستودعات وسائل قتالية» تابعة لـ«حزب الله».

وأضاف أنه هاجم «من الجو وبنيران مدفعية مخربين وبنى تحتية عسكرية» استخدمها «حزب الله» شمال خط الدفاع الأمامي، في إشارة إلى «الخط الأصفر» الفاصل الذي أعلنت إسرائيل إقامته بعمق نحو 10 كيلومترات في جنوب لبنان.

وبعيد تصريحات نتنياهو، أعلن الجيش أنه اعترض 3 طائرات مسيَّرة قبل اختراقها الأجواء الإسرائيلية.

وقتل 2509 أشخاص وأصيب 7755 في لبنان جرَّاء الهجمات الإسرائيلية منذ 2 مارس (آذار) الماضي، وفق أحدث حصيلة نشرتها وزارة الصحة.

وأقامت «قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)» مراسم تكريم في بيروت لجندي إندونيسي قضى الجمعة بعدما أُصيب الشهر الماضي في انفجار وقع بجنوب لبنان، خلص تحقيق أولي للأمم المتحدة إلى أنه نجم عن قذيفة دبابة إسرائيلية.


وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».