مدينة دوما تتنفس الصعداء بعد سقوط نظام الأسد

عودة مكثفة للمهجَّرين... والدمار لا يزال طاغياً على جارتها حرستا

السوق التجارية في شارع الجلاء وسط دوما وتبدو فيه حركة المارة (الشرق الأوسط)
السوق التجارية في شارع الجلاء وسط دوما وتبدو فيه حركة المارة (الشرق الأوسط)
TT

مدينة دوما تتنفس الصعداء بعد سقوط نظام الأسد

السوق التجارية في شارع الجلاء وسط دوما وتبدو فيه حركة المارة (الشرق الأوسط)
السوق التجارية في شارع الجلاء وسط دوما وتبدو فيه حركة المارة (الشرق الأوسط)

تتنفس مدينة دوما، أكبر مدن غوطة دمشق الشرقية، الصعداء بعد سقوط حكم بشار الأسد المخلوع الذي جعل مدن المنطقة وبلداتها وقراها كافة مسرحاً للموت والدمار، من ضربها بالكيماوي أبريل (نيسان) 2018، إلى تحويلها مركزاً لتصنيع الكبتاغون بعد أن استردها وهجَّر مقاتلين وعائلاتهم.

الحياة تعود إلى طبيعتها تدريجياً، في دوما، المركز الإداري للغوطة الشرقية (المعروفة رسمياً باسم ريف دمشق الشرقي)، بعودة أعداد كبيرة من المهجَّرين إلى مدينتهم، واستتباب الأمن فيها ومواصلة المؤسسات عملها. في حين لا يزال مشهد الدمار طاغياً على معظم أرجاء حرستا (المجاورة).

دوار البلدية في دوما الذي تتفرع عنه مداخل الطرق إلى أحياء المدينة (الشرق الأوسط)

تبعد دوما أكثر من 14 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي من العاصمة دمشق. وبمجرد الوصول إلى مشارف المدينة من الجهة الغربية، عبر الأوتوستراد الدولي الذي يربط العاصمة بوسط البلاد وشمالها وغربها، يبدو واضحاً غياب مظاهر النظام السابق (حواجز الجيش والمفارز الأمنية وصور الأسد)، بينما غيرت عمليات ترميم أغلبية المباني خلال السنوات القليلة الماضية ما دمره النظام، مشهد المدينة عن بعد، مع اختفاء المظاهر المسلحة بشكل شبه كامل من الطريق.

ومع الدخول إلى الطرق العامة من الجهة الشمالية المؤدي إلى وسط المدينة، يتواصل اختفاء المظاهر المسلحة، مع تزايد حركة السيارات في مسربي الطريق ذهاباً وإياباً.

عودة حركة السوق إلى دوما (الشرق الأوسط)

عند دوار البلدية، تم تعليق لافتات الترحيب «بالثوار» في مداخل الطرق كافة المتفرعة منه إلى أحياء المدينة، بينما بدت الحركة في بداية شارع الجلاء الذي يعد السوق التجارية الرئيسة في المدينة خفيفة، وتتزايد بعد قطع عشرات الأمتار، لتصبح كثيفة في منتصفه، ويبدو الإقبال على الشراء كبيراً من المحال التجارية بتخصصاتها كافة.

بائع «ترمس» جوال على عربة خشبية يبدي سروره بالتغير الذي حدث، ويقول لـ«الشرق الأوسط» بعد أن يحمد الله على الخلاص: «وين كنا وين صرنا، كنا ميتين بالحياة، خوف وغلاء، بس اليوم الناس فرحانة وبالشوارع، وبإذن الله الوضع بيتحسن اكثر».

بدوره، صاحب محل لبيع الخضراوات والفاكهة، يؤكد أن الإقبال على الشراء، تزايد بنسبة كبيرة بعد سقوط النظام، الأسعار انخفضت، والناس ارتاحت نفسياً، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «كان مجوّع الناس بتحكم كبار التجار المرتبطين فيه، والإتاوات التي كان يفرضها جيشه، واليوم خلصنا من كل هذه العصابة».

رئيس المجلس المحلي في دوما خالد المكبتل في مكتبه (الشرق الأوسط)

رئيس المجلس المحلي في دوما، خالد المكبتل، الذي التقته «الشرق الأوسط» في مكتبه بمقر البلدية، يصف الوضع حالياً في دوما بعد سقوط النظام، بأنه «جيد»، ويقول: «بدأنا مرحلة جديدة، والأولوية لتأمين حاجة المواطن».

ويوضح المكبتل، بعد أن أشار إلى أن المجلس يسيّر حالياً أمور المدينة، أن الأمن مستتب مع وجود عناصر فصائل المعارضة، والمؤسسات الحكومية أغلبيتها فتحت أبوابها وعاد الدوام الطبيعي فيها، وكذلك المدارس والمشفى وجميع الأفران تعمل.

المسجد الكبير وسط دوما وعمليات الترميم في خواتيمها (الشرق الأوسط)

ووفق المكبتل، فإن الأسعار تدنت إلى أقل من النصف قياساً بما كانت عليه قبل سقوط النظام؛ لأن التصدير توقف وسوق الهال توجد فيها كميات كبيرة من الخضراوات والفاكهة، فكيلو البطاطا كان بـ12 ألفاً واليوم بـ4 آلاف، مشيراً إلى أنه «خلال اليومين الأول والثاني بعد سقوط النظام، ارتفعت الأسعار إلى أرقام قياسية، حيث وصل كيلو السكر إلى 60 ألف ليرة بعدما كان بـ12». ويضيف: «منذ يومين كل الأسعار نزلت فالسكر اليوم بـ9 آلاف؛ لأنه لم يعد هناك احتكار».

مقاتلون من «جيش الإسلام» وهم أمام مقرّ مفرزة المخابرات في شارع الجلاء بمدينة دوما (الشرق الأوسط)

وكان فصيل «جيش الإسلام» يسيطر على مدينة دوما وعلى مساحات واسعة من غوطة دمشق الشرقية بعد خروجها عن سيطرة نظام الأسد المخلوع في السنة الثانية للثورة في عام 2012، قبل أن يسيطر عليها النظام في عام 2018 ويهجّر مقاتليها وأغلبية أهلها إلى الشمال السوري.

عودة كثيفة للمهجَّرين

تشهد المدينة عودة مكثفة للمهجرين منها. عدد سكان دوما كان قبل عام 2011، نحو 585 ألف نسمة، وفي عام 2018 هبط إلى 250 ألفاً، واليوم عدد القاطنين فيها يتجاوز الـ400 ألف، والرقم يزداد يومياً بسبب عودة الأهالي من تركيا ومن الشمال ومن لبنان ومن أوروبا.

وحول رؤيته لمستقبل سوريا بعد سقوط حكم الأسد، يوضح المكبتل أن النهوض «يحتاج إلى اعتمادات مالية ضخمة وجهات مانحة، وما تم تدميره يحتاج إلى مليارات، ولكن نحن متفائلون خيراً».

رجل وطفل في مستشفى محاصر في الغوطة الشرقية في 25 فبراير 2018 (أرشيفية - رويترز)

يرتبط اسم الغوطة الشرقية وخصوصاً دوما، بالموت؛ بسبب شدة القصف الذي تعرضت له من قِبل النظام وحلفائه، والمجازر التي ارتكبت فيها والحصار والتجويع الذي فرضه عليها؛ ما خلف آلاف القتلى من المدنيين، والآلاف من المعتقلين الذين لم يُعرف مصيرهم حتى الآن.

وقصف النظام مدينة دوما بالأسلحة الكيمياوية المحرّمة دولياً في أبريل عام 2018؛ ما أدى إلى سقوط أكثر من 100 قتيل وإصابة الآلاف.

وبينما تقدّر مصادر في المنطقة أعداد مَن كانوا معتقلين من أهالي الغوطة الشرقية في سجون النظام، بأكثر من 50 ألفاً، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن مَن خرجوا من السجون من أبناء المنطقة بعد سقوط النظام، لا يتعدى الـ5 في المائة.

الدمار طاغٍ في القسم الجنوبي من حرستا ريف دمشق الشرقي (الشرق الأوسط)

طغيان للدمار في حرستا

المشهد في حرستا يختلف كلياً عما هو عليه في مدينة دوما؛ إذ لا يزال الدمار طاغياً على قسمها الجنوبي الذي تنعدم فيه مظاهر الحياة، وتقتصر على قلة من السيارات المتجهة إلى القسم الشمالي والى الطريق العامة المؤدية إلى دمشق.

وحتى في القسم الشمالي من المدينة، تبدو مظاهر الحياة ضعيفة، الشوارع خالية إلا من قلة قليلة من طلبة المدارس وبعض المارة، على حين تفتح بعض المحال التجارية وسط إقبال ضعيف على الشراء، كما هو الحال في حيي البستان والسبيل اللذين تظهر مظاهر الحياة فيهما من خلال الألبسة المنشورة على نوافذ وشرفات المنازل.

حي البستان شمال حرستا وتبدو فيه حركة الحياة ضعيفة جداً (الشرق الأوسط)

وبينما لا تزال الطرقات الرئيسة، سواء في المناطق المدمرة أو الأحياء المؤهلة، بحالة سيئة بسبب كثافة القصف الذي تعرّضت له المدينة في السنوات الأخيرة، تبدو عموم المنطقة خالية من الانتشار العسكري لعناصر فصائل المعارضة إلا من بعض سياراتهم التي كانت تمر مسرعة في الطرقات.

وخلال جولة «الشرق الأوسط»، التقت رئيس «مجلس شورى حرستا» مصباح الدجلين، الذي كشف عن أن «المجلس» الذي تم تشكيله منذ عام 2020 في المناطق المحررة في شمال سوريا، انتقل بعد سقوط النظام، إلى المدينة. وأوضح، أن المجلس يتألف من سبعة أعضاء، هم من وجهاء المدينة وكلهم عادوا من الشمال، مؤكداً: «سنقوم لاحقاً بتوسعته بحيث يضم وجهاء من داخل المدينة التي استقبلنا أهلها المقيمون فيها بالترحيب والتفوا حولنا».

صفحة جديدة

ويقول الدجلين: «لقد فتحنا صفحة جديدة مع الجميع إلا من تلطخت يداه بالدماء وأكل حقوق الآخرين»، مشيراً إلى أن المجلس الذي يتخذ من مبنى فرع الأمن الجنائي في حرستا مقراً له، هو من يقوم حالياً بتسيير أمور المؤسسات والدوائر في المدينة.

يوضح الدجلين: «عندما كنا في الشمال السوري كنا نعد العدّة لهذه اللحظة»، ويشير إلى أن عدد المقاتلين الذين دخلوا حرستا نحو 300 مقاتل من أكثر من فصيل، لكن كلهم يتبعون «إدارة العمليات العسكرية». ويؤكد أن المؤسسات المدنية كافة لم يتم الاقتراب منها «نسيّرها بحسب مصلحة البلد».

ويبدي رئيس «مجلس شورى حرستا» تفاؤله بمستقبل البلاد، ويقول: «إن شاء الله في غضون عام سوريا ستضاهي بلاد أوروبا بالتقدم».


مقالات ذات صلة

محكمة الجنايات في دمشق تؤجل محاكمة عاطف نجيب إلى 19 يونيو

المشرق العربي عاطف نجيب في جلشة المحاكمة الأولى (أ.ف.ب)

محكمة الجنايات في دمشق تؤجل محاكمة عاطف نجيب إلى 19 يونيو

رفع القاضي الجلسة إلى يوم 19 يونيو المقبل؛ وذلك لإتاحة المجال أمام النيابة العامة والدفاع لتقديم المطالبات والادعاءات والشهود، وفق الإجراءات القانونية.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي معبر «نصيب» على الحدود السورية - الأردنية (أ.ف.ب)

مرسوم للشرع يتشدد مع تهريب المخدرات والأسلحة و«البضائع الإسرائيلية»

أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسوماً يتضمن قانوناً جديداً للجمارك في سوريا ينظم عمل الأمانات الجمركية وحركة البضائع والرسوم عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية.

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
المشرق العربي صورة من موقع التفجير خارج مبنى وزارة الدفاع في دمشق يوم 19 مايو 2026 (أ.ب) p-circle 00:26

«الدفاع السورية» تعلن مقتل جندي وإصابة 23 بتفجير سيارة مفخخة في دمشق

أعلنت وزارة الدفاع السورية، الثلاثاء، مقتل جندي من جراء استهداف «مركز إدارة التسليح» التابع لوزارة الدفاع في العاصمة دمشق...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي من الاحتجاجات في الرقة الأحد (مواقع تواصل)

«تسعيرة شراء القمح» تشعل احتجاجات المزارعين في المحافظات السورية

لليوم الثاني على التوالي، تظاهر مئات المزارعين بعدد من المحافظات السورية احتجاجاً على تسعيرة شراء القمح للموسم الحالي.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي جولة تفقدية لوفد من رئاسة «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية» على منفذ «اليعربية» الحدودي مع العراق أبريل الماضي (الهيئة)

عبور أول قافلة ترانزيت من تركيا إلى العراق عبر الأراضي السورية

شهد منفذ تل أبيض الحدودي، الاثنين، عبور أول قافلة ترانزيت قادمة من تركيا، باتجاه الأراضي العراقية، عبر منفذ اليعربية، وذلك في خطوة تعكس عودة تنشيط حركة النقل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

10 قتلى بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان

دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية دير قانون النهر في جنوب لبنان 19 مايو 2026 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية دير قانون النهر في جنوب لبنان 19 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

10 قتلى بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان

دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية دير قانون النهر في جنوب لبنان 19 مايو 2026 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية دير قانون النهر في جنوب لبنان 19 مايو 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن غارة إسرائيلية على بلدة في جنوب لبنان قتلت 10 أشخاص على الأقل، بينهم أطفال ونساء، وذلك بالرغم من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله».

وجاء في بيان للوزارة أن غارة إسرائيلية «على بلدة دير قانون النهر قضاء صور، أدّت في حصيلة أولية إلى 10 شهداء، من بينهم 3 أطفال، و3 سيدات، إضافة إلى 3 جرحى، من بينهم طفلة»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


محكمة الجنايات في دمشق تؤجل محاكمة عاطف نجيب إلى 19 يونيو

عاطف نجيب في جلشة المحاكمة الأولى (أ.ف.ب)
عاطف نجيب في جلشة المحاكمة الأولى (أ.ف.ب)
TT

محكمة الجنايات في دمشق تؤجل محاكمة عاطف نجيب إلى 19 يونيو

عاطف نجيب في جلشة المحاكمة الأولى (أ.ف.ب)
عاطف نجيب في جلشة المحاكمة الأولى (أ.ف.ب)

أفاد مصدر حقوقي سوري بأن مواجهة تمت بين عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي السابق بمحافظة درعا، وشهود إثبات خلال جلسة محاكمة ثالثة، اليوم الثلاثاء، والتي نفى فيها التهم الموجهة إليه، علماً بأن القاضي رفع الجلسة إلى يوم 19 يونيو (حزيران) المقبل؛ وذلك لإتاحة المجال أمام النيابة العامة والدفاع لتقديم المطالبات والادعاءات والشهود، وفق الإجراءات القانونية المعمول بها في قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري.

وعقدت محكمة الجنايات الرابعة، في القصر العدلي بدمشق، الثلاثاء، الجلسة الثالثة من جلسات محاكمة ‌‏أحد أبرز رموز النظام البائد، وخصصت لاستكمال استجوابه بالتهم الموجهة إليه بارتكابه جرائم بحق الشعب السوري.

وكانت الجلسة مغلقة من دون حضور وسائل الإعلام، في إطار برنامج حماية الشهود المعتمد، على أن تنشر وقائعها لاحقاً عبر صفحات وزارة العدل بعد حجب أسماء الشهود، علماً بأن الجلسة تحضرها 21 منظمة دولية وقانونية وحقوقية، على أن يتم نشر وقائعها على صفحات الوزارة بعد قطع أسماء الشهود وفق برنامج حمايتهم بأمر رئيس المحكمة.

وكشف المصدر الحقوقي، الذي حضر الجلسة، لـ«الشرق الأوسط»، متحفظاً على ذكر اسمه، أن الجلسة خصصت لاستكمال استجواب عاطف نجيب من قبل قاضي المحكمة وهي جلسة الاستجواب الأخيرة.

وأوضح المصدر، أنه ورد خلال عملية الاستجواب أسماء بعض الشهود بينما جرى التحفظ على أسماء شهود آخرين لدواعٍ أمنية، وهذه الأسماء مذكورة في مراحل التحقيق السابقة.

وكما في جلسة الاستجواب الأخيرة، نفى المتهم التهم الموجهة له، لكن القاضي وفق المصدر «أدار الجلسة بذكاء وكان يواجه نجيب عند نفيه للتهم بشهود إثبات في الوقائع التي كان يسأل عنها». معرباً عن تفاؤله لأن الوقائع والشهود والأدلة كلها تؤكد إدانته.

ومع إصرار نجيب خلال الاستجواب على أن الفترة التي وجد فيها بدرعا امتدت فقط حتى 23 مارس (آذار) 2011، أوضح المصدر، أن 3 مجازر وقعت خلال وجوده، منها «مجزرة الجامع العمري» و«مجزرة السياسية»، و«مجزرة المصيدة».

نجيب جاء خلال استجوابه حول «مجزرة المصيدة» التي خطط لها مدير مكتب الأمن القومي حينها هشام بختيار خلال اجتماع عقده مع نجيب في مكتبه بدرعا، وادعى أنه رفض الاشتراك بالعملية التي كانت عبارة عن فخ يهدف إلى إيقاع أكبر عدد من الضحايا بين المتظاهرين، إلا أن القاضي واجهه بأقوال أحد الشهود الذي كان موجوداً في مكان ارتكابها، وأن عاطف نجيب أعطى الأمر للعناصر للبدء فيها من خلال الإشارة لهم بيده وإطلاق 3 طلقات من مسدسه في الهواء إيذاناً بارتكابها.

ورفع القاضي الجلسة إلى 19 يونيو المقبل، وستخصص، بحسب المصدر، لفريق الادعاء الذي سيقدم خلالها دفوعه ولائحة ادعائه والأدلة، ولجهات الادعاء الشخصي، وكذلك لشهود الحق العام وشهود الإثبات، إضافة إلى دفوع المتهم.

وكان قاضي المحكمة، فخر الدين العريان، قد وجه خلال الجلسة الثانية التي عقدت في 10 مايو (أيار) الجاري لائحة تضمنت أكثر من عشر تُهم لنجيب، منها قمع الاحتجاجات السلمية في درعا، والتسبب في تعرض معتقلين؛ بينهم قاصرون، للتعذيب الجسدي، بما في ذلك قلع الأظافر والصعق الكهربائي لمناطق حساسة في جسدهم، وتهديد ذويهم، واستخدام القوة المفرطة خلال عمليات الاعتقال، وممارسة التعذيب المؤدي إلى الموت، وبشكل ممنهج، في مراكز الاحتجاز التي كان عاطف نجيب مسؤولاً عنها.

وانطلقت في 26 أبريل (نيسان) الماضي أول محاكمة علنية لكبار رموز نظام الأسد، بحضور النائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة، وذلك في «القصر العدلي» بدمشق.

وألقي القبض على عاطف نجيب في يناير (كانون الثاني) 2025، خلال حملة أمنية لملاحقة فلول النظام السابق في محافظة اللاذقية.

وتأتي هذه المحاكمة في سياق مسار إرساء العدالة والمساءلة عن الفظائع التي ارتُكبت في عهد النظام السوري السابق، وعدم الإفلات من العقاب.


«شاهد قبر» يروي جانباً من لغز القاعدة الإسرائيلية في العراق

قوات من الجيش العراقي خلال تمشيط صحراء النخيب في 17 مايو 2026 (أ.ب)
قوات من الجيش العراقي خلال تمشيط صحراء النخيب في 17 مايو 2026 (أ.ب)
TT

«شاهد قبر» يروي جانباً من لغز القاعدة الإسرائيلية في العراق

قوات من الجيش العراقي خلال تمشيط صحراء النخيب في 17 مايو 2026 (أ.ب)
قوات من الجيش العراقي خلال تمشيط صحراء النخيب في 17 مايو 2026 (أ.ب)

قامت القوات العراقية في الأيام الأخيرة بتمشيط المناطق الصحراوية في البلاد، بحثاً عن قواعد أو قوات إسرائيلية، قِيل على نطاق واسع إنها تمركزت خلال حرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

وقال تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية إنها استدلت على شاهد قبر قد يكون للراعي الذي تعرف بالصدفة على مكان القاعدة الإسرائيلية قرب صحراء النخيب، الواقعة بين النجف وكربلاء، جنوب غرب العراق. ورغم ذلك يقول مسؤولون عراقيون إنهم «يتعاملون مع الواقعة على أنها شائعة».

وسرت تقارير عن أن قوات أجنبية كانت موجودة في صحراء النجف بجنوب غرب العراق في الأيام الأولى من الحرب التي اندلعت في 28 فبراير (شباط).

ومنذ أن كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال»، الأسبوع الماضي، عن إنشاء إسرائيل موقعاً عسكرياً سرياً في الصحراء العراقية بين محافظتي كربلاء والنجف في مارس (آذار) الماضي؛ لدعم حربها التي شنتها ضد إيران في 28 فبراير 2026، أثيرت أسئلة كثيرة بشأن قدرة السلطات على فرض السيادة ومنع الاختراقات الأجنبية، وفق معلقين سياسيين من توجهات مختلفة.

قوات من الجيش العراقي خلال تفتيش صحراء النخيب جنوب غربي كربلاء والنجف في العراق في 17 مايو 2026 (أ.ب)

هوية القوات

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤولين أمنيين عراقيين وشهود عيان أن راعي أغنام أبلغ عن رؤيته تحركات عسكرية في المنطقة، قُتل لاحقاً حين قصفت مروحية مركبته.

وفيما تقرّ بأن قوات «مجهولة» و«غير مرخّص لها» وجدت لما لا يزيد على 48 ساعة في صحراء النجف، لم تجزم السلطات العراقية بعد بهوية تلك القوات.

وأكّد مسؤولان أمنيان عراقيان أن قوات إسرائيلية استحدثت موقعاً سرياً في صحراء النجف واستخدمته خلال الحرب. وقال أحدهما إن «القوات الإسرائيلية بنت قاعدة في مدرج طيران مهجور بني في زمن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين».

وفي التاسع من مايو (أيار)، أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، نقلاً عن مصادر بينها مسؤولون أميركيون، بأن «إسرائيل أنشأت موقعاً عسكرياً سرياً في الصحراء العراقية لدعم حملتها الجوية ضد إيران».

وأشارت الصحيفة إلى أن المنشأة «ضمت قوات خاصة واستخدمت كمركز لوجستي لسلاح الجو الإسرائيلي، قبل اندلاع الحرب مباشرة، بعلم الولايات المتحدة».

وقال مسؤول أمني عراقي ثانٍ إن السلطات العراقية سألت الولايات المتحدة عمّا إذا كانت القوات التي وجدت في صحراء النجف تابعة لها، لكن «قالوا ليست قواتنا نحن».

ويتوجب عادة على الولايات المتحدة التي تنشر حالياً قوات لها في إقليم كردستان بشمال العراق في إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش»، إبلاغ بغداد بأي نشاط عسكري لها داخل الأراضي العراقية.

من جهته، رجّح مسؤول أمني عراقي ثالث أن تكون «القوات الأجنبية أميركية وضمنها فريق تقني إسرائيلي». ولفت إلى أنه تم رصد تحليق مروحيات من طراز «شينوك» في المنطقة خلال تلك الفترة.

ما حصل في الصحراء

خلال الأسبوع الأول من الحرب، تحدثت تقارير صحافية عراقية عن راعي أغنام رصد تحركات عسكرية في صحراء النجف الشاسعة المحاذية للحدود مع السعودية.

وأشارت مصادر أمنية عراقية إلى أن الراعي قُتل بضربة شنتها مروحية على مركبته، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

وكان الراعي يتنقلّ لبيع الأغنام والتزود بالوقود عندما فوجئ، حسبما قال لوكالة الصحافة الفرنسية، بأشخاص يعرفونه بقوات أجنبية.

ولا تزال مركبته المتفحّمة متروكة في الصحراء وإلى جانبها هيكل عظمي لخروف، حسبما أفادت الوكالة.

وثمة شاهد قبر للراعي في الصحراء يُعتقد أنه رمزي، كُتب عليه اسم الرجل وتاريخ مقتله: الثالث من مارس.

في الخامس من مارس، أعلن نائب قائد العمليات المشتركة قيس المحّمداوي للإعلام الرسمي العراقي، حصول «عملية إنزال» في النجف و«تقديم مذكرة احتجاج للتحالف الدولي» بشأنها.

وأفاد بأنه بعد ورود اتصالات حول «وجود أشخاص أو حركة في صحراء النجف»، تم إرسال قوة للتقصي، لكنها «تعرضت لإطلاق نار كثيف من الجو، وأدى الحادث إلى استشهاد مقاتل وجرح اثنين»، وأضاف أنه «تم تعزيز القوة بفوجين من (جهاز) مكافحة الإرهاب» الذي قام بتمشيط المنطقة «ولم يجد شيئاً».

مركبات تابعة للجيش العراقي وقوات «الحشد الشعبي» خلال عملية عسكرية في المناطق الصحراوية قرب الحدود مع سوريا في 17 مايو 2026 (أ.ف.ب)

«لا نستطيع التكلم»

رغم انتشار التقارير الصحافية، لم تعلن السلطات العراقية حتى الآن هوية القوات الأجنبية المعنيّة. وقال أحد المسؤولين الأمنيين العراقيين إن «القوات العراقية لم تلتحم مع القوات المجهولة، وإسرائيل لم تعلن رسمياً أنها نفذت إنزالاً في العراق»، وأضاف: «هناك أمور لا نستطيع أن نتكلّم بها».

في 11 مايو، قالت قيادة العمليات المشتركة العراقية إن القوات العراقية نفذت عمليات تمشيط في المناطق الصحراوية، مؤكدة «عدم وجود أي قوة أو قواعد غير مصرح بها في الوقت الحالي على الأراضي العراقية». وحذرت من تقارير «تسيء إلى سمعة العراق».

من جهته، لم يعلّق الجيش الإسرائيلي على طلب التعليق على هذه التقارير، وفق ما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية.

وأشار المسؤول الأمني إلى ورود تقارير أخرى عن وجود قوات إسرائيلية في منطقة صحراوية في محافظة نينوى في شمال غرب العراق، لافتاً إلى أنه تم إرسال قوات عراقية إلى هناك للكشف. وأوضح أنهم «يتعاملون مع هذه القضية على أنها شائعة».