ماذا بعد سقوط حماة؟

تغيير الخريطة عسكرياً وسياسياً سيعطي أفضلية لفريق على آخر

أحد مقاتلي الفصائل المسلحة السورية يطلق النار في الهواء احتفالاً بالسيطرة على مدينة حماة 5 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)
أحد مقاتلي الفصائل المسلحة السورية يطلق النار في الهواء احتفالاً بالسيطرة على مدينة حماة 5 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)
TT

ماذا بعد سقوط حماة؟

أحد مقاتلي الفصائل المسلحة السورية يطلق النار في الهواء احتفالاً بالسيطرة على مدينة حماة 5 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)
أحد مقاتلي الفصائل المسلحة السورية يطلق النار في الهواء احتفالاً بالسيطرة على مدينة حماة 5 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

تتظهّر كل التناقضات الجيوسياسية على الساحة السوريّة حالياً. فالخريطة العسكريّة ستغيّر حتماً الخريطة السياسيّة. وتغيير الخريطة السياسيّة، سيعطي أفضلية لفريق على آخر حول طاولة التشريح لسوريا.

يخوض النظام حرباً وجوديّة اليوم. فهو ليس قادراً على الدفاع عن نفسه. ومن هو قادر على المساعدة، ليس مهتماً، أو هو أيضاً لم يعد قادراً. فهل يمكن لـ«حزب الله» الذهاب إلى سوريا اليوم إذا طلبت منه إيران كما فعلت في عام 2014؟ وهل ساعدت سوريا الحزب خلال الحرب الإسرائيلية عليه؟ لذلك؛ قد يمكن القول إن النظام الرسميّ في سوريا، يقوم حالياً بما يمكن له القيام به للدفاع عن نفسه، خصوصاً أن الوسائل ليست متوفّرة لديه لاستعادة السيطرة على كلّ سوريا، خصوصاً في العتاد والعديد.

خريطة سوريا العسكرية حتى ليلة الأربعاء - الخميس

حرب الفصائل بأدوات جديدة

تخوض الفصائل المسلحّة حالياً في سوريا حرباً بخصائص جديدة. فهي حرب خاطفة (Blitzkrieg)، وبوسائل متواضعة، مع صناعات عسكرية محليّة بخاصة المسيّرات. لكن «الكيف» هو الذي أدى إلى هذه السرعة في التقدّم. يُضاف إلى خصائص هذه الحرب، عدم استعداد الجيش السوريّ لهذه الحرب. فعديده وعتاده ليسا كافيين. كما أن المساحات المطلوب منه تغطيتها وحمايتها تفوق بكثير إمكاناته. خصوصاً أن الجيش السوري، كان ينتشر بشكل أن تكون المدن القريبة من العاصمة والمناطق التي تعدّ مركز ثقل بيئته، هي أساس الخطّة الدفاعيّة. إذن، كلما بعُدت المدن عن العاصمة، كان انتشار الجيش السوري هشّاً.

يخطئ من يقول إن تقدّم الفصائل المسلحة السريع والسيطرة على مدن ومساحات شاسعة، كان ابن ساعته وارتجالياً. ويخطئ من يقول إن عمليّة «ردع العدوان» للفصائل المسلّحة هي عمل منعزل عن المحيط الجغرافي المباشر، ومنعزل عن التأثيرات، والديناميكيات الجيوسياسيّة التي تتفاعل في المنطقة. خصوصاً أن تغيير الخريطة العسكرية في سوريا، سيكون له تأثيرات سياسية على الداخل السوري أولاً. وسوف يُعزّز داعم هذه الفصائل المسلحّة في لعبته الكبرى.

ماذا بعد حماة؟

إذا كان الطريق الدولي إم - 5 العمود الفقري لأهم المدن السورية، من حلب وحتى درعا، مروراً بكل من حماة، حمص ودمشق. فإن حماة هي مركز ثقل هذه المدن خصوصاً في البعد الجغرافيّ. فمنها يمكن التوجّه بكل الاتجاهات على الخريطة السوريّة.

سقوط حماة، يعني دخول الفصائل المسلحة لأول مرة إلى هذه المدينة منذ بدء الحرب السورية عام 2011.

بعد أن سيطرت الفصائل المسلحة على مدينة حلب، وعلى كل إدلب، وحالياً على حماة المدينة. فهذا يعني أن على هذه الفصائل هضم ما استولت عليه. ففي هذه المدن هناك السكان؛ الأمر الذي يستلزم إدارة الحكم وفي كل الأبعاد.

لكن متى تصل الفصائل المسلحة إلى نقطة الذروة في امتدادها العسكريّ؟ وهل مع السيطرة على حماة قد يمكن القول إن هذا أقصى ما قد تصل إليه؟ وهل تملك العديد والعتاد الكافي للاستمرار؟

هذا من جهة الفصائل المسلحة، لكن من جهّة النظام فهو يخوض حرب حياة وموت، للنظام كما لبيئته. فهل إعادة الانتشار بعد سقوط مدينة حماة ستشكّل «الخطّ الأحمر الذي لا يمكن التراجع عنه؟».

وهل سيسمح الجيش السوري للفصائل المسلحة بأن تُسقط مدينة حمص، خصوصاً أن حمص تشكّل محوراً أساسيّاً، وأن السيطرة عليها، تفتح الطريق إلى الساحل السوريّ، حيث مركز الثقل البشري للنظام، وحيث توجد قاعدتان روسيّتان هما حميميم وطرطوس؟

لماذا لم تتحرّك روسيا لحماية مصالحها؟

هل هناك شيء مخفيّ وافقت عليه روسيا، وبحيث يسمح للفصائل المسلحة أن تغير الخريطة العسكرية على الأرض، وإلزام النظام السوري للذهاب إلى التفاوض مع الوعد بحفظ المصالح الروسيّة؟


مقالات ذات صلة

هل كبحت السلطات السورية فورة «داعش» الأخيرة؟

خاص عناصر الخلية التابعة لتنظيم «داعش» الذين أُلقي القبض عليهم في محافظة ريف دمشق والمتورطون في تفخيخ سيارة (الداخلية السورية)

هل كبحت السلطات السورية فورة «داعش» الأخيرة؟

مع إعلان السلطات السورية، الخميس، إحباط مخطط إرهابي لخلية من «داعش» كانت تعتزم تنفيذ عمل تخريبي يستهدف دمشق، بات السؤال: هل تمكنت أجهزة الأمن من كبح التنظيم.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي آليات للجيش السوري بمنطقة القلمون (وزارة الدفاع السورية)

سوريا تُطمئن لبنان: حشودنا على الحدود دفاعية

نفى مصدر رسمي لبناني أن تكون الحشود العسكرية التي دفعت بها سوريا إلى الحدود، تستهدف لبنان، مؤكداً أن هذه الحشود «هي لحماية سوريا وليست للهجوم على لبنان».

حسين درويش (بعلبك (شرق لبنان))
المشرق العربي رجل يعبئ سيارته بالوقود في محطة بنزين بدمشق كإجراء احترازي وسط الحرب الدائرة في الشرق الأوسط (إ.ف.ب)

في دمشق سكان يراقبون الحرب الإقليمية ويطمئنون على عائلاتهم في الخليج

يشاهد السوريون الحرب عن بعد، بينما تعترض إسرائيل في سماء بلادهم الصواريخ الإيرانية العابرة نحوها، والتي سقطت شظاياها على مناطق في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الأمن الداخلي السوري قرب سيارة مفخخة ومعدة للتفجير عن بُعد في دمشق (الداخلية السورية)

إحباط مخطط لخلية إرهابية كانت تعتزم تنفيذ عمل تخريبي في دمشق

أحبطت قيادة الأمن الداخلي في محافظة ريف دمشق مخططاً إرهابياً لخلية تتبع تنظيم «داعش» كانت تعتزم تنفيذ عمل تخريبي يستهدف العاصمة دمشق.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي وزير الداخلية أنس خطاب استقبل الثلاثاء وفد لجنة التحقيق الدولية المستقلة برئاسة كلٍّ من المفوَّضة منية عمار والمفوَّضة فيونوالاني (الداخلية السورية)

دمشق تناقش تحديات تواجه مسار العدالة الانتقالية مع مسؤولين أمميين

بحث رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف مع وفد لجنة التحقيق الدولية المستقلة سبل تعزيز التعاون وتسريع خطوات العدالة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إسرائيل تأمر السكان بمغادرة مناطق واسعة في جنوب بيروت

يتصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية على الضواحي الجنوبية لبيروت (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية على الضواحي الجنوبية لبيروت (رويترز)
TT

إسرائيل تأمر السكان بمغادرة مناطق واسعة في جنوب بيروت

يتصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية على الضواحي الجنوبية لبيروت (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية على الضواحي الجنوبية لبيروت (رويترز)

حذرت إسرائيل سكان الضواحي في جنوب بيروت طالبة منهم مغادرتها، اليوم الخميس، بما في ذلك مناطق يسيطر عليها «حزب الله»، ما أدى إلى نزوح جماعي من مساحات واسعة من العاصمة، التي قال وزير إسرائيلي من اليمين المتطرف إنها ستصبح قريباً شبيهة بأجزاء من غزة.

وفي إشارة إلى احتمال تصعيد كبير في الهجوم الإسرائيلي على «حزب الله» المدعوم من إيران، أمر أفيخاي أدرعي المتحدث العسكري الإسرائيلي في منشور على «إكس»، سكان الضواحي الجنوبية بالتوجه شرقاً وشمالاً، ونشر خريطة تظهر أربع مناطق مترامية الأطراف في العاصمة قال إن ‌عليهم مغادرتها.

لبنانيون يغادرون الضاحية الجنوبية في بيروت أمس بعد الأوامر الإسرائيلية بالإخلاء (الشرق الأوسط)

واستدرج لبنان ‌إلى الحرب في الشرق الأوسط يوم الاثنين، عندما فتح «حزب ​الله» ‌النار، ⁠ما أدى ​إلى ⁠شن غارات جوية إسرائيلية مكثفة ركزت بشكل كبير على الضواحي الجنوبية وجنوب لبنان وشرقه.

وأضاف أدرعي: «أنقذوا أرواحكم، وأخلوا منازلكم على الفور»، قائلاً إن أي تحرك نحو الجنوب قد يعرض حياتهم للخطر. وأظهرت لقطات تلفزيونية ازدحام الطرق المؤدية إلى خارج الضواحي مع فرار الناس بالسيارات وعلى الأقدام. وسمع دوي إطلاق نار في الضاحية الجنوبية لبيروت، تحذيراً للسكان بضرورة المغادرة.

ونشر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، مقطع فيديو على «إكس» بالقرب من الحدود مع لبنان، قال فيه إن الضاحية الجنوبية لبيروت ستصبح قريباً ⁠شبيهة بأجزاء من غزة. وخلفت الحملة العسكرية الإسرائيلية التي استمرت عامين ضد ‌«حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية» (حماس)، حليفة «حزب الله»، دماراً واسعاً ‌في معظم أنحاء القطاع.

وقال سموتريتش، العضو في مجلس الوزراء الأمني ​المصغر برئاسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: «أردتم أن ‌تنزلوا بنا الجحيم، ولكنكم جلبتم الجحيم إلى أنفسكم. ستصبح الضاحية شبيهة بخان يونس. سيعيش سكاننا ‌في الشمال قريباً في هدوء وسلام وأمان».

لبنانيون يستعدون للمغادرة بعد إصدار الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء لأحياء في الضاحية الجنوبية لبيروت أمس (رويترز)

لبنانيون يفرون إلى وسط بيروت

أمرت إسرائيل قبل ذلك سكاناً بإخلاء مبان في الضاحية، لكن هذه المرة الأولى التي تصدر فيها تعليمات لسكان المنطقة بأكملها بالإخلاء.

وتجمع مئات النازحين في وسط بيروت قرب البحر. وشوهد كثيرون، بينهم نساء وأطفال، يحملون حقائب ظهر. وذكر مراسل لـ«رويترز» ‌أن سيارة مرت محملة بحشايا وبطانيات على سقفها.

وأمر الجيش الإسرائيلي، أمس الأربعاء، السكان بمغادرة منطقة في جنوب لبنان تبلغ مساحتها نحو ثمانية ⁠في المائة من مساحته.

وألغيت جميع الرحلات الجوية تقريباً، المغادرة والقادمة، لمطار بيروت، المجاور للمنطقة التي حددها الجيش الإسرائيلي، مساء اليوم الخميس وصباح غد الجمعة.


إسرائيل تربك لبنان و«حزب الله» بالمطالبة بإخلاء الضاحية الجنوبية

نازحون من الضاحية إلى بيروت بعد الإنذار الإسرائيلي (أ.ف.ب)
نازحون من الضاحية إلى بيروت بعد الإنذار الإسرائيلي (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تربك لبنان و«حزب الله» بالمطالبة بإخلاء الضاحية الجنوبية

نازحون من الضاحية إلى بيروت بعد الإنذار الإسرائيلي (أ.ف.ب)
نازحون من الضاحية إلى بيروت بعد الإنذار الإسرائيلي (أ.ف.ب)

أربك الجيش الإسرائيلي الدولة اللبنانية و«حزب الله» وعشرات آلاف السكان، إثر توجيهه إنذاراً «عاجلاً» لسكان ضاحية بيروت الجنوبية بالإخلاء «الفوري» والتوجه نحو شرق لبنان وشماله، في أوسع إنذار إخلاء لمنطقة سكنية واسعة، حيث لا يزال أكثر من 200 ألف شخص يقيمون فيها بعد اندلاع الحرب، رغم نزوح مئات آلاف آخرين، في وقت قال فيه وزير المال في إسرائيل بتسلئيل سموترتش إن «الضاحية الجنوبية في بيروت ستصبح مثل خان يونس»، في إشارة إلى الدمار.

ويشمل الإنذار مناطق سكنية واسعة، تضم عشرات الأحياء وآلاف الأبنية في مناطق الشياح وحارة حريك وبرج البراجنة والحدت، وتشكل تلك المناطق المتنوعة ديموغرافياً وطبقياً، القسم الأكبر من أحياء الضاحية الجنوبية، وكانت تضم أكثر من 500 ألف شخص.

200 ألف لبناني وفلسطيني

وقالت مصادر محلية في الضاحية لـ«الشرق الأوسط»: «أكثر من 200 ألف شخص لا يزالون يقيمون في الضاحية، بعضهم رفض الخروج، والبعض الآخر تعذر انتقالهم إلى مناطق أخرى بسبب الضغوط على مراكز الإيواء وضعف القدرة المالية»، بينما يغادر البعض الثالث منزله صباحاً ويعود في المساء، ويخلي منزله مؤقتاً في حال صدر إنذار من الجيش الإسرائيلي. وتضم الخريطة، حسب المصادر، مخيمات فلسطينية تضم عشرات آلاف اللاجئين أيضاً.

طوابير السيارات عالقة في الشوارع إثر إنذار الإخلاء الإسرائيلي (أ.ب)

لكن هذا الإنذار دفع السكان الباقين في الضاحية للخروج منها. وشهدت الضاحية، الخميس، حالة من الهلع والذعر مع فرار السكان منها، وشهدت المنطقة زحمة خانقة بعد صدور الإنذار الإسرائيلي مع مسارعة السكان للمغادرة، على وقع سماع رشقات نارية لتنبيهم وحثّهم على الخروج.

وكان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، قال عبر حسابه على منصة إكس: «إنذار عاجل لسكان الضاحية الجنوبية في بيروت، أنقذوا حياتكم وقوموا بإخلاء بيوتكم فوراً». وأضاف: «سكان أحياء برج البراجنة والحدث يرجى التوجه شرقاً في اتجاه جبل لبنان... سكان أحياء حارة حريك والشياح، يجب الانتقال شمالاً باتجاه طرابلس».

إرباك الدولة

وإضافة إلى إرباك سكان الضاحية، أربك الإنذار «حزب الله» الذي وجد عشرات الآلاف من أبناء بيئته عالقين على الطرقات ويبحثون عن وجهة... كما أربك القرار الحكومة اللبنانية التي بدأت على الفور بتقصي الخريطة المرفقة التي تضم طريق المطار ومناطق حيوية أخرى على الساحل الجنوبي لبيروت، إضافة إلى أن الإنذارات غير المحددة تصل إلى أحياء مسيحية في بلدة الحدث، وتقع في محيط القصر الجمهوري وسفارات أجنبية ومنازل سفراء معتمدين في لبنان.

3 أهداف لإخلاء الضاحية

ويعيد هذا الإنذار الضاحية إلى مرحلة «حرب تموز» عام 2006، حين لم يكن الجيش الإسرائيلي قد بدأ بإصدار الإنذارات، وتحولت الضاحية بأكملها إلى منطقة عمليات يقوم بقصفها في الوقت الذي يراه مناسباً. أما في الحرب الأخيرة المندلعة منذ نحو عامين، فإن الجيش الإسرائيلي يصدر إنذارات بالإخلاء. وفي حال تنفيذ اغتيالات وضربات دقيقة، لا يصدر أي إنذار.

جرافة تزيل الركام الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت مدينة النبطية جنوب لبنان (أ.ب)

وقال رئيس مركز «الشرق الأوسط» للدراسات، الدكتور هشام جابر، إن إصدار إنذار مشابه «يؤكد أنه لا أحد قادر على ردع إسرائيل في الوقت الحالي عن القيام بأي شيء تريده»، مضيفاً: «لا الجيش ولا الدولة ولا قوة عسكرية موازية مثل (حزب الله) تشكل رادعاً له»، لافتاً إلى أن الجيش الإسرائيلي «ذهب إلى تطور كبير على صعيد الحرب النفسية بإصدار إخلاء إنذار مشابه».

وقال جابر، وهو خبير عسكري وعميد متقاعد من الجيش اللبناني، إن هذا الإجراء له 3 مفاعيل، شارحاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن أول تلك الأسباب تتمثل في كونها «عملية ضغط كبيرة على الدولة اللبنانية و(حزب الله)، من خلال إخراج 200 ألف شخص وتحويلهم إلى نازحين، ما يفرض عبئاً على الدولة والحزب»، كذلك «إذا كان الجيش الإسرائيلي يفكر بعملية أمنية عبر تنفيذ إنزالات عسكرية بحرية أو جوية في إحدى مناطق الضاحية، فإن ذلك سيكون ممكناً وسهلاً في حال كانت المنطقة خالية من السكان»، أما السبب الثالث فيتمثل في إطلاق يده والتحرر من أي مساءلة دولية في وقت لاحق، بالقول إنه أطلق إنذارات إخلاء لكل المنطقة، وبالتالي فإنه أعطى نفسه حرية حركة لتنفيذ أي قصف في أي وقت يريده.

وإذ توقع جابر أن يكون هناك توسع في الإجراءات الإسرائيلية لزيادة الضغط، قال إن إخلاء الجنوب من سكانه «هو عملية نفسية وعسكرية في الوقت نفسه، تتشارك مع إخلاء الضاحية نفس الأسباب، واليوم يسعى لإبقاء الضاحية فارغة».

10 نقاط حدودية

وجاءت تلك التطورات على وقع قصف واسع ينفذه الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، بموازاة توغل في العمق اللبناني، ارتفع من 5 نقاط قبل هذه الجولة من الحرب، إلى 10 نقاط. وأفادت «القناة 15» الإسرائيلية بأن الجيش «يعزز قواته في 10 نقاط على الأقل في جنوب لبنان، ويستعد لإدخال كتائب إضافية»، في مؤشر على مساعٍ لاحتلال أجزاء من الداخل اللبناني.

قافلة من الدبابات الإسرائيلية تُنقل على متن شاحنات إلى الجليل الأعلى بموازاة المعركة مع لبنان (أ.ف.ب)

وتراجع القتال المباشر بين القوات الإسرائيلية ومقاتلي «حزب الله» في الحدود، فيما تصاعدت عمليات القصف الإسرائيلي البري والبحري والجوي في الداخل اللبناني، فيما أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاراً لإخلاء مدينة صور بأكملها.

وشنّ الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات جوية واسعة استهدفت بلدات عدة في جنوب لبنان، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وأضرار كبيرة في المنازل والبنية السكنية، بينها بلدات الكفور وزبقين، وديركيفا، والنبطية، وغيرها. وفي قضاء صور، استهدفت غارة بلدة القليلة، وأدت إلى سقوط 3 قتلى، بينما أغار الطيران الحربي الإسرائيلي على منزل في بلدة الشهابية في القضاء نفسه، كما طالت الغارات بلدات عيتيت وبيت ياحون والقنطرة وعبا وكفررمان وتول، وأطراف ديرسريان، وأطراف العديسة، وتولين، وطلوسة، وجبشيت وزوطر الغربية، وميفدون ومارون الراس ويحمر الشقيف.

في هذا الوقت، أعلن «حزب الله» تنفيذ هجمات صاروخية وبالمسيّرات على مواقع وقواعد إسرائيلية، في تصعيد جديد على الجبهة الحدودية. وقال في بيانات متتالية إنه نفّذ سلسلة هجمات على مواقع وقواعد إسرائيلية بالصواريخ والمسيّرات، بينها منطقة إصبع الجليل، ومجمّع الصناعات العسكرية التابعة لشركة رفائيل، جنوب مدينة عكا، بواسطة سرب من المسيّرات الانقضاضية، وقاعدة «عين زيتيم» شمال مدينة صفد، وقوة إسرائيلية تقدمت من موقع المنارة باتجاه بلدة مركبا، إضافة إلى استهداف آليات إسرائيلية كانت تتحرك قرب الموقع المستحدث داخل الأراضي اللبنانية على طريق مركبا - حولا، وكذلك موقع رويسات العلم في مرتفعات كفرشوبا.


دخان حرب إيران يشوِّش على مسار غزة

صاروخ أُطلق من إيران يظهر في سماء مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
صاروخ أُطلق من إيران يظهر في سماء مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

دخان حرب إيران يشوِّش على مسار غزة

صاروخ أُطلق من إيران يظهر في سماء مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
صاروخ أُطلق من إيران يظهر في سماء مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

بينما تتركز الأنظار على الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، يواجه قطاع غزة ظروفاً معقدة تمثلت في تجميد التحركات السياسية الرامية لتنفيذ بنود وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي.

وكانت «حماس» والفصائل الفلسطينية، تعوِّل على الانتقال إلى المرحلة الثانية من «خطة ترمب» بشكل أسرع، غير أن غبار الحرب على إيران شوَّش على ذلك المسار.

ومنذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، ماطلت إسرائيل في خطوات مهمة، منها منع دخول «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» إلى القطاع لتسلم مهامها الحكومية، والتعنت بشأن شعارها وارتباطها بالسلطة الفلسطينية، فضلاً عن الضغط للبدء في نزع سلاح الفصائل، وجاءت الحرب ضد إيران لتضيف تعطيلاً إضافياً.

تواصل محدود مع الوسطاء

وحسب مصادر من «حماس» تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، فإن هناك تواصلاً محدوداً وجزئياً مع الوسطاء بشأن الوضع في قطاع غزة، وأوضح أحد المصادر أن «الوسيطين القطري والتركي على وجه التحديد أكثر انشغالاً وانخراطاً في أزمة الحرب، فيما لا يزال تواصل (حماس) بشكل أساسي مع الوسيط المصري المنخرط هو الآخر بالوضع الإقليمي، لكنه لا يزال يتابع الملف الفلسطيني».

خيام نازحين فلسطينيين في مدينة غزة (رويترز)

وأكدت مصادر من «حماس» أنه منذ بدء الحرب على إيران لم يحدث تواصل جديد بين قيادة الحركة، والإدارة الأميركية سواء بشكل مباشر أو عبر الوسطاء، وأجمعوا على أنه «لم يُطرَح أي شيء رسمي على الحركة أيضاً بشأن قضية السلاح».

ولا تخفي المصادر مخاوفها من تأثيرات الحرب القائمة حالياً على الوضع في قطاع غزة، خصوصاً أن إسرائيل حاولت استغلال ذلك بعدما أغلقت المعابر التي أُعيد فتحها بطلب أميركي بعد تدخل الوسطاء، مشيرةً إلى أن إطالة أمد الحرب قد تؤثر بشكل أكبر على ملف غزة برمّته، خصوصاً أنه ستتبع ذلك مفاوضات تتعلق بإيران، في وقت ربما قد يتم تجاهل الملف الفلسطيني لوقت أطول.

إدانة في جهة واحدة

ومنذ بدء الحرب على إيران، أدانت «حماس» والفصائل الفلسطينية الهجمات على طهران واغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، في وقت التزمت فيه الصمت رسمياً أو حتى عبر التعليقات الفردية بشأن الهجمات التي طالت دول الخليج.

ولوحظ تجنب قيادات حركة «حماس» الإجابة عن بعض تساؤلات الصحافيين التي وُجِّهت إليهم بشأن موقفها من هذه الهجمات، خصوصاً أن بعضهم ما زال يعيش في دول الخليج وتحديداً قطر التي تعرضت لسلسلة هجمات إيرانية.

وتقول مصادر من «حماس» داخل وخارج قطاع غزة لـ«الشرق الأوسط»، إن الحركة تفضل حالياً «التزام الصمت إزاء ما يجري» ولا تفضل اتخاذ أي موقف، وما يجري جعل قياداتها «في حيرة من اتخاذ موقف قد يُحسب عليها لاحقاً»، وأضافت: «لذلك فضّلت الحركة إدانة العدوان على إيران فقط».

ويُقرّ أحد المصادر بأن «قيادة الحركة لا تستطيع إدانة هجمات إيران على الدول الخليجية في ظل أن الأخيرة تقول إنها تستهدف فقط القواعد الأميركية في المنطقة، ولا تريد كذلك تأييدها لأن دول الخليج ترى أنها تستهدف أمنها».

وبيّن المصدر أن «الحركة معنية بالحفاظ على علاقاتها مع الجميع، ولا تريد أن تزج بنفسها في أتون الخلاف الدائر سياسياً في ظل الحرب العسكرية المستمرة في المنطقة».

وانعكس ذلك التباين في أوساط ميدانية وقاعدية في «حماس» داخل قطاع غزة، وانقسمت المواقف بشأن الهجمات.

غير أنه وعلى المستوى الإعلامي للفصائل الفلسطينية، فإن «التوجيهات تؤكد باستمرار الدعم الجارف للرواية الإيرانية في الحرب الحالية»، حسبما شرح أحد المصادر من «حماس» داخل غزة.

وتنشر منصات لـ«حماس» باستمرار خطابات رئيس مكتبها السياسي الراحل يحيى السنوار، الذي كان قد تحدث في خطاب قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عن أنه «ستكون هناك حرب إقليمية»، وكان حينها يعوّل على تدخل أطراف ما يسمى «محور المقاومة».

كما لوحظ تركيز إطلاق الدعاء لنصرة إيران، في المساجد سواء المتبقية أو المؤقتة من الخيام في المناطق التي تسيطر عليها «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى في قطاع غزة.

وعلمت «الشرق الأوسط»، أن قيادة حركة «حماس» اتخذت إجراءات أمنية مشددة في ظل الهجمات التي تطول كل دول المنطقة، حيث تخشى من توجيه ضربة إسرائيلية مفاجئة لقيادتها، وهو آمر حصل فجر الخميس، بعد قصف شقة سكنية في مخيم البداوي أدت إلى اغتيال وسيم العلي، أحد أبرز نشطاء «كتائب القسام» في لبنان، الذي اغتيل شقيقه القيادي في الكتائب، قبل عام تقريباً في هجوم مماثل.