تقارير: نتنياهو تراجع عن خطة الحكم العسكري لغزة

أكد التمسك بإخلاء شمال القطاع وفق «خطة الجنرالات»

طفل فلسطيني ينتظر الحصول على وجبة غذاء يوم الأربعاء في خان يونس جنوب غزة (رويترز)
طفل فلسطيني ينتظر الحصول على وجبة غذاء يوم الأربعاء في خان يونس جنوب غزة (رويترز)
TT

تقارير: نتنياهو تراجع عن خطة الحكم العسكري لغزة

طفل فلسطيني ينتظر الحصول على وجبة غذاء يوم الأربعاء في خان يونس جنوب غزة (رويترز)
طفل فلسطيني ينتظر الحصول على وجبة غذاء يوم الأربعاء في خان يونس جنوب غزة (رويترز)

أكّدت مصادر سياسية مطلعة أن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، تراجع عن خطته تكليف الجيش الإسرائيلي بتوزيع المساعدات الإنسانية في قطاع غزة، وإقامة حكم عسكري يتولى مسؤوليات الإدارة المدنية لحياة السكان هناك، ولكنه لم يتخلَّ عن تطبيق «خطة الجنرالات»، الهادفة إلى ترحيل المواطنين من شمال القطاع إلى الجنوب.

وقالت المصادر، وفقاً للمراسل العسكري في «القناة 11» الرسمية الإسرائيلية، روعي شارون، إن نتنياهو قرّر قبول طلب الجيش وبقية الأجهزة الأمنية التي عارضت تولّي الحكم العسكري في القطاع، ولكن المراسل السياسي، سليمان مسودي، نقل عن مصادر سياسية قولها إن نتنياهو غيّر موقفه بناءً على الموقف الأميركي المعارض.

وقال مسودي، خلال تقرير له، إن الجميع يعرفون أن نتنياهو شخصياً، ومعه وزراء كثيرون في اليمين المتطرف، كانوا قد رفضوا فكرة تولّي السلطة الفلسطينية إدارة شؤون القطاع، وأرادوا إدارة عربية ودولية، وعندما فشلوا راحوا يؤيدون فرض حكم عسكري.

رسالة أميركية

لكن الرسالة الجديدة التي تلقّاها نتنياهو من واشنطن، بتوقيع وزير الدفاع، لويد أوستن، ووزير الخارجية، أنتوني بلينكين، أوضحت له أن «السياسة في غزة يجب أن تتغير، ويجب وضع خطة فوراً لـ(اليوم التالي)، ترمي إلى وضع جديد تتوقف فيه معاناة الفلسطينيين».

وقالت القناة إن الولايات المتحدة تتذمّر من سياسة إطالة الحرب، والامتناع عن الحسم في إسرائيل، وإن «قطاع غزة يعيش اليوم أسوأ قيود على دخول المساعدات الإنسانية منذ بدء الحرب الإسرائيلية قبل أكثر من عام».

لذلك، وجّهت واشنطن تحذيرات لإسرائيل، جاء فيها أن هناك احتمالاً بأن تتأثر المساعدات الأميركية لها، بما في ذلك المساعدات العسكرية الأميركية، في حال لم يسجَّل تحسُّن في تأمين دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.

من جهتها، قالت «يديعوت أحرونوت»، إن الإدارة الأميركية قرّرت العمل على تجميد الإجراءات التي اتُّخِذت بضغوط إسرائيلية ضد «الأونروا» في العالم، وإعادة التمويل، وطلبت من إسرائيل الحذر من المساس بنشاطها أو موظفيها في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وإعادة زيارات طواقم «الصليب الأحمر» للأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

وكان المتحدث باسم الخارجية، ماثيو ميللر، صرّح بأن وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، ووزير الدفاع لويد أوستن، «أكّدا للحكومة الإسرائيلية وجوب أن تجري تعديلات لنرى مجدّداً ارتفاع مستوى المساعدات التي تدخل غزة، عن المستويات المتدنية للغاية التي هي عليها اليوم»، وذلك في رسالة وجّهاها الأحد.

شركة تتولى المساعدات

وحسب «القناة 11»، تَقرّر خلال الاجتماع الذي عُقد الأسبوع الماضي برئاسة نتنياهو، وبحضور وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، دراسة إمكانية إشراك شركة أمن مسلحة خاصة في توزيع المساعدات الإنسانية في قطاع غزة، تحت إشراف إسرائيلي.

ومع ذلك، قالت إن «هذا الأمر يواجه العديد من العقبات، وقد يستغرق وقتاً حتى يتم تطبيقه؛ لذا تعمل إسرائيل على وضع خطوات طارئة فورية لتحسين الوضع الإنساني في القطاع على المدى القصير»، ومن المتوقع أن تُعرض هذه الخطوات على الإدارة الأميركية خلال الأسبوع المقبل.

سيدة وطفل تحت أنقاض منزل مدمّر يوم الأربعاء في خان يونس بغزة (رويترز)

وأوضحت «القناة 11» أن الرسالة التي وجّهها بلينكن وأوستين إلى إسرائيل طالبَتها باتخاذ «إجراءات فورية لضمان عدم تأثر إمدادات الأسلحة، بهدف تحسين الوضع في قطاع غزة قبل فصل الشتاء»، وتشمل المطالب الأميركية: «إدخال ما لا يقل عن 350 شاحنة يومياً، والموافقة على هدن إنسانية، والسماح للنازحين إلى منطقة المواصي بالحركة نحو الشرق قبل فصل الشتاء، والتأكيد على أن إسرائيل لا تخطط لإخلاء شمال القطاع من سكانه».

وأوضحت أن «عدم إظهار التزام مستدام بتنفيذ هذه التدابير والإبقاء عليها قد يكون له آثار على السياسات الأميركية، والقوانين الأميركية ذات الصلة».

تهديد بالمساعدات العسكرية

واستشهدت رسالة الوزيرين الأميركيين بالمادة «620 - آي» من قانون المساعدات الخارجية، التي تقيّد (تحظر) إرسال مساعدات عسكرية للدول التي تعوق إيصال المساعدات الإنسانية الأميركية، كما أشارت الرسالة إلى مذكرة الأمن القومي التي أصدرها الرئيس الأميركي، جو بايدن، في فبراير (شباط) الماضي، والتي تُلزم وزارة الخارجية بتقديم تقرير إلى الكونغرس حول ما إن كانت تجد مصداقية في تأكيدات إسرائيل بأن استخدامها للأسلحة الأميركية لا ينتهك القانون الأميركي أو الدولي.

وفي «القناة 12» عَدُّوا موقف نتنياهو بالتراجع أمام الإدارة الأميركية، مرتبطاً بالتفاهمات التي توصل إليها معها حول إيران، فهو يضع حالياً قضية الدعم الأميركي له في الموضوع الإيراني على رأس الاهتمام، ولا يريد لموضوع غزة أن يشوّش عليه.

موكب لكبير منسّقي الأمم المتحدة للمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار بغزة في 15 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

لكن هذا لا يعني أن نتنياهو سيتخلّى عن برنامجه لشمال غزة، ويتوقع أن يُكمل الجيش خطته لتفريغ الشمال حتى يقيم منطقة عازلة، وهي الخطة التي تتجاوب جزئياً مع خطة جنرالات اليمين التي وضعها الجنرال غيورا آيلاند، وتقضي بترحيل سكان الشمال في غضون أسبوع، فمن يبقى في الشمال يُعامَل كما لو أنه من نشطاء «حماس»، بالقتل أو التجويع، وقطع أي إمدادات.

وأصدرت نائبة الرئيس الأميركي، كامالا هاريس، بيان إدانة استثنائياً، اقتبست فيه تقرير الأمم المتحدة الذي بحسبه لم تدخل أي إرسالية للمواد الغذائية إلى شمال القطاع منذ أسبوعين وأكثر، وقالت: «يجب على إسرائيل العمل بسرعة لضمان إدخال المساعدات المدنية للمحتاجين في المنطقة، واحترام قواعد القانون الدولي».

وبعد هذا التوبيخ الأميركي اجتمع ممثّلو جهاز الأمن الإسرائيلي مع ممثّلي الولايات المتحدة والأمم المتحدة؛ لإبلاغهم بأن الجيش الإسرائيلي سيسمح بحركة شاحنات المساعدات إلى المنطقة، حيث بدأت هناك في الأسبوع الماضي عملية هجوم جديدة للفرقة 162.

ويبدو أن الإدارة الأميركية لم تقتنع كلياً، فجاء التهديد بمنع إرسال السلاح إلى إسرائيل.

ضغوط في جباليا

ووفق مصادر عسكرية، تتركز العمليات العسكرية الإسرائيلية حالياً على مدخل مخيم جباليا للاجئين، تحت غطاء الأحداث في لبنان والتهديدات الإيرانية، والهدف العلني لها هو ضرب البنى التحتية الإرهابية المتجدّدة لـ«حماس»، في المنطقة التي امتنع الجيش الإسرائيلي عن القيام بنشاطات ناجعة مستمرة فيها منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ولكن توجد للجيش اعتبارات أخرى وراء الكواليس.

وبوصفه جزءاً من الضغط على «حماس»، وذريعة حماية السكان المدنيين، فإن الجيش يطلب من سكان جباليا التوجه نحو الجنوب. وفي الخلفية يتدفق سيل كبير من الأنباء عن نوايا سياسية خفية، فأحزاب اليمين المتطرف تشارك في اتخاذ القرارات، وتستعين بضباط احتياط في مقر القيادة والفِرق.

منزل مدمّر في مدينة غزة جرّاء غارة إسرائيلية (رويترز)

ويتّسق هذا مع «خطة الجنرالات» لغيورا آيلاند، وضباط آخرين في الاحتياط، والهدف السامي لهذه الخطة هو دفع مئات آلاف الفلسطينيين من شمال القطاع إلى جنوب وادي غزة في الوسط، الذي ما زالوا يوجدون فيه، ويتم طرح أفكار مثل إطلاق نار متعمّد من بين السكان، وحتى عمليات تجويع.

ولم تحصل الخطة على مصادقة رسمية من سلسلة القيادة في الجيش الإسرائيلي، لكن مجرد الانشغال فيها والمشاركة السياسية لأحزاب وجهات إعلامية يمينية، تتغلغل إلى الأسفل.


مقالات ذات صلة

نتنياهو يتلقّى صدمتين: أكبر منافسَيه يندمجان حزبياً... والعفو يبتعد

شؤون إقليمية نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد يواجهها (رويترز) p-circle

نتنياهو يتلقّى صدمتين: أكبر منافسَيه يندمجان حزبياً... والعفو يبتعد

تلقّى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، صدمتين كبيرتين؛ إذ أعلن أكبر منافسين سياسيين له دمج حزبيهما، في حين ابتعدت فرص حصوله على عفو من محاكمته.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية جندي إسرائيلي ينبطح أرضاً لدى سماعه دوي صفارات الإنذار بغلاف غزة في أكتوبر 2023 (أ.ب)

«منذ 7 أكتوبر»... نحو 30 % من الإسرائيليين يعانون اضطرابات ما بعد الصدمة

أظهرت معطيات جديدة عن مؤسسات ودوائر حكومية أن ما بين 20 و30 في المائة من الإسرائيليين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر 2023.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو يتّهم «حزب الله» بتقويض اتفاق وقف النار في لبنان

اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي أن «حزب الله» اللبناني «يقوّض» اتفاق وقف إطلاق النار، فيما استهدف الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان بعدد من الغارات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله»

قال رئيس الحكومة الإسرائيلية، السبت، إنه أصدر تعليمات للجيش بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله» في لبنان، وذلك بعد إعلان الجيش أن الحزب انتهك وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو يعلن خضوعه لاستئصال «ورم خبيث» صغير من البروستاتا

لم يحدّد موعد العملية، لكنه أشار إلى «علاج موجّه أتاح إزالة المشكلة من دون أن يترك أثرا».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.