الفصائل المسلحة تربك خطط العراق لخفض التصعيد في المنطقة

عراقجي أكد أن طهران تتفق مع مساعي بغداد «لمنع اتساع الحرب»

وزيرا خارجية العراق فؤاد حسين وإيران عباس عراقجي يتحدثان في مؤتمر صحافي ببغداد يوم الأحد (أ.ف.ب)
وزيرا خارجية العراق فؤاد حسين وإيران عباس عراقجي يتحدثان في مؤتمر صحافي ببغداد يوم الأحد (أ.ف.ب)
TT

الفصائل المسلحة تربك خطط العراق لخفض التصعيد في المنطقة

وزيرا خارجية العراق فؤاد حسين وإيران عباس عراقجي يتحدثان في مؤتمر صحافي ببغداد يوم الأحد (أ.ف.ب)
وزيرا خارجية العراق فؤاد حسين وإيران عباس عراقجي يتحدثان في مؤتمر صحافي ببغداد يوم الأحد (أ.ف.ب)

على رغم اللغة الدبلوماسية الهادئة التي تحدث بها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال زيارته لبغداد الأحد، فإن هذه اللغة لم تنعكس، كما يبدو، على جبهة الفصائل العراقية المسلحة. فهذه الفصائل التي أوقفت استهدافها لإسرائيل خلال زيارته، سرعان ما استأنفتها بعد ساعات من مغادرته بغداد متوجهاً إلى مسقط في إطار جولته الإقليمية. وأفادت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين، بأن عراقجي التقى في مسقط محمد عبد السلام، ممثل الحوثيين اليمنيين المدعومين من طهران، بحسب ما أعلنت وزارة الإيرانية.

وكان عراقجي قد تحدث سواء خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيره العراقي فؤاد حسين أو لدى لقائه الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد أو رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بما يوحي بحرص بلاده على السلام وعدم تعريض الأمن والسلم في المنطقة إلى الخطر. ففي حين حذّرت بغداد، على لسان وزير الخارجية فؤاد حسين، من اتساع نطاق الحرب، فإن عراقجي أكد، من جهته، أن إيران لا ترغب في التصعيد أو الحرب.

وخلال لقائه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، جدد عراقجي موقف بلاده حيال الجهود التي يبذلها العراق للتهدئة. وفي هذا الإطار، أكد السوداني أن «الأولويات التي تعمل عليها الحكومة الحالية، فيما يتعلق بأوضاع المنطقة، تتمثل في وقف العدوان الصهيوني على غزّة ولبنان، ومنع الكيان الغاصب من توسعة ساحة الصراع»، مبيّناً في الوقت نفسه أن «العراق يبذل كل ما في وسعه لوقف إطلاق النار، بالتعاون مع الشركاء والأصدقاء الدوليين، خصوصاً من دول الاتحاد الأوروبي». في المقابل، أعرب عراقجي عن «تقديره للمواقف العراقية في تهدئة الأوضاع، فضلاً عمّا جرى تأمينه من مواد إغاثية للمنكوبين في غزّة ولبنان»، مؤكداً أن زيارته تأتي من أجل المزيد من تنسيق الجهود والتشاور في مسارات الأوضاع، وأن بلاده «تتفق مع المساعي العراقية لمنع اتساع الحرب».

وكان مستشار رئيس الوزراء العراقي هاشم الكرعاوي أكد، من جهته، أن الحكومة العراقية دعت «دول الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ خطوات عاجلة وفعالة لإنقاذ المنطقة من منزلق خطير». وقال في تصريح نقلته الوكالة الرسمية للأنباء في العراق إنه «يجب على المجتمع الدولي تحمّل مسؤولياته في حماية المدنيين ومنع التصعيد».

للفصائل رأي آخر

أبو آلاء الولائي (الثاني من اليمين) وهو الأمين العام لجماعة مسلحة تُعرف بـ«كتائب سيد الشهداء» يلقي كلمة تضامناً مع غزة ولبنان في ساحة التحرير ببغداد يوم 11 أكتوبر الحالي (إ.ب.أ)

وبعد ساعات من مغادرة وزير الخارجية الإيراني بغداد، واصلت الفصائل العراقية المسلحة المرتبطة بما بات يسمى «وحدة الساحات»، ضرباتها ضد قواعد وأهداف داخل العمق الإسرائيلي. وقالت الفصائل، في بيان، إنه «استمراراً لنهجنا في مقاومة الاحتلال، ونُصرةً لأهلنا في فلسطين ولبنان، وردّاً على المجازر التي يرتكبها الكيان الغاصب بحقّ المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ، هاجم مجاهدو المقاومة الإسلامية في العراق، للمرة الثانية اليوم الاثنين، هدفاً حيوياً في غور الأردن بأراضينا المحتلة، بواسطة الطيران المسيّر». وحمل البيان اسم فصيل جديد هو «سرايا أولياء الدم» الذي كان قد أعلن من قبل مسؤوليته عن ضرب هدفين في حيفا. وأعلنت إسرائيل، الاثنين، أنها تصدّت لهجوم بالمسيّرات جاءت من سوريا. وقال الجيش الإسرائيلي: «قبل قليل، اعترض سلاح الجو مُسيرتين كانتا في طريقهما إلى الأراضي الإسرائيلية من سوريا. تم اعتراض المسيرتيْن قبل اختراقهما إلى داخل الأجواء إسرائيل».

إلى ذلك، شدد الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد على أهمية أن تكون القوات المسلحة العراقية في كامل الجهوزية لمواجهة المخاطر المحتملة. جاء ذلك خلال استقبال رئيس الجمهورية وزير الدفاع ثابت العباسي، الاثنين. وطبقاً لبيان رئاسي، فإن رشيد أكد «ضرورة تركيز الاهتمام على تطوير قدرات القوات الأمنية من نواحي التسليح والتدريب والتجهيز لمواجهة التحديات الأمنية في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة». وأضاف البيان أن رشيد «أشاد بالتضحيات التي قدمها رجال القوات المسلحة بتشكيلاتها كافة، واعتزازه بالجهود التي تبذلها الوزارة لتنفيذ جميع المهام والواجبات الملقاة على عاتقها في مختلف الظروف».

من جهته، أكد الدكتور إحسان الشمري، أستاذ السياسات العامة في جامعة بغداد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «على رغم أن الدستور العراقي ينصّ بشكل صريح على أن قرار الحرب يعود إلى السلطات الاتحادية بناءً على تقديرات المصلحة العليا، لكن الفصائل المسلحة أعلنت مؤخراً أنها هي من يمتلك هذا القرار». وتابع أن «مثل هذه التصريحات تتناقض مع الدستور العراقي وتمثّل إحراجاً حقيقياً لمحاولات النأي بالعراق عن الحرب المنتظرة في المنطقة». وأضاف الشمري أن «هذه الجماعات المسلحة لا تزال تلتزم عقيدتها المتمثلة بالعداء لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وأيضاً بمفهوم وحدة الساحات، وهو ما يعني أنها بعيدة جداً عن المحاولات الأخرى التي يمكن أن تحقق نوعاً من الحلول السياسية». وبيّن الشمري أن «القيام بعمليات من هذا النوع (شنّ الهجمات على إسرائيل) سيضع العراق ضمن الدوائر المشتركة في هذه الحرب، خصوصاً إذا ما علمنا أن بعض هذه الجماعات لها وجود رسمي في سلطات الدولة، مثل السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية»، على رغم أن هذه الجماعات تختلف في مواقفها مع «قرار الدولة» بالتهدئة في المنطقة وعدم الانخراط في الحرب. وأشار إلى أن تصريحات الجماعات المسلحة وعملياتها «ستعرقل المسارات الدبلوماسية التي يمكن أن يمضي بها العراق»، مضيفاً أنه «يجب على الحكومة العراقية أن تمارس فعلاً (سلطتها) على الأرض، وأن تكون أكثر قدرة على تثبيت المصلحة العليا للبلاد».


مقالات ذات صلة

تسابق على الوزارات مع انطلاق مشاورات الحكومة العراقية

المشرق العربي من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)

تسابق على الوزارات مع انطلاق مشاورات الحكومة العراقية

تتسارع المشاورات السياسية في العراق لتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة المكلف علي الزيدي، وسط انقسام داخلي وتقاطعات إقليمية ودولية.

حمزة مصطفى (بغداد)
خاص رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)

خاص مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني.

علي السراي (لندن)
خاص السفيرة العراقية في الرياض صفية طالب السهيل (تصوير: تركي العقيلي)

خاص السفيرة العراقية في الرياض: تفويج الحجاج براً فرضته ظروف المنطقة

كشفت السفيرة العراقية لدى السعودية، صفية السهيل، عن أن عدد الحجاج العراقيين هذا العام بلغ نحو 41 ألف حاج، بدأت قوافلهم الوصول إلى الأراضي السعودية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

مصير الفصائل العراقية بين المراوغة والمواجهة مع واشنطن

يفتح اتفاق «الإطار التنسيقي» على تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة البابَ أمام مزيد من التساؤلات بشأن الخطوة التالية التي قد تُقدم عليها الفصائل…

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)

ترحيب أميركي حذر بالمكلّف تشكيل الحكومة العراقية الجديدة

أبدت الولايات المتحدة دعماً حذراً لرئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي، في وقت تتصاعد فيه التحديات المرتبطة بتشكيل حكومته، بما في ذلك ملف نفوذ الفصائل.

حمزة مصطفى (بغداد)

تسابق على الوزارات مع انطلاق مشاورات الحكومة العراقية

من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)
من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)
TT

تسابق على الوزارات مع انطلاق مشاورات الحكومة العراقية

من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)
من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)

تتسارع المشاورات السياسية في العراق لتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة المكلف علي الزيدي، وسط انقسام داخلي وتقاطعات إقليمية ودولية، في وقت أثارت فيه مواقف كل من الولايات المتحدة وإيران تساؤلات بشأن طبيعة دعمهما للعملية السياسية. فقد اعتُبرت رسالة التأييد الأميركية المقتضبة للزيدي بمنزلة إشارة غير حاسمة؛ إذ رأى مراقبون أنها تحمل «رسائل مشفرة» بشأن حدود هذا الدعم.

في المقابل، يلف الغموض الموقف الإيراني، رغم ما وُصف بشبه إجماع داخل القوى الشيعية، خاصة بعد زيارة إسماعيل قاآني إلى العراق قبل يومين من إعلان التكليف.

على الصعيد الداخلي، كثّف الزيدي لقاءاته مع قادة الكتل السياسية، بالتوازي مع استكمال تشكيل مكتبه، مستفيداً من مهلة دستورية تمتد 30 يوماً لتقديم حكومته إلى البرلمان.

وبينما تشير تقديرات إلى إمكانية إنجاز التشكيلة قبل انتهاء المهلة، تتصدر المنافسة على الحقائب الوزارية أولويات الكتل، في ظل غياب مؤشرات على تشكّل معارضة برلمانية واضحة.

وتخضع عملية توزيع الوزارات لنظام معقد يجمع بين مبدأ التوافق الطائفي (الشيعة والسنة والأكراد) والأوزان الانتخابية. وفي هذا السياق، تبدو وزارتا الدفاع والداخلية شبه محسومتين للسُّنة والشيعة على التوالي، في حين برزت وزارة الخارجية كساحة تنافس مبكر، بعد أن احتفظ بها الأكراد لفترات طويلة منذ عام 2003، باستثناء فترتَي الوزيرين السابقين إبراهيم الجعفري ومحمد علي الحكيم.

ويتمسك «الحزب الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني بالوزارة، التي شغلها سابقاً كل من هوشيار زيباري وفؤاد حسين، في حين تطرح أطراف شيعية وسنية فكرة نقلها إلى العرب مقابل منح الأكراد حقائب سيادية أخرى مثل «المالية» أو «النفط» أو «التخطيط».

تأييد أميركي غير صريح

وفي قراءة للموقف الأميركي، قال قصي محبوبة، من ائتلاف «الإعمار والتنمية» بزعامة محمد شياع السوداني، إن التأييد الصادر حتى الآن جاء من البعثة الدبلوماسية وليس من الإدارة الأميركية، معتبراً أن ذلك «لا يعني دعماً كاملاً»، بل غياب اعتراض. ولم يستبعد صدور مواقف لاحقة من واشنطن تتضمن شروطاً لدعم الحكومة الجديدة.

من جهته، اعتبر الباحث السياسي عباس عبود أن الترقب للموقف الأميركي يعكس استمرار تأثير واشنطن في القرار العراقي، مضيفاً أن الرسالة الأميركية ركزت على «التضامن مع الشعب العراقي» دون الإشارة المباشرة للحكومة أو رئيسها المكلف، وهو ما فسره على أنه تجنب لدعم الطبقة السياسية بشكل صريح، مع الإبقاء على النفوذ الأميركي في البلاد.

وفيما يتعلق بإيران، أشار عبود إلى أن أدوار التأثير تبدو وكأنها شهدت تحولاً، مقارنة بسنوات سابقة كانت فيها طهران صاحبة الدور الأبرز في تشكيل الحكومات.

على صعيد الفصائل المسلحة، لم تصدر «كتائب حزب الله» موقفاً حتى الآن، في حين دعت «كتائب سيد الشهداء»، بزعامة «أبو آلاء الولائي»، الحكومة المقبلة إلى تحقيق «السيادة الكاملة» للعراق. وشدد المتحدث باسمها، كاظم حبيب، على ضرورة تضمين البرنامج الحكومي أهدافاً تتعلق بالسيادة.

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل الحالي (أ.ب)

صراع الحقائب

في موازاة ذلك، تتصاعد المطالبات داخل الكتل السياسية بحصص وزارية تعكس ثقلها الانتخابي. وفي هذا السياق، صرح النائب عباس حيال عن ائتلاف «الإعمار والتنمية» بأن الائتلاف، باعتباره الكتلة الكبرى في البرلمان بعد انتخابات 2025، يسعى للحصول على ما لا يقل عن خمس وزارات، بينها حقيبة سيادية.

ووفق تسريبات أولية لخريطة توزيع الوزارات، يتجه الائتلاف ذاته للحصول على خمس حقائب، من بينها «المالية»، إضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء، في حين قد تحصل قوى أخرى على وزارات رئيسية، مثل «النفط» لـ«دولة القانون»، و«الداخلية» لـ«منظمة بدر»، و«التخطيط» لـ«تيار الحكمة»، و«الدفاع» لتحالف «العزم»، و«الخارجية» و«العدل» لـ«الحزب الديمقراطي الكردستاني»، مع تزايد حصة حركة «صادقون» من المناصب التنفيذية.

وشهدت العاصمة بغداد سلسلة اجتماعات ومباحثات بين رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، وأبرز زعامات «الإطار التنسيقي»، تناولت حصص «الإطار» من الوزارات والهيئات والمناصب، وفق تقارير محلية.

وأفيد بأن «حصة (الإطار التنسيقي) تبلغ 12 وزارة، تقسم حسب الأوزان الانتخابية وعدد المقاعد، وهي تضم وزارات سيادية، مثل (النفط) و(المالية) و(الداخلية)، وربما وزارة الخارجية هذه المرة».

ومنذ أسابيع، تتركز النقاشات حول وزارة النفط، التي تشهد تنازعاً بين تيار الحكيم، وائتلاف نوري المالكي؛ إذ يريد الأخير أن تكون جزءاً من حصته في حكومة الزيدي.

تبدو مهمة تشكيل الحكومة الجديدة في العراق محكومة بحسابات معقدة، بين ضغوط التوازنات الداخلية وترقب المواقف الخارجية، في وقت يسعى فيه الزيدي إلى تحقيق توافق يضمن تمرير حكومته داخل البرلمان ضمن المهلة الدستورية.


زامير يعلن أن الجيش أنهى مهمّاته في إيران ولبنان ويستعد لغزة

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)
جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

زامير يعلن أن الجيش أنهى مهمّاته في إيران ولبنان ويستعد لغزة

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)
جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)

في الوقت الذي تشهد فيه إسرائيل نقاشات حادة حول استمرار الحرب، ويتم توجيه الانتقادات اللاذعة للحكومة على أنها لم تحقق أياً من أهدافها، لا في لبنان ولا إيران ولا في غزة، وبدأت هذه الانتقادات توجه أيضاً للجيش، باعتبار أنه هو أيضاً لا يقول الحقيقة، خرج رئيس الأركان، إيال زامير، بتصريحات (قيلت في جلسات مغلقة أمس الأربعاء على أرض الجنوب اللبناني لكن الجيش حرص على تسريبها للإعلام)، ليقول إن «كل ما حدده لنا المستوى السياسي فيما يتعلق بالمعركة الحالية في إيران ولبنان، حققناه بل وأكثر من ذلك، وبذلك خلقنا الظروف المواتية للعمليات السياسية التي يقودها المستوى السياسي الآن».

ولكن إطلاق مسيرة حديثة من «حزب الله» اللبناني على مدفعية إسرائيلية في بلدة شومرا، تسببت في إصابة 12 جندياً (إصابتين بالغتين و10 خفيفة)، غيرت من حسابات زامير.

وهذه البلدة اليهودية قائمة على أنقاض قرية طربيخا، التي تم احتلالها في نهاية عام 1948، واعتبرتها حكومة بيروت لبنانية ومنحت سكانها المهجرين الجنسية اللبنانية. وقامت إسرائيل بتدمير غالبية بيوتها ومسجدين، وحولتها إلى بلدة يهودية. وفي الحرب الحالية، تم تفريغ شومرا من السكان وأقام فيها الجيش الإسرائيلي عدة مواقع.

تجمع شعبي في جنازة عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين قتلوا بقصف إسرائيلي في بلدة مجدل زون في الجنوب (أ.ف.ب)

هجمات انتقامية

على أثر عملية «حزب الله»، اليوم، ردت قوات سلاح الجو الإسرائيلي بهجوم انتقامي. وقالت إن «هذا هجوم خطير لا يمكن السكوت عنه». فقصفت عدة مواقع وأمرت سكان 16 قرية في الجنوب اللبناني بالرحيل تمهيداً لتدميرها. والقرى المستهدفة هي: بشيت وحبوش وحاروف وكفر جوز والنبطية الفوقا وعبا وعدشيت والشقيف وعرب صاليم وتول وحومين الفوقا والمجادل وارزون ودونين والحميري ومعروب.

وقد جاء ذلك في وقت ادعت فيه أوساط مقربة من الحكومة بأنها «تسعى إلى فرض مهلة زمنية محددة للمفاوضات مع الحكومة اللبنانية لا تتجاوز أسبوعين إلى ثلاثة، تنتهي بحلول منتصف مايو (أيار)، ملوّحة بالانتقال إلى ما تصفه بـ(الخطة الأصلية) لحربها على لبنان في حال عدم تحقيق تقدم». وبحسب ما أفادت «القناة 12» الإسرائيلية، فإن هذه المقاربة طُرحت في اتصال جرى مساء الأربعاء بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، على خلفية طلب إسرائيلي وُصف بالعاجل لتحديد سقف زمني للمسار التفاوضي المباشر الذي ترعاه واشنطن بين تل أبيب وبيروت. وادّعت هذه الجهات أن سياسة «الرد المحدود» المتبعة حالياً تؤدي إلى تآكل الردع وتضر بالسكان وبالجاهزية العملياتية، على حد تعبيرها.

فلسطينيون يعبرون بحيّ مهدّم بقصف إسرائيلي في خان يونس (أ.ب)

غزة لم تنته بعد

وبحسب تقرير «القناة 12»، يعمل الجيش الإسرائيلي في ظل تعليمات من المستوى السياسي تقضي بضبط العمليات في لبنان، حيث يمتنع عن تنفيذ هجمات في عمق الأراضي اللبنانية، فيما تتطلب أي عملية شمال نهر الليطاني موافقة خاصة من المستوى السياسي. واعتبر التقرير أن الوضع الحالي، الذي يقتصر فيه دور الجيش الإسرائيلي على «الرد» بدل المبادرة، يخدم «حزب الله» ويمنحه فرصة لإعادة ترتيب صفوفه، ما يعرّض القوات الإسرائيلية لمخاطر إضافية.

وإزاء الانتقادات للجيش، أجرى زامير، جولة في المناطق التي يحتلها جيشه في لبنان، الأربعاء، حيث أكد أن الجيش ينفذ تعليمات المستوى السياسي وينتظر القرارات بشأن مواصلة العمليات. وقال خلال الزيارة: «تموضعنا على الخط لمنع إطلاق نار مباشر على البلدات»، مضيفاً: «لن نتسامح مع هجمات أو إطلاق نار»، على حد تعبيره. وأشار إلى أن الجيش حقق الأهداف التي وُضعت له حتى الآن، وأن القوات ستبقى في الميدان لضمان أمن بلدات الشمال.

وفي ختام التقرير، طرح تساؤلات حول جدوى الثمن الذي تدفعه إسرائيل في هذه المرحلة، في ظل ما وصفه بمراعاة المصالح الأميركية في المواجهة مع إيران.

وكان لافتاً أن زامير، عندما تحدث عن إتمام المهمات التي حددتها له الحكومة، في لبنان وإيران، ذكر أن المعركة القادمة يمكن أن تكون في قطاع غزة. وقال إن المعركة هناك لم تنته بعد، وإذا عرقلت «حماس» مهمة نزع سلاحها فإن الجيش سيضطر إلى استئناف الحرب بكل شدة.


«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
TT

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

تفتح تسريبات إعلامية متقاطعة من داخل «حزب الله» حول تفعيل قتال «الاستشهاديين» (الانتحاريين) باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة على الجبهة الجنوبية، مع بروز حديث عن خيارات قتالية غير تقليدية تعيد إلى الواجهة مفردات الحرب في ثمانينات القرن الماضي.

وكشفت تسريبات إعلامية من مصادر عسكرية في «حزب الله» عن أنّ الحزب يدرس العودة إلى «تكتيكات الثمانينات»، بما في ذلك تفعيل ما وصفته بـ«مجموعات الاستشهاديين».

ويكتسب هذا الطرح بعداً إضافياً في ضوء سوابق خطابية داخل الحزب، إذ كان الأمين العام السابق لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، قد وصف خلال «حرب الإسناد» عام 2024 المقاتلين في الجنوب بـ«الاستشهاديين»، في توصيف عكس طبيعة القتال وظروفه الميدانية. ويعيد استحضار المصطلح اليوم طرح تساؤلات حول دلالاته، بين كونه تعبيراً تعبويّاً أو مؤشراً إلى خيارات عملياتية محتملة.

قيود البيئة والتحول التكنولوجي

قال العميد المتقاعد يعرب صخر لـ«الشرق الأوسط» إن «الواقع الميداني في جنوب لبنان يجعل الحديث عن عودة العمليات الانتحارية أقرب إلى الطرح النظري منه إلى الخيار العملي».

وأضاف: «الجنوب اليوم شبه خالٍ من السكان بفعل النزوح والدمار، وهو ما يفقد هذا النوع من العمليات أحد أهم عناصره، أي القدرة على التخفي داخل البيئة المدنية».

وتابع: «التطور التكنولوجي في مجالات الرصد والاستطلاع، إلى جانب امتلاك إسرائيل بنك أهداف واسعاً، يجعل تنفيذ مثل هذه العمليات شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، في ظل المراقبة المستمرة والتتبع الدقيق، فضلاً عن صعوبة الحركة والوصول الميداني».

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)

وأوضح أن «التلويح بوجود عمليات مثل هذه على الحدود مع إسرائيل يُستخدم في سياق دعائي»، معتبراً أن «الرسالة الفعلية تتجاوز البعد العسكري لتطال الداخل اللبناني، حيث يجري توظيف هذا الخطاب بوصفه أداة ضغط على المسؤولين والقوى السياسية، لدفعهم نحو خيارات معينة في السياسة الخارجية».

وأضاف: «استحضار أسلوب الثمانينات لا يقتصر على العمليات الانتحارية، بل يستدعي أيضاً نمطاً كاملاً شمل الخطف والاغتيالات».

وخلص إلى أن «المقارنة بين واقع الجنوب اليوم وما كان عليه في ثمانينات القرن الماضي ليست دقيقة»، مؤكداً أن «الحديث عن عودة هذا النمط القتالي يبقى في إطار الشعارات والضغط السياسي، أكثر منه خياراً عسكرياً قابلاً للتنفيذ في ظل المعطيات الحالية».

بين النظرية والتطبيق

في المقابل، قال العميد المتقاعد فادي داوود لـ«الشرق الأوسط»: «الكلام عن استعادة أساليب ثمانينات القرن الماضي ليس مجرد طرح إعلامي، بل يعكس وجود هذا الخيار ضمن بنك القدرات المتاحة لدى الحزب».

وأضاف أن الحديث عن الانتحاريين الجاهزين للتنفيذ «يندرج في إطار القدرات البشرية التي لطالما شكّلت أحد عناصر قوة الحزب/». وتابع: «هذه العمليات، رغم التطور التكنولوجي الكبير في وسائل الرصد والمراقبة، لا تزال قادرة على إحداث تأثير ميداني، لأن التكنولوجيا تبقى محدودة الفعالية في مواجهة عنصر بشري مصمّم على الوصول إلى هدفه».

وأوضح أن «فعالية هذا النوع من العمليات تبقى مرتبطة بطبيعة الهدف ومستوى الحماية الأمنية المحيطة به، والإجراءات الميدانية التي تحيط بالمقار والمنشآت»، مشيراً إلى أن «إمكانية النجاح تختلف من حالة إلى أخرى تبعاً لهذه المعايير».

ولفت إلى أن «أي استخدام محتمل لهذه القدرات سيبقى موجهاً نحو أهداف إسرائيلية»، مضيفاً أن «تنفيذ عمليات من هذا النوع في الداخل الإسرائيلي يتطلب قدرة على التسلل والوصول المباشر إلى الهدف، وهو أمر يواجه تحديات كبيرة ميدانياً، ما يجعل نسبة النجاح متفاوتة».

ورأى أن «مجرد التلويح بهذا الخيار يحمل بُعداً نفسياً واستراتيجياً، إذ يعيد إلى الذاكرة الإسرائيلية تجارب سابقة، ويوجه رسالة بأن أي تسوية لا تراعي التوازنات قد تقود إلى تصعيد خارج الأطر التقليدية».

أنقاض مبانٍ مدمّرة في بلدة كفركيلا الحدودية جنوب لبنان (رويترز)

دلالات المصطلح ميدانياً

في موازاة ذلك، نقل مصدر مواكب لعمليات «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» أن «استخدام مصطلح الاستشهاديين لا يُقصد به بالضرورة العودة إلى نمط العمليات الانتحارية التقليدية، بل يعكس طبيعة المرحلة الميدانية في ظل الحصار المفروض على مناطق في جنوب لبنان».

وأضاف: «المقاتلون يدركون تماماً حجم المخاطر التي تحيط بهم، ويتعاملون معها على أساس القتال حتى أقصى الحدود».

وتابع: «المقصود بالمصطلح هو الجهوزية للالتحام في أصعب الظروف الميدانية، والاستمرار في المواجهة حتى الموت إذا فُرض ذلك، لا بوصفه خياراً تكتيكياً منفصلاً بل بوصفه جزءاً من طبيعة المعركة نفسها».