لبنانيون يروون لـ«الشرق الأوسط» مأساة نزوحهم المتكرر

يخافون عدم العثور على منازل تؤويهم عند العودة إلى الجنوب

توزيع الملابس على النازحين في أحد مراكز الإيواء (أ.ف.ب)
توزيع الملابس على النازحين في أحد مراكز الإيواء (أ.ف.ب)
TT

لبنانيون يروون لـ«الشرق الأوسط» مأساة نزوحهم المتكرر

توزيع الملابس على النازحين في أحد مراكز الإيواء (أ.ف.ب)
توزيع الملابس على النازحين في أحد مراكز الإيواء (أ.ف.ب)

ثلاث محطات من النزوح اختبرتها اللبنانية منى يعقوب، منذ 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حيث غادرت هي وعائلتها بلدتها الحدودية حولا (قضاء مرجعيون) مع بداية الحرب جنوباً، إلى بلدة كفررمان المحاذية لمدينة النبطية، قبل أن تنتقل أخيراً إلى عرمون (قضاء عالية)، حيث تمكثُ وعائلتها في الوقت الراهن.

منى ليست إلا نموذجاً من مئات العائلات اللبنانية التي بدأت رحلتها بالتنقل من مركز آمن إلى آخر، حسب تطوّرات المعركة التي رفعت الأعداد إلى آلاف فعشرات الآلاف؛ إذ لم يبقَ مكان آمن وبعيد عن الغارات الإسرائيلية التي تخلّف دماراً كبيراً، وطبقاً لرئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي، فإن الحرب الإسرائيلية على لبنان تسبّبت حتى الآن في نزوح 1.5 مليون شخص.

فقد عاش جنوبيون كُثر، من أبناء القرى الحدودية، رحلتَي نزوح أو أكثر؛ الأولى: قبل نحو عام، حينما أعلن «حزب الله» عن افتتاح جبهة إسناد غزة، وبدأت الاشتباكات الحدودية، فاضطر الناس للخروج إلى أماكن أكثر أماناً في صور وصيدا والنبطية والضاحية الجنوبية لبيروت.

أما الرحلة الثانية فبدأت حين أطلقت إسرائيل في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي حرباً واسعة وعنيفة طالت أنحاءً كثيرة في البلاد، لا سيّما الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، فنزح الناس مجدّداً، لكن الوجهة كانت هذه المرة إلى الشمال والعاصمة بيروت، وفي هاتين الرحلتين خسر اللبنانيون منازل كانت تؤويهم، وممتلكات خاصة، وأحباباً كثراً.

النزوح الأول

تروي منى لـ«الشرق الأوسط» رحلة نزوحها، قائلة: «مرّ عام وأنا نازحة، إنه كابوس لا نعلم متى ينتهي، ولا ماذا ينتظرنا بعد»، هذه السيدة الأربعينية، وهي أمّ لـ3 أطفال: حلا (14 سنة)، وسلام (13 سنة)، ونور (11 سنة)، تعبّر عن اشتياقها لقريتها حولا وناسها وطبيعتها وكلّ ما فيها: «مؤلم جداً أن تغادر منزلك وأشياء اعتدت عليها، والأصعب أننا لن نصل إليها متى أردنا».

أم نازحة من جنوب لبنان مع طفلها في أحد مراكز الإيواء (رويترز)

وحين نزحت منى يعقوب في المرة الأولى لم تحمل معها سوى مفاتيح منزلها في حولا، الذي لا تعلم إن كان صامداً حتى الساعة أم لا: «يومها كان القصف على البلدة كثيفاً جداً، لم نحمل معنا أغراضنا، ولا حتى أوراقنا الثبوتية، لكننا لم نعتقد أن النزوح سيطول هكذا، يقع منزلي بالقرب من تلة العبّاد عند الحدود، وهي منطقة خطيرة للغاية»، حسبما تقول.

«لعنة النزوح الثاني»

وطوال 11 شهراً، عاشت منى نازحة في أحد أحياء كفررمان، جارة النبطية، قبل أن تنزح مجدّداً بسبب القصف الشرس الذي بدأته إسرائيل في 23 سبتمبر الماضي، يومها استفاقت وعائلتها على صوت ضربات إسرائيلية قريبة: «سمعت أناساً يصرخون، ورأيت مباني تُقصف بأكملها، سارعنا بالهروب، وبينما نحن على الطريق استُهدِفت سيارة كانت خلفنا، عشنا لحظات رعب، شاهدنا الدماء في كل مكان، كلّ ما تمنيته في تلك اللحظة أن يكون مصيري أنا وعائلتي واحداً؛ إما نموت أو نحيا سويةً».

وتتابع: «وصلنا إلى عرمون بعد رحلة نزوح دامت 16 ساعة، لم نجد بيتاً يؤوينا، الإيجارات مرتفعة جداً، أحدهم طلب منّا 1200 دولار بدل إيجار شقة صغيرة، وهي كلفة خارج قدرتنا تماماً، بعدها قصدنا منزل شقيق زوجي، ومكثنا لديه برغم أنه يستقبل راهناً عدّة عائلات نازحة، يومها تمنّيت لو أننا لم نُصَب بلعنة النزوح الثاني وبقيت في كفررمان التي احتضنتنا منذ لحظة النزوح الأولى».

«هذا ما فعلته الحرب بنا»

تبكي منى يعقوب بحسرة على والدها، أستاذ الرياضيات، الذي توفي بعد أيام قليلة من نزوحها الأول، ولم تتمكّن من زيارة قبره حتى الساعة، وتبكي مرة أخرى بسبب ما آلت إليه ظروف حياتها: «ترك موت والدي أثراً كبيراً لديّ، لم أكن أتخيّل لوهلة أنني لن أراه مجدّداً، واليوم تشتّتت عائلتي؛ والدتي وإخوتي، كلٌّ منّا في مكان، وبِتنا نحلم باللقاء، وأن يحتضن بعضنا بعضاً مجدّداً، والخوف كبير من أن نموت في أيّ لحظة؛ إذ لم يَعُد من مكان آمِن في لبنان».

تتمنى منى أن تنتهي الحرب، ويتعافى أطفالها من مشاهد الدم والدمار، وأن تعود إلى بلدتها حولا، وأن يكون منزلها بانتظارها، ليحتضنها وعائلتها من جديد، وتعيد ترتيب أشيائها وحياتها، وتقول: «لا أريد لأحد أن يعيش مرارة الفقد كما حصل معي، أكثر ما أخافه اليوم أن تكبر خسارتنا، وأن نعيش بؤساً أكبر، وألا أجد منزلاً يؤويني في بلدتي حولا أو في كفررمان، البلدة التي نزحت إليها، إذا قُدّر لي أن أعود مجدّداً».

منى يعقوب عاشت سنوات طويلة من حياتها برفقة زوجها وأطفالها في الخارج، قبل أن تعود وتستقر في لبنان قبل 6 أعوام، ليشاء القدر أن تبدأ الأزمة الاقتصاديّة والنقديّة الأسوأ في تاريخ البلاد، وتعيش تبعاتها المأساوية، وتخسر وديعتها وشقاء عمرها في البنوك. وتختم: «ضاع شقاء عمرنا، والأسوأ أننا لا نملك أيّ سيولة تكفي احتياجات أبنائنا راهناً، بعد أن كنا نبادر لمساعدة الناس، وكانت منازلنا مفتوحة للجميع، هذا ما فعلته الحرب بنا».

الحال واحدة

يشبه حال منى إلى حد بعيد ما عاشته مي فوّاز (33 سنة) وعائلتها طوال سنة الحرب، فهي من بلدة تبنين الجنوبية (قضاء بنت جبيل)، وعاشت تجربة النزوح المتكرّر مرات كثيرة جداً.

سيدات جنوبيات نازحات إلى أحد مراكز الإيواء في بيروت (أ.ف.ب)

تقول مي لـ«الشرق الأوسط»: «لا أتذكّر عدد مرات النزوح التي عشناها؛ إذ تكرّرت عشرات المرات، أذكر يوم قرّر أهلي مغادرة منزلنا في أكتوبر 2023، اعتقدنا منذ تلك اللحظة أن العدوان سيشمل كل الجنوب، وأن الحرب لن تقتصر على قواعد الاشتباك التي كان متفقاً عليها بين (حزب الله) وإسرائيل».

وتضيف: «غادرنا بلدتنا، وعُدنا إليها مرات كثيرة، حسبما كانت تشتد أو تنخفض وتيرة القصف هناك، وفي كلّ مرة كنا نلجأ إلى منزل جدتي في منطقة زقاق البلاط بالعاصمة بيروت، أو نقيم في أحد فنادق منطقة الحمرا، وفي كل مرة كنا نأمل أن يكون الخروج الأخير، وطوال تلك الفترة عشنا الخوف والقلق وعدم الاستقرار، والتشرد بين العاصمة والجنوب».

نزحت فوّاز وعائلتها إلى بيروت قبل حادثة تفجير أجهزة الـ«بيجر» التابعة لـ«حزب الله» في لبنان الشهر الماضي، جرّاء تصاعُد التهديدات الإسرائيلية. تقول فواز: «كان واضحاً لنا أن هناك تصعيداً ما سيحدث، بقينا في بيروت لدى منزل جدتي، وغادرناه مجدّداً حين امتد القصف إلى قلب بيروت، يوم استهدف أحد المباني في حي الباشورة، وكان الاستهداف على مقربة من منزل جدتي، ومجدّداً انتقلنا إلى أحد فنادق بيروت، إلى أن تمكّنا من تأمين شقة نأوي إليها في منطقة الصنائع في بيروت، وهي لأحد أقاربنا».

وتخاف مي فوّاز، كما يشعر جميع النازحين وغير النازحين، من أنه لم يَعُد هناك أيّ مكان آمِن في لبنان، وكأن الناس باتت تعيش في حقل ألغام، لا تعلم إن كانت ستنجو أم لا، كما تخاف أن تخسر منزل عائلتها الذي عاشت فيه طوال سنوات حياتها، وشكّلت فيه تفاصيل وصور ذكرياتها وعمرها.

من مركز نزوح إلى آخر

هذه ليست سوى نماذج لقصص كثيرة تُروى عن النزوح المتكرّر الذي عاشه لبنانيون كُثر، وخصوصاً الجنوبيين، طوال عام الحرب بتفاصيلها المأساوية والصعبة، والأسوأ تلك القصص التي يعيشها الناس في مراكز الإيواء، حيث يعيش النازح ظروفاً حياتية صعبة للغاية.

يقول عباس هاني (27 سنة) من بلدة كفرا الجنوبية (قضاء بنت جبيل): «في الأسبوعين الأخيرين انتقلت من قريتي إلى أحد مراكز الإيواء في صور، كان الوضع مُزرياً للغاية، واجهنا مشكلة انقطاع المياه المستمر، والزحمة الخانقة، وقلة النظافة، وخصوصاً على مستوى المراحيض، ولا أعلم كيف تمكّنت من العيش هناك لمدة أسبوع قبل أن أنتقل من صور إلى صيدا، وتبدأ رحلة البحث عن مركز إيواء جديد، لكننا لم ننجح بذلك».

سيدة من جنوب لبنان نزحت إلى أحد مراكز الإيواء (د.ب.أ)

بعد ذلك توجه هاني إلى مناطق جبل لبنان، وتمكّن من حجز مكان له ولشقيقه وشقيقته وزوجها في إحدى مدارس الإيواء بقرية عين عنوب التي يعدّها جيدة مقارنةً بالمركز السابق، باستثناء مسألة عدم توفر المياه بشكل كافٍ.

قبل هذا النزوح بقي هاني صامداً وجميع أفراد عائلته في قريته التي لطالما تعرضت للقصف على أطرافها وفي أهداف محدّدة، وهو يخاف اليوم أن يضطر للنزوح مرات جديدة، وأن تطول الحرب ويعيش هذا التشرد في مراكز الإيواء، حسبما يقول.


مقالات ذات صلة

سندات لبنان الدولارية ترتفع إلى أعلى مستوياتها منذ التعثر في 2020

الاقتصاد سُحُب كثيفة تخيِّم على كورنيش البحر الأبيض المتوسط بينما يركب صبية دراجاتهم في بيروت (أ.ب)

سندات لبنان الدولارية ترتفع إلى أعلى مستوياتها منذ التعثر في 2020

ارتفعت أسعار سندات اليوروبوندز اللبنانية المتعثرة إلى أعلى مستوياتها، منذ ما قبل إعلان التخلف عن السداد في مارس 2020.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مناصرة لـ«حزب الله» تحمل صورة أمينه العام السابق حسن نصر الله خلال حراك وسط بيروت ضد المفاوضات اللبنانية مع إسرائيل برعاية أميركية (أرشيفية - إ.ب.أ)

أزمة قيادة في «حزب الله» بعد اغتيال نصر الله

في الذكرى الثانية لاغتيال الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله، لم ينجح الحزب في أن يتجاوز بالكامل غياب الرجل الذي أمسك بقيادته لأكثر من ثلاثة عقود.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلقي كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة (رئاسة الحكومة)

سلام في الأمم المتحدة: لبنان يتمسك بالانسحاب الإسرائيلي وحصرية السلاح

أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام تمسك بلاده بسيادة «تقتضي انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية»، كما «تقتضي بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها».

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
المشرق العربي آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تعيد تشكيل انتشارها في جنوب لبنان

تدخل العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان مرحلة مختلفة، مع اتجاه الجيش الإسرائيلي إلى تقليص حجم قواته وإعادة تنظيمها على امتداد ما يسميه «الخط الأصفر».

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جندي في «اليونيفيل» على متن آلية عسكرية خلال دورية في جنوب لبنان (اليونيفيل)

واشنطن تضغط ليتولى الجيش اللبناني وحيداً أمن الحدود الجنوبية

تتبنى الولايات المتحدة الأميركية مقاربة مختلفة عن المقاربة الأوروبية تجاه الحضور الدولي في الجنوب وتعزيز استقرار المنطقة الحدودية

نذير رضا (بيروت)

جنوب لبنان أمام مفترق عسكري والعين على إقليم التفاح

الدخان يتصاعد من موقع تفجير إسرائيلي مُتحكم به في قرية المنصوري (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من موقع تفجير إسرائيلي مُتحكم به في قرية المنصوري (أ.ف.ب)
TT

جنوب لبنان أمام مفترق عسكري والعين على إقليم التفاح

الدخان يتصاعد من موقع تفجير إسرائيلي مُتحكم به في قرية المنصوري (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من موقع تفجير إسرائيلي مُتحكم به في قرية المنصوري (أ.ف.ب)

على وقع الحديث الإسرائيلي عن الانتقال إلى «مرحلة جديدة» من الاحتلال في جنوب لبنان، اتخذت العمليات العسكرية خلال الساعات الأخيرة منحى تصعيدياً، مع إدخال المروحيات الهجومية والدبابات مجدداً إلى جانب الطيران الحربي والمدفعية والتمشيط بالأسلحة الثقيلة.

وبين الغارات وعمليات النسف والتحركات على الأرض، يطرح في لبنان السؤال الآتي: هل التصعيد الإسرائيلي يقتصر على رفع مستوى الضغط العسكري، أم أنه يمهّد لتغيير في طبيعة العمليات والاحتلال في الجنوب؟

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً رئيس الوفد المفاوض السفير السابق سيمون كرم في وقت سابق (الرئاسة اللبنانية)

وفيما لم يحدد حتى الآن الموعد الجديد لجلسة المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، من المتوقع أن يزور رئيس الوفد المفاوض اللبناني سيمون كرم الفاتيكان، حيث يلتقي أمين سر الدولة الكاردينال بيترو بارولين، ووزير الخارجية بول ريتشارد غالاغر، لبحث ملف المفاوضات والدور الذي يمكن أن يؤديه الفاتيكان في دعم هذا المسار، حسب ما قالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتأتي الزيارة متابعةً لما بحثه رئيس الجمهورية جوزيف عون خلال زيارته الأخيرة إلى روما، لا سيما فيما يتعلق بالجهود الرامية إلى دعم لبنان ودفع مسار المفاوضات.

قذائف وحرائق ونسف منازل

مدانياً، وتواصلت الأحد الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب حيث أغارت مروحية أباتشي على مركز تجاري على طريق شوكين – ميفدون في منطقة النبطية، فيما طاول تمشيط بالرشاشات الثقيلة بلدات بيت ياحون وصربين ووادي زبقين.

ونجا فريق الإسعاف من غارة استهدفت المبنى وذلك أثناء وجود العناصر في المنطقة لإجراء كشف ميداني بعد غارة سابقة، ما أدى إلى أضرار في المحال التجارية وشقق سكنية في المبنى المستهدف.

كذلك استهدفت دبابة «ميركافا» إسرائيلية بلدة حداثا بأربع قذائف، قبل أن تتحرك القوات الإسرائيلية باتجاه أحد المراكز في البلدة، حيث أقدمت على إشعال حريق في المكان، كما أقدم الجيش الإسرائيلي فجر الأحد على نسف عدد من المنازل في بلدة المنصوري جنوب لبنان.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه هاجم أهدافاً لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، وقال إن ذلك جاء رداً على إطلاق مسيّرة مفخخة باتجاه قواته خلال الليلة الماضية.

تلاميذ في اليوم الأول للمدرسة حيث سيتابعون دروسهم في قسم شُيِّد حديثاً -لكنه لم يكتمل بناؤه- من مدرسة «برج قلاويه» المتوسطة التي كانت قد تضررت سابقاً جراء غارات إسرائيلية (أ.ف.ب)

وكان الطيران الحربي الإسرائيلي قد شن، بعيد منتصف ليل السبت – الأحد، سلسلة غارات استهدفت بلدة النبطية الفوقا بغارتين، وأطراف كفرتبنيت، وبلدة ميفدون حيث دُمّر منزل بالكامل.

كما تعرضت دوحة كفررمان لقصف مدفعي مركّز، طال أيضاً وادي زبقين وأطراف مزرعة الشومرية وبلدة القصير، فيما نفذ الجيش الإسرائيلي تمشيطاً بالرشاشات الثقيلة باتجاه بلدات بيت ياحون وصربين ووادي زبقين.

والبارز في هذه التطورات استخدام إسرائيل مروحيات هجومية، وفي مقدمتها الأباتشي، بالتزامن مع دبابات وقصف مدفعي وغارات من طيران حربي، إضافة إلى تحركات على الأرض وعمليات نسف المنازل، ما يعكس استخداماً متنوعاً لوسائل النيران في أكثر من محور، في ظل الحديث الإسرائيلي عن تغيير في طبيعة العمليات.

مرحلة جديدة أم تثبيت مواقع؟

وفي قراءته لما يحصل في الساعات الماضية، يرى العميد المتقاعد والخبير العسكري حسن جوني أن العمليات الإسرائيلية الأخيرة في جنوب لبنان، التي استخدمت فيها دبابات «الميركافا» والمروحيات، قد تكون في سياق العمليات الروتينية التي كانت تُنفّذ سابقاً، أو في إطار استكمال وإنهاء العمليات المرتبطة بمنطقة المنصوري، خصوصاً أن الجيش الإسرائيلي أعلن أنه أوشك على إنهاء المرحلة التي كان عنوانها تدمير البنى التحتية لـ«حزب الله» في المنطقة.

جندي في الجيش اللبناني يستخدم هاتفه لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)

وبالتالي، فإن السؤال الأساسي بعد انتهاء هذه المرحلة يتمحور حول طبيعة الخطوة الإسرائيلية التالية، وفق ما يراه جوني في حديث لـ«الشرق الأوسط».

ويقول: «وفقاً للمعلومات والمواقف الإسرائيلية، هناك حديث عن إعادة تموضع للجيش الإسرائيلي في مراكز ومواقع ثابتة يجري إعدادها، بما يشير إلى توجه نحو تثبيت الوجود العسكري الإسرائيلي ومواقعه الدفاعية في المنطقة العازلة وعلى تخوم الخط الأصفر، بما قد يؤدي إلى نوع من الاستقرار في شكل الانتشار الإسرائيلي في المنطقة».

ويتابع جوني: «إلا أن الأداء العملياتي للجيش الإسرائيلي، ولا سيما ما حصل يوم السبت مع التركيز على مناطق جبل الريحان ومحيطه، وجبل صافي وسجد، يثير مؤشرات مقلقة حول احتمال بدء عمل عسكري في منطقة إقليم التفاح، التي تقع جغرافياً شمال علي الطاهر».

ألسنة اللهب تتصاعد من جراء تفجير إسرائيلي لمنشآت «حزب الله» في مرتفعات «علي الطاهر» في 10 سبتمبر (أ.ف.ب)

إقليم التفاح آخر مناطق «حزب الله» اللوجستية

ويشير جوني إلى أن «إقليم التفاح يُعد تاريخياً من آخر المناطق في جنوب لبنان التي تضم قواعد لوجستية لـ(حزب الله)، ما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كان هناك قرار إسرائيلي بمواصلة العمليات والتوسع باتجاه هذه المنطقة، وما إذا كانت تحركات الأمس تشكل مؤشرات أولية على التحضير لهذا التوجه، أم أنها تندرج في إطار إعادة التموضع وتثبيت المواقع الدفاعية».

من هنا يؤكد جوني أن الأيام القليلة المقبلة ستكون كفيلة بتوضيح المسار الذي ستتخذه العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان.

وكان قد سجل السبت قصف مدفعي منطقة وادي السلوقي -محيط بلدة شقرا، وأطراف زوطر الشرقية، كما استهدفت سلسلة غارات عنيفة الجبل الرفيع والريحان بين إقليم التفاح وقضاء جزين ورصدت 3 غارات على أطراف بلدة سجد نُفذت بصواريخ ارتجاجية وصل صداها إلى الزهراني.


كردستان العراق: تصاعد المخاوف من الانسحاب الوشيك لـ«التحالف الدولي»

مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق (أرشيفية - أ.ف.ب)
مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

كردستان العراق: تصاعد المخاوف من الانسحاب الوشيك لـ«التحالف الدولي»

مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق (أرشيفية - أ.ف.ب)
مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق (أرشيفية - أ.ف.ب)

في حين تستعد الحكومة الاتحادية في بغداد للاحتفال الأربعاء المقبل، بما تصفه «يوم السيادة» الذي يصادف خروج قوات «التحالف الدولي» من العراق، تبدي غالبية الزعامات الكردية، وبخاصة في أربيل عاصمة الإقليم، مخاوف شديدة من هذا الانسحاب.

وأصدر المكتب الإعلامي لرئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، الأحد، بياناً توضيحياً بشأن التقرير المنشور في صحيفة «فاينانشال تايمز»، الذي تضمن عبارات منسوبة للبرزاني وصف فيها الانسحاب الأميركي بـ«المخجل»، وأنه «سيترك حلفاء واشنطن من الكرد بلا حماية».

رئيس وزراء إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني (رويترز)

ورغم اللهجة المختلفة التي وردت في البيان بالمقارنة مع ما ورد في الصحيفة، فإنها لم تتجاوز حالة المخاوف من انسحاب الولايات المتحدة الأميركية التي تقود «التحالف الدولي» من العراق بحلول يوم 30 سبتمبر (أيلول) الجاري.

وقال بيان مكتب بارزاني إن «التقرير المنشور، لم يتوخَّ الدقة المهنية والموضوعية في نقل تصريحاته كما وردت نصاً، بل عمد كاتب التقرير إلى إقحام استنتاجات وتفسيرات شخصية طغت على حقيقة المضامين المصرّح بها».

وحول موقف الإقليم ورئيس وزرائه ذكر البيان أن «انسحاب القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي من العراق يأتي في توقيت شديد الحساسية، حيث تعرض إقليم كردستان لأكثر من ألف هجوم صاروخي واعتداء بالطائرات المسيّرة»؛ في إشارة إلى الهجمات التي شنتها إيران وفصائلها المسلحة في العراق على الإقليم خلال الأشهر الماضية.

ويرى بارزاني أن «ترك إقليم كردستان مكشوفاً دون توفير أي منظومات دفاعية تحميه، أمرٌ يبعث على القلق».

وأضاف أن «استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني في العراق، يُشكل تهديداً صريحاً لأسس النظام الاتحادي».

وعبر البيان، عن «اعتزاز الإقليم بعلاقاته الوثيقة مع الولايات المتحدة، وأنه يجري حوارات واتصالات مستمرة مع المسؤولين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقد جددنا التأكيد مراراً وتكراراً، على أن إقليم كردستان ليس طرفاً في أي حرب أو صراع».

مروحية أميركية تحلِّق بالقرب من قاعدة حرير في أربيل بكردستان العراق (أرشيفية - رووداو)

وأشار إلى أن «وجود قوى المعارضة الإيرانية في العراق وإقليم كردستان ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لسنوات طوال تعود جذورها إلى حقبة النظام السابق».

وهي الذريعة التي تتخذها إيران لشن هجماتها على الإقليم.

وخلافاً للاحتفالات التي تجريها بغداد بيوم الانسحاب وقد قامت بتعطيل الدوام الرسمي أربعة أيام في هذه المناسبة، لم ترد في بيان بارزاني أي عبارة ترحيب بذلك الانسحاب، لكنه أكد دعمه لمساعي رئيس الوزراء علي الزيدي «الرامية لمكافحة الفساد، ونزع سلاح الميليشيات، وتسوية الملفات العالقة بين أربيل وبغداد استناداً إلى الأطر الدستورية».

مخاوف مبررة

ويرى الباحث والمستشار كفاح محمود، أن المخاوف التي يعبر عنها الزعماء الكرد «مبررة» بالنظر لمجموعة المخاطر المرتبطة بعملية انسحاب أميركا والتحالف الدولي من العراق، وضمن تلك المخاوف، أن «تنظيم (داعش) لم ينته، حيث لا تزال لديه خلايا نائمة في مناطق حساسة جداً، سواء في محيط إقليم كردستان أو بغداد، وكذلك في الأنبار والموصل وتكريت. وهذه الخلايا تتحرك بين حين وآخر، وتنفذ بعض العمليات التي تعلن عنها بغداد أو قوات (البيشمركة)».

تصاعد دخان بعد انفجارات قرب مطار أربيل في كردستان العراق يوم 24 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

ويعتقد محمود في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «الانسحاب الأميركي سيشجع هذه الخلايا على التحرك، وسيمنحها مساحة أكبر للنشاط. خاصة أن منظومة الدفاع الجوي العراقية لم تكتمل حتى الآن، كما أن منظومة الرصد والاستطلاع لا تزال بحاجة إلى استكمال. ولا ينبغي أن ننسى أن الولايات المتحدة كانت تعتمد على الأقمار الصناعية وطائرات التجسس وغيرهما من وسائل الاستطلاع، لمراقبة تحركات الإرهابيين في العراق وتوفير المعلومات اللازمة للقوات العراقية».

إلى جانب ذلك، يرى محمود، أن «المنظومة العسكرية العراقية لم تصل بعد إلى المستوى الذي يؤهلها لحماية البلاد بصورة كاملة. فلا تزال هناك نواقص على مستوى التسليح والتجهيز وتكامل الصفوف العسكرية، والدليل على ذلك حالة التشرذم ووجود الفصائل المسلحة والميليشيات المتعددة».


العراق بين مطرقة العقوبات الأميركية المحتملة وسندان النفوذ الإيراني

واجهة «مطار بغداد الدولي» (أرشيفية - رويترز)
واجهة «مطار بغداد الدولي» (أرشيفية - رويترز)
TT

العراق بين مطرقة العقوبات الأميركية المحتملة وسندان النفوذ الإيراني

واجهة «مطار بغداد الدولي» (أرشيفية - رويترز)
واجهة «مطار بغداد الدولي» (أرشيفية - رويترز)

بقي قرارُ الحكومة العراقية تطبيق قرار وزارة الخزانة الأميركية؛ بشأن حظر الطيران الإيراني، موضعَ جدل كبير في ضوء رفض أطراف من قوى «الإطار التنسيقي» التزامه، مقابل الموقف الرسمي المعلن بالالتزام.

وطبقاً لمصدر حكومي، فإن بغداد تلقت تحذيراً أميركياً جدّياً من مغبة استقبال أي شركة طيران إيرانية في المطارات العراقية، علماً بأن حكومة رئيس الوزراء، علي الزيدي، كانت طلبت من واشنطن منح استثناء لبعض المطارات من قرار حظر الطيران؛ منها «مطار النجف» لأسباب إنسانية.

«مطار النجف» (متداولة)

وطبقاً لمصدر سياسي مطلع، فإن «العراق الآن بين المطرقة الأميركية والسندان الإيراني». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمر يبدو في الواقع في غاية الصعوبة، حيث إن المضي مع ما تريده طهران بعدم الالتزام التام قرار حظر الطيران يمكن أن تترتب عليه عقوبات لم يعد بالإمكان تحملها عراقياً، لا سيما أن شحنة من الدولار الأميركي سوف تصل إلى بغداد قريباً في جزء من المباحثات الناجحة التي أجراها رئيس الوزراء، علي الزيدي، مع الإدارة الأميركية، خصوصاً الرئيس دونالد ترمب، خلال مشاركته في اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة».

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)

وكانت أسعار صرف الدولار شهدت في الآونة الأخيرة ارتفاعاً حاداً في الأسواق العراقية؛ مما انعكس سلباً على الحياة اليومية للمواطن العراقي في ظل عدم قدرة العراق على تصدير كامل نفطه من «مضيق هرمز»؛ بسبب رفض طهران منحه استثناء؛ مما أدى إلى تأخير دفع رواتب نحو 8 ملايين موظف ومتقاعد يعتمدون على الميزانية العامة للدولة.

المصدر السياسي المطلع قال إن «قادة (الإطار التنسيقي)، (الشيعي)، يحاولون مسك العصا من الوسط خلال نقاشهم الأمر بحضور الزيدي ومعه، لجهة عدم الذهاب بعيداً في تحدي القرار الأميركي، والإعلان في الوقت نفسه عن تأييدهم المحاولات التي يبذلها رئيس الوزراء من أجل الحصول على استثناء واحد ولو لمطار النجف فقط».

من داخل «مطار النجف الدولي» (واع)

وكان مصدر حكومي مسؤول أكد، الأحد، أن بغداد «تلقت تحذيراً أميركياً جدياً ومباشراً بأن استمرار استقبال أي شركة طيران إيرانية في المطارات العراقية يعرّض المطار والجهات والشركات التي تقدم خدمات لهذه الرحلات لعقوبات أميركية».

وقال المصدر في تصريح صحافي إن «الجانب الأميركي أوضح للحكومة العراقية أن الإجراءات العقابية لن تقتصر فقط على شركات الطيران الإيرانية المشمولة بالعقوبات، وإنما قد تطول أي جهة أو مطار يقدم خدمات أو يسهّل تشغيل رحلات تلك الشركات، بما في ذلك خدمات الهبوط والمناولة الأرضية والتزود بالوقود... وغيرها من الخدمات المرتبطة بالرحلات».

وأضاف المصدر الحكومي نفسه أن «هذا التحذير وضع الحكومة العراقية أمام خيار وحيد؛ هو تحاشي تعريض المطارات العراقية والقطاع الجوي والجهات العاملة فيه لعقوبات أميركية، وبالتالي الاستمرار في وقف استقبال الرحلات التابعة لشركات الطيران الإيرانية في المطارات العراقية».

وأشار المصدر إلى أن «القرار لم يكن مرتبطاً بموقف سياسي عراقي تجاه حركة الطيران مع إيران، وإنما جاء نتيجة المخاطر القانونية والاقتصادية المترتبة على العقوبات الأميركية، خصوصاً أن استمرار تقديم الخدمات للطائرات الإيرانية يعرّض الجهات العراقية المتعاملة معها لإجراءات عقابية».

من أحد اجتماعات «الإطار التنسيقي» بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي (واع)

إلى ذلك، وفي وقت يقترب فيه موعد الانسحاب الأميركي من العراق نهائياً في 30 سبتمبر (أيلول) الحالي، فإن عملية «حصر السلاح بيد الدولة» بدأت تشهد تراجعاً واضحاً، بعد رفض فصائل عدّة التزام المهلة المقررة لذلك، في موازاة تصاعد الضغوط الأميركية لدفع بغداد إلى التزام تعهداتها في هذا الشأن.

ويقول أستاذ العلوم السياسية، الدكتور طالب محمد كريم، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحكومة العراقية تبدو عازمة بوضوح على إنجاز مبدأ احتكار الدولة القوة، ليس بوصفه ملفاً أمنياً فقط، وإنما بِعدّه جزءاً من إعادة بناء الدولة وترتيب علاقاتها السياسية والدولية وشراكاتها الاقتصادية». ويضيف أن «قواعد اللعبة نفسها بدأت تتغير؛ من منطق التوازن بين قوى مسلحة متعددة، إلى منطق دمج القوة ضمن مؤسسات الدولة، وبالتوازي مع ذلك؛ إعادة تعريف علاقات العراق بالولايات المتحدة و(الاتحاد الأوروبي) ودول الإقليم».

ولايتي

وفي السياق العام نفسه، كان لافتاً لمراقبين كثر في بغداد أن الهجوم العنيف الذي شنّه علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، على «الإطار التنسيقي» ووصفه له بـ«الفارغ»، لم يحظ بأي رد من ذلك «الإطار» الذي يضم أبرز القادة الشيعة؛ بمن فيهم 4 رؤساء وزراء؛ 3 منهم سابقون، هم: نوري المالكي، وحيدر العبادي، ومحمد شياع السوداني، ورابع حالي هو علي الزيدي.