فاروق القدومي: زرنا الأسد فأمر بإخراج عرفات من سجن المزة

اصطحب عبد الناصر «أبو عمار» معه إلى الاتحاد السوفياتي فبدأت العلاقة بين موسكو ومنظمة التحرير

الرئيس ياسر عرفات وفاروق القدومي وقادة فلسطينيون يؤدون الصلاة في حمام الشط جنوب العاصمة التونسية عام 2001 ترحماً على أرواح ضحايا الغارة الإسرائيلية على مقر قيادة منظمة التحرير بتونس عام 1985 (أ.ف.ب)
الرئيس ياسر عرفات وفاروق القدومي وقادة فلسطينيون يؤدون الصلاة في حمام الشط جنوب العاصمة التونسية عام 2001 ترحماً على أرواح ضحايا الغارة الإسرائيلية على مقر قيادة منظمة التحرير بتونس عام 1985 (أ.ف.ب)
TT

فاروق القدومي: زرنا الأسد فأمر بإخراج عرفات من سجن المزة

الرئيس ياسر عرفات وفاروق القدومي وقادة فلسطينيون يؤدون الصلاة في حمام الشط جنوب العاصمة التونسية عام 2001 ترحماً على أرواح ضحايا الغارة الإسرائيلية على مقر قيادة منظمة التحرير بتونس عام 1985 (أ.ف.ب)
الرئيس ياسر عرفات وفاروق القدومي وقادة فلسطينيون يؤدون الصلاة في حمام الشط جنوب العاصمة التونسية عام 2001 ترحماً على أرواح ضحايا الغارة الإسرائيلية على مقر قيادة منظمة التحرير بتونس عام 1985 (أ.ف.ب)

لا يمكن كتابة قصة العقود السبعة الماضية في العالم العربي من دون التوقف طويلاً عند قصة حركة «فتح». ولا يمكن كتابة قصة «فتح» من دون التوقف عند دور فاروق القدومي (أبو اللطف) الذي كان واحداً من أبرز حلقة المؤسسين، التي لم يبق منها سوى الرئيس محمود عباس (أبو مازن) الذي شاءت الأقدار أن يشهد من موقعه الحالي النكبة الجديدة التي ألحقتها حكومة بنيامين نتنياهو بقطاع غزة.

غاب القدومي أول من أمس. غلبته التسعينات. وكان اسمه غاب في العقود الثلاثة الماضية بعد معارضته خيار «اتفاق أوسلو» وتخوّفه من أن تحوّله إسرائيل فخاً للقيادة الفلسطينية وشعبها. قبل هذا الافتراق كان القدومي نجماً فلسطينياً حين كان يحمل القضية بوصفه وزير خارجية منظمة التحرير إلى المحافل الدولية. كان واضحاً وصارماً في مداخلاته في الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز والقمم العربية والإسلامية ومثلها في علاقات منظمة التحرير الدولية.

عارض القدومي الوافد أصلاً من حزب «البعث". سألته ذات يوم عن الاتهامات التي كانت توجّه إلى الرئيس ياسر عرفات (أبو عمار) بالتفرد، فردّ مبتسماً: «أبو عمار شيخ قبيلة فتح، وبحسب أعرافنا يجوز لشيخ القبيلة ما لا يجوز لغيره». ملاحظاته على أسلوب عرفات لم تدفعه يوماً إلى التشكيك بأنه قائد الشعب الفلسطيني و«أول من دخل إلى الأراضي المحتلة وأعدّ الخلايا للانطلاقة».

في التسعينات كنت مهتماً بجمع الروايات الفلسطينية. في 1998 التقيت القدومي في حوار ذكريات في تونس تحدث فيه عن أبرز المحطات. بمناسبة وفاته رأيت أن أشرك قرّاء «الشرق الأوسط» في جانب من روايته.

فاروق القدومي في مؤتمر منظمة الدول الإسلامية بماليزيا عام 2003 (غيتي)

* كيف وُلدتْ حركة «فتح»؟

- إثر احتلال غزة في 1956 حصلت أعمال مقاومة. وقبل ذلك كانت هناك عمليات فدائية انطلقت من قطاع غزة حيث كانت فكرة المقاومة حاضرة باستمرار. الأحداث التي وقعت في المنطقة: الثورة العراقية، وإنهاء دور غلوب باشا، واندلاع الثورة الجزائرية وغيرها (من الأحداث)، كل ذلك ترك آثاراً في المنطقة. الواقع أن نجاح الثورة الجزائرية ترك صداه وساهم في قيام العمل الفدائي في المشرق العربي.

كان مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، أثناء وجوده في مصر وبعدها في لبنان، متمسكاً بضرورة الكفاح الفلسطيني. وفي تلك الأثناء كانت هناك مكاتب لـ«الهيئة العربية العليا». هذه الأجواء ساعدت على نشوء الحركة الفدائية، خصوصاً أن الإنجاز على المستوى السياسي كان قليلاً، فبعد الوحدة بين مصر وسوريا جاءت نكسة الانفصال في 1961. في العام نفسه بدأت مفاوضات «إيفيان» التي انتهت باستقلال الجزائر. بدأ الكثيرون من المنتمين إلى الأحزاب السياسية، وبفعل أجواء الإحباط، يتجهون إلى تشكيل منظمات فدائية، فكانت «فتح». بدأ الاتجاه الجبهوي يتشكل وقامت منظمات متعددة. وعندما أقر العرب ضرورة وجود منظمة فلسطينية وعقد أول مجلس وطني في 1964 في القدس ازداد الدعم لهذا الاتجاه الجبهوي وتشكل جيش التحرير الفلسطيني.

بدأ أخوة يفكرون في ضرورة وجود منظمة. قبل ذلك كانت هناك مجلة اسمها «فلسطيننا» باسم توفيق حوري (لبناني) وهي ذات ميول إسلامية. وكانت هناك مجلة باسم «فلسطين» تصدرها الهيئة العربية العليا. هذه المجلات كانت تدعو إلى إنشاء جبهة فلسطينية، فبدأت حركة «فتح» تتشكل في الكويت ثم في قطر في أواخر الخمسينات وبداية الستينات ووُضع هيكل البناء الثوري لحركة «فتح» في 1959.

شارك في المداولات كثيرون بينهم الأخوة «أبو جهاد» و«أبو عمار» وعادل عبد الكريم وعبد الله الدنان ومنير السويدي وتوفيق حوري. انتشرت الفكرة في الكويت وقطر فكان هناك المرحوم يوسف النجار ومحمود عباس وعدد من الأخوة. هذه بداية الفكرة لكن نشوء التنظيم كان في بداية الستينات.

صورة تجمع (من اليمين) أبو علي مصطفى، القدومي، عرفات، جورج حبش، أبو إياد وأبو ماهر اليماني

* متى التقيت أبو عمار للمرة الأولى؟

- في 1954 في القاهرة، كنا في رابطة الطلاب الفلسطينيين، «أبو عمار» و«أبو إياد» وأنا. عملنا معاً في الرابطة وكان «أبو عمار» رئيساً لها. أنا كنت في الجامعة الأميركية، و«أبو عمار» كان في جامعة القاهرة، وأبو إياد في كلية الآداب جامعة الأزهر. أنا كنت منتمياً إلى حزب «البعث»، و«أبو إياد» كان من «الإخوان المسلمين» المتنورين، و«أبو عمار» كان مستقلاً متديناً. أمضينا قرابة ثلاث سنوات في القاهرة. تخرّج «أبو عمار» وتوجه إلى الكويت ليعمل مهندساً في دائرة الأشغال، وتبعه «أبو إياد» للعمل في التدريس، ثم ذهبت أنا وعملت في وزارة الصحة مسؤولاً عن العلاقات الصحية الدولية. ذهبت أولاً إلى ليبيا منها إلى المملكة العربية السعودية، حيث عملت في مديرية شؤون الزيت والمعادن ثم إلى الكويت في 1960.

لم تكن هناك في البداية اجتماعات، واقتصر الأمر على اتصالات ثنائية للمحافظة على السرية. أنا كنت أتصل بـ«أبو عمار» وهو يتصل بـ«أبو إياد». وكان المنسّق الأخ عادل عبد الكريم. ومن الأوائل أيضاً الأخ «أبو الأديب» والأخ خالد الحسن، وكل هذا قبل أن تتشكل لجنة مركزية تجتمع كمجموعة. تشكلت اللجنة المركزية وبدأت اجتماعاتها كفريق مع الانطلاقة في 1965. على مدى سنوات، أجرينا اتصالات بالأخوة في كل المناطق، خصوصاً بالشخصيات والرموز الوطنية العربية والفلسطينية. وبين هذه الشخصيات من ينتمي إلى الجزائر والسعودية ودول أخرى.

* من سمّاها «فتح»؟

- منذ البداية كان واضحاً أنها حركة تحرر (وطني) فلسطيني. أُخذت الحروف الأولى وقُلبت.

* كيف كان توزيع المسؤوليات؟

- في البداية كان الأمر فكرة في الأذهان والعمل سري والاتصال يتم بشكل فردي.

قرار الانطلاقة

* من اتخذ قرار الانطلاقة في 1-1-1965؟

- عندما بدأنا بالفعل الاجتماع مع الرموز، خصوصاً في دمشق، تشاورنا: هل ننطلق قبل قيام منظمة التحرير الفلسطينية (1964) أم بعد ذلك. هنا بدأت الاجتماعات تأخذ طابعاً جماعياً. وفي النهاية تقرر أن ننطلق لنعمّق التيار الجبهوي وكي تكون هناك موافقة عربية على وجود هوية وطنية فلسطينية هي منظمة التحرير، وهذا يسهّل علينا رسم طريق الكفاح المسلح والعمل الفدائي. استغرقت المناقشات فترة من الزمن. واشترك عدد من الأخوة في المجلس الوطني الذي عقد في القدس في 1964 بينهم «أبو عمار» و«أبو السعيد» (خالد الحسن) وآخرون.

نصت عملية الانطلاق على ضرب أنابيب المياه في شمال فلسطين وانطلق المنفذون من الحدود السورية. أول أسير لنا اسمه محمود حجازي وأول شهيد أحمد موسى. لم يسقط شهداء في العملية الأولى. بدأنا إنشاء دوائر معينة. كان لدينا «مجلس ثوري»، ولجان مناطق، ثم لاحقاً لجنة مركزية وجبهة مساندة.

القدومي في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة عام 2003 (غيتي)

* ماذا كان موقع «أبو عمار» في تلك الفترة؟

- عُيّن أبو عمار لفترة نائباً للقائد العام (أبو يوسف النجار)، ثم بدأ يمارس كقائد عام بعد 1966. وعُيّن أبو عمار ناطقاً رسمياً. وبعدها بدأنا في التفرغ. أول لجنة مركزية ترأستها أنا إذ عيّنت أميناً لسر اللجنة المركزية.

* متى تعرّفت على «أبو جهاد»؟

- ذهب «أبو جهاد» إلى الجزائر مندوباً للثورة الفلسطينية وكان ذلك في عهد الرئيس أحمد بن بلة. وعندما ذهبنا إلى دمشق في 1966 تعرّفنا إليه هناك. قبل الجزائر عمل «أبو جهاد» مدرّساً في الكويت.

* هل حصلت صدامات في الاجتماعات الأولى للجنة المركزية بسبب اختلاف الانتماءات؟

- فكرة «فتح» هي العمل - الفكر - التنظيم. أي من خلال الممارسة العملية والتجارب نُغني فكرنا وتنظيمنا ونحسّن عملنا. وكنا نقول إن حمل السلاح هو الأساس، ونعتبر أن أهداف حامل السلاح ليست مادية بل وطنية ومعنوية ولذلك يكون في حالة طهارة ونقاء.

* في أي ظروف أمسكت «فتح» بمنظمة التحرير؟

- كانت هناك اتصالات متعددة. في البداية اتهمنا بعضهم بـ«الثلاث تاءات»، أي توريط لمصر وعبد الناصر، وتوقيت خاطئ، والثالثة التنسيق. وجّهت إلينا هذه التهمة «حركة القوميين العرب» ورددنا عليها. بعد وقت بدأ العمل المسلح يقدّم إنجازاً ورفع معنويات الجماهير. وعندما حصلت معركة الكرامة في 1968 اتسع الإنجاز الفتحاوي. فبعد هزيمة الجيوش العربية في 1967 كانت الجماهير تنتظر انبثاق حركة ثورية. وهكذا هلل الناس لـ«فتح». بنينا قواعد الارتكاز على حدود نهر الأردن وبدأت حركة داخل المجموعة العربية قالت إن لا بد لهؤلاء الشباب من تسلّم مسؤوليات العمل الفلسطيني، ولعبت مصر بقيادة جمال عبد الناصر دوراً مهماً. كما لعب الصندوق القومي الفلسطيني دوراً لأنه حجب الأموال عن السيد أحمد الشقيري وطالبه بالتغيير وضرورة إدخال المنظمات الفدائية في منظمة التحرير. سلّم الشقيري، رحمه الله، مقاليد الأمور لـ«فتح». وفي 1969 تسلّمنا منظمة التحرير الفلسطينية ودخلتها ست منظمات، وتشكلت منظمة التحرير كجبهة وطنية وأصبح الأخ «أبو عمار» رئيساً لمنظمة التحرير بعد فترة قصيرة تولى الرئاسة خلالها السيد يحيى حمودة.

فاروق القدومي (غيتي)

* «فتح» أطلقت الرصاصة الأولى؟

- نعم «فتح» أطلقت أول رصاصة واتهمت آنذاك بالعمالة والتخريب.

* في 1969 تولى «أبو عمار» رئاسة المنظمة، متى دخلت اللجنة التنفيذية؟

- في ذلك التاريخ، وكنا رفعنا شعار تجويف المنظمة من الداخل، أي لا بد من تجويفها وأن تدخلها المنظمات الفدائية.

* أي الاستيلاء على المنظمة.

- لم يكن في نظرنا استيلاء بل نقلة من الشيوخ إلى الشباب. «فتح» وعبد الناصر

* كيف بدأت العلاقة مع عبد الناصر؟

- كنا نهدف باستمرار إلى إقامة علاقات مع الرئيس عبد الناصر. ذهبنا في نهاية 1965 أو بداية 1966 لنقابله، وكنت مع الأخ «أبو عمار» والأخ محمود سودة، لكننا لم نتمكن من مقابلته بل قابلنا صلاح نصر (مدير المخابرات) وحدد لنا علاقة مع أحد المسؤولين في الأجهزة. أي أننا فشلنا في لقاء عبد الناصر. في تلك الفترة لم تكن الثورة الفلسطينية برزت بشكل واضح لتجذب الأنظار وتحظى بالاهتمام اللازم من مصر ورئيسها. الاهتمام حصل بعد نكسة 1967. في 1966 كانت لنا علاقة باللواء محمد صادق، وهو رجل (رحمه الله) تولى قيادة الجيش لاحقاً. نسّقنا مع المخابرات العسكرية وكانوا ينظرون إلينا كجناح عسكري.

في 1965 صدرت عن القيادة العربية الموحدة التي كان يتولاها علي عامر تعليمات بملاحقة رجال «فتح» أينما وجدوا. حاولنا، من الكويت، الاتصال بعبد الناصر وقيل لنا تفضلوا، لكننا لم نوفق في مقابلته. مكثت في مصر لفترة وأصبحت ممثلاً لـ«فتح» هناك وكان الأخ أبو عمار ممنوعاً من دخولها في 1966 بحجة أن له علاقة بـ«الإخوان المسلمين». الحقيقة أننا حين ذهبنا أشعنا أننا التقينا الرئيس عبد الناصر، وسارع «أبو عمار» إلى المغادرة. فهو دخل من خلال المخابرات العامة وغادر كي لا تعرف المباحث العامة بوجوده، وهو ممنوع أصلاً من الدخول. حصلت مشكلة، وراحت المباحث العامة تدقق في كيفية دخول «أبو عمار». بعد 1967 جئنا وقابلنا الأستاذ محمد حسنين هيكل. وحصل اللقاء مع الرئيس عبد الناصر وقد لعب هيكل دوراً في ذلك.

* هل كان عبد الناصر يحبّ «أبو عمار»؟

- كان يحبه حباً جماً ويرى فيه الشباب العربي الذي يحمل الأمل في المستقبل. وفي 1969 اصطحب عبد الناصر «أبو عمار» معه إلى الاتحاد السوفياتي فبدأت العلاقات بين موسكو والمنظمة.

الرئيس أنور السادات (غيتي)

* لماذا أطلعكم الرئيس أنور السادات على قرار حرب 1973 وكيف؟

- كنا نعيش في مصر بعد خروجنا من الأردن في 1970. ذات يوم، وقبل أسابيع من أكتوبر 1973، اتصل شخص من مكتب الرئيس المصري بالأخ «أبو إياد» وطلب منه الحضور للاجتماع بالرئيس السادات. ذهبنا إليه في برج العرب. رحب بنا وقال: «لا بد أن أبلغكم بخبر مهم. بعد فترة من الزمن ستنطلق الشرارة وسيعبر الجيش المصري قناة السويس ويدمر خط بارليف وبعد وصوله إلى عشرة كيلومترات وراء القناة ستتدخل الدول الكبرى وتحوش (تتدخل) بيننا وسيُدعى (إلى) مؤتمر جنيف من أجل عقد محادثات سلام. وأنا عاوزكم أن تستمروا بعد ذلك في العمل الفدائي. المطلوب تحضير عدد من المشاركين في العمل الفدائي. المطلوب تحضير عدد من المجاهدين (400 فدائي) ليمارسوا العمل الفدائي وراء خطوط العدو». وطلب منا إبقاء الأمر سراً (كان المقصود عدم إبلاغ الرئيس حافظ الأسد)، وأن ننسق وصول الفدائيين مع محمد عبد السلام مدير المخابرات العامة آنذاك. حصل نقاش خلال الجلسة. كان الخبر مفاجأة لنا، وطرح الأخ «أبو إياد» أسئلة كثيرة عن درجة الاستعداد العسكري وآفاق المعركة وما إذا كانت للتحرير أم لتحريك الوضع السياسي. واهتم «أبو إياد» بإبلاغ الأخ «أبو عمار» وأعضاء القيادة بالأمر.

عندما اندلعت الحرب ذهبنا، الأخ «أبو إياد» وأنا، إلى قصر الطاهرة حيث كان الرئيس السادات، لنستطلع الأنباء. وحين رآنا، قال إن كل شيء على ما يرام. وكان تلقّى قبل وقت قصير برقية تفيد بأن الجيش المصري دمّر خط بارليف ويستكمل تدمير المواقع هناك أو محاصرتها. كان الرئيس السادات فرحاً بالإنجاز الكبير الذي تحقق بخسائر قليلة وكان يقول: «خلصنا من ضغط العرب». كان يوماً رائعاً بالفعل.

بعد أيام حصل الاختراق (الدفرسوار) وانقلبت الصورة وأُعلن وقف إطلاق النار. الحقيقة أنه كان هناك رأي يقول إن الجيش المصري كان قادراً على تصفية شارون وقواته، لكن ذلك لم يحصل، وحُكي عن التدخل الكثيف للولايات المتحدة لدعم إسرائيل.

* كيف كانت علاقة الرئيس السادات بالقيادة الفلسطينية؟

- الحقيقة أنها كانت علاقة جيدة. ذات يوم ذهبنا إليه وكانت الساعة الثانية عشرة ظهراً وكنا قبل ذلك مررنا على أمين هويدي (كان قد تولى رئاسة المخابرات العامة المصرية ووزارة الحربية في عهد جمال عبد الناصر). سأل الأخ أبو عمار الرئيس السادات عن الأحوال فأجابه: «دول كلهم حشتهم حش، ما فيش مراكز قوى، خلاص، خلصنا منها». فوجئنا وابتسمنا. وقال له أبو عمار: «كنا قبل ساعتين في مصر الجديدة وزرنا الأخ أمين هويدي»، فابتسم السادات وقال: «أنت خرجت من هنا وأنا حشتو (اعتقلته) من هنا». كان صارماً حاسماً في هذه المسألة.

* وقرار طرد الخبراء السوفيات؟

- كان قراراً مفاجئاً. كانت السفارة السوفياتية قريبة من مقر إقامة السادات. ذهبت للقاء السفير بولياكوف في السفارة ولعلني كنت العربي الوحيد الذي فعل ذلك، فقد كان معزولاً وأخبرني أنه فوجئ تماماً بالقرار. حصل ما حصل، وتردد أن السادات قال لهنري كيسنجر بعد ذلك إنه يجب إعطاء مصر مكافأة على طرد الخبراء السوفيات، فرد كيسنجر: «يا سيادة الرئيس كان عليك أن تطلب ذلك قبل طردهم».

الرئيس حافظ الأسد (غيتي)

عرفات سجيناً في سوريا ثم لبنان

* منذ متى تعرف الرئيس حافظ الأسد؟

- منذ الستينات وكان وزيراً للدفاع. في 1966 حصلت أحداث واستشهد ضابطان من شبابنا في «فتح» هما يوسف عرابي ومحمد حشمة نتيجة ملاسنة. بعد الحادث أُدخلت قيادة «فتح» السجن: «أبو عمار» و«أبو جهاد» و«أبو صبري» و«أبو علي إياد» وآخرون. شملت الاعتقالات نحو 11 قيادياً. جئت مع زميل لنا لمعالجة هذا الموضوع واتصلنا بصلاح جديد وحافظ الأسد وأحمد سويدان (رئيس الأركان السوري).

كان اللقاء مع الأسد جيداً. وفي الواقع كانت هناك اتهامات موجهة إلى شعبة فلسطين في حزب «البعث» وكان يتردد أن «أبو عمار» ورفاقه من «الإخوان المسلمين» لكنهم فوجئوا بوجودي في هذه الثورة وأنا لا علاقة لي بـ«الإخوان» وانتمائي إلى حزب البعث معروف.

أمضى عرفات في الاعتقال نحو 51 يوماً، وكان في سجن المزة بعد إخضاعه لتحقيق كامل. ذهبنا إلى الأسد وكان وزيراً للدفاع، وتحدثنا معه وقلنا له: ثمة إشاعات بأن القيادة السورية تريد إعدام المعتقلين، فأجاب: من قال لكم ذلك؟ قلنا: إنها إشاعات في دمشق. فقال: تفضّلوا واذهبوا وتسلّموهم.

ذهبنا وأخرجنا «أبو عمار» والأخوة، وبقي اثنان منهم هما أبو يحيى وأبو العبد العقلوق أعضاء «المجلس الثوري»، وقد حُوكما لاحقاً. وكان رئيس المحكمة العماد أول مصطفى طلاس وحكم بالبراءة، لكن بقي عبد المجيد زغموم معتقلاً في ذلك الوقت.

وبعد فترة قصيرة شارك «أبو عمار» في عملية فدائية انطلاقاً من الأراضي اللبنانية واعتقل في لبنان. اعتقل الجيش اللبناني المجموعة الفلسطينية وفي النهاية تمكنا من الإفراج عن «أبو عمار» ورفاقه بعد وساطة سورية مع اللواء سامي الخطيب الذي كان ضابطاً في «المكتب الثاني» وكان على رأس هذا الجهاز المقدم غابي لحود.

لاحقاً تفرغنا أنا والأخ «أبو أياد» وبقينا في سوريا ثم ذهبنا إلى الأردن ووقعت أحداث 1970 فخرجت أنا إلى مصر.

* مرت العلاقة بين القيادتين السورية والفلسطينية بمراحل صعبة، أي المراحل كانت الأصعب؟

- مرحلة 1976 عندما دخل الجيش السوري لبنان، وكانت «الحركة الوطنية» في لبنان تعارض هذا الدخول، ونحن كنا نعتقد بأن وجود الجيش السوري في لبنان ربما يؤدي إلى صدام مع الثورة الفلسطينية، وكانت هناك «جبهة الرفض الفلسطينية» التي كنا على خلاف معها.

* هناك جهات فلسطينية اتهمت سوريا بمحاولة وضع اليد على القرار الفلسطيني؟

- ليست قضية وضع يد على القرار الفلسطيني. معروف أن القضية الفلسطينية هي القضية الأولى بالنسبة إلى سوريا وموضع اهتمامها الأول وإلا لماذا قدمت ما قدمت. يجب أن نفرّق بين هذا وذاك. الرئيس الأسد والأخوة في القيادة السورية قالوا أكثر من مرة إن الفلسطينيين يحكمون القرار السوري ولا نحكم نحن القرار الفلسطيني. علاقاتنا مع الرئيس الأسد قوية ومستمرة، وباستمرار كان هناك تنسيق. وفي اللقاءات كان الرئيس الأسد يشدد على التحالف الاستراتيجي بين سوريا والثورة الفلسطينية. إنه إنسان بعثي، وربما لهذا السبب قد أكون الأقدر على فهمه بسبب خلفيتي الحزبية. أكثر من 60 في المائة من موازنة سوريا كانت موضوعة عملياً في تصرف هذه القضية.

* هل كان الرئيس الأسد يسجل ملاحظات على سلوك المقاومة الفلسطينية في لبنان؟

- لا، إلى أن اصطدمنا بالجيش السوري. عندها كان السؤال: لماذا تعترض المقاومة الفلسطينية على دخول الجيش السوري؟ الرئيس الأسد شخصية هادئة يستمع بإصغاء للجميع. صبور ومثابر. يُعجب به محدثه، إذ لديه القدرة على التحدث في مواضيع متعددة لساعات طويلة. صاحب نفس طويل لا يتوافر لدى كثير من الزعماء أو رؤساء الدول.

لا يبدأ حديثه عادة في الموضوع السياسي. أحياناً يبدأ بالحديث عن الطقس ويترك لزائره فرصة طرح ما يريد ويناقشه في آرائه. لديه إلمام بمواضيع متعددة.

الرئيس العراقي صدام حسين مستقبلاً القدومي في بغداد عام 2002 (غيتي)

العلاقة مع العراق

* وعلاقتك مع الرئيس صدام حسين؟

- بعد 1968 تعرّفنا على الرفيق «أبو عدي». بعضنا عرفه في القاهرة عندما جاء في أعقاب مشاركته في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم. كنا نذهب إلى بغداد التي فتحت أبوابها لنا بعد معركة الكرامة وكنا نلتقي الرئيس أحمد حسن البكر ونائبه السيد صدام حسين. فتحنا مكاتب في العراق وكنا نجمع التمور والمساعدات.

* انشقاق «أبو نضال» أثار مشكلة مع العراق؟

- نعم ترك ظلالاً على العلاقات بين العراق ومنظمة التحرير.

* كان الاعتقاد أن القيادة العراقية تحرّك «أبو نضال»؟- نعم كان لدينا مثل هذا الاعتقاد لكن التصرف العراقي كان ينطلق من فهم سياسي واضح. العراق لا يخفي مواقفه.

* وأسلوب صدام حسين؟

- يحاول أن يفهم محدثه وأن يحاوره. هادئ ويركز اهتمامه على محاوره ويحاول أن يفهم منطلقاته وأغراضه وهو لمّاح وعلى جانب من الذكاء.

* والقسوة؟

- لم تكن هناك قسوة في التعامل معنا. كانت كل مطالبنا تستجاب وبسرعة وكان كريماً معنا خصوصاً بعدما أصبح رئيساً. قدّم العراق الكثير.

* هل كان البكر متشدداً مع المقاومة؟

- كان صارماً، يشدد على أن حزب «البعث» هو الطريق، وأن على الثورة الفلسطينية أن تكون جزءاً من الكيان العربي الكبير.

* أنشأ العراق «جبهة التحرير العربية» وأنشأت سوريا «الصاعقة»، هل أثار ذلك حساسيات؟

- الواقع أن ذلك كان يعكس رغبة الفلسطينيين المقيمين في تلك الدول وقد اعتُبروا جزءاً من منظمة التحرير.

* عشية التسعينات بدت العلاقة بين منظمة التحرير والعراق قوية جداً؟

- نعم، فقد قدّم العراق دعماً متزايداً للمنظمة خصوصاً بعد خروجها من بيروت، ومرّت مرحلة جفاء بين المنظمة وسوريا ربما تكون ساهمت أيضاً في تعزيز العلاقة مع بغداد.

* هل كان العراق المصدر الأساسي لدعم المنظمة؟

- الحقيقة أن السعودية تأتي في الطليعة وقد قدمت الكثير، والإنصاف يقتضي القول إن دول الخليج ساعدت الشعب الفلسطيني كثيراً.

* ذهبت إلى بغداد بعد غزو الكويت... من التقيت؟

- التقيت السيد طارق عزيز وكانت بغداد بلا ماء ولا كهرباء. ذهبت لأطمئن. قال إن الأوضاع صعبة وإن بعض المتمردين يعيثون فساداً في الجنوب ثم انتقلوا إلى مدينة الثورة في بغداد لكن الجيش العراقي استطاع أن يضبط الأمور. تحدث طارق عزيز عما أصاب العراق.

* علاقتك بطارق عزيز قديمة كيف ترى أسلوبه؟

- يدرس الأمور بدقة وعناية ولا يبلور موقفاً إلا بعد التدقيق والتمحيص وهو هادئ الطبع لا ينفعل ويتحدث كأنه يقرأ من كتاب. يتكلم بشكل متسلسل. وهو كان أساسياً في الموضوع الفلسطيني مع العراق.


مقالات ذات صلة

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

المشرق العربي فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle 02:00

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي عناصر من الأمن العام اللبناني عند معبر «المصنع» الحدودي مع سوريا في سهل البقاع شرق لبنان يوم الأحد 5 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

واشنطن تلجم خطة إسرائيل جرّ سوريا إلى لبنان

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب أن الولايات المتحدة أوقفت القصف الإسرائيلي لمعبر «المصنع» الحدودي بين سوريا ولبنان، ولجمت بذلك مخططاً يهدف إلى جرّ سوريا للحرب.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص كانت بين صدام حسين والملك حسين قنوات اتصال استثنائية (أ.ف.ب) p-circle 07:17

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

في الحلقة الأخيرة من شهادته لـ«الشرق الأوسط»، يروي رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات كواليس لقاءاته بصدام والأسد، ومحاولة شقيق الأخير اغتيال رئيس وزراء.

غسان شربل (عمّان)
المشرق العربي عبيدات: صاروخ من القذافي لإسقاط طائرة الملك حسين

عبيدات: صاروخ من القذافي لإسقاط طائرة الملك حسين

كشف رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات تفاصيل محاولة لاغتيال العاهل الأردني الراحل الملك حسين اتهم العقيد معمر القذافي بتدبيرها مع القيادي الفلسطيني.

غسان شربل (عمّان)

أطفال من درعا يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

أطفال من درعا يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.


الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

أعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، مقتل أحد جنوده وإصابة آخرين في جنوب لبنان، في ظل وقف لإطلاق النار تتبادل الدولة العبرية و«حزب الله» الاتهامات بانتهاكه.

وقال الجيش، في بيان، إنّ رقيباً في التاسعة عشرة من عمره قُتل في حادثة أصيب خلالها ضابط وأربعة جنود آخرين، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

ومنذ سريان وقف إطلاق النار في 17 أبريل (نيسان)، أعلن «حزب الله» مراراً تنفيذ عمليات تستهدف قوات إسرائيلية في جنوب لبنان، أو إطلاق صواريخ ومسيّرات نحو شمال الدولة العبرية، قائلاً إنها تأتي رداً على قيام الأخيرة بتنفيذ غارات وعمليات قصف وتفجير مبانٍ.


«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
TT

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

​أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي جرت في الضفة الغربية، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية والقروية وإقبالاً متوسطاً على التصويت، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة؛ وهي المدينة الوحيدة التي أجريت فيها انتخابات بالقطاع وسط معدلات مشاركة ضعيفة.

والانتخابات المحلية التي أجريت، السبت، هي الأولى وفق النظام الجديد الذي قررته السلطة الوطنية الفلسطينية، العام الماضي، ويُلزم المترشحين في كل الانتخابات ببرنامج «منظمة التحرير» أساساً للترشح؛ إذ تتعهد السلطة دولياً بمسار «حل الدولتين».

وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية، الأحد، النتائج النهائية للانتخابات المحلية، التي جرت في 183 هيئة محلية بالضفة الغربية، إلى جانب مدينة دير البلح في قطاع غزة، وقال رئيس اللجنة رامي الحمد الله، خلال مؤتمر صحافي، إن «الانتخابات جرت لأول مرة وفق قانون انتخابات جديد؛ يعمل بنظام القائمة المفتوحة، والنظام الفردي، وشمل ذلك دير البلح وسط قطاع غزة، باعتبار الوطن الجغرافي في الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة واحدة».

فلسطينية تدلي بصوتها في الانتخابات المحلية ببلدة بيرزيت الفلسطينية شمال رام الله بالضفة الغربية يوم السبت (أ.ف.ب)

وبحسب الحمد الله، فإن «عدد الناخبين المقترعين بلغ نحو 522 ألف ناخب، فيما فازت 197 هيئة محلية بالتزكية، وبلغت نسبة الاقتراع في الضفة الغربية 56 في المائة، مقارنة بـ53.7 في المائة بانتخابات 2012، و53.8 في المائة في 2017، و58 في المائة في 2022».

وفيما سجلت محافظة سلفيت شمال الضفة، أعلى نسبة اقتراع بلغت 71 في المائة، سجلت دير البلح بقطاع غزة أقل نسبة بواقع 23 في المائة.

«فتح» تعلن فوزاً كاسحاً

مع نشر النتائج النهائية، يوم الأحد، أكّدت «فتح» التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الفوز الكبير لقائمتها «الصمود والعطاء» في الانتخابات، معتبرة، في بيان لناطق باسمها، أن النتائج تمثل «استفتاءً شعبياً مؤيداً» لنهج الحركة وبرنامجها السياسي وخياراتها.

وأعلنت «فتح» فوزها في غالبية الهيئات المحلية؛ أبرزها الخليل وطولكرم وسلفيت والبيرة، وفي محافظة جنين وباقي المحافظات، وقالت إنها شكلت بالتوافق مع قوى العمل الوطنيّ والمؤسسات المحليّة 197 مجلساً بلدياً وقروياً بالتزكية؛ أبرزها بلديتا رام الله ونابلس الكبيرتان.

وجاء إعلان «فتح» بينما تغيب حركة «حماس» تماماً عن المنافسة؛ إذ لا تحظى بعضوية «منظمة التحرير» وكانت مشاركتها السابقة في الانتخابات تجري من دون الالتزام بكونها «ممثلاً شرعياً ووحيداً» للفلسطينيين، وفق ما تشدد السلطة.

وكانت «حماس» تشارك في الانتخابات التي كانت تجري في الضفة الغربية طيلة السنوات الماضية، إما عبر قوائم واضحة للحركة، أو من خلال دعم مرشحين آخرين غير رسميين؛ لكنها غابت هذه المرة عن الترشح، ولم تحشد للتصويت.

ومع غياب «حماس»، تنافست القوائم المدعومة من حركة «فتح» مع أخرى مستقلّة يقودها رجال أعمال، أو مرشحون من فصائل في «منظمة التحرير»؛ مثل «الجبهة الشعبية»، أو قوائم شكلتها عائلات كبيرة متحالفة، وفي بعض المناطق تنافست قوائم في المدينة الواحدة، تتبع كلها لحركة «فتح».

وتطالب «السلطة» حركة «حماس» بتسليم غزة والسلاح، والتحول إلى حزب سياسي والاعتراف بـ«منظمة التحرير» والتزاماتها، لكن «حماس» لم تعلن ذلك حتى الآن.

عام الانتخابات

وتعدّ الانتخابات المحلية تحضيراً لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والمجلس التشريعي، والرئاسة حال تقرر ذلك.

وروجت السلطة الفلسطينية للانتخابات المحلية في أعقاب «الإصلاحات» التي قالت إنها ستنفذها بوصفها جزءاً من «خطة السلام» للرئيس الأميركي دونالد ترمب لقطاع غزة، وقال عباس، الأحد، إن «هذا العام سيكون عام الانتخابات».

وتعهدت السلطة بإجراء انتخابات تشريعية وأخرى رئاسية بعد انتهاء الحرب على قطاع غزة.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته في الانتخابات المحلية بمركز تصويت بمدينة رام الله بالضفة الغربية يوم السبت (د.ب.أ)

وأضاف مهنئاً بالانتخابات المحلية: «هذا النجاح يشكل انتصاراً جديداً للإرادة الوطنية الفلسطينية، وتجسيداً حياً لتمسك شعبنا بخيار الديمقراطية». وأردف: «هذا الإنجاز يأتي في إطار عام الديمقراطية، الذي انطلق بانتخابات الشبيبة الفتحاوية، ويتواصل عبر الانتخابات المحلية، وسيتوج الشهر المقبل بعقد المؤتمر الثامن لحركة (فتح)، وانتخابات قيادتها، وصولاً إلى انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، بما يعزز الحياة الديمقراطية، ويكرس مبدأ (صوت المواطن هو الأساس لاختيار من يمثله)».

إقبال ضعيف في غزة

وفي قطاع غزة، شهدت الانتخابات المحلية التي أقيمت بمدينة دير البلح فقط، إقبالاً ضعيفاً، في أول منافسات من نوعها منذ عقدين.

وأظهرت معدلات التصويت أن دير البلح كانت الأقل مشاركة على مستوى الأراضي الفلسطينية (غزة والضفة)، حيث بلغت 23 في المائة.

وكان يحق لـ70449 ناخباً وناخبة المشاركة في العملية التي أشرف عليها 292 مراقباً. وأظهرت النتائج التي أعلنتها لجنة الانتخابات، أن أي قائمة من القوائم الأربع المتنافسة لم تحسم النتيجة لصالحها.

ويتشكل المجلس البلدي لدير البلح من 15 عضواً من الحاصلين على أعلى الأصوات، مع ضمان تمثيل نسائي لا يقل عن 4 سيدات. وحصدت قائمة «نهضة دير البلح» 6 مقاعد، و«مستقبل دير البلح» 5 مقاعد، فيما حصلت القائمتان «السلام والبناء» و«دير البلح تجمعنا» على مقعدين لكل منهما.

ووفقاً لمصدر مراقب على الانتخابات، فإنه قانونياً «لا بد أن تكون هناك تحالفات لتشكيل المجلس البلدي الجديد»، والتقديرات تشير إلى أن القائمتين الأضعف ستدعمان أو على الأقل إحداهما، القائمة الأكبر «نهضة دير البلح» المدعومة من شخصيات قيادية في حركة «فتح».

وأقر جميل الخالدي المدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية، بأن «الوضع الميداني الأمني وما فرضته الحرب من آثار وأولويات بالنسبة للمواطن في غزة، من الأسباب المهمة التي أدت لانخفاض نسبة الاقتراع، بشكل غير متوقع».

فلسطينيون بمدينة دير البلح وسط غزة قرب مركز تصويت في الانتخابات المحلية يوم السبت (أ.ب)

واعتبر الخالدي في مؤتمر صحافي لإعلان النتائج، أن «مجرد مشاركة دير البلح في ظل هذه الظروف الصعبة التي يحياها قطاع غزة، بمثابة خطة مهمة في جوهر العملية الديمقراطية الحرة والنزيهة التي جرت في أجواء منظمة، من دون أي مشاكل تذكر رغم كل الأوضاع الصعبة».

وقال زين الدين أبو معيلق والفائز عن قائمة «نهضة دير البلح»، إن جميع القوائم المشاركة هدفها تحقيق الخدمات للمواطنين وتحسينها، مرجحاً أن تتم عملية تشكيل المجلس البلدي الجديد دون أي تعقيدات.

ورفض أبو معيلق كما آخرون من الفائزين، التعليق على قضية النسبة الضعيفة للمشاركين في الانتخابات. فيما أرجع أحدهم فضل عدم ذكر هويته، ذلك إلى الظروف التي تحيط بالسكان من حيث الوضع الاقتصادي والإنساني والأمني، معرباً عن أمله في أن تتحسن مشاركة سكان قطاع غزة في الانتخابات المقبلة.

وقال المحلل السياسي المقيم في غزة مصطفى إبراهيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الانتخابات المحلية التي جرت في دير البلح، ربما لا تعبر عن حقيقة وقناعة الفلسطينيين بضرورة الانتخابات، وهذا ما تدلل عليه النسب المتدنية للمشاركين»، مضيفاً: «قد يكون أحد أسباب ذلك أنه لم تكن هناك مشاركة فصائلية حقيقية، رغم أن هناك قوائم محسوبة أو مدعومة من حركة (فتح)، لكنها اتخذت الطابع العشائري».

ورجح إبراهيم أنه في حال شاركت «فتح» أو «حماس»، بشكل مباشر أو بدعم حقيقي لأي من القوائم، «لكانت نتائج المشاركة أعلى مما رأينا سواء على صعيد الحسم أو المشاركة».

وأضاف: «رغم عدم رضا الفلسطينيين عن النظام السياسي القائم؛ فهناك أمل لدى كثير من السكان بأن تستعيد حركة (فتح) دورها، وكذلك (حماس) ما زالت لديها القدرة على المنافسة، لكن الاعتقاد الأكبر أنها لن تحقق نتائج كما كانت في نتائج الانتخابات المحلية والتشريعية عامي 2005 و2006».