فاروق القدومي: زرنا الأسد فأمر بإخراج عرفات من سجن المزة

اصطحب عبد الناصر «أبو عمار» معه إلى الاتحاد السوفياتي فبدأت العلاقة بين موسكو ومنظمة التحرير

الرئيس ياسر عرفات وفاروق القدومي وقادة فلسطينيون يؤدون الصلاة في حمام الشط جنوب العاصمة التونسية عام 2001 ترحماً على أرواح ضحايا الغارة الإسرائيلية على مقر قيادة منظمة التحرير بتونس عام 1985 (أ.ف.ب)
الرئيس ياسر عرفات وفاروق القدومي وقادة فلسطينيون يؤدون الصلاة في حمام الشط جنوب العاصمة التونسية عام 2001 ترحماً على أرواح ضحايا الغارة الإسرائيلية على مقر قيادة منظمة التحرير بتونس عام 1985 (أ.ف.ب)
TT

فاروق القدومي: زرنا الأسد فأمر بإخراج عرفات من سجن المزة

الرئيس ياسر عرفات وفاروق القدومي وقادة فلسطينيون يؤدون الصلاة في حمام الشط جنوب العاصمة التونسية عام 2001 ترحماً على أرواح ضحايا الغارة الإسرائيلية على مقر قيادة منظمة التحرير بتونس عام 1985 (أ.ف.ب)
الرئيس ياسر عرفات وفاروق القدومي وقادة فلسطينيون يؤدون الصلاة في حمام الشط جنوب العاصمة التونسية عام 2001 ترحماً على أرواح ضحايا الغارة الإسرائيلية على مقر قيادة منظمة التحرير بتونس عام 1985 (أ.ف.ب)

لا يمكن كتابة قصة العقود السبعة الماضية في العالم العربي من دون التوقف طويلاً عند قصة حركة «فتح». ولا يمكن كتابة قصة «فتح» من دون التوقف عند دور فاروق القدومي (أبو اللطف) الذي كان واحداً من أبرز حلقة المؤسسين، التي لم يبق منها سوى الرئيس محمود عباس (أبو مازن) الذي شاءت الأقدار أن يشهد من موقعه الحالي النكبة الجديدة التي ألحقتها حكومة بنيامين نتنياهو بقطاع غزة.

غاب القدومي أول من أمس. غلبته التسعينات. وكان اسمه غاب في العقود الثلاثة الماضية بعد معارضته خيار «اتفاق أوسلو» وتخوّفه من أن تحوّله إسرائيل فخاً للقيادة الفلسطينية وشعبها. قبل هذا الافتراق كان القدومي نجماً فلسطينياً حين كان يحمل القضية بوصفه وزير خارجية منظمة التحرير إلى المحافل الدولية. كان واضحاً وصارماً في مداخلاته في الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز والقمم العربية والإسلامية ومثلها في علاقات منظمة التحرير الدولية.

عارض القدومي الوافد أصلاً من حزب «البعث". سألته ذات يوم عن الاتهامات التي كانت توجّه إلى الرئيس ياسر عرفات (أبو عمار) بالتفرد، فردّ مبتسماً: «أبو عمار شيخ قبيلة فتح، وبحسب أعرافنا يجوز لشيخ القبيلة ما لا يجوز لغيره». ملاحظاته على أسلوب عرفات لم تدفعه يوماً إلى التشكيك بأنه قائد الشعب الفلسطيني و«أول من دخل إلى الأراضي المحتلة وأعدّ الخلايا للانطلاقة».

في التسعينات كنت مهتماً بجمع الروايات الفلسطينية. في 1998 التقيت القدومي في حوار ذكريات في تونس تحدث فيه عن أبرز المحطات. بمناسبة وفاته رأيت أن أشرك قرّاء «الشرق الأوسط» في جانب من روايته.

فاروق القدومي في مؤتمر منظمة الدول الإسلامية بماليزيا عام 2003 (غيتي)

* كيف وُلدتْ حركة «فتح»؟

- إثر احتلال غزة في 1956 حصلت أعمال مقاومة. وقبل ذلك كانت هناك عمليات فدائية انطلقت من قطاع غزة حيث كانت فكرة المقاومة حاضرة باستمرار. الأحداث التي وقعت في المنطقة: الثورة العراقية، وإنهاء دور غلوب باشا، واندلاع الثورة الجزائرية وغيرها (من الأحداث)، كل ذلك ترك آثاراً في المنطقة. الواقع أن نجاح الثورة الجزائرية ترك صداه وساهم في قيام العمل الفدائي في المشرق العربي.

كان مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، أثناء وجوده في مصر وبعدها في لبنان، متمسكاً بضرورة الكفاح الفلسطيني. وفي تلك الأثناء كانت هناك مكاتب لـ«الهيئة العربية العليا». هذه الأجواء ساعدت على نشوء الحركة الفدائية، خصوصاً أن الإنجاز على المستوى السياسي كان قليلاً، فبعد الوحدة بين مصر وسوريا جاءت نكسة الانفصال في 1961. في العام نفسه بدأت مفاوضات «إيفيان» التي انتهت باستقلال الجزائر. بدأ الكثيرون من المنتمين إلى الأحزاب السياسية، وبفعل أجواء الإحباط، يتجهون إلى تشكيل منظمات فدائية، فكانت «فتح». بدأ الاتجاه الجبهوي يتشكل وقامت منظمات متعددة. وعندما أقر العرب ضرورة وجود منظمة فلسطينية وعقد أول مجلس وطني في 1964 في القدس ازداد الدعم لهذا الاتجاه الجبهوي وتشكل جيش التحرير الفلسطيني.

بدأ أخوة يفكرون في ضرورة وجود منظمة. قبل ذلك كانت هناك مجلة اسمها «فلسطيننا» باسم توفيق حوري (لبناني) وهي ذات ميول إسلامية. وكانت هناك مجلة باسم «فلسطين» تصدرها الهيئة العربية العليا. هذه المجلات كانت تدعو إلى إنشاء جبهة فلسطينية، فبدأت حركة «فتح» تتشكل في الكويت ثم في قطر في أواخر الخمسينات وبداية الستينات ووُضع هيكل البناء الثوري لحركة «فتح» في 1959.

شارك في المداولات كثيرون بينهم الأخوة «أبو جهاد» و«أبو عمار» وعادل عبد الكريم وعبد الله الدنان ومنير السويدي وتوفيق حوري. انتشرت الفكرة في الكويت وقطر فكان هناك المرحوم يوسف النجار ومحمود عباس وعدد من الأخوة. هذه بداية الفكرة لكن نشوء التنظيم كان في بداية الستينات.

صورة تجمع (من اليمين) أبو علي مصطفى، القدومي، عرفات، جورج حبش، أبو إياد وأبو ماهر اليماني

* متى التقيت أبو عمار للمرة الأولى؟

- في 1954 في القاهرة، كنا في رابطة الطلاب الفلسطينيين، «أبو عمار» و«أبو إياد» وأنا. عملنا معاً في الرابطة وكان «أبو عمار» رئيساً لها. أنا كنت في الجامعة الأميركية، و«أبو عمار» كان في جامعة القاهرة، وأبو إياد في كلية الآداب جامعة الأزهر. أنا كنت منتمياً إلى حزب «البعث»، و«أبو إياد» كان من «الإخوان المسلمين» المتنورين، و«أبو عمار» كان مستقلاً متديناً. أمضينا قرابة ثلاث سنوات في القاهرة. تخرّج «أبو عمار» وتوجه إلى الكويت ليعمل مهندساً في دائرة الأشغال، وتبعه «أبو إياد» للعمل في التدريس، ثم ذهبت أنا وعملت في وزارة الصحة مسؤولاً عن العلاقات الصحية الدولية. ذهبت أولاً إلى ليبيا منها إلى المملكة العربية السعودية، حيث عملت في مديرية شؤون الزيت والمعادن ثم إلى الكويت في 1960.

لم تكن هناك في البداية اجتماعات، واقتصر الأمر على اتصالات ثنائية للمحافظة على السرية. أنا كنت أتصل بـ«أبو عمار» وهو يتصل بـ«أبو إياد». وكان المنسّق الأخ عادل عبد الكريم. ومن الأوائل أيضاً الأخ «أبو الأديب» والأخ خالد الحسن، وكل هذا قبل أن تتشكل لجنة مركزية تجتمع كمجموعة. تشكلت اللجنة المركزية وبدأت اجتماعاتها كفريق مع الانطلاقة في 1965. على مدى سنوات، أجرينا اتصالات بالأخوة في كل المناطق، خصوصاً بالشخصيات والرموز الوطنية العربية والفلسطينية. وبين هذه الشخصيات من ينتمي إلى الجزائر والسعودية ودول أخرى.

* من سمّاها «فتح»؟

- منذ البداية كان واضحاً أنها حركة تحرر (وطني) فلسطيني. أُخذت الحروف الأولى وقُلبت.

* كيف كان توزيع المسؤوليات؟

- في البداية كان الأمر فكرة في الأذهان والعمل سري والاتصال يتم بشكل فردي.

قرار الانطلاقة

* من اتخذ قرار الانطلاقة في 1-1-1965؟

- عندما بدأنا بالفعل الاجتماع مع الرموز، خصوصاً في دمشق، تشاورنا: هل ننطلق قبل قيام منظمة التحرير الفلسطينية (1964) أم بعد ذلك. هنا بدأت الاجتماعات تأخذ طابعاً جماعياً. وفي النهاية تقرر أن ننطلق لنعمّق التيار الجبهوي وكي تكون هناك موافقة عربية على وجود هوية وطنية فلسطينية هي منظمة التحرير، وهذا يسهّل علينا رسم طريق الكفاح المسلح والعمل الفدائي. استغرقت المناقشات فترة من الزمن. واشترك عدد من الأخوة في المجلس الوطني الذي عقد في القدس في 1964 بينهم «أبو عمار» و«أبو السعيد» (خالد الحسن) وآخرون.

نصت عملية الانطلاق على ضرب أنابيب المياه في شمال فلسطين وانطلق المنفذون من الحدود السورية. أول أسير لنا اسمه محمود حجازي وأول شهيد أحمد موسى. لم يسقط شهداء في العملية الأولى. بدأنا إنشاء دوائر معينة. كان لدينا «مجلس ثوري»، ولجان مناطق، ثم لاحقاً لجنة مركزية وجبهة مساندة.

القدومي في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة عام 2003 (غيتي)

* ماذا كان موقع «أبو عمار» في تلك الفترة؟

- عُيّن أبو عمار لفترة نائباً للقائد العام (أبو يوسف النجار)، ثم بدأ يمارس كقائد عام بعد 1966. وعُيّن أبو عمار ناطقاً رسمياً. وبعدها بدأنا في التفرغ. أول لجنة مركزية ترأستها أنا إذ عيّنت أميناً لسر اللجنة المركزية.

* متى تعرّفت على «أبو جهاد»؟

- ذهب «أبو جهاد» إلى الجزائر مندوباً للثورة الفلسطينية وكان ذلك في عهد الرئيس أحمد بن بلة. وعندما ذهبنا إلى دمشق في 1966 تعرّفنا إليه هناك. قبل الجزائر عمل «أبو جهاد» مدرّساً في الكويت.

* هل حصلت صدامات في الاجتماعات الأولى للجنة المركزية بسبب اختلاف الانتماءات؟

- فكرة «فتح» هي العمل - الفكر - التنظيم. أي من خلال الممارسة العملية والتجارب نُغني فكرنا وتنظيمنا ونحسّن عملنا. وكنا نقول إن حمل السلاح هو الأساس، ونعتبر أن أهداف حامل السلاح ليست مادية بل وطنية ومعنوية ولذلك يكون في حالة طهارة ونقاء.

* في أي ظروف أمسكت «فتح» بمنظمة التحرير؟

- كانت هناك اتصالات متعددة. في البداية اتهمنا بعضهم بـ«الثلاث تاءات»، أي توريط لمصر وعبد الناصر، وتوقيت خاطئ، والثالثة التنسيق. وجّهت إلينا هذه التهمة «حركة القوميين العرب» ورددنا عليها. بعد وقت بدأ العمل المسلح يقدّم إنجازاً ورفع معنويات الجماهير. وعندما حصلت معركة الكرامة في 1968 اتسع الإنجاز الفتحاوي. فبعد هزيمة الجيوش العربية في 1967 كانت الجماهير تنتظر انبثاق حركة ثورية. وهكذا هلل الناس لـ«فتح». بنينا قواعد الارتكاز على حدود نهر الأردن وبدأت حركة داخل المجموعة العربية قالت إن لا بد لهؤلاء الشباب من تسلّم مسؤوليات العمل الفلسطيني، ولعبت مصر بقيادة جمال عبد الناصر دوراً مهماً. كما لعب الصندوق القومي الفلسطيني دوراً لأنه حجب الأموال عن السيد أحمد الشقيري وطالبه بالتغيير وضرورة إدخال المنظمات الفدائية في منظمة التحرير. سلّم الشقيري، رحمه الله، مقاليد الأمور لـ«فتح». وفي 1969 تسلّمنا منظمة التحرير الفلسطينية ودخلتها ست منظمات، وتشكلت منظمة التحرير كجبهة وطنية وأصبح الأخ «أبو عمار» رئيساً لمنظمة التحرير بعد فترة قصيرة تولى الرئاسة خلالها السيد يحيى حمودة.

فاروق القدومي (غيتي)

* «فتح» أطلقت الرصاصة الأولى؟

- نعم «فتح» أطلقت أول رصاصة واتهمت آنذاك بالعمالة والتخريب.

* في 1969 تولى «أبو عمار» رئاسة المنظمة، متى دخلت اللجنة التنفيذية؟

- في ذلك التاريخ، وكنا رفعنا شعار تجويف المنظمة من الداخل، أي لا بد من تجويفها وأن تدخلها المنظمات الفدائية.

* أي الاستيلاء على المنظمة.

- لم يكن في نظرنا استيلاء بل نقلة من الشيوخ إلى الشباب. «فتح» وعبد الناصر

* كيف بدأت العلاقة مع عبد الناصر؟

- كنا نهدف باستمرار إلى إقامة علاقات مع الرئيس عبد الناصر. ذهبنا في نهاية 1965 أو بداية 1966 لنقابله، وكنت مع الأخ «أبو عمار» والأخ محمود سودة، لكننا لم نتمكن من مقابلته بل قابلنا صلاح نصر (مدير المخابرات) وحدد لنا علاقة مع أحد المسؤولين في الأجهزة. أي أننا فشلنا في لقاء عبد الناصر. في تلك الفترة لم تكن الثورة الفلسطينية برزت بشكل واضح لتجذب الأنظار وتحظى بالاهتمام اللازم من مصر ورئيسها. الاهتمام حصل بعد نكسة 1967. في 1966 كانت لنا علاقة باللواء محمد صادق، وهو رجل (رحمه الله) تولى قيادة الجيش لاحقاً. نسّقنا مع المخابرات العسكرية وكانوا ينظرون إلينا كجناح عسكري.

في 1965 صدرت عن القيادة العربية الموحدة التي كان يتولاها علي عامر تعليمات بملاحقة رجال «فتح» أينما وجدوا. حاولنا، من الكويت، الاتصال بعبد الناصر وقيل لنا تفضلوا، لكننا لم نوفق في مقابلته. مكثت في مصر لفترة وأصبحت ممثلاً لـ«فتح» هناك وكان الأخ أبو عمار ممنوعاً من دخولها في 1966 بحجة أن له علاقة بـ«الإخوان المسلمين». الحقيقة أننا حين ذهبنا أشعنا أننا التقينا الرئيس عبد الناصر، وسارع «أبو عمار» إلى المغادرة. فهو دخل من خلال المخابرات العامة وغادر كي لا تعرف المباحث العامة بوجوده، وهو ممنوع أصلاً من الدخول. حصلت مشكلة، وراحت المباحث العامة تدقق في كيفية دخول «أبو عمار». بعد 1967 جئنا وقابلنا الأستاذ محمد حسنين هيكل. وحصل اللقاء مع الرئيس عبد الناصر وقد لعب هيكل دوراً في ذلك.

* هل كان عبد الناصر يحبّ «أبو عمار»؟

- كان يحبه حباً جماً ويرى فيه الشباب العربي الذي يحمل الأمل في المستقبل. وفي 1969 اصطحب عبد الناصر «أبو عمار» معه إلى الاتحاد السوفياتي فبدأت العلاقات بين موسكو والمنظمة.

الرئيس أنور السادات (غيتي)

* لماذا أطلعكم الرئيس أنور السادات على قرار حرب 1973 وكيف؟

- كنا نعيش في مصر بعد خروجنا من الأردن في 1970. ذات يوم، وقبل أسابيع من أكتوبر 1973، اتصل شخص من مكتب الرئيس المصري بالأخ «أبو إياد» وطلب منه الحضور للاجتماع بالرئيس السادات. ذهبنا إليه في برج العرب. رحب بنا وقال: «لا بد أن أبلغكم بخبر مهم. بعد فترة من الزمن ستنطلق الشرارة وسيعبر الجيش المصري قناة السويس ويدمر خط بارليف وبعد وصوله إلى عشرة كيلومترات وراء القناة ستتدخل الدول الكبرى وتحوش (تتدخل) بيننا وسيُدعى (إلى) مؤتمر جنيف من أجل عقد محادثات سلام. وأنا عاوزكم أن تستمروا بعد ذلك في العمل الفدائي. المطلوب تحضير عدد من المشاركين في العمل الفدائي. المطلوب تحضير عدد من المجاهدين (400 فدائي) ليمارسوا العمل الفدائي وراء خطوط العدو». وطلب منا إبقاء الأمر سراً (كان المقصود عدم إبلاغ الرئيس حافظ الأسد)، وأن ننسق وصول الفدائيين مع محمد عبد السلام مدير المخابرات العامة آنذاك. حصل نقاش خلال الجلسة. كان الخبر مفاجأة لنا، وطرح الأخ «أبو إياد» أسئلة كثيرة عن درجة الاستعداد العسكري وآفاق المعركة وما إذا كانت للتحرير أم لتحريك الوضع السياسي. واهتم «أبو إياد» بإبلاغ الأخ «أبو عمار» وأعضاء القيادة بالأمر.

عندما اندلعت الحرب ذهبنا، الأخ «أبو إياد» وأنا، إلى قصر الطاهرة حيث كان الرئيس السادات، لنستطلع الأنباء. وحين رآنا، قال إن كل شيء على ما يرام. وكان تلقّى قبل وقت قصير برقية تفيد بأن الجيش المصري دمّر خط بارليف ويستكمل تدمير المواقع هناك أو محاصرتها. كان الرئيس السادات فرحاً بالإنجاز الكبير الذي تحقق بخسائر قليلة وكان يقول: «خلصنا من ضغط العرب». كان يوماً رائعاً بالفعل.

بعد أيام حصل الاختراق (الدفرسوار) وانقلبت الصورة وأُعلن وقف إطلاق النار. الحقيقة أنه كان هناك رأي يقول إن الجيش المصري كان قادراً على تصفية شارون وقواته، لكن ذلك لم يحصل، وحُكي عن التدخل الكثيف للولايات المتحدة لدعم إسرائيل.

* كيف كانت علاقة الرئيس السادات بالقيادة الفلسطينية؟

- الحقيقة أنها كانت علاقة جيدة. ذات يوم ذهبنا إليه وكانت الساعة الثانية عشرة ظهراً وكنا قبل ذلك مررنا على أمين هويدي (كان قد تولى رئاسة المخابرات العامة المصرية ووزارة الحربية في عهد جمال عبد الناصر). سأل الأخ أبو عمار الرئيس السادات عن الأحوال فأجابه: «دول كلهم حشتهم حش، ما فيش مراكز قوى، خلاص، خلصنا منها». فوجئنا وابتسمنا. وقال له أبو عمار: «كنا قبل ساعتين في مصر الجديدة وزرنا الأخ أمين هويدي»، فابتسم السادات وقال: «أنت خرجت من هنا وأنا حشتو (اعتقلته) من هنا». كان صارماً حاسماً في هذه المسألة.

* وقرار طرد الخبراء السوفيات؟

- كان قراراً مفاجئاً. كانت السفارة السوفياتية قريبة من مقر إقامة السادات. ذهبت للقاء السفير بولياكوف في السفارة ولعلني كنت العربي الوحيد الذي فعل ذلك، فقد كان معزولاً وأخبرني أنه فوجئ تماماً بالقرار. حصل ما حصل، وتردد أن السادات قال لهنري كيسنجر بعد ذلك إنه يجب إعطاء مصر مكافأة على طرد الخبراء السوفيات، فرد كيسنجر: «يا سيادة الرئيس كان عليك أن تطلب ذلك قبل طردهم».

الرئيس حافظ الأسد (غيتي)

عرفات سجيناً في سوريا ثم لبنان

* منذ متى تعرف الرئيس حافظ الأسد؟

- منذ الستينات وكان وزيراً للدفاع. في 1966 حصلت أحداث واستشهد ضابطان من شبابنا في «فتح» هما يوسف عرابي ومحمد حشمة نتيجة ملاسنة. بعد الحادث أُدخلت قيادة «فتح» السجن: «أبو عمار» و«أبو جهاد» و«أبو صبري» و«أبو علي إياد» وآخرون. شملت الاعتقالات نحو 11 قيادياً. جئت مع زميل لنا لمعالجة هذا الموضوع واتصلنا بصلاح جديد وحافظ الأسد وأحمد سويدان (رئيس الأركان السوري).

كان اللقاء مع الأسد جيداً. وفي الواقع كانت هناك اتهامات موجهة إلى شعبة فلسطين في حزب «البعث» وكان يتردد أن «أبو عمار» ورفاقه من «الإخوان المسلمين» لكنهم فوجئوا بوجودي في هذه الثورة وأنا لا علاقة لي بـ«الإخوان» وانتمائي إلى حزب البعث معروف.

أمضى عرفات في الاعتقال نحو 51 يوماً، وكان في سجن المزة بعد إخضاعه لتحقيق كامل. ذهبنا إلى الأسد وكان وزيراً للدفاع، وتحدثنا معه وقلنا له: ثمة إشاعات بأن القيادة السورية تريد إعدام المعتقلين، فأجاب: من قال لكم ذلك؟ قلنا: إنها إشاعات في دمشق. فقال: تفضّلوا واذهبوا وتسلّموهم.

ذهبنا وأخرجنا «أبو عمار» والأخوة، وبقي اثنان منهم هما أبو يحيى وأبو العبد العقلوق أعضاء «المجلس الثوري»، وقد حُوكما لاحقاً. وكان رئيس المحكمة العماد أول مصطفى طلاس وحكم بالبراءة، لكن بقي عبد المجيد زغموم معتقلاً في ذلك الوقت.

وبعد فترة قصيرة شارك «أبو عمار» في عملية فدائية انطلاقاً من الأراضي اللبنانية واعتقل في لبنان. اعتقل الجيش اللبناني المجموعة الفلسطينية وفي النهاية تمكنا من الإفراج عن «أبو عمار» ورفاقه بعد وساطة سورية مع اللواء سامي الخطيب الذي كان ضابطاً في «المكتب الثاني» وكان على رأس هذا الجهاز المقدم غابي لحود.

لاحقاً تفرغنا أنا والأخ «أبو أياد» وبقينا في سوريا ثم ذهبنا إلى الأردن ووقعت أحداث 1970 فخرجت أنا إلى مصر.

* مرت العلاقة بين القيادتين السورية والفلسطينية بمراحل صعبة، أي المراحل كانت الأصعب؟

- مرحلة 1976 عندما دخل الجيش السوري لبنان، وكانت «الحركة الوطنية» في لبنان تعارض هذا الدخول، ونحن كنا نعتقد بأن وجود الجيش السوري في لبنان ربما يؤدي إلى صدام مع الثورة الفلسطينية، وكانت هناك «جبهة الرفض الفلسطينية» التي كنا على خلاف معها.

* هناك جهات فلسطينية اتهمت سوريا بمحاولة وضع اليد على القرار الفلسطيني؟

- ليست قضية وضع يد على القرار الفلسطيني. معروف أن القضية الفلسطينية هي القضية الأولى بالنسبة إلى سوريا وموضع اهتمامها الأول وإلا لماذا قدمت ما قدمت. يجب أن نفرّق بين هذا وذاك. الرئيس الأسد والأخوة في القيادة السورية قالوا أكثر من مرة إن الفلسطينيين يحكمون القرار السوري ولا نحكم نحن القرار الفلسطيني. علاقاتنا مع الرئيس الأسد قوية ومستمرة، وباستمرار كان هناك تنسيق. وفي اللقاءات كان الرئيس الأسد يشدد على التحالف الاستراتيجي بين سوريا والثورة الفلسطينية. إنه إنسان بعثي، وربما لهذا السبب قد أكون الأقدر على فهمه بسبب خلفيتي الحزبية. أكثر من 60 في المائة من موازنة سوريا كانت موضوعة عملياً في تصرف هذه القضية.

* هل كان الرئيس الأسد يسجل ملاحظات على سلوك المقاومة الفلسطينية في لبنان؟

- لا، إلى أن اصطدمنا بالجيش السوري. عندها كان السؤال: لماذا تعترض المقاومة الفلسطينية على دخول الجيش السوري؟ الرئيس الأسد شخصية هادئة يستمع بإصغاء للجميع. صبور ومثابر. يُعجب به محدثه، إذ لديه القدرة على التحدث في مواضيع متعددة لساعات طويلة. صاحب نفس طويل لا يتوافر لدى كثير من الزعماء أو رؤساء الدول.

لا يبدأ حديثه عادة في الموضوع السياسي. أحياناً يبدأ بالحديث عن الطقس ويترك لزائره فرصة طرح ما يريد ويناقشه في آرائه. لديه إلمام بمواضيع متعددة.

الرئيس العراقي صدام حسين مستقبلاً القدومي في بغداد عام 2002 (غيتي)

العلاقة مع العراق

* وعلاقتك مع الرئيس صدام حسين؟

- بعد 1968 تعرّفنا على الرفيق «أبو عدي». بعضنا عرفه في القاهرة عندما جاء في أعقاب مشاركته في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم. كنا نذهب إلى بغداد التي فتحت أبوابها لنا بعد معركة الكرامة وكنا نلتقي الرئيس أحمد حسن البكر ونائبه السيد صدام حسين. فتحنا مكاتب في العراق وكنا نجمع التمور والمساعدات.

* انشقاق «أبو نضال» أثار مشكلة مع العراق؟

- نعم ترك ظلالاً على العلاقات بين العراق ومنظمة التحرير.

* كان الاعتقاد أن القيادة العراقية تحرّك «أبو نضال»؟- نعم كان لدينا مثل هذا الاعتقاد لكن التصرف العراقي كان ينطلق من فهم سياسي واضح. العراق لا يخفي مواقفه.

* وأسلوب صدام حسين؟

- يحاول أن يفهم محدثه وأن يحاوره. هادئ ويركز اهتمامه على محاوره ويحاول أن يفهم منطلقاته وأغراضه وهو لمّاح وعلى جانب من الذكاء.

* والقسوة؟

- لم تكن هناك قسوة في التعامل معنا. كانت كل مطالبنا تستجاب وبسرعة وكان كريماً معنا خصوصاً بعدما أصبح رئيساً. قدّم العراق الكثير.

* هل كان البكر متشدداً مع المقاومة؟

- كان صارماً، يشدد على أن حزب «البعث» هو الطريق، وأن على الثورة الفلسطينية أن تكون جزءاً من الكيان العربي الكبير.

* أنشأ العراق «جبهة التحرير العربية» وأنشأت سوريا «الصاعقة»، هل أثار ذلك حساسيات؟

- الواقع أن ذلك كان يعكس رغبة الفلسطينيين المقيمين في تلك الدول وقد اعتُبروا جزءاً من منظمة التحرير.

* عشية التسعينات بدت العلاقة بين منظمة التحرير والعراق قوية جداً؟

- نعم، فقد قدّم العراق دعماً متزايداً للمنظمة خصوصاً بعد خروجها من بيروت، ومرّت مرحلة جفاء بين المنظمة وسوريا ربما تكون ساهمت أيضاً في تعزيز العلاقة مع بغداد.

* هل كان العراق المصدر الأساسي لدعم المنظمة؟

- الحقيقة أن السعودية تأتي في الطليعة وقد قدمت الكثير، والإنصاف يقتضي القول إن دول الخليج ساعدت الشعب الفلسطيني كثيراً.

* ذهبت إلى بغداد بعد غزو الكويت... من التقيت؟

- التقيت السيد طارق عزيز وكانت بغداد بلا ماء ولا كهرباء. ذهبت لأطمئن. قال إن الأوضاع صعبة وإن بعض المتمردين يعيثون فساداً في الجنوب ثم انتقلوا إلى مدينة الثورة في بغداد لكن الجيش العراقي استطاع أن يضبط الأمور. تحدث طارق عزيز عما أصاب العراق.

* علاقتك بطارق عزيز قديمة كيف ترى أسلوبه؟

- يدرس الأمور بدقة وعناية ولا يبلور موقفاً إلا بعد التدقيق والتمحيص وهو هادئ الطبع لا ينفعل ويتحدث كأنه يقرأ من كتاب. يتكلم بشكل متسلسل. وهو كان أساسياً في الموضوع الفلسطيني مع العراق.


مقالات ذات صلة

واشنطن تلجم خطة إسرائيل جرّ سوريا إلى لبنان

المشرق العربي عناصر من الأمن العام اللبناني عند معبر «المصنع» الحدودي مع سوريا في سهل البقاع شرق لبنان يوم الأحد 5 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

واشنطن تلجم خطة إسرائيل جرّ سوريا إلى لبنان

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب أن الولايات المتحدة أوقفت القصف الإسرائيلي لمعبر «المصنع» الحدودي بين سوريا ولبنان، ولجمت بذلك مخططاً يهدف إلى جرّ سوريا للحرب.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص كانت بين صدام حسين والملك حسين قنوات اتصال استثنائية (أ.ف.ب) p-circle 07:17

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

في الحلقة الأخيرة من شهادته لـ«الشرق الأوسط»، يروي رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات كواليس لقاءاته بصدام والأسد، ومحاولة شقيق الأخير اغتيال رئيس وزراء.

غسان شربل (عمّان)
المشرق العربي عبيدات: صاروخ من القذافي لإسقاط طائرة الملك حسين

عبيدات: صاروخ من القذافي لإسقاط طائرة الملك حسين

كشف رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات تفاصيل محاولة لاغتيال العاهل الأردني الراحل الملك حسين اتهم العقيد معمر القذافي بتدبيرها مع القيادي الفلسطيني.

غسان شربل (عمّان)
خاص لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب) p-circle 06:06

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: القذافي حاول اغتيال الملك حسين بصاروخ سلمه لوديع حداد

في الحلقة الثانية من شهادته، روى رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل محاولة اغتيال للملك حسين بصاروخ «أرسله معمر القذافي».

غسان شربل (عمّان)
خاص وصفي التل مع الملك حسين (غيتي) p-circle 00:44

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: قناص غامض قتل وصفي التل برصاصة من الخلف

في الحلقة الأولى من شهادته، يتحدث رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات عن «خيط غامض» في اغتيال وصفي التل، وتفاصيل محطات الصدام الأردني - الفلسطيني.

غسان شربل (عمّان)

ماكرون يستقبل سلام الثلاثاء بعد مقتل جندي بـ«اليونيفيل»

دورية للكتيبة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دورية للكتيبة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يستقبل سلام الثلاثاء بعد مقتل جندي بـ«اليونيفيل»

دورية للكتيبة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دورية للكتيبة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أعلنت الرئاسة الفرنسية، الأحد، أن الرئيس إيمانويل ماكرون سيستقبل رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، الثلاثاء، في ظل وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله»، وغداة مقتل جندي الوحدة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل»، وبعد يومين على خطاب للرئيس اللبناني جوزيف عون، تعهَّد فيه بالتفاوض مع إسرائيل لإنقاذ لبنان.

ويتوجه سلام إلى لوكسمبورغ، الثلاثاء، بدعوة من الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، وذلك للقائها. وبعد ذلك، سوف يجتمع في باريس مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وأكد قصر الإليزيه أن «هذه الزيارة ستكون فرصة لرئيس الدولة، ليؤكد مجدداً التزامه بالاحترام الكامل والشامل لوقف إطلاق النار في لبنان، ودعم فرنسا لوحدة أراضي البلاد، ولإجراءات الدولة اللبنانية لضمان السيادة الكاملة والشاملة للبلاد وحصرية السلاح». وأضاف: «سيناقش المسؤولان أيضاً، الدعم الإنساني للنازحين ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية والمالية الضرورية لترسيخ سيادة لبنان وإعادة إعماره واستعادة ازدهاره».

تأتي زيارة سلام بعد مقتل جندي فرنسي من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل)، في كمين نُسب إلى «حزب الله» الذي نفى مسؤوليته عنه.

واستنكر الرئيس الفرنسي الهجوم ووصفه بأنه «غير مقبول»، داعياً السلطات اللبنانية إلى كشف ملابسات الحادثة وتوقيف الجناة.

وقال قصر الإليزيه: «جنود اليونيفيل الذين يؤدون مهامهم في ظروف صعبة ويدعمون إيصال المساعدات الإنسانية إلى جنوب لبنان يجب ألا يُستهدفوا في أي ظرف».

توقيف المتورطين بالاعتداء على «اليونيفيل»

على صعيد متصل، قال وزير الخارجية الفرنسي، الأحد، إن باريس تلقت «تأكيدات» من الحكومة اللبنانية بأنها ستبذل كل ما في وسعها لتوقيف المسؤولين عن الكمين.

وقال جان نويل بارو لـ«راديو جاي»: «تلقينا تأكيدات، أمس (السبت)، على أن السلطات اللبنانية ستعطي الأولوية المطلقة للعثور على المسؤولين عن هذه الجريمة وتوقيفهم».

وانتقد الوزير أيضاً العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد «حزب الله» في لبنان، التي أسفرت عن دمار ونزوح. وأضاف أن «تدمير لبنان أو الدولة اللبنانية لن يقضي على (حزب الله)، بل على العكس، سيزيد من قوته».

أطفال نازحون من الضاحية الجنوبية إلى وسط بيروت (أ.ف.ب)

وبخصوص الخطة التي وضعتها الحكومة اللبنانية، تحت ضغط دولي، لنزع سلاح «حزب الله»، وبدأت تنفيذها قبل الحرب الأخيرة، قال بارو إنه «يجب استئنافها لأن الحل السياسي الوحيد لضمان السلام والاستقرار في لبنان هو نزع سلاح (حزب الله)... ثم بالطبع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان».

ترحيب لبناني وكنسي بمبادرة عون

ويلقى خطاب للرئيس اللبناني جوزيف عون، تعهّد فيه بالتفاوض مع إسرائيل لإنقاذ لبنان، ترحيباً محلياً ودولياً. ورأى وزير الإعلام اللبناني، بول مرقص، أن خطاب عون «رسم خريطة طريق للبلاد تقوم على ممارسة السيادة الوطنية وتحويل لبنان من ورقة في جيب أي كان إلى دولة قائمة تفاوض عن نفسها».

وقال: «نأمل أن ننطلق من هذه المبادرة الرئاسية التي نجحت بفضل دعم الولايات المتحدة الأميركية والأشقاء العرب، لا سيما تحديداً المملكة العربية السعودية، إلى وقف دائم لإطلاق النار».

وتلقى مبادرة عون، دعماً كنسياً أيضاً، وقال البطريرك الماروني بشارة الراعي في عظة الأحد: «إن هذه الحرب المفروضة مرفوضة من الشعب، ومرفوضة من الدولة، ومرفوضة من كل ضمير حي. ونؤمن أن الطريق ليس في العنف، بل في الكلمة، ليس في القوة، بل في الحوار. السلام لا يُفرض، بل يُبنى»، مؤكداً أن «السلام في الجنوب شرط للسلام في لبنان كله».

وتابع: «نصلّي مع أبناء الجنوب من أجل نهاية هذه الحرب البغيضة، وإحلال سلام عادل وشامل ودائم بنجاح المفاوضات الجارية».

في المقابل، ترفض دار الإفتاء الشيعية، المبادرة. وقال المفتي أحمد قبلان إن «المقاومة والجيش اللبناني والسلم الأهلي والدفاع السيادي والشراكة الوطنية ضرورة وطنية جذرية بهذا البلد». وأضاف في بيان: «من المؤسف أنه بدل الوقوف على خاطر التضحيات الوطنية التي قدّمها ويقدّمها أهل الجنوب والضاحية والبقاع وبيروت منذ عشرات السنين، بادرت هذه السلطات المهووسة بدور الوكيل الأرعن إلى أخذ صورة مخزية مع القاتل الصهيوني في واشنطن، لأنّ ما يجري بهذا البلد على مستوى بعض السلطات الدستورية عار، وإعلان عداوة صريحة مع شعب هذا البلد، وبطريقة صادمة».

وتابع: «لبنان دولة ذات عقيدة وطنية. ولهذه الدولة خطوط وطنية حمراء محسومة، والخطأ فيها قاتل»، مشيراً إلى أن «تعويل البعض على أنّ أبناء هذا البلد سيقاتلون أبناء مقاومتهم الوطنية أمر خطير بل كارثي، وأي مشروع بهذا الاتجاه مصيره الفشل».


«الشرق الأوسط» تحدد خريطة السيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان

دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«الشرق الأوسط» تحدد خريطة السيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان

دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يستغل الجيش الإسرائيلي اتفاق وقف إطلاق النار للتوسع في بلدات لم يكن قد احتلها بعد في جنوب لبنان، حيث بدأ، الأحد، بالتمدد في بلدتين جديدتين، تُضافان لـ41 بلدة كانت قد سيطر عليها خلال الحرب، وذلك لاستكمال خطة إنشاء حزام أمني في 55 بلدة، سيكون بعضها خاضعاً لسيطرة مباشرة، بينما تكون أخرى خاضعة لسيطرة نارية.

دبابات وجرافات إسرائيلية تعمل في جنوب لبنان كما تظهر من الجهة الإسرائيلية من الحدود (أ.ب)

ونشر الجيش الإسرائيلي خريطة تحدد المنطقة الأمنية التي ستضم 41 بلدة، بينها بلدات واقعة شمال الليطاني مثل أرنون ويحمر الشقيف، الواقعتين على الضفاف الشمالية والغربية لليطاني، كما تضم البلدات المسيحية مثل القليعة وجديدة مرجعيون وبرج الملوك، لكن القوات الإسرائيلية لا توجد فيها الآن، بينما تقدمت في آخر أيام الحرب إلى بلدة دبين المحاذية لجديدة مرجعيون، قبل أن تنسحب منها بعد قتال عنيف مع «حزب الله»، حسبما قالت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط»، وإضافة إلى التمدد، تنفذ عدة تفجيرات داخل البلدات التي سيطرت عليها، بينها مدينة بنت جبيل.

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية، الأحد، بأن إسرائيل قسمت الجزء الذي تسيطر عليه من جنوب لبنان إلى 3 مناطق، بعد اتفاق وقف إطلاق النار بينها وبين الحكومة اللبنانية.

وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أن ما يسمى بالخط الأحمر يشير إلى الصف الأول من القرى التي تقع بشكل مباشر على الحدود الإسرائيلية اللبنانية. وأضافت الصحيفة أن معظم المباني هناك قد تم تدميرها بالفعل، ولم يعد هناك أي عناصر من «حزب الله» في هذه المنطقة. وفي بعض المواقع، اتخذت القوات البرية الإسرائيلية مواقع ثابتة.

وأفادت وسائل إعلام محلية بأن الجيش الإسرائيلي استحدث مواقع داخل بلدة مركبا ورفع علمه عليها.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس: «يجب أن يمتدّ الخط الأصفر حتى منطقة مضادات الدروع في لبنان، وإذا لم تلتزم الحكومة اللبنانية بتعهداتها فالجيش الإسرائيلي سيتحرك»، مضيفاً: «لقد أصدرنا تعليماتنا للجيش الإسرائيلي بالتحرك بكل قوة براً وجواً لحماية جنودنا في لبنان من أي تهديد». وقال: «يجب تدمير أي مبنى أو طريق في لبنان يشتبه في احتوائه على عبوات ناسفة حماية لجنودنا».

سيطرة شبه كاملة في 41 بلدة

وبلغ عدد البلدات اللبنانية التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي يوم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، 41 بلدة وقرية، ومن ضمنها مدينة بنت جبيل التي توغل فيها وحاصر مقاتلي «حزب الله» في أحيائها، ومدينة الخيام التي أغلق، السبت، الطرقات إلى أحيائها الغربية والشمالية التي لم يكن قد أطبق سيطرته عليها خلال الحرب.

لبنانية تتفقد موقع منزلها المدمر بغارة إسرائيلية في بلدة طيردبا في جنوب لبنان (رويترز)

وتشكل تلك البلدات، جزءاً من مساحة جغرافية تناهز الـ400 كيلومتر مربع ينوي احتلالها، وتتألف من 55 بلدة حسب إعلان الجيش الإسرائيلي، وأرفق إعلانه بخريطة توضيحية تظهر سيطرته على حزام أمني يمتد من 5 إلى 12 كيلومتراً، ويبدأ من منطقة البياضة الساحلية الواقعة على مسافة 12 كيلومتراً جنوب مدينة صور، وتصل إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، حيث يصل مناطق سيطرته في هضبة الجولان السوري المحتلة، بمرتفعات قمة حرمون الغربية في جنوب شرقي لبنان.

وقالت مصادر محلية في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن البلدات التي احتلها في جنوب لبنان، تضم بلدات الناقورة والبياضة ومروحين والبستان وإم التوت وشيحين واللوبنة وحامول والضهيرة ويارين وعلما الشعب وطير حرفا وشمع في القطاع الغربي.

أطراف البلدات المسيحية

أشارت المصادر إلى أن منطقة علما الشعب التي تسكنها أغلبية مسيحية «لا توجد القوات الإسرائيلية في أحيائها، بل على أطرافها، لكنها عملياً باتت واقعة تحت السيطرة الإسرائيلية حيث لا يمكن الوصول إليها»، لافتة إلى أن هذا الواقع «ينطبق على القوزح ورميش ودبل وعين ابل»، وهي بلدات مسيحية في قضاء بنت جبيل، وتقع في القطاع الأوسط الذي تحتل فيه بلدات حانين وعيتا الشعب ورامية وبيت ليف التي توجد القوات الإسرائيلية في أحيائها الجنوبية وتلالها الشرقية، بينما منعت العائدين من العودة إليها، وأطلقت النيران باتجاههم؛ ما اضطرهم للرجوع إلى العمق، حسبما أكدت المصادر.

دبابات إسرائيلية في ميس الجبل وتظهر في الصورة جرافات تهدم ما تبقى من منازل في القرية الحدودية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

كذلك، سيطر الجيش الإسرائيلي خلال الحرب على بلدات مارون الراس ويارون وعيترون وميس الجبل ورشاف والطيري وبليدا ومحيبيب وأجزاء واسعة من عيناثا وبنت جبيل، وهما بلدتان متصلتان حوصِرَ مقاتلو «حزب الله» الباقون فيهما، بينما أنشأ الجيش الإسرائيلي خطاً نارياً يحظر عودة السكان إلى كونين وبيت ياحون، عبر إطلاقات متكررة، بينها قذائف مدفعية استهدفت كونين بعد ظهر الأحد، بينما بدا أنه تمهيد لاحتلالها، وفقاً للمصادر.

بلدات تحت النار والاحتلال

وتمتد السيطرة الإسرائيلية إلى بلدات رب الثلاثين وحولا وكفركلا والعديسة ومركبا والطيبة والقنطرة ودير سريان، وهي مناطق تمتد من الشريط الحدودي إلى وادي السلوقي ووادي الحجير الذي لم تستكمل السيطرة عليه بعد، بالنظر إلى أنها لم تحتل طلوسة وبني حيان، رغم أن البلدتين خاضعتان وفق الخريطة الإسرائيلية، للمنطقة العازلة. وقد شرعت القوات الإسرائيلية، الأحد، في التوغل في عدشيت القصير، كما بدأت إطلاقات مدفعية باتجاه بلدة علمان، تمهيداً للتوغل فيها؛ ما يتيح لها استكمال الوصول إلى ضفاف الليطاني بعد السيطرة على دير سريان.

سيارة للدفاع المدني تعبر قرب الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت مدينة صور في جنوب لبنان (رويترز)

أيضاً في القطاع الشرقي، سيطرت على أجزاء واسعة من الخيام، ومزارع كفرشوبا وأطراف شبعا وقرية الغجر، كما تمددت شمالاً إلى السفح الغربي لجبل الشيخ في قضاء حاصبيا، علماً أن الخريطة الإسرائيلية تضم بلدات أخرى مثل الماري والمجيدية وشويا في قضاء حاصبيا، وتوجد على أطرافها، ولا يُعرف ما إذا كانت ستدخل إليها كونها بلدات تسكنها أغلبية درزية في المنطقة.


«داعش» يزعم استهداف آلية في الرقة وصهريج نفط بريف دير الزور

حملة أمنية بمحافظة دير الزور استهدفت مواقع تنظيم «داعش» في نوفمبر 2025 (الداخلية السورية)
حملة أمنية بمحافظة دير الزور استهدفت مواقع تنظيم «داعش» في نوفمبر 2025 (الداخلية السورية)
TT

«داعش» يزعم استهداف آلية في الرقة وصهريج نفط بريف دير الزور

حملة أمنية بمحافظة دير الزور استهدفت مواقع تنظيم «داعش» في نوفمبر 2025 (الداخلية السورية)
حملة أمنية بمحافظة دير الزور استهدفت مواقع تنظيم «داعش» في نوفمبر 2025 (الداخلية السورية)

أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن هجومين منفصلين وقعا في ريفي محافظتي الرقة ودير الزور بسوريا خلال اليومين الماضيين.

وذكر التنظيم، عبر موقع صحيفة «النبأ» التابعة له، السبت، أن الهجومين استهدفا آلية تابعة للحكومة السورية في شمال الرقة، وصهريج نفط في ريف دير الزور.

ووفق ما أورده الموقع، فإن عناصر التنظيم استهدفوا آلية عسكرية تابعة للحكومة السورية في منطقة شمال محافظة الرقة باستخدام أسلحة رشاشة، ما أسفر عن إصابة أحد العناصر.

اعتقال عنصر من «داعش» من قوى الأمن في البوكمال شرق دير الزور (أرشيفية - الداخلية السورية)

وكان الموقع قد أفاد، الجمعة، بأن عناصر التنظيم استهدفوا صهريج نفط في قرية المكمان بريف محافظة الرقة، مشيراً إلى أن الهجوم نُفّذ بالأسلحة الرشاشة، يوم الخميس، ما أدّى إلى تضرر الصهريج وتسرب حمولته، دون نشر أي مواد توثيقية تدعم الرواية.

وتبنى، سابقاً، تنظيم «داعش» عمليات استهداف واغتيال ضد عناصر الحكومة السورية، لا سيما في مناطق ريف حلب والرقة ودير الزور.

وحسب الموقع، قُتل في 6 مارس (آذار)، عنصران من الجيش السوري على طريق حلب-الباب قرب قرية أعبد، إثر إطلاق نار بالأسلحة الرشاشة، فيما أفاد بأن المنفذين انسحبوا بعد تنفيذ الهجوم دون خسائر.

الجهات الرسمية السورية، لم تُصدر أي تعليق بشأن المزاعم التي بثّتها المنصات الإعلامية التابعة للتنظيم، والتي لم ترفق بأي أدلة مرئية أو توثيق مستقل يؤكد وقوع الحوادث.

غير أن إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع، تحدثت عن مقتل جنديين قرب قرية أعبد بريف حلب الشرقي، في تأكيد جزئي للحادثة.

كما ذكر الموقع أن هجوماً ثانياً في اليوم ذاته أسفر عن مقتل عنصر ثالث من الجيش السوري قرب قرية السحارة في ريف حلب، نتيجة إطلاق نار بالأسلحة الرشاشة.

وأفاد الموقع بأن عنصراً من الشرطة السورية قُتل بتاريخ 8 مارس، في بلدة الصبحة بريف دير الزور، جرّاء هجوم مماثل بالأسلحة الرشاشة، مشيرة إلى أن المنفذين غادروا الموقع عقب العملية.

من جهتها، وفي سياق متصل لكن بعيداً عن الرقة ودير الزور، أعلنت وزارة الداخلية، الخميس الماضي، عن القبض على خلية تابعة لتنظيم «داعش»، خلال عملية أمنية مشتركة بينها وبين جهاز الاستخبارات العامة في منطقة السفيرة بريف حلب الشرقي.

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

وأوضحت الوزارة عبر معرفاتها أن العملية جاءت استكمالاً لملاحقة منفذي الهجوم المنتمين إلى تنظيم «داعش»، الذي استهدف الشهر الماضي عدداً من عناصر وزارة الدفاع والضابطة الجمركية، ما أسفر عن سقوط عدد من الشهداء، حيث قُتل أحد المنفذين ولاذ الآخر بالفرار.

وأضافت أن العملية جاءت عقب متابعة دقيقة وتحريات موسعة أعقبت الحادثة، وأسفرت عن رصد تحركات الخلية وتحديد مواقع انتشار أفرادها، ليتم تنفيذ مداهمة نوعية انتهت بالقبض على جميع عناصر الخلية، وهم محمود العبد الله وجمعة الأحمد.

وأشارت إلى أن التحقيقات الأولية أظهرت تورط أفراد الخلية في تنفيذ سلسلة من الهجمات السابقة، شملت عمليات اغتيال واستهداف عناصر أمنية وعسكرية، إضافة إلى جرائم قتل طالت مدنيين، لافتة إلى ضبط كميات من الأسلحة والذخائر والتجهيزات القتالية التي كانت تُستخدم في تنفيذ تلك المخططات، ومصادرتها أصولاً وفق الإجراءات القانونية.