فاروق القدومي: زرنا الأسد فأمر بإخراج عرفات من سجن المزة

اصطحب عبد الناصر «أبو عمار» معه إلى الاتحاد السوفياتي فبدأت العلاقة بين موسكو ومنظمة التحرير

الرئيس ياسر عرفات وفاروق القدومي وقادة فلسطينيون يؤدون الصلاة في حمام الشط جنوب العاصمة التونسية عام 2001 ترحماً على أرواح ضحايا الغارة الإسرائيلية على مقر قيادة منظمة التحرير بتونس عام 1985 (أ.ف.ب)
الرئيس ياسر عرفات وفاروق القدومي وقادة فلسطينيون يؤدون الصلاة في حمام الشط جنوب العاصمة التونسية عام 2001 ترحماً على أرواح ضحايا الغارة الإسرائيلية على مقر قيادة منظمة التحرير بتونس عام 1985 (أ.ف.ب)
TT

فاروق القدومي: زرنا الأسد فأمر بإخراج عرفات من سجن المزة

الرئيس ياسر عرفات وفاروق القدومي وقادة فلسطينيون يؤدون الصلاة في حمام الشط جنوب العاصمة التونسية عام 2001 ترحماً على أرواح ضحايا الغارة الإسرائيلية على مقر قيادة منظمة التحرير بتونس عام 1985 (أ.ف.ب)
الرئيس ياسر عرفات وفاروق القدومي وقادة فلسطينيون يؤدون الصلاة في حمام الشط جنوب العاصمة التونسية عام 2001 ترحماً على أرواح ضحايا الغارة الإسرائيلية على مقر قيادة منظمة التحرير بتونس عام 1985 (أ.ف.ب)

لا يمكن كتابة قصة العقود السبعة الماضية في العالم العربي من دون التوقف طويلاً عند قصة حركة «فتح». ولا يمكن كتابة قصة «فتح» من دون التوقف عند دور فاروق القدومي (أبو اللطف) الذي كان واحداً من أبرز حلقة المؤسسين، التي لم يبق منها سوى الرئيس محمود عباس (أبو مازن) الذي شاءت الأقدار أن يشهد من موقعه الحالي النكبة الجديدة التي ألحقتها حكومة بنيامين نتنياهو بقطاع غزة.

غاب القدومي أول من أمس. غلبته التسعينات. وكان اسمه غاب في العقود الثلاثة الماضية بعد معارضته خيار «اتفاق أوسلو» وتخوّفه من أن تحوّله إسرائيل فخاً للقيادة الفلسطينية وشعبها. قبل هذا الافتراق كان القدومي نجماً فلسطينياً حين كان يحمل القضية بوصفه وزير خارجية منظمة التحرير إلى المحافل الدولية. كان واضحاً وصارماً في مداخلاته في الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز والقمم العربية والإسلامية ومثلها في علاقات منظمة التحرير الدولية.

عارض القدومي الوافد أصلاً من حزب «البعث". سألته ذات يوم عن الاتهامات التي كانت توجّه إلى الرئيس ياسر عرفات (أبو عمار) بالتفرد، فردّ مبتسماً: «أبو عمار شيخ قبيلة فتح، وبحسب أعرافنا يجوز لشيخ القبيلة ما لا يجوز لغيره». ملاحظاته على أسلوب عرفات لم تدفعه يوماً إلى التشكيك بأنه قائد الشعب الفلسطيني و«أول من دخل إلى الأراضي المحتلة وأعدّ الخلايا للانطلاقة».

في التسعينات كنت مهتماً بجمع الروايات الفلسطينية. في 1998 التقيت القدومي في حوار ذكريات في تونس تحدث فيه عن أبرز المحطات. بمناسبة وفاته رأيت أن أشرك قرّاء «الشرق الأوسط» في جانب من روايته.

فاروق القدومي في مؤتمر منظمة الدول الإسلامية بماليزيا عام 2003 (غيتي)

* كيف وُلدتْ حركة «فتح»؟

- إثر احتلال غزة في 1956 حصلت أعمال مقاومة. وقبل ذلك كانت هناك عمليات فدائية انطلقت من قطاع غزة حيث كانت فكرة المقاومة حاضرة باستمرار. الأحداث التي وقعت في المنطقة: الثورة العراقية، وإنهاء دور غلوب باشا، واندلاع الثورة الجزائرية وغيرها (من الأحداث)، كل ذلك ترك آثاراً في المنطقة. الواقع أن نجاح الثورة الجزائرية ترك صداه وساهم في قيام العمل الفدائي في المشرق العربي.

كان مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، أثناء وجوده في مصر وبعدها في لبنان، متمسكاً بضرورة الكفاح الفلسطيني. وفي تلك الأثناء كانت هناك مكاتب لـ«الهيئة العربية العليا». هذه الأجواء ساعدت على نشوء الحركة الفدائية، خصوصاً أن الإنجاز على المستوى السياسي كان قليلاً، فبعد الوحدة بين مصر وسوريا جاءت نكسة الانفصال في 1961. في العام نفسه بدأت مفاوضات «إيفيان» التي انتهت باستقلال الجزائر. بدأ الكثيرون من المنتمين إلى الأحزاب السياسية، وبفعل أجواء الإحباط، يتجهون إلى تشكيل منظمات فدائية، فكانت «فتح». بدأ الاتجاه الجبهوي يتشكل وقامت منظمات متعددة. وعندما أقر العرب ضرورة وجود منظمة فلسطينية وعقد أول مجلس وطني في 1964 في القدس ازداد الدعم لهذا الاتجاه الجبهوي وتشكل جيش التحرير الفلسطيني.

بدأ أخوة يفكرون في ضرورة وجود منظمة. قبل ذلك كانت هناك مجلة اسمها «فلسطيننا» باسم توفيق حوري (لبناني) وهي ذات ميول إسلامية. وكانت هناك مجلة باسم «فلسطين» تصدرها الهيئة العربية العليا. هذه المجلات كانت تدعو إلى إنشاء جبهة فلسطينية، فبدأت حركة «فتح» تتشكل في الكويت ثم في قطر في أواخر الخمسينات وبداية الستينات ووُضع هيكل البناء الثوري لحركة «فتح» في 1959.

شارك في المداولات كثيرون بينهم الأخوة «أبو جهاد» و«أبو عمار» وعادل عبد الكريم وعبد الله الدنان ومنير السويدي وتوفيق حوري. انتشرت الفكرة في الكويت وقطر فكان هناك المرحوم يوسف النجار ومحمود عباس وعدد من الأخوة. هذه بداية الفكرة لكن نشوء التنظيم كان في بداية الستينات.

صورة تجمع (من اليمين) أبو علي مصطفى، القدومي، عرفات، جورج حبش، أبو إياد وأبو ماهر اليماني

* متى التقيت أبو عمار للمرة الأولى؟

- في 1954 في القاهرة، كنا في رابطة الطلاب الفلسطينيين، «أبو عمار» و«أبو إياد» وأنا. عملنا معاً في الرابطة وكان «أبو عمار» رئيساً لها. أنا كنت في الجامعة الأميركية، و«أبو عمار» كان في جامعة القاهرة، وأبو إياد في كلية الآداب جامعة الأزهر. أنا كنت منتمياً إلى حزب «البعث»، و«أبو إياد» كان من «الإخوان المسلمين» المتنورين، و«أبو عمار» كان مستقلاً متديناً. أمضينا قرابة ثلاث سنوات في القاهرة. تخرّج «أبو عمار» وتوجه إلى الكويت ليعمل مهندساً في دائرة الأشغال، وتبعه «أبو إياد» للعمل في التدريس، ثم ذهبت أنا وعملت في وزارة الصحة مسؤولاً عن العلاقات الصحية الدولية. ذهبت أولاً إلى ليبيا منها إلى المملكة العربية السعودية، حيث عملت في مديرية شؤون الزيت والمعادن ثم إلى الكويت في 1960.

لم تكن هناك في البداية اجتماعات، واقتصر الأمر على اتصالات ثنائية للمحافظة على السرية. أنا كنت أتصل بـ«أبو عمار» وهو يتصل بـ«أبو إياد». وكان المنسّق الأخ عادل عبد الكريم. ومن الأوائل أيضاً الأخ «أبو الأديب» والأخ خالد الحسن، وكل هذا قبل أن تتشكل لجنة مركزية تجتمع كمجموعة. تشكلت اللجنة المركزية وبدأت اجتماعاتها كفريق مع الانطلاقة في 1965. على مدى سنوات، أجرينا اتصالات بالأخوة في كل المناطق، خصوصاً بالشخصيات والرموز الوطنية العربية والفلسطينية. وبين هذه الشخصيات من ينتمي إلى الجزائر والسعودية ودول أخرى.

* من سمّاها «فتح»؟

- منذ البداية كان واضحاً أنها حركة تحرر (وطني) فلسطيني. أُخذت الحروف الأولى وقُلبت.

* كيف كان توزيع المسؤوليات؟

- في البداية كان الأمر فكرة في الأذهان والعمل سري والاتصال يتم بشكل فردي.

قرار الانطلاقة

* من اتخذ قرار الانطلاقة في 1-1-1965؟

- عندما بدأنا بالفعل الاجتماع مع الرموز، خصوصاً في دمشق، تشاورنا: هل ننطلق قبل قيام منظمة التحرير الفلسطينية (1964) أم بعد ذلك. هنا بدأت الاجتماعات تأخذ طابعاً جماعياً. وفي النهاية تقرر أن ننطلق لنعمّق التيار الجبهوي وكي تكون هناك موافقة عربية على وجود هوية وطنية فلسطينية هي منظمة التحرير، وهذا يسهّل علينا رسم طريق الكفاح المسلح والعمل الفدائي. استغرقت المناقشات فترة من الزمن. واشترك عدد من الأخوة في المجلس الوطني الذي عقد في القدس في 1964 بينهم «أبو عمار» و«أبو السعيد» (خالد الحسن) وآخرون.

نصت عملية الانطلاق على ضرب أنابيب المياه في شمال فلسطين وانطلق المنفذون من الحدود السورية. أول أسير لنا اسمه محمود حجازي وأول شهيد أحمد موسى. لم يسقط شهداء في العملية الأولى. بدأنا إنشاء دوائر معينة. كان لدينا «مجلس ثوري»، ولجان مناطق، ثم لاحقاً لجنة مركزية وجبهة مساندة.

القدومي في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة عام 2003 (غيتي)

* ماذا كان موقع «أبو عمار» في تلك الفترة؟

- عُيّن أبو عمار لفترة نائباً للقائد العام (أبو يوسف النجار)، ثم بدأ يمارس كقائد عام بعد 1966. وعُيّن أبو عمار ناطقاً رسمياً. وبعدها بدأنا في التفرغ. أول لجنة مركزية ترأستها أنا إذ عيّنت أميناً لسر اللجنة المركزية.

* متى تعرّفت على «أبو جهاد»؟

- ذهب «أبو جهاد» إلى الجزائر مندوباً للثورة الفلسطينية وكان ذلك في عهد الرئيس أحمد بن بلة. وعندما ذهبنا إلى دمشق في 1966 تعرّفنا إليه هناك. قبل الجزائر عمل «أبو جهاد» مدرّساً في الكويت.

* هل حصلت صدامات في الاجتماعات الأولى للجنة المركزية بسبب اختلاف الانتماءات؟

- فكرة «فتح» هي العمل - الفكر - التنظيم. أي من خلال الممارسة العملية والتجارب نُغني فكرنا وتنظيمنا ونحسّن عملنا. وكنا نقول إن حمل السلاح هو الأساس، ونعتبر أن أهداف حامل السلاح ليست مادية بل وطنية ومعنوية ولذلك يكون في حالة طهارة ونقاء.

* في أي ظروف أمسكت «فتح» بمنظمة التحرير؟

- كانت هناك اتصالات متعددة. في البداية اتهمنا بعضهم بـ«الثلاث تاءات»، أي توريط لمصر وعبد الناصر، وتوقيت خاطئ، والثالثة التنسيق. وجّهت إلينا هذه التهمة «حركة القوميين العرب» ورددنا عليها. بعد وقت بدأ العمل المسلح يقدّم إنجازاً ورفع معنويات الجماهير. وعندما حصلت معركة الكرامة في 1968 اتسع الإنجاز الفتحاوي. فبعد هزيمة الجيوش العربية في 1967 كانت الجماهير تنتظر انبثاق حركة ثورية. وهكذا هلل الناس لـ«فتح». بنينا قواعد الارتكاز على حدود نهر الأردن وبدأت حركة داخل المجموعة العربية قالت إن لا بد لهؤلاء الشباب من تسلّم مسؤوليات العمل الفلسطيني، ولعبت مصر بقيادة جمال عبد الناصر دوراً مهماً. كما لعب الصندوق القومي الفلسطيني دوراً لأنه حجب الأموال عن السيد أحمد الشقيري وطالبه بالتغيير وضرورة إدخال المنظمات الفدائية في منظمة التحرير. سلّم الشقيري، رحمه الله، مقاليد الأمور لـ«فتح». وفي 1969 تسلّمنا منظمة التحرير الفلسطينية ودخلتها ست منظمات، وتشكلت منظمة التحرير كجبهة وطنية وأصبح الأخ «أبو عمار» رئيساً لمنظمة التحرير بعد فترة قصيرة تولى الرئاسة خلالها السيد يحيى حمودة.

فاروق القدومي (غيتي)

* «فتح» أطلقت الرصاصة الأولى؟

- نعم «فتح» أطلقت أول رصاصة واتهمت آنذاك بالعمالة والتخريب.

* في 1969 تولى «أبو عمار» رئاسة المنظمة، متى دخلت اللجنة التنفيذية؟

- في ذلك التاريخ، وكنا رفعنا شعار تجويف المنظمة من الداخل، أي لا بد من تجويفها وأن تدخلها المنظمات الفدائية.

* أي الاستيلاء على المنظمة.

- لم يكن في نظرنا استيلاء بل نقلة من الشيوخ إلى الشباب. «فتح» وعبد الناصر

* كيف بدأت العلاقة مع عبد الناصر؟

- كنا نهدف باستمرار إلى إقامة علاقات مع الرئيس عبد الناصر. ذهبنا في نهاية 1965 أو بداية 1966 لنقابله، وكنت مع الأخ «أبو عمار» والأخ محمود سودة، لكننا لم نتمكن من مقابلته بل قابلنا صلاح نصر (مدير المخابرات) وحدد لنا علاقة مع أحد المسؤولين في الأجهزة. أي أننا فشلنا في لقاء عبد الناصر. في تلك الفترة لم تكن الثورة الفلسطينية برزت بشكل واضح لتجذب الأنظار وتحظى بالاهتمام اللازم من مصر ورئيسها. الاهتمام حصل بعد نكسة 1967. في 1966 كانت لنا علاقة باللواء محمد صادق، وهو رجل (رحمه الله) تولى قيادة الجيش لاحقاً. نسّقنا مع المخابرات العسكرية وكانوا ينظرون إلينا كجناح عسكري.

في 1965 صدرت عن القيادة العربية الموحدة التي كان يتولاها علي عامر تعليمات بملاحقة رجال «فتح» أينما وجدوا. حاولنا، من الكويت، الاتصال بعبد الناصر وقيل لنا تفضلوا، لكننا لم نوفق في مقابلته. مكثت في مصر لفترة وأصبحت ممثلاً لـ«فتح» هناك وكان الأخ أبو عمار ممنوعاً من دخولها في 1966 بحجة أن له علاقة بـ«الإخوان المسلمين». الحقيقة أننا حين ذهبنا أشعنا أننا التقينا الرئيس عبد الناصر، وسارع «أبو عمار» إلى المغادرة. فهو دخل من خلال المخابرات العامة وغادر كي لا تعرف المباحث العامة بوجوده، وهو ممنوع أصلاً من الدخول. حصلت مشكلة، وراحت المباحث العامة تدقق في كيفية دخول «أبو عمار». بعد 1967 جئنا وقابلنا الأستاذ محمد حسنين هيكل. وحصل اللقاء مع الرئيس عبد الناصر وقد لعب هيكل دوراً في ذلك.

* هل كان عبد الناصر يحبّ «أبو عمار»؟

- كان يحبه حباً جماً ويرى فيه الشباب العربي الذي يحمل الأمل في المستقبل. وفي 1969 اصطحب عبد الناصر «أبو عمار» معه إلى الاتحاد السوفياتي فبدأت العلاقات بين موسكو والمنظمة.

الرئيس أنور السادات (غيتي)

* لماذا أطلعكم الرئيس أنور السادات على قرار حرب 1973 وكيف؟

- كنا نعيش في مصر بعد خروجنا من الأردن في 1970. ذات يوم، وقبل أسابيع من أكتوبر 1973، اتصل شخص من مكتب الرئيس المصري بالأخ «أبو إياد» وطلب منه الحضور للاجتماع بالرئيس السادات. ذهبنا إليه في برج العرب. رحب بنا وقال: «لا بد أن أبلغكم بخبر مهم. بعد فترة من الزمن ستنطلق الشرارة وسيعبر الجيش المصري قناة السويس ويدمر خط بارليف وبعد وصوله إلى عشرة كيلومترات وراء القناة ستتدخل الدول الكبرى وتحوش (تتدخل) بيننا وسيُدعى (إلى) مؤتمر جنيف من أجل عقد محادثات سلام. وأنا عاوزكم أن تستمروا بعد ذلك في العمل الفدائي. المطلوب تحضير عدد من المشاركين في العمل الفدائي. المطلوب تحضير عدد من المجاهدين (400 فدائي) ليمارسوا العمل الفدائي وراء خطوط العدو». وطلب منا إبقاء الأمر سراً (كان المقصود عدم إبلاغ الرئيس حافظ الأسد)، وأن ننسق وصول الفدائيين مع محمد عبد السلام مدير المخابرات العامة آنذاك. حصل نقاش خلال الجلسة. كان الخبر مفاجأة لنا، وطرح الأخ «أبو إياد» أسئلة كثيرة عن درجة الاستعداد العسكري وآفاق المعركة وما إذا كانت للتحرير أم لتحريك الوضع السياسي. واهتم «أبو إياد» بإبلاغ الأخ «أبو عمار» وأعضاء القيادة بالأمر.

عندما اندلعت الحرب ذهبنا، الأخ «أبو إياد» وأنا، إلى قصر الطاهرة حيث كان الرئيس السادات، لنستطلع الأنباء. وحين رآنا، قال إن كل شيء على ما يرام. وكان تلقّى قبل وقت قصير برقية تفيد بأن الجيش المصري دمّر خط بارليف ويستكمل تدمير المواقع هناك أو محاصرتها. كان الرئيس السادات فرحاً بالإنجاز الكبير الذي تحقق بخسائر قليلة وكان يقول: «خلصنا من ضغط العرب». كان يوماً رائعاً بالفعل.

بعد أيام حصل الاختراق (الدفرسوار) وانقلبت الصورة وأُعلن وقف إطلاق النار. الحقيقة أنه كان هناك رأي يقول إن الجيش المصري كان قادراً على تصفية شارون وقواته، لكن ذلك لم يحصل، وحُكي عن التدخل الكثيف للولايات المتحدة لدعم إسرائيل.

* كيف كانت علاقة الرئيس السادات بالقيادة الفلسطينية؟

- الحقيقة أنها كانت علاقة جيدة. ذات يوم ذهبنا إليه وكانت الساعة الثانية عشرة ظهراً وكنا قبل ذلك مررنا على أمين هويدي (كان قد تولى رئاسة المخابرات العامة المصرية ووزارة الحربية في عهد جمال عبد الناصر). سأل الأخ أبو عمار الرئيس السادات عن الأحوال فأجابه: «دول كلهم حشتهم حش، ما فيش مراكز قوى، خلاص، خلصنا منها». فوجئنا وابتسمنا. وقال له أبو عمار: «كنا قبل ساعتين في مصر الجديدة وزرنا الأخ أمين هويدي»، فابتسم السادات وقال: «أنت خرجت من هنا وأنا حشتو (اعتقلته) من هنا». كان صارماً حاسماً في هذه المسألة.

* وقرار طرد الخبراء السوفيات؟

- كان قراراً مفاجئاً. كانت السفارة السوفياتية قريبة من مقر إقامة السادات. ذهبت للقاء السفير بولياكوف في السفارة ولعلني كنت العربي الوحيد الذي فعل ذلك، فقد كان معزولاً وأخبرني أنه فوجئ تماماً بالقرار. حصل ما حصل، وتردد أن السادات قال لهنري كيسنجر بعد ذلك إنه يجب إعطاء مصر مكافأة على طرد الخبراء السوفيات، فرد كيسنجر: «يا سيادة الرئيس كان عليك أن تطلب ذلك قبل طردهم».

الرئيس حافظ الأسد (غيتي)

عرفات سجيناً في سوريا ثم لبنان

* منذ متى تعرف الرئيس حافظ الأسد؟

- منذ الستينات وكان وزيراً للدفاع. في 1966 حصلت أحداث واستشهد ضابطان من شبابنا في «فتح» هما يوسف عرابي ومحمد حشمة نتيجة ملاسنة. بعد الحادث أُدخلت قيادة «فتح» السجن: «أبو عمار» و«أبو جهاد» و«أبو صبري» و«أبو علي إياد» وآخرون. شملت الاعتقالات نحو 11 قيادياً. جئت مع زميل لنا لمعالجة هذا الموضوع واتصلنا بصلاح جديد وحافظ الأسد وأحمد سويدان (رئيس الأركان السوري).

كان اللقاء مع الأسد جيداً. وفي الواقع كانت هناك اتهامات موجهة إلى شعبة فلسطين في حزب «البعث» وكان يتردد أن «أبو عمار» ورفاقه من «الإخوان المسلمين» لكنهم فوجئوا بوجودي في هذه الثورة وأنا لا علاقة لي بـ«الإخوان» وانتمائي إلى حزب البعث معروف.

أمضى عرفات في الاعتقال نحو 51 يوماً، وكان في سجن المزة بعد إخضاعه لتحقيق كامل. ذهبنا إلى الأسد وكان وزيراً للدفاع، وتحدثنا معه وقلنا له: ثمة إشاعات بأن القيادة السورية تريد إعدام المعتقلين، فأجاب: من قال لكم ذلك؟ قلنا: إنها إشاعات في دمشق. فقال: تفضّلوا واذهبوا وتسلّموهم.

ذهبنا وأخرجنا «أبو عمار» والأخوة، وبقي اثنان منهم هما أبو يحيى وأبو العبد العقلوق أعضاء «المجلس الثوري»، وقد حُوكما لاحقاً. وكان رئيس المحكمة العماد أول مصطفى طلاس وحكم بالبراءة، لكن بقي عبد المجيد زغموم معتقلاً في ذلك الوقت.

وبعد فترة قصيرة شارك «أبو عمار» في عملية فدائية انطلاقاً من الأراضي اللبنانية واعتقل في لبنان. اعتقل الجيش اللبناني المجموعة الفلسطينية وفي النهاية تمكنا من الإفراج عن «أبو عمار» ورفاقه بعد وساطة سورية مع اللواء سامي الخطيب الذي كان ضابطاً في «المكتب الثاني» وكان على رأس هذا الجهاز المقدم غابي لحود.

لاحقاً تفرغنا أنا والأخ «أبو أياد» وبقينا في سوريا ثم ذهبنا إلى الأردن ووقعت أحداث 1970 فخرجت أنا إلى مصر.

* مرت العلاقة بين القيادتين السورية والفلسطينية بمراحل صعبة، أي المراحل كانت الأصعب؟

- مرحلة 1976 عندما دخل الجيش السوري لبنان، وكانت «الحركة الوطنية» في لبنان تعارض هذا الدخول، ونحن كنا نعتقد بأن وجود الجيش السوري في لبنان ربما يؤدي إلى صدام مع الثورة الفلسطينية، وكانت هناك «جبهة الرفض الفلسطينية» التي كنا على خلاف معها.

* هناك جهات فلسطينية اتهمت سوريا بمحاولة وضع اليد على القرار الفلسطيني؟

- ليست قضية وضع يد على القرار الفلسطيني. معروف أن القضية الفلسطينية هي القضية الأولى بالنسبة إلى سوريا وموضع اهتمامها الأول وإلا لماذا قدمت ما قدمت. يجب أن نفرّق بين هذا وذاك. الرئيس الأسد والأخوة في القيادة السورية قالوا أكثر من مرة إن الفلسطينيين يحكمون القرار السوري ولا نحكم نحن القرار الفلسطيني. علاقاتنا مع الرئيس الأسد قوية ومستمرة، وباستمرار كان هناك تنسيق. وفي اللقاءات كان الرئيس الأسد يشدد على التحالف الاستراتيجي بين سوريا والثورة الفلسطينية. إنه إنسان بعثي، وربما لهذا السبب قد أكون الأقدر على فهمه بسبب خلفيتي الحزبية. أكثر من 60 في المائة من موازنة سوريا كانت موضوعة عملياً في تصرف هذه القضية.

* هل كان الرئيس الأسد يسجل ملاحظات على سلوك المقاومة الفلسطينية في لبنان؟

- لا، إلى أن اصطدمنا بالجيش السوري. عندها كان السؤال: لماذا تعترض المقاومة الفلسطينية على دخول الجيش السوري؟ الرئيس الأسد شخصية هادئة يستمع بإصغاء للجميع. صبور ومثابر. يُعجب به محدثه، إذ لديه القدرة على التحدث في مواضيع متعددة لساعات طويلة. صاحب نفس طويل لا يتوافر لدى كثير من الزعماء أو رؤساء الدول.

لا يبدأ حديثه عادة في الموضوع السياسي. أحياناً يبدأ بالحديث عن الطقس ويترك لزائره فرصة طرح ما يريد ويناقشه في آرائه. لديه إلمام بمواضيع متعددة.

الرئيس العراقي صدام حسين مستقبلاً القدومي في بغداد عام 2002 (غيتي)

العلاقة مع العراق

* وعلاقتك مع الرئيس صدام حسين؟

- بعد 1968 تعرّفنا على الرفيق «أبو عدي». بعضنا عرفه في القاهرة عندما جاء في أعقاب مشاركته في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم. كنا نذهب إلى بغداد التي فتحت أبوابها لنا بعد معركة الكرامة وكنا نلتقي الرئيس أحمد حسن البكر ونائبه السيد صدام حسين. فتحنا مكاتب في العراق وكنا نجمع التمور والمساعدات.

* انشقاق «أبو نضال» أثار مشكلة مع العراق؟

- نعم ترك ظلالاً على العلاقات بين العراق ومنظمة التحرير.

* كان الاعتقاد أن القيادة العراقية تحرّك «أبو نضال»؟- نعم كان لدينا مثل هذا الاعتقاد لكن التصرف العراقي كان ينطلق من فهم سياسي واضح. العراق لا يخفي مواقفه.

* وأسلوب صدام حسين؟

- يحاول أن يفهم محدثه وأن يحاوره. هادئ ويركز اهتمامه على محاوره ويحاول أن يفهم منطلقاته وأغراضه وهو لمّاح وعلى جانب من الذكاء.

* والقسوة؟

- لم تكن هناك قسوة في التعامل معنا. كانت كل مطالبنا تستجاب وبسرعة وكان كريماً معنا خصوصاً بعدما أصبح رئيساً. قدّم العراق الكثير.

* هل كان البكر متشدداً مع المقاومة؟

- كان صارماً، يشدد على أن حزب «البعث» هو الطريق، وأن على الثورة الفلسطينية أن تكون جزءاً من الكيان العربي الكبير.

* أنشأ العراق «جبهة التحرير العربية» وأنشأت سوريا «الصاعقة»، هل أثار ذلك حساسيات؟

- الواقع أن ذلك كان يعكس رغبة الفلسطينيين المقيمين في تلك الدول وقد اعتُبروا جزءاً من منظمة التحرير.

* عشية التسعينات بدت العلاقة بين منظمة التحرير والعراق قوية جداً؟

- نعم، فقد قدّم العراق دعماً متزايداً للمنظمة خصوصاً بعد خروجها من بيروت، ومرّت مرحلة جفاء بين المنظمة وسوريا ربما تكون ساهمت أيضاً في تعزيز العلاقة مع بغداد.

* هل كان العراق المصدر الأساسي لدعم المنظمة؟

- الحقيقة أن السعودية تأتي في الطليعة وقد قدمت الكثير، والإنصاف يقتضي القول إن دول الخليج ساعدت الشعب الفلسطيني كثيراً.

* ذهبت إلى بغداد بعد غزو الكويت... من التقيت؟

- التقيت السيد طارق عزيز وكانت بغداد بلا ماء ولا كهرباء. ذهبت لأطمئن. قال إن الأوضاع صعبة وإن بعض المتمردين يعيثون فساداً في الجنوب ثم انتقلوا إلى مدينة الثورة في بغداد لكن الجيش العراقي استطاع أن يضبط الأمور. تحدث طارق عزيز عما أصاب العراق.

* علاقتك بطارق عزيز قديمة كيف ترى أسلوبه؟

- يدرس الأمور بدقة وعناية ولا يبلور موقفاً إلا بعد التدقيق والتمحيص وهو هادئ الطبع لا ينفعل ويتحدث كأنه يقرأ من كتاب. يتكلم بشكل متسلسل. وهو كان أساسياً في الموضوع الفلسطيني مع العراق.


مقالات ذات صلة

واشنطن تلجم خطة إسرائيل جرّ سوريا إلى لبنان

المشرق العربي عناصر من الأمن العام اللبناني عند معبر «المصنع» الحدودي مع سوريا في سهل البقاع شرق لبنان يوم الأحد 5 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

واشنطن تلجم خطة إسرائيل جرّ سوريا إلى لبنان

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب أن الولايات المتحدة أوقفت القصف الإسرائيلي لمعبر «المصنع» الحدودي بين سوريا ولبنان، ولجمت بذلك مخططاً يهدف إلى جرّ سوريا للحرب.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص كانت بين صدام حسين والملك حسين قنوات اتصال استثنائية (أ.ف.ب) p-circle 07:17

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

في الحلقة الأخيرة من شهادته لـ«الشرق الأوسط»، يروي رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات كواليس لقاءاته بصدام والأسد، ومحاولة شقيق الأخير اغتيال رئيس وزراء.

غسان شربل (عمّان)
المشرق العربي عبيدات: صاروخ من القذافي لإسقاط طائرة الملك حسين

عبيدات: صاروخ من القذافي لإسقاط طائرة الملك حسين

كشف رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات تفاصيل محاولة لاغتيال العاهل الأردني الراحل الملك حسين اتهم العقيد معمر القذافي بتدبيرها مع القيادي الفلسطيني.

غسان شربل (عمّان)
خاص لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب) p-circle 06:06

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: القذافي حاول اغتيال الملك حسين بصاروخ سلمه لوديع حداد

في الحلقة الثانية من شهادته، روى رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل محاولة اغتيال للملك حسين بصاروخ «أرسله معمر القذافي».

غسان شربل (عمّان)
خاص وصفي التل مع الملك حسين (غيتي) p-circle 00:44

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: قناص غامض قتل وصفي التل برصاصة من الخلف

في الحلقة الأولى من شهادته، يتحدث رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات عن «خيط غامض» في اغتيال وصفي التل، وتفاصيل محطات الصدام الأردني - الفلسطيني.

غسان شربل (عمّان)

أميركا وإيران تواصلان ممارسة ضغوطهما على العراق

من اجتماع سابق لقوى «الإطار التنسيقي» (واع)
من اجتماع سابق لقوى «الإطار التنسيقي» (واع)
TT

أميركا وإيران تواصلان ممارسة ضغوطهما على العراق

من اجتماع سابق لقوى «الإطار التنسيقي» (واع)
من اجتماع سابق لقوى «الإطار التنسيقي» (واع)

واصلت الولايات المتحدة وإيران ممارسة ضغوطهما على العراق في ظل الحرب بينهما؛ إذ اتهمت واشنطن جهات مرتبطة بحكومة بغداد بـ«توفير دعم مالي وعملياتي لميليشيات إيران»، بينما أثنت طهران على «مقاومة الشعب العراقي وصموده».

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك (أ.ف.ب)

وفي حين تترقب بغداد وصول المبعوث الأميركي توم براك بأي لحظة، طبقاً لعديد الأخبار المتداولة، خرج قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني غداة زيارته إلى بغداد ليقول إن زيارته هدفت إلى «إبلاغ تقدير نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية وشكرها للشعب العراقي على تعاطفهم، وكذلك إلى المرجعية الدينية والمسؤولين في العراق». وأضاف في تصريح نقلته وكالات الأنباء الإيرانية، الاثنين: «إن تشكيل الحكومة حق لأهلها، والعراق أكبر من أن يتدخل الآخرون، خصوصاً المجرمين المعادين للإنسانية، في شؤونه. إن اختيار رئيس الوزراء يتم حصراً، وفق القرار العراقي».

قائد «فيلق القدس» الإيراني إسماعيل قاآني (د.ب.أ)

وترشح الفصائل الموالية لإيران وقوى «الإطار التنسيقي» رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي ليترأس الحكومة الجديدة، وسط رفض أميركي لعودة المالكي إلى هذا المنصب.

وقبل يومين، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 7 من قادة الميليشيات؛ ما زاد تعقيد مفاوضات قوى «الإطار التنسيقي» لاختيار رئيس وزراء جديد للبلاد.

ويقود الأفراد المستهدفون بهذا الإجراء عدداً من أكثر الفصائل المسلحة الموالية لإيران عنفاً في العراق، من بينها «كتائب حزب الله»، و«كتائب سيد الشهداء»، و«حركة النجباء»، و«عصائب أهل الحق».

ويُتوقع أن يعقد «الإطار التنسيقي» اجتماعاً، مساء الاثنين، لحسم ملف الحكومة، لكن مصدراً تحدث إلى «الشرق الأوسط»، مستبعداً «نجاح الإطارين في ذلك، في ظل حالة الاستقطاب الشديدة بين واشنطن وطهران».

إجراءات واشنطن

في المقابل، لوّحت واشنطن، وفق المصادر، بإجراءات أشد لمنع قيام حكومة خاضعة لنفوذ الفصائل تشمل معاقبة الجهات التي تسهّل وصول الدولار إلى إيران وسط تشديد قيود تدفقات النقد.

وذكرت تقارير إعلامية، الاثنين، أن أميركا قررت وقف تحويلات الدولار إلى البنك المركزي العراقي إلى حين تشكيل حكومة جديدة، لافتة إلى أنها «اشترطت تشكيل حكومة غير موالية لإيران لإعطاء العراق دولار مبيعات نفطه».

إلا أن مصادر إعلامية في بغداد رجّحت أن يكون منطلق القرار الأميركي، إن صحت التقارير، مخاوف على أمن الطائرة التي تنقل شحنات الأموال في حال هبوطها في مطار بغداد الذي تعرض لقصف في أثناء الحرب بين أميركا وإيران؛ «لذلك كان الاقتراح هو أن تُنقل الأموال إلى بلد مجاور، ومنه يتولى العراق نقلها إلى بغداد».

وكانت هناك تقارير اقتصادية تشير إلى وجود تحديات تتعلق بوصول شحنات الدولار النقدي المقبلة من البنك الفيدرالي الأميركي إلى البنك المركزي العراقي الذي لم يصدر أي بيان في هذا الاتجاه، ولكن لا يمكن التأكد من حقيقة هذه التقارير.

وقبل نحو شهرين، تحدثت تقارير مشابهة عن تعثر وصول الأموال إلى بغداد، خصوصاً عقب غلق الأجواء العراقية نتيجة الحرب. ومعروف أن أموال النفط العراقي توضع في البنك الفيدرالي الأميركي قبل أن يتم شحنها نقداً إلى العراق.

ولا يستبعد مراقبون قيام واشنطن بذلك في ظل الضغوط التي تمارسها على بغداد لتشكيل حكومة بعيدة عن النفوذ الإيراني.

وتشير بعض المصادر الاقتصادية إلى أن البنك الفيدرالي الأميركي يسعى إلى فرض قيود أشد للحد من تهريب الدولار إلى خارج العراق، والالتزام بمعايير الامتثال الدولية (غسيل الأموال).

تحذير السفارة

من جانبها، حذرت سفارة الولايات المتحدة في بغداد، الاثنين، مواطنيها من استمرار المخاطر الأمنية في العراق، ووجهت اتهامات إلى «جهات مرتبطة بالحكومة» بأنها توفر غطاءً سياسياً ومالياً وعملياتياً لـ«ميليشيات مرتبطة بإيران».

السفارة الأميركية تجدد تحذير رعاياها (واع)

وقالت السفارة، في تنبيه أمني جديد، إن «المجال الجوي العراقي أُعيد فتحه، إلا أن المسافرين جواً عبر العراق يجب أن يكونوا على دراية بالمخاطر المستمرة المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والقذائف».

كانت السلطات العراقية قد قامت بإغلاق أجوائها لنحو 40 يوماً نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران قبل أن تعيد تشغيلها مع بدء هدنة الحرب.

وأضافت سفارة واشنطن أن ما وصفتها بـ«الميليشيات الإرهابية العراقية المتحالفة مع إيران تواصل التخطيط لهجمات إضافية ضد مواطنين أميركيين وأهداف مرتبطة بالولايات المتحدة في أنحاء العراق، بما في ذلك إقليم كردستان».

كان رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني قد طالب، قبل يومين، حلفاء الإقليم الغربيين بتزويده بالسلاح لصد هجمات الفصائل ضده.

واتهمت سفارة الولايات المتحدة «جهات مرتبطة بالحكومة العراقية بتوفير غطاء سياسي ومالي وعملياتي لميليشيات عراقية متحالفة مع إيران»، وأكدت أنها «تواصل التخطيط لهجمات ضد مواطنين أميركيين وأهداف مرتبطة بالولايات المتحدة».

وأشارت إلى «استمرار عمل بعثة الولايات المتحدة في العراق رغم قرار المغادرة الإلزامية، وأن خدماتها تقتصر على مساعدة المواطنين الأميركيين، مع التحذير من التوجه إلى السفارة في بغداد أو القنصلية في أربيل بسبب المخاطر الأمنية».

وجدّدت السفارة تحذير السفر من المستوى الرابع، الذي ينص على «عدم السفر إلى العراق لأي سبب»، داعية المواطنين الأميركيين الموجودين في البلاد إلى المغادرة فوراً.

وفيما يتعلق بخيارات الخروج، أشارت السفارة إلى أن «الطرق البرية إلى الأردن والكويت والسعودية وتركيا لا تزال مفتوحة، مع توقع تأخيرات طويلة وإجراءات دخول وخروج محلية، فضلاً عن احتمال ارتفاع أسعار الرحلات الجوية أو إلغائها في وقت قصير».

كما أعلنت السفارة «تعليق جميع الخدمات القنصلية الروتينية في العراق، بما في ذلك خدمات التأشيرات، داعية المواطنين الأميركيين إلى التواصل عبر البريد الإلكتروني في الحالات الطارئة فقط».

إسلام آباد موازية

وفي ظل هذه الأجواء، يشير كثير من الأحاديث السياسية والشعبية العراقية، إلى أن بغداد صارت بمنزلة «ساحة موازية» لإسلام آباد، بالنسبة للصراع والمفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين طهران وواشنطن.

ويرى الكاتب والدبلوماسي السابق غازي فيصل أنه «لا يمكن الحديث عن مفاوضات بين براك وقاآني في بغداد بديلاً عن إسلام آباد، لكن المؤكد أن هناك نوعاً من عمليات الضغط المتبادل بالمعنى الدبلوماسي بين الرجلين».

ويضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يمكن المقارنة بين زيارة براك وقاآني؛ لأن المفاوض الأميركي يأتي في سياق معلن وواضح، ويمارس عمليات ضغط بالمعنى الدبلوماسي على بغداد لتحقيق أهداف واشنطن، أظن أنه ينقل رسائل مهمة للحكومة العراقية من أجل تجنب الوقوع في فخ تقلُّد مناصب وزارية من قِبل شخصيات من الفصائل المسلحة، خاصة المصنفة تنظيماتٍ إرهابيةً».

ويشير فيصل إلى أن «قاآني يحرص على إظهار سلطته ونفوده، وأيضاً بحكم النفوذ واسع النطاق الذي تتمتع به إيران، وأن مستقبل العراق عموماً مرهون بنتائج المواجهة الكبرى بين واشنطن وطهران».


فضل الله: «حزب الله» سيُسقط «الخط الأصفر» الذي أعلنته إسرائيل في جنوب لبنان

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله خلال مقابلة مع صحافي من «وكالة الصحافة الفرنسية» في البرلمان اللبناني في بيروت... لبنان 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله خلال مقابلة مع صحافي من «وكالة الصحافة الفرنسية» في البرلمان اللبناني في بيروت... لبنان 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

فضل الله: «حزب الله» سيُسقط «الخط الأصفر» الذي أعلنته إسرائيل في جنوب لبنان

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله خلال مقابلة مع صحافي من «وكالة الصحافة الفرنسية» في البرلمان اللبناني في بيروت... لبنان 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله خلال مقابلة مع صحافي من «وكالة الصحافة الفرنسية» في البرلمان اللبناني في بيروت... لبنان 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أكد النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله أن حزبه سيعمل على إسقاط «الخط الأصفر» الفاصل الذي أعلنت إسرائيل إقامته في جنوب لبنان، على غرار قطاع غزة، مؤكداً أن أحداً لن يتمكن من تجريد «المقاومة» من سلاحها.

ورغم سريان هدنة بين «حزب الله» وإسرائيل بدأت منتصف ليل الخميس إلى الجمعة، أعلن الجيش الإسرائيلي السبت أنه أقام «خطاً أصفر» فاصلاً في جنوب لبنان على غرار الخط الذي يفصل قواته عن المناطق التي تسيطر عليها حركة «حماس» في غزة، في وقت تستعد السلطات لمفاوضات ثنائية غير مسبوقة مع الدولة العبرية برعاية أميركية.

وفي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» من مجلس النواب، قال فضل الله: «هذا الخط الأصفر سنسقطه بالمقاومة، بإصرارنا على حقنا في الدفاع المشروع عن أنفسنا وعن بلدنا»، معتبراً أن الدولة اللبنانية معنية من خلال دبلوماسيتها أن «تتحرك في هذا المجال، لا أن تذهب إلى مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل.

وأضاف: «عندما يكون هناك احتلال، لن يستطيع أحد أن يأتي إلى المقاومة ليقول لها هناك قرارات بحصرية السلاح أو ما شابه»، واصفا خطوات إسرائيل بأنها «غبية»، ومن شأنها أن «تكرّس حقنا في المقاومة».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن، الخميس، دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان حيّز التنفيذ، لمدة عشرة أيام، بعد حرب استمرت لأكثر من ستة أسابيع بين الحزب والدولة العبرية. وقالت طهران إن الهدنة في لبنان كانت جزءاً من تفاهمات وقف إطلاق النار مع واشنطن.

ويتبادل «حزب الله» وإسرائيل الاتهامات بخرق الهدنة، ولا سيما مع مواصلة إسرائيل تنفيذ عمليات تفجير وهدم في قرى حدودية ومنعها سكان عشرات القرى من العودة إليها.

وقال فضل الله إن حزبه تواصل مع داعمته طهران ووضعها «في صورة كل الخروقات الإسرائيلية» بهدف نقلها إلى «الجانب الباكستاني ليمارس بدوره ضغطاً»، باعتباره الوسيط في المفاوضات بين طهران وواشنطن.

وأوضح أنه «لن يكون هناك وقف لإطلاق النار من جانب واحد»، مضيفاً: «عندما يمارس الجانب الإسرائيلي خروقات أو اعتداءات، بالتأكيد لن تبقى المقاومة مكتوفة الأيدي»، ويعود لقيادتها أن «تشخص المصلحة في اللحظة التي تأخذ فيها القرار في كيفية التصدي لهذه الخروقات».

لاستمرار الهدنة

وكان «حزب الله» الذي أعلن موافقته على الهدنة، أكد أن أيدي مقاتليه ستبقى «على الزناد» في حال خرق إسرائيل للهدنة.

وقال فضل الله في هذا الإطار: «نريد لوقف إطلاق النار أن يستمر وأن يترافق أيضاً مع السعي الدؤوب لانسحاب جيش الاحتلال من أرضنا وعودة جميع النازحين إلى قراهم، سواء في القرى التي تعرضت للعدوان أو القرى التي احتلها العدو الإسرائيلي»، إضافة إلى «إطلاق الأسرى ومن ثم برنامج لإعادة الإعمار».

وأكد أن حزبه لن يقبل بأي اتفاق يعيد الوضع إلى ما كان عليه بعد وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب السابقة مع إسرائيل عام 2024، وخرج منها الحزب أضعف في الداخل بعد خسارة أبرز قادته وجزءاً من ترسانته العسكرية.

وواصلت إسرائيل بعد وقف إطلاق النار حينها تنفيذ غارات خصوصاً في جنوب لبنان واستهداف تحركات مقاتلي «حزب الله»، الذي اتهمته بإعادة ترميم قدراته العسكرية.

ودعا فضل الله الدولة اللبنانية اليوم إلى اتخاذ إجراءات عملية، بينها أن «تعيد الجيش إلى مواقعه» التي انسحب منها بعد بدء الحرب الأخيرة وأن «تضغط بما تملك من إمكانات سياسية ودبلوماسية» من أجل تثبيت الهدنة.

ومنذ الحرب السابقة بين الحزب وإسرائيل، اتخذت السلطات اللبنانية سلسلة قرارات غير مسبوقة، بدءاً من قرارها تجريد الحزب من سلاحه، مروراً بحظر أنشطته الأمنية والعسكرية، وصولاً إلى قرارها التفاوض المباشر مع إسرائيل.

ويرفض «حزب الله» ومناصروه المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. كما سبق لهم رفض قرار نزع سلاحه. ويتهمون الرئيس اللبناني بـ«الاستسلام» و«التخاذل».

وأكد فضل الله رداً على مصير سلاح الحزب: «لن يكون هناك نزع لسلاح المقاومة، ولن يتمكن أحد في لبنان وفي الخارج أن ينزع سلاح المقاومة».

وتابع: «من قاتل في بنت جبيل وفي عيناتا وفي الخيام وفي كل هذه القرى بهذه البسالة وبهذه البطولة دفاعاً عن لبنان، لن يقبل على الإطلاق أن يأتي أحد، أي أحد، لينزع من لبنان هذه الروح وهذه القدرة وهذه القوة».

وقال: «نحن مع مسار حواري داخلي للتفاهم على صيغة ما، للاستفادة من كل عناصر القوة بما فيها المقاومة»، مؤكداً أن «المفاوضات المباشرة هي مسار سياسي لتقديم تنازلات مجانية» لإسرائيل، و«لا يمكن أن تطبق نتائجه، لأن من مطلوب منه أن يطبق هم أهل هذه الأرض الذين يرفضون هذا المسار السياسي».

خيارات أخرى

ورأى أن «من مصلحة لبنان ومصلحة رئيس الجمهورية ومصلحة الحكومة الخروج من مسار التفاوض المباشر والعودة إلى تفاهم وطني حول الخيار الأفضل للبنان»، معتبراً أن التوجه للتفاوض المباشر «فيه تفرّد بخيار مصيري يرتبط بمستقبل لبنان».

وأضاف: «سنرفض وسنواجه أي محاولة لفرض أثمان سياسية على لبنان، من خلال تنازلات تقدم لهذا العدو الإسرائيلي».

ويكرر «حزب الله» الإشارة إلى دور إيران في وقف إطلاق النار الساري حالياً، ويعلق آمالاً على مسار التفاوض بين طهران وواشنطن في إسلام آباد رغم التوتر الحاصل.

وقال فضل الله تعليقاً على مفاوضات إسلام آباد: «هذه مرحلة عضّ أصابع، ودائماً تشهد مراحل المفاوضات توترات وضغوطات وما شابه، لكن الإيرانيين يعرفون كيف يتخلصون من الضغوط ويحافظون على حقوقهم المشروعة».

وفي وقت تؤكد السلطات اللبنانية أن المفاوضات المرتقبة مع إسرائيل «منفصلة» عن أي مفاوضات أخرى، في إشارة إلى محادثات إسلام آباد، قال فضل الله: «هناك مسار سياسي موجود حالياً في إسلام آباد، ونحن نعلق عليه آمالاً كبيرة، لأن إيران تقف إلى جانب لبنان».


جنوب لبنان: تطويق كامل وتدمير ممنهج وتكريس تدريجي لـ«المنطقة العازلة»

دخان يتصاعد من قرية الخيام اللبنانية القريبة من الحدود مع إسرائيل كما يُرى من شمال الدولة العبرية 18 مارس 2026 (رويترز)
دخان يتصاعد من قرية الخيام اللبنانية القريبة من الحدود مع إسرائيل كما يُرى من شمال الدولة العبرية 18 مارس 2026 (رويترز)
TT

جنوب لبنان: تطويق كامل وتدمير ممنهج وتكريس تدريجي لـ«المنطقة العازلة»

دخان يتصاعد من قرية الخيام اللبنانية القريبة من الحدود مع إسرائيل كما يُرى من شمال الدولة العبرية 18 مارس 2026 (رويترز)
دخان يتصاعد من قرية الخيام اللبنانية القريبة من الحدود مع إسرائيل كما يُرى من شمال الدولة العبرية 18 مارس 2026 (رويترز)

تحوّلت مدينتا بنت جبيل والخيام، إلى مركز الثقل في المشهد الميداني جنوب لبنان، حيث تتقدّم الوقائع العسكرية على إيقاع مختلف، لا تقوده الاشتباكات المباشرة بقدر ما ترسمه حركة السيطرة على الأرض. تُحكِم القوات الإسرائيلية الطوق على البلدتين، وتُقفل منافذهما تباعاً، في حين تتراجع المواجهات داخل الأحياء، مقابل تصاعد عمليات التفخيخ والنسف وتدمير البنية العمرانية بشكل منهجي.

تفرض هذه الوقائع نمطاً عملياتياً جديداً يقوم على العزل الميداني وفتح الطرق العسكرية وتسوية المساحات المحيطة، فيما يبدو تمهيداً لتمركز طويل الأمد. وفي موازاة ذلك، تتوسّع الإنذارات الإسرائيلية لتتحول من إجراءات إلى أدوات ترسم فعلياً حدود حركة السكان وحدود الميدان الجديد، بما يتجاوز الخط الحدودي التقليدي.

بنت جبيل: تطويق كامل وتدمير منهجي داخل المدينة

في هذا السياق، قال العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط»: إن «المعطيات الميدانية المتداولة تشير إلى أنّ بنت جبيل أصبحت شبه مطوّقة بالكامل؛ ما يجعل أي عناصر من (حزب الله) موجودة داخلها أمام خيارات محدودة للغاية، بين الأسر أو القتل».

وأضاف أنّ «القوات الإسرائيلية لا تكتفي بالقصف عن بُعد، بل تنفّذ عمليات تفخيخ وتدمير منهجي للأحياء السكنية من الداخل؛ ما يدلّ على هامش حركة واسع وراحة عملانية داخل المدينة»، لافتاً إلى أنّ «مشاهد الآليات التي تتحرك منفردة داخل الأحياء المدمّرة، من دون حماية تُذكر، تعكس مستوى متقدماً من السيطرة الميدانية».

تصاعد الدخان جراء غارة جوية إسرائيلية على بلدة بنت جبيل جنوب لبنان كما تُرى من الجانب الإسرائيلي للحدود (إ.ب.أ)

وتابع قزح أنّ «المعلومات المتاحة تأتي بمعظمها من رصد الإعلام الإسرائيلي، في ظل غياب رواية ميدانية مقابلة من داخل المدينة، لكن طبيعة العمليات، ولا سيما التفخيخ والتدمير البطيء، تعني أن الوقت بات لمصلحة القوات المتقدمة، وأنها رسّخت حضورها داخل بنت جبيل».

وانطلاقاً من ذلك؛ رأى أنّه «لا يمكن الحديث حالياً عن عمليات قتالية فعّالة من جانب داخل المدينة»، في مقابل استمرار الجيش الإسرائيلي في «تدمير الأبنية والأحياء بشكل واسع».

أما فيما يتعلق بالطوق العسكري، فأوضح أنّ «(بنت جبيل محاصرة) من مختلف الجهات: من الجنوب عبر مارون الراس، ومن الشرق عبر عيترون وعيناتا، ومن الغرب عبر عين إبل، في حين تقدّمت القوات شمالاً عبر محاور عدة وصولاً إلى بلدات محيطة؛ ما أدى إلى إقفال آخر المنافذ».

ولفت إلى أنّه «في العادة، تترك الجيوش منفذاً في عمليات التطويق لتخفيف الضغط والسماح بخروج المقاتلين، لكن في هذه الحالة، تشير المعطيات إلى أنّ هذا المنفذ أُغلق؛ ما يعني تطويقاً كاملاً، وإقفال أي إمكانية للانسحاب أو إعادة التموضع».

قلب المدينة مدمّر واستهداف انتقائي في الأطراف

وبينما تتكرّس هذه المعطيات، تعكس الشهادات الميدانية صورة أكثر حدّة. إذ يقول أحد أبناء بنت جبيل لـ«الشرق الأوسط»: إن «وسط البلدة مجروف كلياً ومدمّر كلياً، على طريقة غزة. منطقة السوق والبركة والجامع الكبير، الذي عمره نحو 300 سنة، كلها تضررت، وحتى البيوت الحجرية القديمة ذات القيمة التراثية لم تسلم».

ويضيف: «في المقابل، في محيط بنت جبيل الخارجي، يجري استهداف انتقائي لبعض الفيلات والشقق والبنايات، حيث يتم اختيار بيوت محددة وتفجيرها، على غرار ما حصل في عيتا الشعب ومركبا وقرى الحافة الأمامية الأخرى».

ويتابع: «عملياً، بنت جبيل محاصرة. من بقي في الداخل، إذا كان لا يزال هناك مقاتلون، يتم استهدافهم بشكل تدريجي. سمعنا أيضاً عن عبوات ناسفة استهدفت بعض الدبابات، لكن هذه العمليات تبدو محدودة».

ويشير إلى أنّ «ما يحصل هو تدمير منهجي، وليس مجرد قصف؛ إذ يتم استخدام جرافات وآليات ثقيلة، لهدم المنازل بالكامل»، مضيفاً أنّ «الهدف لا يبدو فقط إنشاء منطقة عازلة، بل أيضاً فتح طرق آمنة تتحرك فيها الآليات العسكرية، حيث تُسوّى الأراضي على جانبي الطرق لمسافة أمتار عدة لمنع أي تهديد».

أطفال على متن حافلة وهم في رحلة العودة إلى بلدتهم بجنوب لبنان (رويترز)

الخيام: طوق محكم

وفي موازاة ذلك، تنطبق الصورة نفسها على بلدة الخيام، حيث أكد قزح أنّ «الخيام واقعة تحت حصار كامل من مختلف الجهات، ضمن طوق عسكري محكم، وبوضعية ميدانية تشبه ما جرى في بنت جبيل».

وأوضح أنّ «الانتشار الإسرائيلي يطوّق الخيام بدقة من كل حدودها الجغرافية: جنوباً بمحاذاة الشريط الحدودي مقابل مواقع مثل الحمامص والغجر، وشمالاً حتى منطقة دبين، حيث سُجّلت عملية توغل محدودة تخللتها اشتباكات قبل انسحاب القوات الإسرائيلية، وغرباً وصولاً إلى مجرى نهر الليطاني، وشرقاً عبر الدخول إلى بلدة الماري».

وأشار إلى أنّ «هذا الانتشار يُحكم عزل الخيام ميدانياً عن محيطها، ويقفل كل المنافذ البرية؛ ما يضعها تحت حصار فعلي كامل»، مضيفاً أنّ «الاشتباكات داخل البلدة شبه معدومة منذ نحو أسبوعين، ولم تُسجّل مواجهات مباشرة أو إطلاق نار، باستثناء مؤشرات متقطعة على محاولات تسلل لعناصر من خارجها».

إنذارات إسرائيلية واسعة: ملامح حدود ميدانية جديدة

وبالتوازي مع هذا التقدم الميداني، تعكس الإنذارات الإسرائيلية اتجاهاً لترسيم حدود واقع جديد على الأرض. فقد وجَّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، عبر منصة «إكس»: إنذاراً إلى سكان 81 قرية جنوب لبنان، منعهم العودة أو التحرك بمحيطها.

على الأرض، تبدو صورة التصعيد أكثر وضوحاً. فقد أغار الطيران الحربي على بلدة الطيري في قضاء بنت جبيل، في حين استهدف القصف المدفعي وادي السلوقي وبلدة كونين.

ونفّذ الجيش الإسرائيلي عمليات نسف في بلدة القنطرة – قضاء مرجعيون، بالتوازي مع قصف مدفعي طال حولا، في حين أقدم منذ الليل وحتى فجر اليوم على تفجير عدد من المباني السكنية في بلدات شمع، الناقورة والبياضة في قضاء صور.

وفي السياق نفسه، أغارت طائرة مسيّرة فجراً على منزل في بلدة برج قلاويه، في حين سُجّل تحليق مسيّرة فوق جسر القاسمية تزامناً مع عمليات بحث عن جثتين في النهر.

كما سقطت طائرة مسيّرة غير مفخخة في خراج بلدة كفرشوبا، وعمل الجيش اللبناني على نقلها إلى موقع مرجعيون.

وبالتوازي، استمر تحليق الطائرات الاستطلاعية والمسيّرة الإسرائيلية على علو منخفض فوق صور وقراها، إضافة إلى تحليق مماثل فوق بيروت والضاحية الجنوبية.

من جهة ثانية، أعلن «حزب الله» عن انفجار عبوات زرعها مقاتلوه (سابقاً) برتل إسرائيلي من ثماني مدرعات على دفعتين بين الطيبة ودير سريان؛ ما أدى إلى تدمير أربع دبابات «ميركافا».

سيدة تقف أمام مبنى مدمر في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

في غضون ذلك، وبعد أيام من عمليات البحث تم العثور على شخصين مفقودين في سيارة مطمورة تحت جسر القاسمية، والتي كانت قد دُفنت تحت الأنقاض نتيجة القصف الإسرائيلي الأخير الذي استهدف الجسر.

وجاء هذا التطور بعد عمليات بحث مكثفة نفذها الفريق المختص في البحث والإنقاذ في الدفاع المدني اللبناني – مركز صور، حيث باشر بعملية غطس عند ضفاف نهر الليطاني في منطقة القاسمية، بالتوازي مع أعمال نبش وقلب الأتربة التي استُخدمت في ردم الطريق، بمشاركة جمعيات أهلية وكشفية، وسط ترجيحات بأن تكون السيارة قد طمرت تحت الردم ولم تتمكن من عبور الجسر.