السفير البريطاني في بغداد: التدخل الإيراني واسع وغير شرعي

قال إنه طلب لقاء سفير طهران بعد الحرب «لكنه متردد»

السفير البريطاني في بغداد عرفان صديق (إكس)
السفير البريطاني في بغداد عرفان صديق (إكس)
TT

السفير البريطاني في بغداد: التدخل الإيراني واسع وغير شرعي

السفير البريطاني في بغداد عرفان صديق (إكس)
السفير البريطاني في بغداد عرفان صديق (إكس)

وجّه السفير البريطاني لدى العراق، عرفان صديق، انتقادات لاذعة إلى الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، واتهمها بالابتزاز والعمل على طريقة «المافيا»، كاشفاً عن استحواذها على عقد لإحدى الشركات البريطانية العاملة في العراق.

وبدأ السفير صديق ارتباطه بالعراق عقب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، حين عمل مسؤولاً للشؤون السياسية في سلطة الائتلاف المؤقتة ببغداد، حيث تابع إعادة تشكيل المؤسسات العراقية وانخرط في عملية كتابة الدستور.

وعاد صديق إلى بغداد بين عامي 2010 و2011 نائباً للسفير البريطاني، في فترة تزامنت مع تقليص الوجود العسكري الأميركي. وفي 2025 تولّى منصب السفير البريطاني لدى العراق، ليركّز على ملفات التعاون السياسي والاقتصادي والاستقرار الإقليمي.

شركة بريطانية في بغداد

قال صديق في سياق مقابلة تلفزيونية، بُثّت مساء الاثنين، إن أحد الفصائل «ضغط وتمكن من الاستحواذ على مشروع لشركة بريطانية لديها عقد مع الحكومة لتوفير الخدمات»، مضيفاً أن «الحكومة العراقية صمتت حيال ذلك السلوك؛ ما سمح للفصائل بالهيمنة على الاقتصاد».

لم يشر السفير إلى اسم الشركة البريطانية التي خسرت العقد، لكن المعروف أن هناك 3 شركات بريطانية رئيسية ارتبطت بتقديم خدمات مختلفة في العراق، منها الأمن والملاحة في مطار بغداد الدولي على مدار السنوات الماضية.

وكانت شركة «جي فور إس» البريطانية مسؤولة عن تقديم خدمات الحماية والأمن للمطار منذ عام 2010 قبل أن ينتهي عقدها في أواخر عام 2022.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2020، اتهم المدعي العام في طهران الشركةَ البريطانية بالتورط في اغتيال قاسم سليماني، القائد السابق لـ«فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني، مشيراً إلى أنها «زودت الجيش الأميركي في العراق بموعد وصول الطائرة، التي كانت تقل سليماني إلى بغداد في يناير (كانون الثاني) من العام نفسه».

السفير البريطاني في بغداد عرفان صديق (الخارجية البريطانية)

ثنائية «الحشد» والفصائل

سعى السفير البريطاني إلى إيجاد صيغة للتفريق بين «الحشد الشعبي» وبعض الفصائل المرتبطة بها التي أظهرت عدم التزام كامل بأوامر «الهيئة» والقائد العام للقوات المسلحة، خصوصاً في الأشهر الأخيرة حين نفذت مئات الهجمات الصاروخية ضد أهداف عراقية وخليجية وأميركية.

وفي هذا السياق، كشف السفير البريطاني عن كواليس حواراته مع رئيس «الحشد الشعبي»، فالح الفياض، وقال: «قلت له: (لديك مشكلة في مؤسستك. أنت مسؤول عن حلها وإصلاح الأمر...) اتفق معي، وشدد على ضرورة الفصل بين (الحشد الشعبي) والفصائل التي توجد داخله».

ويثار جدل سياسي وأمني واسع بشأن التشابك بين الفصائل و«الحشد الشعبي»، وتثار شكوك حقيقية بشأن ما إذا كانت «الهيئة» الرسمية مجرد غطاء لكل الفصائل التي تعتمد العنف في نشاطها ضمن ما يعرف بـ«محور المقاومة».

وأشار صديق إلى أن بلاده لا تمانع التعامل مع «الحشد الشعبي» على أنه جهة أمنية «إذا كانت تحت سيطرة الحكومة»، مؤكداً «استعداد لندن لتقديم المساعدة - إذا طلب منها ذلك - للقيام بإصلاحات في (الهيئة)، مستلهمة تجاربها في آيرلندا الشمالية».

لكن السفير البريطاني رأى أن «مبررات وجود (الحشد الشعبي) بوضعه الحالي قد انتفت بانتهاء المعارك ضد تنظيم (داعش)»، لكنه قال: «إذا كنا نحترم دور (الحشد الشعبي) في محاربة الإرهاب، فلماذا لا يحترمون (التحالف الدولي) الذي قاتل معهم». وأضاف: «كيف أصبحت القوات الأميركية والبريطانية اليوم احتلالاً (...) هذا غير منطقي».

وشدد صديق على أن إدارة ملفات السلم والحرب من اختصاص مؤسسات الدولة الشرعية حصراً؛ وأن «الحكومة المنتخَبة الرسمية هي التي تتعامل مع هذه القضايا، وليس أي شخص آخر».

«لا تعامل مع الفصائل»

وجّه السفير البريطاني لدى العراق، عرفان صديق، خلال المقابلة انتقادات متكررة للفصائل المسلحة، رافضاً وصفها بـ«المقاومة العراقية»، ومتسائلاً: «ضد مَن هي المقاومة؟ ومن يسيطر على الأراضي التي تنشط فيها؟ ولماذا ما زالت موجودة؟».

وبشأن مشاركة الفصائل المسلحة في الحكومة، قال إن بلاده لا تتعامل مع «الأحزاب الفصائلية»، لكنها تحترم في الوقت نفسه القرارات العراقية بشأن تشكيل الحكومات، مضيفاً أن لندن قد تنظر مستقبلاً في التعامل مع هذه القوى إذا تخلت عن السلاح وانتقلت بالكامل إلى العمل السياسي

وانتقد صديق التدخل الإيراني الذي وصفه بـ«الواسع وغير الشرعي» في الشؤون العراقية، ودعا الحكومة الجديدة، برئاسة علي الزيدي، إلى فرض سيادة الدولة وحصر السلاح بيدها. وقال: «هناك تدخل إيراني كبير في الشأن العراقي، وهم لا يحترمون سيادة العراق؛ وهو أمر غير مناسب وغير شرعي، ونتمنى من الحكومة الجديدة حل هذه المشكلة».

وقال السفير البريطاني لدى العراق، عرفان صديق، إن التواصل الدبلوماسي بينه وبين السفير الإيراني في بغداد تراجع خلال فترة الحرب، مشيراً إلى أنه التقاه مرات عدة سابقاً، إلا إنه لم يُعقد أي لقاء بينهما بعد اندلاع الحرب، مضيفاً أن السفير الإيراني أبدى تردداً عندما طُرح موضوع اجتماع بينهما.


مقالات ذات صلة

بغداد تتحرك لاحتواء «صدمة الدولار»... ودعوات للاحتجاج

المشرق العربي مشهد عام لسوق الشورجة في بغداد 7 أكتوبر 2026 (رويترز)

بغداد تتحرك لاحتواء «صدمة الدولار»... ودعوات للاحتجاج

حاولت الحكومة العراقية احتواء خفض قيمة الدينار، من خلال تأجيل استيفاء رسوم وضرائب على سلع أساسية، بينما تتواصل ردود الفعل السياسية الغاضبة من القرار.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)

تحذيرات من عودة «داعش» بعد هجمات شمال بغداد

حذر مسؤولون عراقيون، الأربعاء، من استئناف تنظيم «داعش» نشاطه بعد هجمات استهدفت الأمن في مناطق ريفية شمال بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
خاص صراف عملات يقوم بعدّ رزم من أوراق الدينار العراقي خلال خدمة أحد الزبائن بمحل صرافة على جانب الطريق في بغداد (أ.ب)

خاص العراق يخفّض الدينار... والمواطن يتحمل تكلفة الضغوط المالية

استيقظ العراقيون، الأربعاء، على واقعٍ ماليٍ جديد مع خفض السلطات سعر صرف الدينار إلى 1520 مقابل الدولار، من 1320 ديناراً، في خطوة أثارت موجة غضب شعبي واسعة.

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد موظف يرتب أكواماً من الدينار العراقي في محل صرافة ببغداد (أ.ف.ب)

العراق يخفّض قيمة الدينار مع تراجع إيرادات النفط بسبب اضطرابات التصدير

خفّض العراق قيمة عملته، الأربعاء، ليرتفع سعر الصرف الرسمي من نحو 1300 دينار للدولار إلى 1500 دينار.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي دورية للشرطة العراقية تنقل معتقلين إلى باحة محكمة الكرخ في العاصمة بغداد يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن هجوم أودى بحياة شرطي قرب كركوك

أعلن تنظيم «داعش»، الثلاثاء، مسؤوليته عن هجوم وقع أمس، وتسبب في مقتل شرطي اتحادي عراقي، وإصابة آخرين جنوب غربي مدينة كركوك الغنية بالنفط.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

الجيش الإسرائيلي يشيّد تحصينات في جنوب سوريا تثير مخاوف السكان

قوات إسرائيلية تتوغل في قرية عين زيوان بريف القنيطرة (رويترز)
قوات إسرائيلية تتوغل في قرية عين زيوان بريف القنيطرة (رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي يشيّد تحصينات في جنوب سوريا تثير مخاوف السكان

قوات إسرائيلية تتوغل في قرية عين زيوان بريف القنيطرة (رويترز)
قوات إسرائيلية تتوغل في قرية عين زيوان بريف القنيطرة (رويترز)

من حقله في جنوب سوريا، يراقب حسن أحمد أعمال تحصين جديدة ينفذها الجيش الإسرائيلي، وتقترب يوماً بعد يوم من قريته جباتا الخشب الواقعة في محافظة القنيطرة والمحاذية للجولان المحتل.

يشير أحمد (46 عاماً) الذي سبق أن اعتقل الجيش الإسرائيلي ابنه وابن شقيقه خلال توغلاته المتكررة في المنطقة، بيده قائلاً: «يبعد هذا الساتر الترابي قرابة 300 متر، إنه موجود هناك خلف الأشجار».

ويضيف: «بدأت جرافات إسرائيلية حفر هذا الخط... على امتداد هضبة الجولان... توقف العمل لفترة ولكنه تجدد» مؤخراً.

بوابة حديدية نصبها الإسرائيليون على طريق الحميدية - الصمدانية الغربية في القنيطرة (أرشيفية - الشرق الأوسط)

يتابع أحمد الذي يصرّ على مواصلة غرس أشجار زيتون رغم أن الوصول إلى أرضه بات محفوفاً بالمخاطر: «يعيقون عملي كوني مزارعاً أحياناً، لا سيما هذا الأسبوع الذي جرى فيه كثير من عمليات التوغل».

نصب الجيش الإسرائيلي بوابة حديدية صفراء عند أطراف القرية لمنع السكان من العبور باتجاه قواته، وفق مراسلي «وكالة الصحافة الفرنسية». وعلى المرتفعات المحاذية، تظهر بوضوح توربينات الرياح العملاقة التي أقامتها إسرائيل في الجزء الذي تحتله من هضبة الجولان الاستراتيجية.

ومنذ إطاحة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، توغّلت القوات الإسرائيلية خارج المنطقة العازلة المحاذية لهضبة الجولان التي تحتل معظمها منذ عام 1967، وصولاً إلى جبل الشيخ الفاصل بين لبنان وسوريا، وأعلنت عزمهاعلى إقامة منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا.

يقول مسؤول الإعلام في محافظة القنيطرة محمد السعيد إن الجيش الإسرائيلي «عمد في الفترة الأخيرة إلى تصعيد العمليات الإنشائية والعسكرية» داخل المنطقة المنزوعة السلاح. وأضاف أن الجيش «استخدم الجرافات لحفر الخنادق وحفر السواتر الترابية وإقامة نقاط مراقبة».

ويشير إلى أن الخط الجديد الذي يشيّده الجيش الإسرائيلي يبعد «عن خط وقف إطلاق النار الذي حدد في اتفاقية 1974، من 200 متر إلى كيلومتر واحد».وندّدت سوريا الأحد بعمليات الإنشاء الإسرائيلية الجديدة، معتبرة أنها تشكّل «خرقاً فاضحاً» لاتفاقية فصل القوات لعام 1974.

41 سورياً معتقلاً

في محافظة القنيطرة التي تبعد نحو أربعين كيلومتراً إلى الجنوب من دمشق، تتوغل الدوريات الإسرائيلية داخل القرى مراراً. ومنذ أواخر عام 2024، احتجزت القوات الإسرائيلية 56 شخصاً، «ما زال 41 معتقلاً منهم قيد الاعتقال في ظروف مجهولة»، بحسب السعيد.

توغل إسرائيلي داخل بلدة جباتا الخشب في ريف القنيطرة خلال ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

وتوغّلت الأربعاء خمس آليات وسيارة إسعاف تابعة للجيش الإسرائيلي في قرية جباتا الخشب. وروى شهود عيان لصحافيي «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن الجنود أطلقوا النار على شاب حاول الفرار عندما شاهدهم. ويقول المزارع محمد سامية (65 عاماً): «أصابوه في قدمه وأخذوه معهم».

وأفرج الجيش الإسرائيلي عن الرجل بعد ساعات، على غرار اثنين آخرين كان أعلن الاثنين اعتقالهما بعد اقترابهما من قواته. ويضيف محمد سامية بحسرة: «أمورنا هنا تعيسة ولا يوجد عمل، نخاف لأنهم يطلقون النار على الناس عشوائياً».

في بلدة خان أرنبة المجاورة، تمر آليات قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أندوف) بهدوء أمام الأطفال العائدين من مدارسهم.

وينظم عناصر الشرطة حركة السير، فيما ينتشر أفراد من قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية عند مفارق الطرق في المنطقة، من دون أن يظهر أي وجود للجيش السوري.

سامحيني يا أمي

تطالب إسرائيل التي شنّت مئات الغارات على سوريا منذ وصول السلطات الجديدة إلى الحكم بعد إطاحة الأسد، بنزع السلاح من جنوب البلاد، مؤكدة أن قواتها ستبقى في المنطقة.

وتندد السلطات السورية بـ«الاعتداءات» الإسرائيلية، لكنها في المقابل تخوض مفاوضات مباشرة مع إسرائيل هدفها التوصل إلى اتفاق أمني.

والاثنين، قال الجيش الإسرائيلي إنه قتل رجلاً حاول التسلل إلى أحد مواقعه العسكرية داخل «المنطقة الأمنية» التي يحتلها في جنوب سوريا. وفي قرية جبا، تحدّق خديجة شحادة في صورة ابنها محمد دبور وهي تنتحب، بعد تسلّم جثمانه.

وتقول الأرملة محاطة بنساء يرتدين السواد: «كان عمره 22 عاماً، وكان ابني الوحيد»، مضيفة: «كان يعمل في دمشق بما تيسر» لإعالة عائلته.

تشييع الشاب محمد دبور إلى مثواه الأخير في بلدة جبا بريف القنيطرة الذي قضى باستهداف إسرائيلي 5 أكتوبر (مركز القنيطرة الإعلامي)

وسلّم الصليب الأحمر جثمانه إلى عائلته الاثنين. ويقول خاله محمد شحادة بينما وقف أمام قبره: «شاهدت جثة الشهيد محمد دبور. شاهدت أربع رصاصات في جسمه، في كتفه وصدره وفخذه وقدمه».

ولا تزال ملابسات مقتل دبور، المولود لأب فلسطيني وأم سورية، غير واضحة. وتؤكد والدته أنه لم يكن مرتبطاً بأي جهة سياسية، وأنها كانت تسعى إلى تزويجه. لكنه قبل أن يختفي الأحد، ترك لها رسالة كتب فيها: «سامحيني يا أمي، لن تريني أو تسمعي صوتي بعد الآن».

وقفة لأهالي المعتقلين في سجون إسرائيل أمام مقر «الأندوف» بالقنيطرة يطالبونها بالتدخل للإفراج عن أبنائهم (تجمع أحرار حوران)

في شأن متصل، نشرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، الخميس، توثيقاً للعمليات العسكرية الإسرائيلية والانتهاكات المصاحبة لها داخل الأراضي السورية، منذ ما بعد سقوط النظام في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024 حتى 6 أكتوبر 2026.

وسجلت الشبكة ما لا يقل عن 453 عملية توغل بري، تركزت في محافظتي القنيطرة ودرعا، وبدرجة أقل في ريف دمشق، إضافة إلى مقتل ما لا يقل عن 69 شخصاً، وما لا يقل عن 162 حالة احتجاز تعسفي.

وتمثل هذه الأرقام، التي جرى التحقق منها وفق منهجية الشبكة بالاستناد إلى قاعدة بياناتها الخاصة بالانتهاكات، والرصد الميداني، وشهادات الشهود، والمصادر المفتوحة والرسمية، حداً أدنى موثقاً.


4 سنوات تحتاجها قائمة مرضى وجرحى غزة للسفر عبر رفح

مرضى فلسطينيون ينتظرون في ساحة مستشفى الهلال الأحمر لإجلائهم من قطاع غزة عبر معبر رفح الحدودي مع مصر لتلقي العلاج في فبراير الماضي (د.ب.أ)
مرضى فلسطينيون ينتظرون في ساحة مستشفى الهلال الأحمر لإجلائهم من قطاع غزة عبر معبر رفح الحدودي مع مصر لتلقي العلاج في فبراير الماضي (د.ب.أ)
TT

4 سنوات تحتاجها قائمة مرضى وجرحى غزة للسفر عبر رفح

مرضى فلسطينيون ينتظرون في ساحة مستشفى الهلال الأحمر لإجلائهم من قطاع غزة عبر معبر رفح الحدودي مع مصر لتلقي العلاج في فبراير الماضي (د.ب.أ)
مرضى فلسطينيون ينتظرون في ساحة مستشفى الهلال الأحمر لإجلائهم من قطاع غزة عبر معبر رفح الحدودي مع مصر لتلقي العلاج في فبراير الماضي (د.ب.أ)

يواجه المرضى والجرحى في قطاع غزة مصيراً محفوفاً بالموت، في ظل الإجراءات والقيود الإسرائيلية المستمرة على معبر رفح البري، ومنها إغلاق المعبر لليوم الثالث على التوالي، في وقت ما زال الجيش الإسرائيلي يواصل عملياته في القطاع مخلفاً مزيداً من الضحايا.

وكشفت دائرة التحويلات والعلاج في الخارج بوزارة الصحة بغزة، في تصريح صحافي الخميس، أن القائمة الحالية من المرضى والجرحى، البالغ عددهم 21 ألف مريض، تحتاج 4 سنوات كاملة كمدة مطلوبة لإجلائهم في ظل الآلية المتبعة للسفر، من دون حساب أي حالات مرضية جديدة.

وقالت الدائرة إنه مع استمرار اعتماد التحويلات الطبية الجديدة شهرياً، تتطلب عملية السفر 4 سنوات إضافية للتعامل مع الحالات المتراكمة حديثاً، مبينةً أن الإجمالي التقريبي «المروع» لسفر المرضى يمتد إلى 8 سنوات كاملة، وهو ما يمثل حكماً بالإعدام المباشر والبطيء على آلاف المرضى الذين لا تحتمل أجسادهم الانتظار لأيام أو أسابيع، فكيف بـ«8 سنوات». كما قالت.

وأضافت: «إن هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات صماء، بل هي صرخة استغاثة صارخة لأكثر من 21 ألف إنسان يُحرمون يومياً من حقّهم الأساسي في العلاج والحياة».

فلسطينيون جرحى وذووهم في وقفة احتجاجية أمام مستشفى «الشفاء» في مدينة غزة يطالبون بالسماح للمرضى والجرحى بالسفر للعلاج في يوليو 2026 (د.ب.أ)

وبحسب وزارة الصحة في غزة، فإن الاحتلال الإسرائيلي واصل إغلاق معبر رفح البري أمام حركة إجلاء المرضى والجرحى، الذين تنطبق عليهم الشروط، والذين تم إدراجهم ضمن قوائم السفر المعتمدة، مؤكدةً على أن هذا الإغلاق المستمر وغير المبرر يتسبب في حرمان عشرات الحالات الحرجة من المغادرة خلال الأيام الثلاثة المخصصة أسبوعياً لتنسيقات الجرحى والمرضى، ما يربك جداول الإخلاء الطبي المعتمدة.

وأكدت أن هذه الإجراءات تفاقم من معاناة المرضى والجرحى الذين انتظروا أسابيع طويلة للحصول على الموافقات والتنسيقات الأمنية والطبية اللازمة، مبينةً أن هذا التعطيل المتكرر يهدد حياة المرضى ذوي الأمراض المستعصية والمهددة للحياة (كالسرطان والفشل الكلوي والإصابات البليغة)، حيث ينعكس كل يوم تأخير سلباً على استجابتهم للعلاج وفرص شفائهم.

وقالت: «يستنزف هذا الإغلاق قدرات المستشفيات المحلية المتهالكة أساساً، ويضع الأطقم الطبية أمام تحديات فائقة لاستيعاب حالات تحتاج إلى مراكز تخصصية خارج القطاع»، مطالبةً المؤسسات الأممية والهيئات الحقوقية بالضغط العاجل لفتح المعبر بشكل مستدام، وتسهيل خروج الحالات الطارئة دون معوقات أو إبطاء.

تصعيد ميداني

ويأتي ذلك على وقع تصعيد ميداني مستمر في قطاع غزة، حيث أعلن عن مقتل سيدة وإصابة زوجها بجروح خطيرة إثر سقوط قذيفة مدفعية على منزل في منطقة مشروع عامر شمال قطاع غزة، فيما قتل شاب عند الخط الأصفر في بلدة بيت لاهيا.

وأصيب 9 فلسطينيين في سقوط قذيفة مدفعية على شقة سكنية بمنطقة الشاكوش في مواصي رفح، شمال غربي المدينة، إلى الجنوب من خان يونس، وذلك بعد قصف مدفعي عنيف وإطلاق قنابل دخانية، وتدخل للطائرات المروحية في المنطقة، عقب اندلاع اشتباكات فيها.

وبحسب مصدر ميداني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن عناصر مسلحة من عصابة مسلحة تسللوا للمنطقة وتعرضوا لكمين من قبل عناصر مسلحة من «حماس»، ما أدى لاندلاع اشتباكات ووقوع قتلى - فيما يبدو - أو إصابات في صفوف عناصر تلك العصابة، وتدخل الطيران والآليات الإسرائيلية لمحاولة إنقاذ المسلحين.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه قتل فلسطينياً بزعم أنه تجاوز الخط الأصفر، الأربعاء، في جنوب قطاع غزة. حيث قتل أمس 6 فلسطينيين في سلسلة هجمات إسرائيلية بمناطق متفرقة من القطاع.


العلم السوري يرفع وسط الحسكة للمرة الأولى

شهدت مدينة الحسكة مراسم رفع علم الجمهورية العربية السورية بحضور رسمي تقدمه محافظ الحسكة وقائد الأمن الداخلي ونائب المحافظ إلى جانب عدد من الشخصيات الرسمية والبارزة (محافظة الحسكة)
شهدت مدينة الحسكة مراسم رفع علم الجمهورية العربية السورية بحضور رسمي تقدمه محافظ الحسكة وقائد الأمن الداخلي ونائب المحافظ إلى جانب عدد من الشخصيات الرسمية والبارزة (محافظة الحسكة)
TT

العلم السوري يرفع وسط الحسكة للمرة الأولى

شهدت مدينة الحسكة مراسم رفع علم الجمهورية العربية السورية بحضور رسمي تقدمه محافظ الحسكة وقائد الأمن الداخلي ونائب المحافظ إلى جانب عدد من الشخصيات الرسمية والبارزة (محافظة الحسكة)
شهدت مدينة الحسكة مراسم رفع علم الجمهورية العربية السورية بحضور رسمي تقدمه محافظ الحسكة وقائد الأمن الداخلي ونائب المحافظ إلى جانب عدد من الشخصيات الرسمية والبارزة (محافظة الحسكة)

في سياق التطورات المتسارعة التي تشهدها مدينة الحسكة منذ نحو أسبوع والمتعلقة بتنفيذ اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) 2026، شهدت ساحة الحرية وسط مدينة الحسكة، اليوم الخميس، رفع العلم الوطني السوري على أعلى سارية، بحضور شعبي ورسمي غفير، بالتزامن مع قيام مسؤولين حكوميين بتفقد القصر العدلي من أجل «تهيئة الظروف الملائمة لتفعيل منظومة القضاء».

وأوضح نائب المحافظ أحمد الهلالي في تصريح مقتضب لـ«الشرق الأوسط»، أنه تم رفع العلم الوطني في الساحة الرئيسية للمدينة وسط مشاركة رسمية وجماهيرية واسعة، مبيناً أنه شارك في الفعالية محافظ الحسكة نور الدين أحمد وأعضاء في مجلس الشعب عن المحافظة وقادة عسكريون وأمنيون.

في هذه الأجواء، توافد الأهالي من أحياء المدينة إلى وسطها وتجمهروا في الساحة الرئيسية وأطلقوا هتافات تطالب ببسط الدولة سيطرتها الكاملة على المحافظة.

وجرت الفعالية وسط انتشار واسع لقوى الأمن الداخلي في المدينة ومكثف في وسطها، للحفاظ على سلامة المشاركين والأهالي والممتلكات العامة والخاصة. كما أصدرت قوى الأمن الداخلي في الحسكة قبيل الفعالية بياناً أكدت فيه منع حمل السلاح أو إطلاق الألعاب النارية خلال التجمعات، وضرورة الامتناع عن أي تصرف من شأنه الإخلال بالأمن أو تعريض سلامة المواطنين للخطر، وذلك حرصاً على الأمن والسلامة العامة. وشددت على أنها لن تتهاون مع أي تجاوزات أو مخالفات، وستتخذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين.

مسؤولون سوريون في أثناء رفع العلم السوري وسط الحسكة للمرة الأولى منذ سقوط النظام (محافظة الحسكة)

بالتزامن مع فعالية رفع العلم الوطني في وسط مدينة الحسكة، أجرى الهلالي جولة تفقدية لمبنى القصر العدلي مع المحامي العام في المحافظة، القاضي غازي الشيخ إبراهيم. وأوضح الهلالي في تصريحه أن الجولة تهدف إلى «تهيئة الظروف الملائمة لتفعيل منظومة القضاء».

وسبق هذه الفعاليات انتشار عناصر من قوى الأمن الداخلي، الأربعاء، في محيط القصر العدلي عقب إخلاء عناصر من «قسد» المنحلة أماكنها هناك وتعزيز الانتشار الأمني للحكومة في كافة أرجاء المدينة، بعد أن قامت ما تعرف بـ«قوات مكافحة الإرهاب» (HAT)، التابعة لـ«قسد»، الثلاثاء، بتسليم مواقعها لقوى الأمن الداخلي.

وبحسب نشطاء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، تبع ذلك وصول رئيس جهاز الاستخبارات العامة السورية، اللواء عبد القادر طحان، ورئيس الاستخبارات الخارجية، العميد عبد الرحمن الدباغ، إلى مدينة الحسكة برفقة وفد أمني كبير.

يشار إلى أن هذه التطورات جاءت بعد أن شهدت عدة مدن وبلدات في محافظة الحسكة خروج مظاهرات سلمية حاشدة عقب صلاة الجمعة الماضية، طالبت بفرض سلطة الدولة وتعزيز حضور مؤسساتها في جميع مناطق المحافظة، وذلك بعد الإعلان عن حل «قسد» أواخر أغسطس (آب) الماضي بموجب اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) الموقع مع الحكومة السورية، والذي نص على دمج مؤسسات «الإدارة الذاتية» السابقة المدنية والأمنية والعسكرية في هياكل الدولة، في حين يشكو «المكون العربي» من غياب السيطرة الفعلية للدولة السورية على أجزاء واسعة من المحافظة، على الرغم من استمرار عملية الدمج واستمرار هيمنة «قسد».

ترتيبات أمنية في مدينة الحسكة لتأمين الحضور الرسمي والشعبي في احتفالية رفع العلم السوري (مديرية إعلام الحسكة)

صهيب اليعربي، وهو من أبناء «المكون العربي» في شمال سوريا الناشطين على مواقع التواصل، عرض مقاطع فيديو تظهر فرحة شعبية عارمة. وأظهر أحد المقاطع رجلاً مسناً يطلق صيحات «الله أكبر» في أثناء رفع العلم وسط المدينة، بينما أرفق الناشط المقطع بتعليق قال فيه: «من يرى حالة الفرح التي يعيشها أبناء الحسكة اليوم يدرك حجم الضغوط والمعاناة التي عاشوها طوال السنوات الماضية»، مضيفاً: «هل هناك أقسى من أن تُحرم من فرحة سقوط النظام لعامين كاملين؟».

الناشط إبراهيم الحلبي، وهو من أبناء القبائل العربية في الحسكة وكان من الداعين أيضاً إلى خروج مظاهرات يوم الجمعة، عدّ أن هذه التطورات المتسارعة في الحسكة هي استجابة من قبل الحكومة السورية لمطالب الحراك الشعبي.

وقال الحلبي لـ«الشرق الأوسط» إن «(قسد) المنحلة ماطلت كثيراً بتطبيق بنود اتفاق الدمج والذي على كان على رأسها فرض سيادة الدولة وإطلاق سراح المعتقلين وعودة المهجرين، الأمر الذي أدى إلى ازدياد الاحتقان الشعبي، إضافة إلى أن هناك جهات أمنية وسياسية داخل (قسد) تتبع لحزب (العمال الكردستاني) ترفض عملية الدمج، وكانت تصعّد وتستفز الشارع الحسكاوي بكل مكوناته».

حضور أمني للدولة في مدينة الحسكة في احتفالية رفع العلم السوري (مديرية إعلام الحسكة)

وأوضح أنه في ظل هذا الوضع «ارتأينا استحالة أن يكون هناك عمل عسكري لضبط الأمن ودخول مؤسسات الدولة، وبالتالي دعونا لخروج مظاهرات عارمة في المحافظة وتحديداً في قلب مدينة الحسكة من أجل إرسال رسالة للدولة ولكل الأطراف، بأن الحسكة قلب سوريا، وأنها مدينة سورية، وقد كانت الصرخة واضحة غير موجهة لأي فئة أو طائفة أو قومية من أبناء الشعب السوري، مطالبنا كانت بدخول مؤسسات الدولة إلى المنطقة وبسط الأمن وإطلاق سراح المعتقلين وعودة المهجرين».

ورأى الحلبي أن المظاهرات «جاءت بنتائج كبيرة؛ إذ قدم إلى المحافظة رئيس الاستخبارات العامة ومساعده ووفد أمني كبير من أجل ترميم البيت الأمني الداخلي في الحسكة وعلى أثرها تم تسليم القصر العدلي ورفع العلم الوطني على أعلى سارية في ساحة الحرية، وتجمهر الآلاف وهتفوا" (واحد واحد الشعب السوري واحد)».

وأعرب الحلبي عن تفاؤله من هذا الحراك «الذي سيستمر حتى تفرض الدولة السورية سيادتها الكاملة على محافظة الحسكة»، مشدداً على أن «هذا ليس انتصاراً لفئة على فئة أخرى أو قومية على قومية أو طائفة على طائفة، بل هو انتصار لإرادة الشعب السوري، وإيذاناً بدخول دوائر الدولة والخدمات والأمن والأمان، وإيذاناً بكسر أبواب الزنازين لإطلاق سراح المعتقلين المغيبين قسراً حتى هذه اللحظة وإيذاناً بعودة المهجرين».

ويجري حالياً استكمال التحضيرات لخروج مظاهرات في المحافظة يوم غد الجمعة، تحت شعار «لا علم إلا علم الوطن»، يتم خلالها رفع علم سوريا الوطني الجامع لجميع المكونات، وذلك بدعوة من نشطاء في شمال سوريا بينهم الحلبي واليعربي.