«30 تموز» العراقي... قصة انقلاب أبيض أعقبته أنهار من الدم

رفض النايف عرضاً حمله طارق عزيز فطاردته رصاصة صدام وأدركته بعد 10 سنوات

TT

«30 تموز» العراقي... قصة انقلاب أبيض أعقبته أنهار من الدم

الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين (أ.ف.ب)
الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين (أ.ف.ب)

ليس من الحكمة في شيء أن تحشر في زاوية ضيقة رجلاً اسمه صدام حسين وتُرغمه على القبول بك شريكاً في إدارة العراق. لا «البعث» يحب الشركاء ولا صدام يطيقهم.

في دفاتر «البعث» الذي عاد إلى السلطة في 17 تموز (يوليو) 1968 أيام منعطفات باهظة التكاليف. 30 يوليو (تموز) من تلك السنة كان المنعطف الأول، إذ أتاح لـ«البعث» الانفراد بالسلطة برئاسة أحمد حسن البكر وساعِده الأيمن صدام. شاءت المهنة أن ألتقي بعض المعنيين المباشرين بذلك النهار فقلت أشرك قراء «الشرق الأوسط» في رواياتهم.

الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين (أ.ف.ب)

أثارت هزيمة الجيوش العربية في حرب 1967 غضب الشارع العربي وحمّل الأنظمة مسؤولية «النكسة»، وهي كانت في الواقع نكبة. بدا الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف الذي خلف شقيقه عبد السلام، ضعيفاً. قبضته متراخية في الجيش ورصيده محدود في الشارع. في ربيع 1968 تكاثر الهمس في الحلقات الضيقة عن تحفز جهات عدة للانقضاض على السلطة. ثمة من توقَّع أن تقع البلاد في قبضة عسكري.

كانت قيادة «البعث» تراقب المشهد. تخوفت من أن تستيقظ على انقلاب أو ما يشبهه. بدأت التخطيط للعودة إلى الحكم ثأراً من التجربة التي حدثت في 1963 وغرقت في الدم وانقضَّ عليها من جاءت به، وهو عبد السلام عارف.

سعت القيادة إلى تفادي دخول عودتها في نفق الدم وراحت تفكر في المواقع والعوائق. كان المقدم إبراهيم الداود آمراً للحرس الجمهوري الذي يبلغ عدد منتسبيه نحو عشرين ألفاً. إذا اختار الداود المقاومة ستندلع معركة دامية على أسوار القصر وأبعد منه. ومَن يدري فقد يؤدي الصدام نفسه إلى تقدم طرف ثالث ومن الجيش، لتقديم نفسه في صورة المنقذ.

قلّب المجتمعون الخيارات وفضّلوا في النهاية خيار مفاتحة الداود وعلى أمل اجتذابه إلى الحركة الانقلابية أو تحييده على الأقل. توقفوا قبل قرارهم عند نقطة مهمة وهي أن إبراهيم الداود شديد التأثر بصديقه عبد الرزاق النايف، معاون مدير الاستخبارات العسكرية. وكان الشائع عن النايف أنه رجل قوي بارع في الإمساك بالخيوط وتربطه علاقات غامضة بأجهزة غربية، وأن الداود ينقاد له بشكل أعمى.

مهمة معقدة من هذا النوع تحتاج إلى الدهاء. كان لا بد من أن تُسند إلى أحمد حسن البكر الذي يجمع في شخصه صورة العسكري وبراعة الحزبي مع خبرة في نصب المكائد.

ضمن منظمو الانقلاب تعاون الضابط سعدون غيدان الذي كانت لديه قوة متمركزة في قصر الرئاسة وتضم عدداً من الدبابات.

سعدون غيدان وعبدالرزاق النايف

بدوره التقى البكر الداود وأطلعه على مشروع إطاحة عارف. قال له: «دعنا نضمن بقاء هذا الموضوع سراً بيننا وبينك. أنت رجل متدين فنقسم على القرآن أن هذا الكلام الذي أحدِّثك به لن يخرج إلى شخص ثالث». وطبعاً كان البكر يقصد النايف. أقسم الداود في 15 يوليو، لكنه لم يتردد في إبلاغ النايف.

 

وقعت قيادة «البعث» في مأزق. لم يعد السر سراً وصارت المعلومات في يد رجل خطر اسمه عبد الرزاق النايف، فكيف سيتصرف بها. بات مفتاح إنجاح أو إفشال المحاولة في يده. لم يكن «البعث» راغباً على الإطلاق في إشراك رجل يهمس كثيرون في البلاد بأنه «صاحب علاقات مشبوهة مع الأجهزة الغربية».

في تلك المرحلة، لعب عضو القيادة صلاح عمر العلي دوراً كبيراً. سأترك القارئ مع ما سمعته منه. قال العلي: «صباح 16 تموز أبلغْنا زُمَر التنفيذ المدنية والعسكرية بالصيغة النهائية لمهامها. فكَّرنا في البداية بتنفيذ العملية في 14 تموز لقيمته الرمزية (ذكرى انقلاب 1958 الذي أُعلنت بعده الجمهورية)، ثم فكرنا في اليوم التالي، لكنَّ اعتبارات عملية اضطرتنا إلى التأخير. في 16 أخرجنا الأسلحة المخبأة في الأوكار الحزبية ومعها كمية من الملابس العسكرية للتمويه. وفي الثامنة مساءً التقينا في بيت البكر في حي علي الصالح على شارع 14 رمضان. كان علينا أن نضع اللمسات النهائية بانتظار ساعة التنفيذ عند الثانية والنصف بعد منتصف الليل. وهنا وقعت المفاجأة».

الرسالة الصاعقة

كان المجتمعون كأعضاء في القيادة القطرية للحزب يتداولون في آخر الاستعدادات حين طرق الباب. ذهب البكر، ففتح ثم عاد حاملاً ورقة صغيرة. فجأة قال البكر إنها رسالة من المقدم عبد الرزاق النايف يقول فيها: «لديَّ معلومات أنكم ستقومون بهذه العملية. أضم صوتي إلى صوتكم. أنا معكم وجاهز لتنفيذ أي مهمة وتوكلوا على الله».

صلاح عمر العلي

يتذكر العلي أن «البكر قال: هذه الرسالة بين أيديكم. أريدكم الآن أن تبحثوا في الأمر وتتخذوا القرار المناسب. كان للرسالة التي حملها ضابط برتبة ملازم يعمل مرافقاً للنايف وقع القنبلة. ناقل الرسالة بعثيٌّ من دون أن يدري رئيسه، لكنَّ ذلك لا يُقلل من حجم المشكلة. حصل تشاور مع شيء من الارتباك. النايف ضابط قوي وشديد الذكاء وطَموح، مما يجعل دوره يفوق موقعه. قلَّبنا الأمر على مختلف الجهات؛ إذا ألغينا العملية مَن يضمن أن النايف لن يغتنم المناسبة لكشفها وذبْحنا تماماً، فهو سيرى أننا تحركنا من دون اقتراح بإشراكه وألغينا العملية لأنه علم بها؟ بدا واضحاً أن الإلغاء سيعني كارثة للحزب. من جهة أخرى فإن إشراك النايف يعد مغامرة بدوره. كان واضحاً أن الداود لم يلتزم اليمين الذي أقسمه وأدخلنا في ورطة سيدفع ثمنها.

في النهاية قررنا السير في التنفيذ وبعثنا إلى النايف بالجواب الآتي: تعمَّدنا عن قصد ودراية عدم إبلاغك والسبب وجودك في موقع حساس وخوفنا عليك. إننا أبلغنا الأخ إبراهيم الداود كي لا نبلغك مباشرةً تجنباً للإحراج واعتبرنا أن هذه الطريقة الأجدى والأنفع وكنّا نعرف أنه سيبلغك. لقد اتخذنا قرارنا بالسير في العملية وستكون رئيساً لوزراء العراق إذا وفقنا الله. الواقع أننا اتخذنا قرارين متلازمين: الأول إغراء النايف بالمشاركة عن طريق عرض رئاسة الوزراء عليه. القرار الثاني وجوب التخلص من النايف والداود في أقرب فرصة. وقررنا أن يكون اقتحام القصر الجمهوري من مسؤولية أعضاء القيادة القطرية.

قبل التنفيذ التقينا في بيت عبد الكريم الندى، شقيق زوجة أحمد حسن البكر. كان عبد الكريم موظفاً في السكة الحديد ويقيم في مبانٍ مخصصة لها قرب الإذاعة في منطقة الصالحية. طبعاً لا داعي إلى وصف المشاعر في تلك الساعات الحاسمة. جلسنا في الشقة، أعضاء القيادة التسعة، وبينهم البكر وصدام، إضافةً إلى عدد من الأشخاص بينهم حردان التكريتي على ما أذكر. أي إن رقم الموجودين في الشقة كان أقل من عشرين. وكانت الخطة تقتضي أن يكون الداود وغيدان في انتظارنا».

القبض على القصر

وأضاف: «ارتدينا ملابس عسكرية وشارات ضباط. وفي التوقيت المحدد حضرت شاحنة عسكرية فصعدنا إليها واستقلَّ القسم الآخر سيارتين مدنيتين. ووصلنا إلى مدخل القصر بثيابنا العسكرية ورشاشاتنا. عند مدخل كتيبة الدبابات كان سعدون غيدان في انتظارنا وفتح باب الكتيبة. انضم إلينا أيضاً عدد من الشبان الحزبيين كنا قد أرسلناهم سراً للتدرب على استخدام الدبابات. فوجئنا أن الدبابات المرابطة حول القصر حديثة ولم يتمكن هؤلاء الشباب من تشغيلها. صدفةً نجح شاب في تشغيل دبابة وراح ينتقل من واحدة إلى أخرى فاستكملنا محاصرة القصر.

مدرعة أمام قصر الرئاسة بعد الانقلاب في 1968 (غيتي)

في مقر كتيبة الدبابات أقمنا مقر قيادتنا. وبادر البكر إلى الاتصال بعبد الرحمن عارف الذي كان نائماً. بين الرجلين صداقة وزمالة ولقاءات عدة. فوجئ عارف وقال للبكر الذي كنا إلى جانبه: خير أبو هيثم، ما القصة؟ فردَّ عليه: يا أبو قيس إن قيادة الثورة أنجزت مهمتها وسيطرت على كل البلد. باسم قيادة الثورة ندعوك أن تكون عاقلاً ومدركاً للأمور وأن تتحاشى أي محاولة. أنصحك بأن تسلّم نفسك لقيادة الثورة، وفي المقابل لك الأمان الكامل والمطلق والأمر نفسه بالنسبة إلى عائلتك. العملية لا تستهدف شخصك. الهدف إنقاذ البلاد من مشكلات ربما تترتب على استمرار حكمكم الضعيف وربما تدخل البلاد مجدداً في حمام دم. أرجوك أرجوك أرجوك سلِّم نفسك ولا تَقُم بأي محاولة. كل شيء انتهى وأنت تعرف ماذا أعني.

ليس من السهل على رئيس دولة التجاوب مع دعوة من هذا النوع. حاول عبد الرحمن عارف استكشاف الأجواء فاتصل بعدد من قادة الفرق في معسكرات خارج بغداد ووجد الأبواب مقفلة. بعد نحو عشر دقائق طلبه البكر ثانية وألحَّ عليه أن يسلِّم نفسه. وبعد دقائق أجرى معه اتصالاً أخيراً حازماً وقال له: إذا لم تسلِّم نفسك فأنت الذي سيتحمل المسؤولية. مسؤولية حياتك ومسؤولية حياة عائلتك. عندها أوعزنا إلى أحد الضباط بأن يطلق فوق القصر بضع طلقات مدفعية. عندما سمع عارف دويّ القذائف أدرك أنه لا مجال للمساومة فبادر إلى الاتصال هذه المرة للتفاوض على عملية التسليم. عندها ذهبت أنا وأنور عبد القادر الحديثي إلى الباب الرئيسي للقصر. خرج عارف فاصطحبناه في سيارة عسكرية صغيرة إلى مقر كتيبة الدبابات.

عبد الرحمن عارف يصافح ضابطاً من الحرس الجمهوري وبينهما الداود

كان الرجل خائفاً ومرعوباً. راح يرتجف ويطلق كلاماً مبهماً. ربما لم يكن واثقاً أن سلامته مضمونة. عاملناه باحترام لكنَّ موقفنا لم يبدد قلقه. كنا قد اتفقنا سابقاً على أن يغادر عارف البلاد، إذ لا حاجة إلى اعتقاله. وبانتظار تحضير الطائرة التي ستُقلّه إلى الخارج طرح اقتراحاً بأخذه إلى بيت حردان التكريتي. قاد حردان السيارة وفي داخلها عارف وأنا. كان الرجل قلقاً بالفعل.

لم يصدق أن طائرته قيد التحضير. كان يعتقد أننا نقتاده إلى مكان ما لقتله. ولأنني كنت مرتدياً الملابس العسكرية ومسلحاً كان عارف يزداد قلقاً كلما قمت بأي حركة عادية. وعلى مدى الطريق كان يردد ما معناه أنه ابتُلي برئاسة الجمهورية وأنه نادم على قبولها. في النهاية أكدنا له أن سلامته مضمونة وأن باستطاعته أن يأخذ معه عائلته وكل ما يحتاج إليه. وهذا ما حصل صباحاً وأعتقد أن الطائرة أقلَّته إلى تركيا.

طبعاً في بداية العملية توجهت مجموعة واعتقلت رئيس الوزراء طاهر يحيى من منزله وهكذا عاد (البعث) إلى السلطة ومن دون إراقة دماء».

شجاعة صدام... وقسوته

سألت العلي عن سلوك صدام في تلك الساعات فأجاب: «تصرف تماماً كما تصرف الآخرون؛ ارتدى الملابس العسكرية وحمل رشاشه أسوةً بسائر أعضاء القيادة القطرية.

إن عملنا لإسقاط صدام يجب ألا يدفعنا إلى تزوير الوقائع. يمكن اليوم اتهام صدام بأشياء كثيرة لكن لا يمكن القول إنه غير شجاع. صدام رجل اعتاد المواقف الصعبة. شجاعته لا تحتاج إلى دليل وقسوته كذلك. يجب هنا أن نتنبه إلى مسألة أن العمل الحزبي كان صعباً وشاقاً وأن صدام لم يكن في تلك الفترة نجماً ولم يصادر القرار. أستطيع القول إنه كان حزبياً وملتزماً قرارات الحزب».

تسلم «البعث» السلطة لكنَّ قيادته كانت تنظر إلى رئيس الحكومة النايف، ووزير الدفاع الداود كجسمين غريبين قابلين للانفجار في أي لحظة. كان صلاح عمر العلي شريكاً في مكيدة القصر التي استهدفتهما، وها هي روايته: «عقدنا اجتماعاً للقيادة القطرية لمراجعة بعض القرارات التي اتخذناها سابقاً وبينها قرار إزاحة النايف والداود. تحدث البكر، وقال: اضطررنا إلى إشراك النايف لأنه اكتشف خطتنا وتخوفنا أن يتسبب في ذبحنا إذا تجاهلناه. وعدناه برئاسة الوزراء ونفَّذنا الوعد، وهو لم يغدر بنا ساعة التنفيذ. حين قررنا إشراكه قررنا أيضاً إزاحته في أسرع وقت. لكن اليوم أريد أن أقول إن أحداث 1963 بين (البعثيين) والشيوعيين لا تزال في ذاكرة الناس بسبب ما رافقها من سفك دماء. أخشى إذا أطحنا النايف اليوم أن نُتهَم بالغدر ويتعزز اقتناع الناس بأن التصفيات قادمة. ماذا لو استمر في التعاون معنا؟ وما الذي يدعونا إلى الإطاحة به؟ فلنعطه فرصة. كلنا لدينا أخطاء. أنا أقترح أن نستمر في التعاون وإذا وجدنا منه سلوكاً مختلفاً نقرر في حينه. وافقناه وبدأ النايف يمارس عمله رئيساً للوزراء.

ضباط يؤدون التحية العسكرية للنايف قبل إطاحته

بعد أيام دعانا البكر إلى اجتماع طارئ للقيادة القطرية. قال: تذكرون جيداً ما قلته عن النايف في اجتماع سابق. أنا الآن أدعوكم أن تتحركوا وبأسرع وقت للإطاحة به. سألناه عن السبب، فأشار إلى تقارير تفيد بأن رئيس الوزراء الجديد يتحرك وبسرعة جنونية للإطاحة بحكم الحزب. وقال إن النايف اتصل بعسكريين لتجنيدهم ضد الحزب ولم يكن يعرف بانتماء بعضهم إلى «البعث». وأضاف: أسرعوا يا رفاق قبل أن يُطيح بنا. هذا كل ما أريد قوله وقبل أن يأتينا إلى هذه الغرفة ويذبحنا جميعاً. سأغادر الآن. اجتمعوا وخططوا للخلاص منه وأنا موافق على ما تقررون.

في اليوم التالي، اجتمعنا في منزل صالح مهدي عماش الذي كان وزيراً للداخلية، وفي غياب البكر، إذ تخوفنا من أن يطْبق النايف على الجميع في مكان واحد. وضعنا الخطة واتفقنا على التنفيذ الذي أُوكل إلى اثنين، أنا وصدام. وكانت الخطة تقضي بالتخلص من النايف والداود، أي من رئيس الوزراء ووزير الدفاع.

كانت لدينا قطعات عسكرية في الأردن. فقررنا أن يذهب وزير الدفاع إبراهيم الداود لتفقدها على أن نرسل سراً في الوقت نفسه أعضاء من المكتب العسكري في الحزب لاعتقاله وإرغامه على التوجه إلى إسبانيا. وفي هذا الوقت ننفّذ الشق الثاني من الخطة المتعلق بالنايف وبالتزامن مع ما يجري في الأردن.

في 30 تموز، أُلقي القبض على الداود وأُرسل عنوة إلى إسبانيا. وفي الوقت نفسه تم إنهاء قصة النايف. كان من عادة رئيس الوزراء الجديد أن يأتي إلى القصر لتناول الغداء. وبعد الغداء يتوجه مع البكر إلى مكتب الأخير لتدارس بعض شؤون الدولة. في ذلك اليوم وبعد الغداء، دخلا إلى المكتب وكان معهما صالح مهدي عماش. ووفقاً للخطة دخلتُ وصدام وفي يد كل واحد منا رشاش وطلبنا من النايف أن يستسلم. في البداية كان شرساً وحاول أن يسحب مسدسه فلم يتمكن. بعدها راح يتوسل ويقول: أنا لديَّ عائلة وأطفال.

كان لا بد من استكمال التنفيذ سريعاً. النايف عسكري ورئيس وزراء ولا بد من إخراجه من القصر من دون لفت نظر حراسه. أبلغناه بأن عليه أن يخرج كأن شيئاً لم يحدث وأننا سنقتله لو أرسل إلى مرافقيه والعسكريين أي إشارة بحدوث شيء ما. صعد النايف إلى سيارة ورافقه صدام الذي كرر له أنه سيقتله إذا أبدى أي مقاومة. خرجت السيارة من باب خلفي للقصر واستسلم النايف لقدره وكانت الطائرة في انتظاره وغادر البلاد إلى المغرب».

مرارات الداود

كان إبراهيم الداود يهرم مع المرارات حين التقيته في الرياض. أصرَّ على القول: «أنا قائد ثورة 17 تموز وقد سرقها (البعث) مني... كنت مسؤولاً عن أمن القصر ولو لم أُسقطه أنا لَمَا تجرأ أحد على الاقتراب».

كان أحمد حسن البكر أستاذاً في نصب المكائد. خلال اجتماع للقيادة طرح اقتراحاً أن يتفقد وزير الدفاع الجديد القوات العراقية التي كانت مرابطة في الأردن. أُعطي الداود طائرة رئاسية ورافقه وفد من الضباط. لم يخطر بباله أنه وقع في الشَّرَك. قال إنه طلب طائرة للعودة فأُعطي طائرة صغيرة لكن بعد دخولها الأجواء العراقية، قال الطيار إن طائرتين حربيتين تهددان بإسقاط الطائرة إن هبطت في بغداد. وهكذا هبطت الطائرة في قاعدة «إتش 3» في الأنبار.

الداود والنايف

من القاعدة حملت الطائرة الداود إلى روما. استقبله السفير العراقي هناك، «وأبلغني أنهم حجزوا لي في فندق ليوناردو دافنشي. لم يكن لديَّ جواز سفر ولا مال ولا بيجامة. وكانت التعليمات من بغداد: لا تعطوه جوازاً إلا إذا وافق على العمل سفيراً. أمضيت 11 شهراً على هذه الحال وتحملت السفارة النفقات».

بعد إلحاح من عائلته، وافق الداود على عرض الحكومة فتسلم جوازه وغادر إلى مدريد سفيراً. يقول: «بقيت سفيراً إلى أن قتلوا أخي عبد الوهاب. بعثت ببرقية تقول إنني أرفض أن أكون سفيراً لحكومة خائنة عميلة يقودها اليهودي ميشال عفلق (مؤسس حزب البعث)».

استفسرت منه عن ملابسات مقتل أخيه فأجاب: «كان أخي ضابطاً وعمل سابقاً معاوناً للملحق العسكري في باكستان. تألم من قصتي وغدْر البكر والظلم الذي لحق بي. أُقيمت حفلة تخرج في كلية الأركان وكان أخي حاضراً. شَهَرَ مسدسه محاولاً اغتيال البكر فنام عليه المرافقون. اعتقلوه وعذّبوه وقتلوه. كان ذلك في 1971».

قال الداود إن البكر غدر به «كما غدر عبد الكريم قاسم بعبد السلام عارف الذي كان قائد ثورة 1958». وروى أنه بعد عودة «البعث» إلى السلطة رفض، كوزير للدفاع، طلباً عرضه عليه البكر لإعطاء مجموعة رتبة ضابط، وكان اسم صدام حسين بين تلك الأسماء.

استسلم إبراهيم الداود لمصيره في المنفى لكنَّ عبد الرزاق النايف الشاب لم يفعل. شارك في 1969 مع الضابط العراقي الصاخب عبد الغني الراوي في إعداد عملية انقلابية بدعم إيراني التقى خلالها الرجلان الشاه محمد رضا بهلوي. لكن النايف الذي أقلقه «تهور الراوي» انسحب من الخطة التي نجح صدام حسين في اختراقها. وبعد كشف المؤامرة قضت محكمة عراقية بإعدام الراوي والنايف.

النايف مترئساً أول اجتماع للحكومة بعد 17 يوليو 1968

لم يغفر صدام للنايف محاولته التآمر لإطاحة نظام «البعث». تعرَّض النايف في 1972 لمحاولة اغتيال في لندن أُصيبت خلالها زوجته. لكنه سيلتقي في فندق في لندن في 9 يوليو 1978 مسؤولاً عراقياً تقول عائلته إنه سعدون شاكر الذي تولى إدارة المخابرات العراقية ولاحقاً حقيبة الداخلية. ودَّع المسؤول النايف الذي قُتل برصاص شاب كان ينتظر أمام مدخل الفندق. وغادر «المسؤول العراقي» آمناً إلى بغداد.

أثارت قصة النايف المثيرة فضولي الصحافي. زرت عائلته وتكرمت أرملته باستقبالي. فتشت في حقائب تركها وتحدثت إلى نجله علي. أكد علي أن البكر نصب الفخ لوالده وألح عليه لتناول الغداء قائلاً: «لدينا غزال ولحم الغزال لا يُفوّت». وقال إن صدام المسلح هدده بجعل أولاده أيتاماً إن فكر في المقاومة ورافقه في السيارة حتى المطار. وكشف عن أن والده استقبل خلال إقامته في عمان بضيافة الملك حسين زائراً عراقياً، هو طارق عزيز، عرض عليه 40 مليون دولار في مقابل الامتناع عن أي نشاط سياسي.

ليس من الحكمة في شيء أن ترفض عرضاً قاطعاً وسخياً وأخيراً حين يقدمه رجل اسمه صدام حسين. والدليل أن رصاصة صدام طاردت النايف طويلاً ثم أدركته.


مقالات ذات صلة

الأردن ينفي طرح دور للهاشميين في عراق ما بعد صدام

خاص توني بلير مستقبلاً الملك عبد الله الثاني في لندن قبل لقائهما المذكور في الوثيقة في 25 فبراير 2003 (أ.ف.ب)

الأردن ينفي طرح دور للهاشميين في عراق ما بعد صدام

الأردن ينفي صحة تقارير عن طرح الملك عبد الله الثاني دوراً هاشمياً في عراق ما بعد صدام، مؤكداً أن محاضر لقاء 2003 مع بلير لا تتضمن ذلك.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
ثقافة وفنون «الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

يروي ناظم الزهاوي مسيرة حياته منذ سنواته الأولى في العراق حتى مسيرته السياسية البريطانية حيث تولى عدة مناصب وزارية في حزب «المحافظين»

ميرزا الخويلدي (الدمام)
المشرق العربي موظفو الانتخابات يجمعون أوراق الاقتراع الخاصة بالانتخابات العراقية بعد إغلاق الصناديق في بغداد (أ.ب)

«صدام حسين» يفوز في انتخابات العراق

فاز المرشح صدام حسين بمقعد في البرلمان العراقي الجديد بعد قرار الهيئة القضائية للانتخابات إلغاء قرار سابق للمفوضية كان يقضي باستبعاده.

حمزة مصطفى (بغداد)
العالم العربي رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (رويترز) play-circle 00:55

رئيس وزراء العراق: لا يمكن نزع سلاح الفصائل إلا بانسحاب أميركا

قال رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم (الاثنين)، إن العراق تعهد بوضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة.

«الشرق الأوسط» (بغداد )
المشرق العربي الدستور العراقي ينص على حظر نشاط حزب «البعث» منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003 (رويترز)

«فوبيا» حزب «البعث» تسخن الانتخابات العراقية

أعاد رئيس الحكومة العراقية الأسبق، نوري المالكي، ملف حزب «البعث» المنحل إلى الواجهة، في سياق تحضيرات حامية للانتخابات المقررة في نوفمبر المقبل.

حمزة مصطفى (بغداد)

إهراءات مرفأ بيروت... خطة حكومية لحماية الأمن الغذائي وذاكرة انفجار المرفأ

وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

إهراءات مرفأ بيروت... خطة حكومية لحماية الأمن الغذائي وذاكرة انفجار المرفأ

وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)

في تطور جديد ذي أبعاد اقتصادية اجتماعية، كلّفت الحكومة اللبنانية وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط البدء بإجراءات بناء إهراءات قمح جديدة في مرفأ بيروت، وهو قرار لطالما شكّل موضع خلاف مع أهالي ضحايا انفجار الرابع من أغسطس (آب) 2020، الذين يرفضون أي خطوة تمسّ بالإهراءات القديمة قبل تحقيق العدالة والمحاسبة.

ما تبقى من إهراءات القمح بمرفأ بيروت بعد الانفجار الهائل في أغسطس 2020 (أ.ف.ب)

ومع تأكيد وزير الاقتصاد عامر البساط على أن تأمين القمح أولوية للأمن الغذائي لا تحتمل التأجيل، يؤكد أن العمل على خطة بناء الإهراءات سيكون في موازاة العمل على خطة تحويل الإهراءات القديمة إلى مَعلم سياحي بعدما قرر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 5 أغسطس 2025 التراجع عن قرار هدم ما تبقّى من صوامع القمح في إهراءات مرفأ بيروت، الذي اتخذته الحكومة السابقة، والذي سمح بهدمها.

وكان قد سبق قرار الحكومة إعلان وزير الثقافة غسان سلامة عن قرار إدراج الإهراءات على «لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية»، استجابة لطلب أهالي ضحايا تفجير المرفأ، مما يؤدّي إلى إيقاف أي قرار بهدمها، وحمايتها باعتبارها جزءاً من التراث العمراني للعاصمة بيروت.

خطة متكاملة

ويلفت وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط إلى أن قرار الحكومة إعداد خطة استراتيجية متكاملة لتأمين مخزون القمح والحبوب على المديين المتوسط والطويل، جاء بعدما نتج عن انفجار بيروت فراغ استراتيجي في قدرة الدولة على تخزين القمح.

ويقول البساط لـ«الشرق الأوسط» إن غياب الإهراءات بعد انفجار المرفأ أدّى إلى اعتماد طرق تخزين غير منظّمة، ما يعرّض البلاد لمخاطر كبيرة في حال حصول أي طارئ أمني أو لوجستي، ويجبر الدولة على استيراد القمح بشكل عاجل وبتكلفة مرتفعة، فضلاً عما يرافق ذلك من صعوبات في التوزيع.

ويلفت إلى أنّ لبنان يستهلك سنوياً أكثر من 600 ألف طن من القمح، في حين لا يتجاوز الإنتاج المحلي حدود 50 ألف طن، ما يجعل البلاد تعتمد بنسبة تتراوح بين 85 و90 في المائة على الاستيراد.

لقطة عامة لمرفأ بيروت... ويظهر في وسطها مبنى الإهراءات المعرّض لتدمير جزئي نتيجة الانفجار عام 2020 (رويترز)

ثلاثية المواقع وسعة تخزين لستة أشهر

ويوضح البساط أنه «سيتم بناء الإهراءات الجديدة في مكان منفصل عن القديمة التي سبق أن اتُّخذ قرار بعدم هدمها، ويتم العمل على خطة بشأنها لتحويل المكان إلى مَعلم سياحي»، مضيفاً أن «الإهراءات الجديدة سيتم بناؤها داخل المرفأ، ولكن في موقع مختلف، ضمن رؤية وطنية شاملة، تشمل أيضاً البقاع وطرابلس في الشمال».

وكشف البساط أنّ الحكومة أعدّت دراسة تهدف إلى تأمين مخزون استراتيجي من القمح يكفي لمدة ستة أشهر، بقدرة تخزين إجمالية تصل إلى 414 ألف طن، منها 235 ألف طن في بيروت والبقية ستتوزع بين طرابلس والبقاع.

وذكّر البساط بأنّ الإهراءات القديمة كانت تستوعب نحو 150 ألف طن فقط، ما يبرز الحاجة الملحّة إلى منشآت حديثة تتلاءم مع حجم الاستهلاك والمخاطر القائمة.

التمويل والتنفيذ

وعلى صعيد التنفيذ، أوضح وزير الاقتصاد أنّ العمل سيبدأ بالمرحلة الأولى في بيروت، حيث يُتوقّع وضع حجر الأساس خلال أشهر، في حال سارت الأمور وفق المخطط. وستكون الخطوة الأولى تقنية وهندسية، تتضمن إعداد دراسة تفصيلية بتمويل من الصندوق الكويتي عبر منحة تبلغ قيمتها نحو 1.5 مليون دولار، وتحتاج إلى عدة أشهر لإنجازها.

أما المرحلة الثانية، فتتعلق بتمويل الإهراءات؛ إذ تُقدَّر التكلفة الإجمالية للمشروع بنحو 250 مليون دولار، منها نحو 125 مليون دولار لإهراءات بيروت. وأشار البساط إلى وجود وعد بتمويل مبدئي من الصندوق الكويتي، إضافة إلى العمل مع دول عربية صديقة لاستكمال تأمين التمويل، بالتوازي مع إعداد الخطة التنفيذية.

الإهراءات القديمة: بين الذاكرة والمخاطر

في ما يتعلّق بإهراءات مرفأ بيروت القديمة، شدّد البساط على أنّ التعامل معها لا يقتصر على الجانب الهندسي، بل يشمل أبعاداً اجتماعية ومعنوية وأخلاقية، نظراً لارتباطها بذاكرة انفجار المرفأ. ولفت إلى وجود توجّه لتحويلها إلى مَعلم تذكاري وسياحي، على غرار تجارب عالمية مثل «جدار برلين»، مع إنشاء حديقة لتخليد ذكرى الضحايا.

غير أنّ هذا الخيار يواجه تحديات كبيرة، أبرزها التكلفة المرتفعة، والمشكلة البيئية الناتجة عن وجود نحو 40 ألف طن من القمح المتضرر داخل الإهراءات، فضلاً عن المخاوف من سلامة المبنى وإمكانية انهياره، رغم وجود تطمينات هندسية أولية حول متانته.

ويشير هنا إلى تشكيل لجنة وزارية تعمل بالتعاون مع مؤسسات متخصصة لإجراء تقييم شامل للمخاطر ودراسة الخيارات الممكنة، مع ترجيح اللجوء إلى مناقصة دولية لتنفيذ مشروع المَعلم السياحي في المكان.

ما تبقّى من الإهراءات المدمرة في مرفأ بيروت (رويترز)

وختم البساط مؤكداً أنّ الحكومة حريصة على إشراك أهالي ضحايا انفجار المرفأ في مسار النقاش، بانتظار استكمال المسار القضائي للقضية، معتبراً أنّ الحفاظ على الذاكرة لا يتعارض مع ضرورة تأمين الأمن الغذائي للبنانيين، بل يشكّل جزءاً من مسؤولية الدولة.


«قسد» تنفي منع المدنيين من مغادرة مدينة دير حافر شرق حلب

سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)
سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)
TT

«قسد» تنفي منع المدنيين من مغادرة مدينة دير حافر شرق حلب

سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)
سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)

نفت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مساء الخميس، اتهامات وزارة الدفاع السورية لها بمنع المدنيين من مغادرة مدينة دير حافر، شرق حلب.

وقالت «قسد»، في بيان: «نؤكد أن تعطل حركة المدنيين في المنطقة ناتج عن التصعيد العسكري، والتحشيد، والقصف المستمر الذي تنفذه فصائل دمشق».

وحذرت من أن «أي تهجير للمدنيين تحت التهديد باستخدام القوّة من طرف دمشق يُعد جريمة حرب»، ودعت المجتمع الدولي إلى «إدانة هذه الأساليب الخطيرة التي من شأنها أن تؤدي إلى تهجير أكثر من 170 ألف مدني، في ظل الظروف الجوية السيئة».

كان الجيش السوري قد أعلن، في وقت سابق، الخميس، تمديد مدة الممر الإنساني قرب بلدة دير حافر بشرق حلب يوماً آخر لتسهيل عبور المدنيين لينتهي غداً الجمعة، الساعة الخامسة مساء بالتوقيت المحلي.

وقالت هيئة العمليات في الجيش السوري لـ«وكالة الأنباء السورية» إن مجموعات من ميليشيات «حزب العمال الكردستاني» المتحالفة مع «قسد» تمنع المدنيين من المرور عبر الممر الإنساني قرب دير حافر.

وهدد الجيش السوري باستهداف أي موقع يقوم بعرقلة مرور المدنيين «بالطريقة المناسبة»، مشيراً إلى الانتهاء من كل التحضيرات الميدانية لتأمين المنطقة.

وأعلنت الإدارة الذاتية الكردية بشمال وشرق سوريا، اليوم، إغلاق معابر الطبقة والرقة ودير الزور حتى إشعار آخر في ظل «التطورات الأمنية الخطيرة التي تشهدها المعابر».


«لجنة غزة» تتطلع للإعمار التام في 7 سنوات... وإسرائيل ترى المرحلة الثانية «رمزية»

صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب)
صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب)
TT

«لجنة غزة» تتطلع للإعمار التام في 7 سنوات... وإسرائيل ترى المرحلة الثانية «رمزية»

صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب)
صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب)

أظهر رئيس لجنة إدارة قطاع غزة، علي شعث، تفاؤلاً لافتاً بإتمام عملية إعمار القطاع الفلسطيني في غضون 7 سنوات بعد حرب إسرائيلية مدمرة استمرت لنحو عامين، وذلك في مقابل محاولات إسرائيلية للتقليل من إعلان بدء المرحلة الثانية من خطة السلام في القطاع، واعتبارها «رمزية».

وأشار شعث، الذي تم تسميته لإدارة غزة بموجب اتفاق مدعوم من الولايات المتحدة، في مقابلة مع إذاعة فلسطينية، الخميس، إلى خطة طموحة تشمل نقل ​ركام الحرب إلى البحر المتوسط وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة في غضون 3 سنوات.

وجاء تعيين المهندس المدني ونائب وزير التخطيط السابق، إيذاناً ببدء المرحلة التالية من خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لإنهاء الحرب الإسرائيلية في غزة. وسيرأس شعث مجموعة من 15 خبيراً فلسطينياً مكلفين بإدارة القطاع الفلسطيني بعد سنوات من حكم حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس).

وبموجب خطة ترمب، انسحبت إسرائيل من نصف غزة تقريباً، لكن قواتها لا تزال تسيطر على النصف الآخر، وهو عبارة عن منطقة سويت جميع المباني فيها تقريباً بالأرض. وكان ترمب قد طرح فكرة تحويل غزة إلى ما سماه «ريفييرا الشرق الأوسط».

68 مليون طن من الركام

وتنتظر شعث مهمة تكتنفها الضبابية، تتمثل في إعادة بناء البنية التحتية المدمرة في القطاع، وإزالة ما يقدر بنحو 68 مليون طن من الأنقاض والذخائر غير المنفجرة، في ظل استمرار تبادل إطلاق النار بين إسرائيل ‌و«حماس».

وبعد جولات سابقة ‌من القتال مع إسرائيل، استخدم الفلسطينيون في غزة أنقاض الحرب كمواد أساسية لبناء الميناء ‌التاريخي ⁠في ​مدينة غزة، وفي ‌مشاريع أخرى. وفي مقابلة مع إذاعة فلسطينية، الخميس، اقترح شعث نهجاً مماثلاً. وقال شعث: «لو أنا جبت جرافات وزقيت الركام في البحر وعملت في البحر جزر جديدة... أرض جديدة، بكسب أرض لغزة وبنظف الركام... مش هياخد أكتر من 3 سنين، الركام يكون رايح كله».

جانب من الدمار في جباليا شمال غزة جراء الغارات الإسرائيلية (رويترز)

وقال إن الأولوية القصوى بالنسبة له هي توفير الإغاثة العاجلة، وهو ما يشمل إقامة مساكن مؤقتة للنازحين الفلسطينيين. أما الأولوية الثانية فستكون إعادة تأهيل «البنية التحتية الأساسية والحيوية»، تليها إعادة تشييد المنازل والمباني. وقال: «ستعود غزة أفضل مما كانت عليه في غضون 7 سنوات».

https://www.facebook.com/basmaaradio/videos/في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةA6في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةB3-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة85في المائةD9في المائة81في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةB6في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةB7في المائةD9في المائة86في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA9-في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA5في المائةD8في المائةAFفي المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةBAفي المائةD8في المائةB2في المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةAF-في المائةD8في المائةB9في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة8A-في المائةD8في المائةB4في المائةD8في المائةB9في المائةD8في المائةAB-في المائةD9في المائة81في المائةD9في المائة8A-في المائةD8في المائةADفي المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةB1-في المائةD8في المائةAEفي المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةB5-في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA8في المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةA9/915355977618802/

وفقاً لتقرير من الأمم المتحدة عام 2024، فإن إعادة تشييد منازل غزة المدمرة ستستغرق حتى 2040 على الأقل، وقد تستمر لعدة عقود.

تحديات وعقبات

ومن شبه المؤكد أن تقييم شعث المتفائل للجدول الزمني لإعادة إعمار غزة سيواجه تحديات، فيما يسعى الوسطاء للاتفاق على شروط ‍نزع سلاح «حماس»، التي ترفض التخلي عن أسلحتها، ونشر قوات حفظ السلام في القطاع.

ومن غير الواضح كيف ستمضي لجنة شعث في إعادة الإعمار والحصول على تصاريح لاستيراد واستخدام الآليات والمعدات الثقيلة التي تحظرها إسرائيل عادة.

سائق يجلس بجوار شاحنته المحملة بمعدات إعادة الإعمار المتجهة إلى غزة أثناء انتظاره عبور معبر رفح في فبراير الماضي (إ.ب.أ)

وقال شعث إن نطاق اختصاص اللجنة الفلسطينية سيبدأ بالأراضي التي تسيطر عليها «حماس»، ويتوسع تدريجياً مع استمرار الانسحاب ​العسكري الإسرائيلي، وفق ما تنطوي عليه خطة ترمب. وقال شعث، في المقابلة الإذاعية: «بمجرد ما تبدأ المرحلة الثانية، تبدأ عملية الانسحاب التدريجي إلى شرق حدود القطاع، وبالتالي كلما تم الانسحاب تزداد مساحة صلاحيات المفوضية على الأرض الفلسطينية، تبدأ بنحو 50 في المائة الآن، إللي هي موجودة غرب الخط الأصفر، ومن ثم الخط الأصفر سينحدر تدريجياً بعد إتمام الاتفاقيات الأخرى، كل على حدة، وبالتالي صلاحياتها (اللجنة) هي كل غزة 365 كيلومتراً مربعاً من البحر إلى الحدود الشرقية».

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

خطوة رمزية

وعلى الرغم من أن إعلان ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب، إطلاق عملية الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة إنهاء الحرب على غزة، تم بالتنسيق التام مع الحكومة الإسرائيلية، حاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التخفيف من أهميتها، واعتبرها «خطوة رمزية لا أكثر».

وتم تسريب ورقة توجيه للوزراء، يُطلب منهم فيها عدم التعليق، والتوضيح بأن «الطريق طويل جداً حتى يحكم على هذا المسار».

وسعت الورقة إلى التخفيف من الإعلان الأميركي، إذ تم التأكيد على أن الرئيس دونالد ترمب ليس هو من أعلن عن الانتقال إلى المرحلة الثانية، بل أرسل مستشاره ليفعل ذلك بتواضع عبر الشبكات الاجتماعية.

وأشار المعلقون الإسرائيليون إلى أن ويتكوف لم يتطرق إلى الممارسات الإسرائيلية، ولم «يتوقع» من تل أبيب أن توقف عمليات القصف اليومية التي تؤدي إلى قتل مواطنين فلسطينيين أبرياء في كل يوم في غزة (منذ وقف النار قبل 3 أشهر قتل 446 فلسطينياً وجرح أكثر من 1200).

وكان أول ردّ فعل إسرائيلي على إعلان ويتكوف هو اتصال نتنياهو مع تليك وايتسيك غوئيلي، والدي الجندي ران غفيل، الذي لا تزال جثته في غزة، وهما موجودان في واشنطن، وأجريا عدة لقاءات مع المسؤولين هناك، بمن فيهم ويتكوف، حيث يطالبان بوقف تطبيق خطة ترمب إلى حين تحرير جثة ابنهما.

وأبلغهما نتنياهو بأن إعادة ران هي في رأس اهتمامه، وأن «الخطوة الإعلامية الرمزية عن إقامة لجنة تكنوقراط لن تؤثر على جهود إعادة ران للدفن في إسرائيل».

وقال نتنياهو إن «(حماس) مطالبة اليوم بأن تستوفي متطلبات الاتفاق في بذل 100 في المائة من الجهد لإعادة المخطوفين الضحايا حتى آخرهم؛ ران غفيلي بطل إسرائيل».

وكان ردّ الفعل الثاني من تل أبيب هو منع رئيس لجنة الحكم الانتقالي في غزة، د. علي شعث، من مغادرة البلاد إلى الأردن لعقد أول اجتماع للجنة في القاهرة. وقد تدخل ويتكوف حتى تغير إسرائيل قرارها.

وكشفت مصادر سياسية في تل أبيب أن حكومة نتنياهو ما زالت تتمسك بسياستها التقليدية، تجاه الخطة الأميركية. فهي تعمل كل ما بوسعها لعرقلة تقدمها، لكنها لا تجرؤ على الدخول في صدام مع الرئيس ترمب حولها.

وخرجت معظم وسائل الإعلام العبرية، الخميس، بتقارير موجهة، تؤكد فيها أن «حماس» ليست جادة في الانسحاب من المشهد الفلسطيني. وهي تتراجع خطوة إلى الوراء، بقبول لجنة المرحلة الانتقالية بقيادة شعث، من أجل خطوتين إلى الأمام.

وزعم إيال عوفر، أحد الخبراء الإسرائيليين في شؤون «حماس»، أن العملية التي تجري في قطاع غزة تشكل ركناً أساسياً في خطة «حماس» الاستراتيجية. فهي ترمي إلى السيطرة على السلطة الفلسطينية برمتها، في غزة وفي الضفة الغربية، خلال 5 أو 10 سنوات. وكل ما يجري اليوم يخدم هذا الهدف.

وترى الصحيفتان؛ «يديعوت أحرونوت» و«معاريف» أن «حماس» ستقع في مطب عندما يحين الحديث عن تسليم أسلحتها، «فهي لن تسلم هذه الأسلحة، وعندها سيكون على إسرائيل أن تتدخل وتستأنف الحرب».

وبحسب تلك المصادر، فإن «الجيش الإسرائيلي وضع خطة عسكرية شاملة لاستئناف الحرب على غزة، عندما يتلقى الأمر بذلك من الحكومة».