«30 تموز» العراقي... قصة انقلاب أبيض أعقبته أنهار من الدم

رفض النايف عرضاً حمله طارق عزيز فطاردته رصاصة صدام وأدركته بعد 10 سنوات

TT

«30 تموز» العراقي... قصة انقلاب أبيض أعقبته أنهار من الدم

الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين (أ.ف.ب)
الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين (أ.ف.ب)

ليس من الحكمة في شيء أن تحشر في زاوية ضيقة رجلاً اسمه صدام حسين وتُرغمه على القبول بك شريكاً في إدارة العراق. لا «البعث» يحب الشركاء ولا صدام يطيقهم.

في دفاتر «البعث» الذي عاد إلى السلطة في 17 تموز (يوليو) 1968 أيام منعطفات باهظة التكاليف. 30 يوليو (تموز) من تلك السنة كان المنعطف الأول، إذ أتاح لـ«البعث» الانفراد بالسلطة برئاسة أحمد حسن البكر وساعِده الأيمن صدام. شاءت المهنة أن ألتقي بعض المعنيين المباشرين بذلك النهار فقلت أشرك قراء «الشرق الأوسط» في رواياتهم.

الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين (أ.ف.ب)

أثارت هزيمة الجيوش العربية في حرب 1967 غضب الشارع العربي وحمّل الأنظمة مسؤولية «النكسة»، وهي كانت في الواقع نكبة. بدا الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف الذي خلف شقيقه عبد السلام، ضعيفاً. قبضته متراخية في الجيش ورصيده محدود في الشارع. في ربيع 1968 تكاثر الهمس في الحلقات الضيقة عن تحفز جهات عدة للانقضاض على السلطة. ثمة من توقَّع أن تقع البلاد في قبضة عسكري.

كانت قيادة «البعث» تراقب المشهد. تخوفت من أن تستيقظ على انقلاب أو ما يشبهه. بدأت التخطيط للعودة إلى الحكم ثأراً من التجربة التي حدثت في 1963 وغرقت في الدم وانقضَّ عليها من جاءت به، وهو عبد السلام عارف.

سعت القيادة إلى تفادي دخول عودتها في نفق الدم وراحت تفكر في المواقع والعوائق. كان المقدم إبراهيم الداود آمراً للحرس الجمهوري الذي يبلغ عدد منتسبيه نحو عشرين ألفاً. إذا اختار الداود المقاومة ستندلع معركة دامية على أسوار القصر وأبعد منه. ومَن يدري فقد يؤدي الصدام نفسه إلى تقدم طرف ثالث ومن الجيش، لتقديم نفسه في صورة المنقذ.

قلّب المجتمعون الخيارات وفضّلوا في النهاية خيار مفاتحة الداود وعلى أمل اجتذابه إلى الحركة الانقلابية أو تحييده على الأقل. توقفوا قبل قرارهم عند نقطة مهمة وهي أن إبراهيم الداود شديد التأثر بصديقه عبد الرزاق النايف، معاون مدير الاستخبارات العسكرية. وكان الشائع عن النايف أنه رجل قوي بارع في الإمساك بالخيوط وتربطه علاقات غامضة بأجهزة غربية، وأن الداود ينقاد له بشكل أعمى.

مهمة معقدة من هذا النوع تحتاج إلى الدهاء. كان لا بد من أن تُسند إلى أحمد حسن البكر الذي يجمع في شخصه صورة العسكري وبراعة الحزبي مع خبرة في نصب المكائد.

ضمن منظمو الانقلاب تعاون الضابط سعدون غيدان الذي كانت لديه قوة متمركزة في قصر الرئاسة وتضم عدداً من الدبابات.

سعدون غيدان وعبدالرزاق النايف

بدوره التقى البكر الداود وأطلعه على مشروع إطاحة عارف. قال له: «دعنا نضمن بقاء هذا الموضوع سراً بيننا وبينك. أنت رجل متدين فنقسم على القرآن أن هذا الكلام الذي أحدِّثك به لن يخرج إلى شخص ثالث». وطبعاً كان البكر يقصد النايف. أقسم الداود في 15 يوليو، لكنه لم يتردد في إبلاغ النايف.

 

وقعت قيادة «البعث» في مأزق. لم يعد السر سراً وصارت المعلومات في يد رجل خطر اسمه عبد الرزاق النايف، فكيف سيتصرف بها. بات مفتاح إنجاح أو إفشال المحاولة في يده. لم يكن «البعث» راغباً على الإطلاق في إشراك رجل يهمس كثيرون في البلاد بأنه «صاحب علاقات مشبوهة مع الأجهزة الغربية».

في تلك المرحلة، لعب عضو القيادة صلاح عمر العلي دوراً كبيراً. سأترك القارئ مع ما سمعته منه. قال العلي: «صباح 16 تموز أبلغْنا زُمَر التنفيذ المدنية والعسكرية بالصيغة النهائية لمهامها. فكَّرنا في البداية بتنفيذ العملية في 14 تموز لقيمته الرمزية (ذكرى انقلاب 1958 الذي أُعلنت بعده الجمهورية)، ثم فكرنا في اليوم التالي، لكنَّ اعتبارات عملية اضطرتنا إلى التأخير. في 16 أخرجنا الأسلحة المخبأة في الأوكار الحزبية ومعها كمية من الملابس العسكرية للتمويه. وفي الثامنة مساءً التقينا في بيت البكر في حي علي الصالح على شارع 14 رمضان. كان علينا أن نضع اللمسات النهائية بانتظار ساعة التنفيذ عند الثانية والنصف بعد منتصف الليل. وهنا وقعت المفاجأة».

الرسالة الصاعقة

كان المجتمعون كأعضاء في القيادة القطرية للحزب يتداولون في آخر الاستعدادات حين طرق الباب. ذهب البكر، ففتح ثم عاد حاملاً ورقة صغيرة. فجأة قال البكر إنها رسالة من المقدم عبد الرزاق النايف يقول فيها: «لديَّ معلومات أنكم ستقومون بهذه العملية. أضم صوتي إلى صوتكم. أنا معكم وجاهز لتنفيذ أي مهمة وتوكلوا على الله».

صلاح عمر العلي

يتذكر العلي أن «البكر قال: هذه الرسالة بين أيديكم. أريدكم الآن أن تبحثوا في الأمر وتتخذوا القرار المناسب. كان للرسالة التي حملها ضابط برتبة ملازم يعمل مرافقاً للنايف وقع القنبلة. ناقل الرسالة بعثيٌّ من دون أن يدري رئيسه، لكنَّ ذلك لا يُقلل من حجم المشكلة. حصل تشاور مع شيء من الارتباك. النايف ضابط قوي وشديد الذكاء وطَموح، مما يجعل دوره يفوق موقعه. قلَّبنا الأمر على مختلف الجهات؛ إذا ألغينا العملية مَن يضمن أن النايف لن يغتنم المناسبة لكشفها وذبْحنا تماماً، فهو سيرى أننا تحركنا من دون اقتراح بإشراكه وألغينا العملية لأنه علم بها؟ بدا واضحاً أن الإلغاء سيعني كارثة للحزب. من جهة أخرى فإن إشراك النايف يعد مغامرة بدوره. كان واضحاً أن الداود لم يلتزم اليمين الذي أقسمه وأدخلنا في ورطة سيدفع ثمنها.

في النهاية قررنا السير في التنفيذ وبعثنا إلى النايف بالجواب الآتي: تعمَّدنا عن قصد ودراية عدم إبلاغك والسبب وجودك في موقع حساس وخوفنا عليك. إننا أبلغنا الأخ إبراهيم الداود كي لا نبلغك مباشرةً تجنباً للإحراج واعتبرنا أن هذه الطريقة الأجدى والأنفع وكنّا نعرف أنه سيبلغك. لقد اتخذنا قرارنا بالسير في العملية وستكون رئيساً لوزراء العراق إذا وفقنا الله. الواقع أننا اتخذنا قرارين متلازمين: الأول إغراء النايف بالمشاركة عن طريق عرض رئاسة الوزراء عليه. القرار الثاني وجوب التخلص من النايف والداود في أقرب فرصة. وقررنا أن يكون اقتحام القصر الجمهوري من مسؤولية أعضاء القيادة القطرية.

قبل التنفيذ التقينا في بيت عبد الكريم الندى، شقيق زوجة أحمد حسن البكر. كان عبد الكريم موظفاً في السكة الحديد ويقيم في مبانٍ مخصصة لها قرب الإذاعة في منطقة الصالحية. طبعاً لا داعي إلى وصف المشاعر في تلك الساعات الحاسمة. جلسنا في الشقة، أعضاء القيادة التسعة، وبينهم البكر وصدام، إضافةً إلى عدد من الأشخاص بينهم حردان التكريتي على ما أذكر. أي إن رقم الموجودين في الشقة كان أقل من عشرين. وكانت الخطة تقتضي أن يكون الداود وغيدان في انتظارنا».

القبض على القصر

وأضاف: «ارتدينا ملابس عسكرية وشارات ضباط. وفي التوقيت المحدد حضرت شاحنة عسكرية فصعدنا إليها واستقلَّ القسم الآخر سيارتين مدنيتين. ووصلنا إلى مدخل القصر بثيابنا العسكرية ورشاشاتنا. عند مدخل كتيبة الدبابات كان سعدون غيدان في انتظارنا وفتح باب الكتيبة. انضم إلينا أيضاً عدد من الشبان الحزبيين كنا قد أرسلناهم سراً للتدرب على استخدام الدبابات. فوجئنا أن الدبابات المرابطة حول القصر حديثة ولم يتمكن هؤلاء الشباب من تشغيلها. صدفةً نجح شاب في تشغيل دبابة وراح ينتقل من واحدة إلى أخرى فاستكملنا محاصرة القصر.

مدرعة أمام قصر الرئاسة بعد الانقلاب في 1968 (غيتي)

في مقر كتيبة الدبابات أقمنا مقر قيادتنا. وبادر البكر إلى الاتصال بعبد الرحمن عارف الذي كان نائماً. بين الرجلين صداقة وزمالة ولقاءات عدة. فوجئ عارف وقال للبكر الذي كنا إلى جانبه: خير أبو هيثم، ما القصة؟ فردَّ عليه: يا أبو قيس إن قيادة الثورة أنجزت مهمتها وسيطرت على كل البلد. باسم قيادة الثورة ندعوك أن تكون عاقلاً ومدركاً للأمور وأن تتحاشى أي محاولة. أنصحك بأن تسلّم نفسك لقيادة الثورة، وفي المقابل لك الأمان الكامل والمطلق والأمر نفسه بالنسبة إلى عائلتك. العملية لا تستهدف شخصك. الهدف إنقاذ البلاد من مشكلات ربما تترتب على استمرار حكمكم الضعيف وربما تدخل البلاد مجدداً في حمام دم. أرجوك أرجوك أرجوك سلِّم نفسك ولا تَقُم بأي محاولة. كل شيء انتهى وأنت تعرف ماذا أعني.

ليس من السهل على رئيس دولة التجاوب مع دعوة من هذا النوع. حاول عبد الرحمن عارف استكشاف الأجواء فاتصل بعدد من قادة الفرق في معسكرات خارج بغداد ووجد الأبواب مقفلة. بعد نحو عشر دقائق طلبه البكر ثانية وألحَّ عليه أن يسلِّم نفسه. وبعد دقائق أجرى معه اتصالاً أخيراً حازماً وقال له: إذا لم تسلِّم نفسك فأنت الذي سيتحمل المسؤولية. مسؤولية حياتك ومسؤولية حياة عائلتك. عندها أوعزنا إلى أحد الضباط بأن يطلق فوق القصر بضع طلقات مدفعية. عندما سمع عارف دويّ القذائف أدرك أنه لا مجال للمساومة فبادر إلى الاتصال هذه المرة للتفاوض على عملية التسليم. عندها ذهبت أنا وأنور عبد القادر الحديثي إلى الباب الرئيسي للقصر. خرج عارف فاصطحبناه في سيارة عسكرية صغيرة إلى مقر كتيبة الدبابات.

عبد الرحمن عارف يصافح ضابطاً من الحرس الجمهوري وبينهما الداود

كان الرجل خائفاً ومرعوباً. راح يرتجف ويطلق كلاماً مبهماً. ربما لم يكن واثقاً أن سلامته مضمونة. عاملناه باحترام لكنَّ موقفنا لم يبدد قلقه. كنا قد اتفقنا سابقاً على أن يغادر عارف البلاد، إذ لا حاجة إلى اعتقاله. وبانتظار تحضير الطائرة التي ستُقلّه إلى الخارج طرح اقتراحاً بأخذه إلى بيت حردان التكريتي. قاد حردان السيارة وفي داخلها عارف وأنا. كان الرجل قلقاً بالفعل.

لم يصدق أن طائرته قيد التحضير. كان يعتقد أننا نقتاده إلى مكان ما لقتله. ولأنني كنت مرتدياً الملابس العسكرية ومسلحاً كان عارف يزداد قلقاً كلما قمت بأي حركة عادية. وعلى مدى الطريق كان يردد ما معناه أنه ابتُلي برئاسة الجمهورية وأنه نادم على قبولها. في النهاية أكدنا له أن سلامته مضمونة وأن باستطاعته أن يأخذ معه عائلته وكل ما يحتاج إليه. وهذا ما حصل صباحاً وأعتقد أن الطائرة أقلَّته إلى تركيا.

طبعاً في بداية العملية توجهت مجموعة واعتقلت رئيس الوزراء طاهر يحيى من منزله وهكذا عاد (البعث) إلى السلطة ومن دون إراقة دماء».

شجاعة صدام... وقسوته

سألت العلي عن سلوك صدام في تلك الساعات فأجاب: «تصرف تماماً كما تصرف الآخرون؛ ارتدى الملابس العسكرية وحمل رشاشه أسوةً بسائر أعضاء القيادة القطرية.

إن عملنا لإسقاط صدام يجب ألا يدفعنا إلى تزوير الوقائع. يمكن اليوم اتهام صدام بأشياء كثيرة لكن لا يمكن القول إنه غير شجاع. صدام رجل اعتاد المواقف الصعبة. شجاعته لا تحتاج إلى دليل وقسوته كذلك. يجب هنا أن نتنبه إلى مسألة أن العمل الحزبي كان صعباً وشاقاً وأن صدام لم يكن في تلك الفترة نجماً ولم يصادر القرار. أستطيع القول إنه كان حزبياً وملتزماً قرارات الحزب».

تسلم «البعث» السلطة لكنَّ قيادته كانت تنظر إلى رئيس الحكومة النايف، ووزير الدفاع الداود كجسمين غريبين قابلين للانفجار في أي لحظة. كان صلاح عمر العلي شريكاً في مكيدة القصر التي استهدفتهما، وها هي روايته: «عقدنا اجتماعاً للقيادة القطرية لمراجعة بعض القرارات التي اتخذناها سابقاً وبينها قرار إزاحة النايف والداود. تحدث البكر، وقال: اضطررنا إلى إشراك النايف لأنه اكتشف خطتنا وتخوفنا أن يتسبب في ذبحنا إذا تجاهلناه. وعدناه برئاسة الوزراء ونفَّذنا الوعد، وهو لم يغدر بنا ساعة التنفيذ. حين قررنا إشراكه قررنا أيضاً إزاحته في أسرع وقت. لكن اليوم أريد أن أقول إن أحداث 1963 بين (البعثيين) والشيوعيين لا تزال في ذاكرة الناس بسبب ما رافقها من سفك دماء. أخشى إذا أطحنا النايف اليوم أن نُتهَم بالغدر ويتعزز اقتناع الناس بأن التصفيات قادمة. ماذا لو استمر في التعاون معنا؟ وما الذي يدعونا إلى الإطاحة به؟ فلنعطه فرصة. كلنا لدينا أخطاء. أنا أقترح أن نستمر في التعاون وإذا وجدنا منه سلوكاً مختلفاً نقرر في حينه. وافقناه وبدأ النايف يمارس عمله رئيساً للوزراء.

ضباط يؤدون التحية العسكرية للنايف قبل إطاحته

بعد أيام دعانا البكر إلى اجتماع طارئ للقيادة القطرية. قال: تذكرون جيداً ما قلته عن النايف في اجتماع سابق. أنا الآن أدعوكم أن تتحركوا وبأسرع وقت للإطاحة به. سألناه عن السبب، فأشار إلى تقارير تفيد بأن رئيس الوزراء الجديد يتحرك وبسرعة جنونية للإطاحة بحكم الحزب. وقال إن النايف اتصل بعسكريين لتجنيدهم ضد الحزب ولم يكن يعرف بانتماء بعضهم إلى «البعث». وأضاف: أسرعوا يا رفاق قبل أن يُطيح بنا. هذا كل ما أريد قوله وقبل أن يأتينا إلى هذه الغرفة ويذبحنا جميعاً. سأغادر الآن. اجتمعوا وخططوا للخلاص منه وأنا موافق على ما تقررون.

في اليوم التالي، اجتمعنا في منزل صالح مهدي عماش الذي كان وزيراً للداخلية، وفي غياب البكر، إذ تخوفنا من أن يطْبق النايف على الجميع في مكان واحد. وضعنا الخطة واتفقنا على التنفيذ الذي أُوكل إلى اثنين، أنا وصدام. وكانت الخطة تقضي بالتخلص من النايف والداود، أي من رئيس الوزراء ووزير الدفاع.

كانت لدينا قطعات عسكرية في الأردن. فقررنا أن يذهب وزير الدفاع إبراهيم الداود لتفقدها على أن نرسل سراً في الوقت نفسه أعضاء من المكتب العسكري في الحزب لاعتقاله وإرغامه على التوجه إلى إسبانيا. وفي هذا الوقت ننفّذ الشق الثاني من الخطة المتعلق بالنايف وبالتزامن مع ما يجري في الأردن.

في 30 تموز، أُلقي القبض على الداود وأُرسل عنوة إلى إسبانيا. وفي الوقت نفسه تم إنهاء قصة النايف. كان من عادة رئيس الوزراء الجديد أن يأتي إلى القصر لتناول الغداء. وبعد الغداء يتوجه مع البكر إلى مكتب الأخير لتدارس بعض شؤون الدولة. في ذلك اليوم وبعد الغداء، دخلا إلى المكتب وكان معهما صالح مهدي عماش. ووفقاً للخطة دخلتُ وصدام وفي يد كل واحد منا رشاش وطلبنا من النايف أن يستسلم. في البداية كان شرساً وحاول أن يسحب مسدسه فلم يتمكن. بعدها راح يتوسل ويقول: أنا لديَّ عائلة وأطفال.

كان لا بد من استكمال التنفيذ سريعاً. النايف عسكري ورئيس وزراء ولا بد من إخراجه من القصر من دون لفت نظر حراسه. أبلغناه بأن عليه أن يخرج كأن شيئاً لم يحدث وأننا سنقتله لو أرسل إلى مرافقيه والعسكريين أي إشارة بحدوث شيء ما. صعد النايف إلى سيارة ورافقه صدام الذي كرر له أنه سيقتله إذا أبدى أي مقاومة. خرجت السيارة من باب خلفي للقصر واستسلم النايف لقدره وكانت الطائرة في انتظاره وغادر البلاد إلى المغرب».

مرارات الداود

كان إبراهيم الداود يهرم مع المرارات حين التقيته في الرياض. أصرَّ على القول: «أنا قائد ثورة 17 تموز وقد سرقها (البعث) مني... كنت مسؤولاً عن أمن القصر ولو لم أُسقطه أنا لَمَا تجرأ أحد على الاقتراب».

كان أحمد حسن البكر أستاذاً في نصب المكائد. خلال اجتماع للقيادة طرح اقتراحاً أن يتفقد وزير الدفاع الجديد القوات العراقية التي كانت مرابطة في الأردن. أُعطي الداود طائرة رئاسية ورافقه وفد من الضباط. لم يخطر بباله أنه وقع في الشَّرَك. قال إنه طلب طائرة للعودة فأُعطي طائرة صغيرة لكن بعد دخولها الأجواء العراقية، قال الطيار إن طائرتين حربيتين تهددان بإسقاط الطائرة إن هبطت في بغداد. وهكذا هبطت الطائرة في قاعدة «إتش 3» في الأنبار.

الداود والنايف

من القاعدة حملت الطائرة الداود إلى روما. استقبله السفير العراقي هناك، «وأبلغني أنهم حجزوا لي في فندق ليوناردو دافنشي. لم يكن لديَّ جواز سفر ولا مال ولا بيجامة. وكانت التعليمات من بغداد: لا تعطوه جوازاً إلا إذا وافق على العمل سفيراً. أمضيت 11 شهراً على هذه الحال وتحملت السفارة النفقات».

بعد إلحاح من عائلته، وافق الداود على عرض الحكومة فتسلم جوازه وغادر إلى مدريد سفيراً. يقول: «بقيت سفيراً إلى أن قتلوا أخي عبد الوهاب. بعثت ببرقية تقول إنني أرفض أن أكون سفيراً لحكومة خائنة عميلة يقودها اليهودي ميشال عفلق (مؤسس حزب البعث)».

استفسرت منه عن ملابسات مقتل أخيه فأجاب: «كان أخي ضابطاً وعمل سابقاً معاوناً للملحق العسكري في باكستان. تألم من قصتي وغدْر البكر والظلم الذي لحق بي. أُقيمت حفلة تخرج في كلية الأركان وكان أخي حاضراً. شَهَرَ مسدسه محاولاً اغتيال البكر فنام عليه المرافقون. اعتقلوه وعذّبوه وقتلوه. كان ذلك في 1971».

قال الداود إن البكر غدر به «كما غدر عبد الكريم قاسم بعبد السلام عارف الذي كان قائد ثورة 1958». وروى أنه بعد عودة «البعث» إلى السلطة رفض، كوزير للدفاع، طلباً عرضه عليه البكر لإعطاء مجموعة رتبة ضابط، وكان اسم صدام حسين بين تلك الأسماء.

استسلم إبراهيم الداود لمصيره في المنفى لكنَّ عبد الرزاق النايف الشاب لم يفعل. شارك في 1969 مع الضابط العراقي الصاخب عبد الغني الراوي في إعداد عملية انقلابية بدعم إيراني التقى خلالها الرجلان الشاه محمد رضا بهلوي. لكن النايف الذي أقلقه «تهور الراوي» انسحب من الخطة التي نجح صدام حسين في اختراقها. وبعد كشف المؤامرة قضت محكمة عراقية بإعدام الراوي والنايف.

النايف مترئساً أول اجتماع للحكومة بعد 17 يوليو 1968

لم يغفر صدام للنايف محاولته التآمر لإطاحة نظام «البعث». تعرَّض النايف في 1972 لمحاولة اغتيال في لندن أُصيبت خلالها زوجته. لكنه سيلتقي في فندق في لندن في 9 يوليو 1978 مسؤولاً عراقياً تقول عائلته إنه سعدون شاكر الذي تولى إدارة المخابرات العراقية ولاحقاً حقيبة الداخلية. ودَّع المسؤول النايف الذي قُتل برصاص شاب كان ينتظر أمام مدخل الفندق. وغادر «المسؤول العراقي» آمناً إلى بغداد.

أثارت قصة النايف المثيرة فضولي الصحافي. زرت عائلته وتكرمت أرملته باستقبالي. فتشت في حقائب تركها وتحدثت إلى نجله علي. أكد علي أن البكر نصب الفخ لوالده وألح عليه لتناول الغداء قائلاً: «لدينا غزال ولحم الغزال لا يُفوّت». وقال إن صدام المسلح هدده بجعل أولاده أيتاماً إن فكر في المقاومة ورافقه في السيارة حتى المطار. وكشف عن أن والده استقبل خلال إقامته في عمان بضيافة الملك حسين زائراً عراقياً، هو طارق عزيز، عرض عليه 40 مليون دولار في مقابل الامتناع عن أي نشاط سياسي.

ليس من الحكمة في شيء أن ترفض عرضاً قاطعاً وسخياً وأخيراً حين يقدمه رجل اسمه صدام حسين. والدليل أن رصاصة صدام طاردت النايف طويلاً ثم أدركته.


مقالات ذات صلة

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

خاص كانت بين صدام حسين والملك حسين قنوات اتصال استثنائية (أ.ف.ب) p-circle 07:17

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

في الحلقة الأخيرة من شهادته لـ«الشرق الأوسط»، يروي رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات كواليس لقاءاته بصدام والأسد، ومحاولة شقيق الأخير اغتيال رئيس وزراء.

غسان شربل (عمّان)
خاص توني بلير مستقبلاً الملك عبد الله الثاني في لندن قبل لقائهما المذكور في الوثيقة في 25 فبراير 2003 (أ.ف.ب)

خاص الأردن ينفي طرح دور للهاشميين في عراق ما بعد صدام

الأردن ينفي صحة تقارير عن طرح الملك عبد الله الثاني دوراً هاشمياً في عراق ما بعد صدام، مؤكداً أن محاضر لقاء 2003 مع بلير لا تتضمن ذلك.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
ثقافة وفنون «الفتى القادم من بغداد»... رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

رحلة ناظم الزهاوي من عالم الأعمال إلى مزالق السياسة

يروي ناظم الزهاوي مسيرة حياته منذ سنواته الأولى في العراق حتى مسيرته السياسية البريطانية حيث تولى عدة مناصب وزارية في حزب «المحافظين»

ميرزا الخويلدي (الدمام)
المشرق العربي موظفو الانتخابات يجمعون أوراق الاقتراع الخاصة بالانتخابات العراقية بعد إغلاق الصناديق في بغداد (أ.ب)

«صدام حسين» يفوز في انتخابات العراق

فاز المرشح صدام حسين بمقعد في البرلمان العراقي الجديد بعد قرار الهيئة القضائية للانتخابات إلغاء قرار سابق للمفوضية كان يقضي باستبعاده.

حمزة مصطفى (بغداد)
العالم العربي رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (رويترز) p-circle 00:55

رئيس وزراء العراق: لا يمكن نزع سلاح الفصائل إلا بانسحاب أميركا

قال رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم (الاثنين)، إن العراق تعهد بوضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة.

«الشرق الأوسط» (بغداد )

موجة تعاطف مع رضيع فلسطيني تعرّض للتعذيب على يد الجيش الإسرائيلي

الطفل جواد أبو ناصر بعد تعرضه للتعذيب (عائلة الطفل - وسائل إعلام محلية)
الطفل جواد أبو ناصر بعد تعرضه للتعذيب (عائلة الطفل - وسائل إعلام محلية)
TT

موجة تعاطف مع رضيع فلسطيني تعرّض للتعذيب على يد الجيش الإسرائيلي

الطفل جواد أبو ناصر بعد تعرضه للتعذيب (عائلة الطفل - وسائل إعلام محلية)
الطفل جواد أبو ناصر بعد تعرضه للتعذيب (عائلة الطفل - وسائل إعلام محلية)

في واقعة أثارت تفاعلاً وتعاطفاً واسعاً، تعرض الطفل الفلسطيني جواد أسامة أبو نصار (18 شهراً) للاعتقال والتعذيب خلال حادثة وقعت في 19 مارس (آذار) 2026 قرب المنطقة الشرقية من مخيم المغازي وسط قطاع غزة، وفق ما أفادت به عائلته وتقارير محلية.

وحسب رواية العائلة، خرج والد الطفل جواد، واسمه أسامة أبو نصار برفقة طفله لشراء بعض الاحتياجات، قبل أن يقترب من منطقة قريبة من مواقع الجيش الإسرائيلي، حيث أطلق الجنود النار وطلبوا من الأب عبر مكبرات الصوت التوقف وترك الطفل، ليتم اعتقال الأب وأخذ الطفل بشكل منفصل. وبعد نحو 10 ساعات، تواصلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مع العائلة لتسليم الطفل ولمّ شمله بوالدته.

وذكرت العائلة أن الطفل كان في حالة صدمة شديدة، مع وجود آثار إصابات في جسده.

آثار التعذيب في جسد الطفل جواد أبو نصار (عائلة الطفل - وسائل إعلام محلية)

وأفاد تقرير طبي صادر عن مستشفى شهداء الأقصى بأن الطفل وصل وهو يعاني من انتفاخ في الركبة اليمنى، وتقيؤ متكرر، إضافة إلى جروح قطعية حول الركبتين، فيما كانت حالته العامة مستقرة ولا توجد إصابات داخلية، حسب التقرير الطبي.

https://www.facebook.com/asharqnews/videos/في المائةD8في المائةB9في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةB1في المائةD9في المائة87-في المائةD8في المائةB9في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة85-في المائةD9في المائة88في المائةD9في المائة86في المائةD8في المائةB5في المائةD9في المائة81-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB9في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة85-في المائةD8في المائةB7في المائةD9في المائة81في المائةD9في المائة84-في المائةD9في المائة81في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB3في المائةD8في المائةB7في المائةD9في المائة8Aفي المائةD9في المائة86في المائةD9في المائة8A-في المائةD8في المائةB6في المائةD8في المائةADفي المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةAAفي المائةD8في المائةB9في المائةD8في المائةB0في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA8-في المائةD8في المائةACفي المائةD9في المائة86في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةAF-في المائةD8في المائةA5في المائةD8في المائةB3في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةA6في المائةD9في المائة8Aفي المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة8Aفي المائةD9في المائة8Aفي المائةD9في المائة86/911567234834713/

من جانبها، أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها قامت بتسهيل نقل الطفل في ذلك اليوم بهدف لمّ شمله بعائلته، مشيرة إلى أن دورها يقتصر على ضمان النقل الآمن والإنساني، دون الإدلاء بتفاصيل إضافية حفاظاً على الخصوصية، وفق وسائل إعلام.

وتقول عائلة الطفل إن سلوكه تغيّر بعد الحادثة، حيث أصبح شديد التعلق بوالدته ويعاني من الخوف والبكاء المتكرر، في وقت أثارت فيه القضية ردود فعل غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي، ومطالبات حقوقية بفتح تحقيق في ملابسات ما حدث.

وشهدت حالة الطفل تعاطفاً واسعاً عالمياً، إذ تحدث عنه مؤثرون عالميون مثل المدربة ميغان كوبر، والمصور والناشط البريطاني ميسان هاريمان.

وتسلط هذه الحادثة الضوء على الأوضاع الإنسانية المعقدة التي يعيشها المدنيون، خصوصاً الأطفال، في قطاع غزة، في ظل استمرار العمليات العسكرية والمخاطر التي تهدد حياتهم بشكل يومي.


لبنان: الأسعار تقفز على إيقاع الحرب

متطوعون في مطبخ خيري في بيروت يحضِّرون وجبات جاهزة للعائلات النازحة من الحرب (أ.ف.ب)
متطوعون في مطبخ خيري في بيروت يحضِّرون وجبات جاهزة للعائلات النازحة من الحرب (أ.ف.ب)
TT

لبنان: الأسعار تقفز على إيقاع الحرب

متطوعون في مطبخ خيري في بيروت يحضِّرون وجبات جاهزة للعائلات النازحة من الحرب (أ.ف.ب)
متطوعون في مطبخ خيري في بيروت يحضِّرون وجبات جاهزة للعائلات النازحة من الحرب (أ.ف.ب)

تتصاعد أسعار السلع الغذائية في لبنان منذ اندلاع الحرب الإقليمية، لتتحول من انعكاس اقتصادي إلى أزمة معيشية مباشرة تضغط على الأسر وتعيد ترتيب أولويات الإنفاق. وتشمل موجة الغلاء معظم السلع، من المواد الأساسية إلى المنتجات المحلية، في مشهد يعكس تداخلاً بين ارتفاع التكلفة العالمية وتسعير داخلي متسارع يثير تساؤلات حول حدوده وأسبابه.

وتقول رنا، وهي موظفة تقطن في بيروت، إن الغلاء طال مختلف السلع الغذائية «من المعلبات إلى المواد الأساسية وحتى المنتجات المحلية»، مشيرة إلى أن «بعض الأسعار ارتفعت بين 30 و50 في المائة خلال فترة قصيرة». وتشير إلى أن ربطة المعكرونة التي كانت تشتريها «بدولار أو دولارين، باتت اليوم تقارب خمسة دولارات»، مضيفة: «حتى الخبز تغيَّر سعره، نشتريه اليوم بما يقارب 0.8 دولار من الفرن، وقد يصل إلى نحو دولار واحد في المتاجر».

موجة غلاء شاملة

لم تقتصر الزيادات على السلع المستوردة المرتبطة مباشرة بالتقلبات العالمية، بل طالت أيضاً المنتجات المحلية، مما زاد من تعقيد المشهد. فقد سجَّلت المعلبات، من الفول والحمص إلى الأجبان والألبان، ارتفاعات ملحوظة، بينما ارتفعت أسعار المعكرونة والمواد الأساسية الأخرى بنسب لافتة.

حتى الخضراوات، التي يفترض أن تكون أقل تأثراً بالعوامل الخارجية، سجَّلت ارتفاعات، مع تراجع حركة نقل البضائع من أسواق الجملة في الجنوب والبقاع، مما أدَّى إلى انخفاض العرض في العاصمة وارتفاع الأسعار.

هذا التوسع في الغلاء، يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الأسواق تتحرك فقط تحت ضغط التكلفة، أم أن هناك رفعاً استباقياً للأسعار يتجاوز التكلفة.

مطبخ خيري لتحضير الوجبات الجاهزة في وسط بيروت وتوزيعها على العائلات النازحة من الحرب (أ.ف.ب)

الشحن والطاقة

يحذِّر الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان من انعكاس ارتفاع تكلفة الشحن والطاقة عالمياً على الأسعار في لبنان، مؤكداً أن «معظم السلع الغذائية مستوردة، مما يجعل السوق المحلية شديدة التأثر». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: إن «تكلفة شحن الحاوية ارتفعت من نحو ألف إلى 1500 دولار، بالتوازي مع زيادة أقساط التأمين وأسعار المحروقات»، موضحاً أن «التكلفة تمتد إلى التخزين والتوزيع، حيث تعتمد المستودعات والنقل على المازوت». ويشير إلى أن «هذه الزيادات تتراكم عبر كامل سلسلة الإمداد، وستنعكس حتماً على المستهلك».

بدوره، يؤكد ممثل موزعي المحروقات في لبنان، فادي أبو شقرا، لـ«الشرق الأوسط» أن «ارتفاع الأسعار يرتبط مباشرة بالتطورات العالمية والتوترات في ممرات حيوية كمضيق هرمز»، مشيراً إلى أن «أي زيادة في النفط تنعكس تلقائياً على المحروقات، ومن ثم على تكلفة السلع والخدمات».

ويلفت إلى أن «الأسعار ارتفعت بنحو 40 إلى 45 في المائة خلال شهر واحد، إذ صعد سعر صفيحة البنزين من نحو 17 دولاراً إلى قرابة 26 دولاراً»، معتبراً أن هذا الارتفاع له تداعيات مباشرة على مختلف القطاعات، مؤكداً «أن انعكاسه على أسعار المواد الغذائية بدأ يظهر بالفعل».

مفارقة الأسعار

رغم هذا الارتباط، يشير رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية في لبنان، هاني بحصلي، إلى أن التوقيت يطرح إشكالية، إذ يؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنّه «حتى اللحظة لا توجد أي مشكلة في التموين، ولا مؤشرات جديَّة إلى انقطاع المواد الغذائية، ما دام مرفأ بيروت ومطار بيروت يعملان بشكل طبيعي»، مشيراً إلى أنّ «سلاسل الإمداد لا تزال قائمة، وحركة الاستيراد مستمرة، ولو ضمن ظروف أكثر تعقيداً».

ويضيف أن «الوضع لا يمكن وصفه بالمريح، إذ إن ارتفاع أسعار النفط عالمياً انعكس مباشرة على تكلفة الشحن والتأمين، مما قد يؤدي إلى ارتفاع تدريجي في الأسعار خلال الأسابيع المقبلة»، موضحاً أنّ «التأثير الفعلي لهذه الزيادات لم يظهر بالكامل بعد، لأن البضائع التي تصل حالياً تم شحنها قبل ارتفاع التكاليف، بينما ستظهر الفوارق تباعاً خلال فترة تمتد بين أسبوعين وشهر».

متطوعة ترسم على وجه طفل بمركز لإيواء النازحين في بيروت (رويترز)

مخزون متوفِّر

فيما يتعلق بالمخزون، يوضح بحصلي أنّ «الحديث عن رقم دقيق أمر صعب بسبب تنوُّع السلع الغذائية، لكن يمكن القول إن المخزون العام يتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر، وهو المعدل الطبيعي لدورة الاستيراد»، مشيراً إلى أنّ «هذا المخزون يختلف بحسب السلع، فالمواد الجافة مثل الأرز والبقوليات متوفِّرة لفترات أطول، بينما السلع الطازجة كالدواجن واللحوم والخضراوات تخضع لديناميكيات مختلفة وقد تتأثر بشكل أسرع».

هذا الواقع يعني أن الأسواق لا تعاني حالياً نقصاً في المواد، بل تواجه خللاً في التسعير وتفاوتاً في التكلفة.

ارتفاع مبرَّر... أم تجاوزات؟

يؤكد بحصلي أن «ارتفاع أسعار الطاقة لا يعني بالضرورة ارتفاعاً موازياً في أسعار السلع الغذائية»، موضحاً أنَّ «الزيادة في تكلفة الطاقة، رغم أنها تجاوزت 40 في المائة، تنعكس بنسبة محدودة على السعر النهائي للسلعة، لأن الطاقة تُشكِّل جزءاً صغيراً من التكلفة الإجمالية»، معتبراً أنَّ «أي زيادة تتراوح بين 2 و5 في المائة تُعدُّ منطقية في هذه المرحلة، ولا تبرر القفزات الكبيرة التي يسجِّلها بعض التجار».

ويحذِّر من «استغلال الأزمات»، قائلاً إن «مقتضيات الحرب تفرض أحياناً ارتفاعاً في الأسعار نتيجة زيادة تكلفة النقل أو صعوبة الوصول إلى بعض المناطق، لكن ذلك لا يعني أن كل التجار يمارسون الاحتكار أو التسعير المتفلت»، مضيفاً: «هناك فرق بين ارتفاع مبرَّر تفرضه الظروف، وبين تجاوزات يجب ضبطها».

كما يشير إلى أن «توزيع البضائع داخل لبنان بات أكثر تكلفة في بعض المناطق، خصوصاً تلك القريبة من خطوط التوتُّر، حيث يرفض بعض السائقين التوجُّه إليها أو يطلبون بدلات أعلى، مما ينعكس على الأسعار النهائية للمستهلك».

أم تلتقط صورة لابنتيها أمام كنيسة في مدينة صور أثناء احتفالات بأحد الشعانين الذي يسبق عيد الفصح (أ.ب)

بين التكيُّف والفوضى

تبدو الأسواق اللبنانية أمام معادلة دقيقة: ضغوط عالمية حقيقية ترفع التكلفة، في مقابل تسعير داخلي يتسارع أحياناً خارج هذا الإطار. وبينهما، يجد المستهلك نفسه أمام موجة غلاء مفتوحة، قد تتفاقم مع استمرار الحرب. إذ يؤكِّد بحصلي أنَّ «لبنان يمتلك خبرة سابقة في إدارة الأزمات، مما يساعد على التكيُّف مع الظروف الحالية»، داعياً إلى «التعامل بواقعية وهدوء، من دون تخزين مفرط»، ومشدِّداً في الوقت نفسه على أنَّ «الحذر مطلوب، لكن بتأنٍ وعدل، إذ إن المواد الغذائية لن تنقطع عن الأسواق في المدى المنظور، رغم كل التحديات القائمة».


العراق: بارزاني يحمل الحكومة مسؤولية استهداف المقرات الرئاسية في أربيل

 مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني. (أ ف ب)
مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني. (أ ف ب)
TT

العراق: بارزاني يحمل الحكومة مسؤولية استهداف المقرات الرئاسية في أربيل

 مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني. (أ ف ب)
مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني. (أ ف ب)

فيما أثار استهداف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، في مدينة أربيل، غضباً واستنكاراً واسعين عراقياً وعربياً ودولياً، كشف الزعيم الكردي مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني أن «مقره الخاص» تم قصفه 5 مرات، دون أن يعلن عن ذلك.

وفي بيان شديد اللهجة، حمَّل بارزاني الحكومة الاتحادية في بغداد مسؤولية ما يحصل داخل الإقليم، في وقت بدأت فيه ضربات الفصائل المسلحة الموالية لإيران، والمنخرطة معها في الحرب، تستهدف الأراضي السورية.

وقال بارزاني، في بيان، الأحد، إن «إقليم كردستان لم يكن يوماً جزءاً من الأزمات والتوترات والحروب الموجودة في المنطقة، لكن للأسف هناك مجموعة من الأشخاص، من دون أن يردعهم أحد، ينصبّ تركيزهم الأساسي على كيفية معاداة إقليم كردستان، وبأي وسيلة، ويقومون دائماً، وبغير وجه حق، بالاعتداء على الإقليم وقوات البيشمركة، ويشكلون تهديداً لحياة واستقرار شعب كردستان».

وأضاف بارزاني أنه «خلال السنوات الماضية، قاموا عشرات المرات وبظلم ومن دون مبرر، عبر الطائرات المسيّرة والصواريخ، بمهاجمة إقليم كردستان ومقرات قوات البيشمركة؛ ما أدى إلى استشهاد وجرح مواطنين أبرياء.

ومنذ بداية هذه الحرب، شنّوا أكثر من 450 هجوماً بالصواريخ والطائرات المسيّرة على إقليم كردستان ومواقع قوات البيشمركة».

وطبقاً للبيان، كشف بارزاني أن مقره الخاص تم «قصفه خمس مرات، لكننا التزمنا الصمت كي لا نُحدث قلقاً وغضباً بين الجماهير. كما قاموا يوم أمس (أول من أمس) في مدينة دهوك، عبر طائرة مسيّرة، باستهداف منزل رئيس الإقليم»، مبيناً أن «المسألة ليست بيتاً أو مقرّ شخص، فجميع مناطق كردستان وكل بيت فيها له قيمة لدينا».

وفيما عدّ بارزاني أن هذه الاستهدافات بمثابة إعلان حرب ضد الإقليم، أكد أنه «لا يمكن معالجة هذا الأمر بمجرد الإدانات أو الاتصالات أو البيانات أو اللجان»، داعياً بغداد إلى أن «تحسم أمرها؛ إما أن تعلن أنها غير قادرة على منع هذه الجماعات الخارجة عن القانون، أو أن تتحمل مسؤولياتها بجدية، وتحمي الدولة، وتتخذ إجراءات حازمة لمنع تكرار مثل هذه الهجمات غير المشروعة على إقليم كردستان».

موقف رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني جاء بعد يوم من استهداف منزل رئيس إقليم كردستان الذي يتمتع بالحكم الذاتي بموجب الدستور العراقي، الأمر الذي أثار غضباً كبيراً داخل مختلف الأوساط السياسية والمجتمعية داخل العراق، فيما حظي بإدانات عربية وعالمية واسعة، بمن في ذلك إيران، التي أدان وزير خارجيتها، عباس عراقجي، استهداف منزل بارزاني، في وقت نفى فيه «الحرس الثوري» الإيراني مسؤوليته عن القصف، ولم تعلن أي جهة من الفصائل المسلحة العراقية مسؤوليتها عن الحادث.

انقسام حاد

إلى ذلك، وبالتوازي مع ما يجري على جبهة الحرب والتصعيد من قبل الفصائل المسلحة حتى بعد الاتفاق بين بغداد وواشنطن الأخير القاضي بالتنسيق لمواجهة ما سماه البيان «الهجمات الإرهابية»، فإن انقساماً سياسياً حاداً بات يلوح في الأفق، في وقت بدأ فيه نواب من كتل مختلفة جمع تواقيع لعقد جلسة برلمانية، الاثنين، لانتخاب رئيس جمهورية جديد، وهو مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني، نزار أميدي، وتكليف رئيس الوزراء الحالي، محمد شياع السوداني، ولاية ثانية؛ الأمر الذي أغضب كلاً من الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي رشح وزير الخارجية، فؤاد حسين، لمنصب رئيس الجمهورية، كما أغضب زعيم دولة القانون، نوري المالكي، الذي حال «فيتو» أميركي دون استمرار ترشيحه للمنصب.

وفيما تتجه الأنظار إلى جلسة الاثنين البرلمانية، فإنه في حال نجح أعضاء البرلمان في تحقيق نصاب الثلثين لانتخاب رئيس الجمهورية الذي يتعيَّن عليه تكليف المرشح الشيعي لرئاسة الوزراء، فإن البرلمان العراقي المقبل يتجه لتكوين كتلتين.

أما في حال لم يتحقق نصاب الثلثين، فإن حكومة تصريف الأعمال الحالية سوف تستمر في إدارة البلاد ناقصة الصلاحيات، في وقت تبدو فيه عاجزة عن مواجهة الفصائل المسلحة التي بدأت تضرب في كل الاتجاهات، بما في ذلك إقليم كردستان والأراضي السورية.

وفي هذا السياق، وطبقاً لما كشفته وزارة الدفاع السورية، قامت دمشق بتعزيز قواتها باتجاه الحدود العراقية، تحديداً من جهة محافظة الحسكة (أقصى شمال شرقي سوريا)، وذلك في أعقاب هجمات استهدفت قواعد عسكرية داخل الأراضي السورية انطلقت من الجانب العراقي.

وطبقاً لمصدر أمني، فإن هذه الخطوة جاءت بعد تعرّض قاعدة خراب الجير وقاعدة قسرك لهجمات؛ ما دفع القوات إلى الانتشار على طول الشريط الحدودي، بدءاً من معبر اليعربية بريف الحسكة، وصولاً إلى معبر البوكمال في ريف دير الزور المتاخم لمحافظة الأنبار العراقية.

وأوضح المصدر أن التعزيزات تضم نحو 100 آلية عسكرية تقل عشرات الجنود المزودين بأسلحة ثقيلة، وتهدف إلى منع أي خرق أمني محتمل على الحدود بين البلدين.

من جهتها، فإن الحكومة العراقية التزمت الصمت حيال هذا التطور بشأن قيام دمشق بإرسال تعزيزات باتجاه الحدود العراقية، بعد أن كان العراق أقام جداراً حدودياً مع سوريا، لمنع تسلل إرهابيي تنظيم «داعش».