سجال عراقي حول «العفو العام» و«الأحوال الشخصية»

البرلمان يناقش تعديل قانونين رغم معارضة سياسية ومجتمعية

البرلمان العراقي بلا رئيس منذ أكتوبر الماضي بعد إقالة الحلبوسي (إعلام المجلس)
البرلمان العراقي بلا رئيس منذ أكتوبر الماضي بعد إقالة الحلبوسي (إعلام المجلس)
TT

سجال عراقي حول «العفو العام» و«الأحوال الشخصية»

البرلمان العراقي بلا رئيس منذ أكتوبر الماضي بعد إقالة الحلبوسي (إعلام المجلس)
البرلمان العراقي بلا رئيس منذ أكتوبر الماضي بعد إقالة الحلبوسي (إعلام المجلس)

بعد أسابيع من الركود، يعود البرلمان العراقي بجدول أعمال مزدحم، وسجال سياسي حول تشريعات إشكالية. وأعلنت رئاسة المجلس بالإنابة عن إدراج قانوني «العفو العام» و«الأحوال الشخصية» في جلسة الأربعاء.

وتنعقد جلسات البرلمان منذ أشهر دون رئيس منتخب نتيجة عدم اتفاق الكتل السياسية على مرشح سني ليكون خلفاً للرئيس المقال محمد الحلبوسي.

وقالت رئاسة البرلمان إن النواب سيناقشون، الأربعاء، مشروع قانون العفو العام، وتعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959 الذي أقر في عهد عبد الكريم قاسم بعد مرور سنة على ثورة 14 يوليو (تموز) 1958.

العفو العام

وقرر البرلمان إدراج قانون «العفو العام» في جدول الأعمال بعد اتفاق قادة الكتل النيابية على تشريعه خلال الجلسات المقبلة.

وكان إقرار هذا القانون جزءاً من اتفاق القوى السياسية على تشكيل الحكومة الحالية التي يرأسها محمد شياع السوداني.

ويعد العفو العام واحداً من أبرز مطالب الأحزاب السنية في العراق منذ عام 2003، وتزعم منظمات غير حكومية أن القوات الحكومية اعتقلت الآلاف من العرب السنة دون سند قانوني، أو بذريعة مخبرين قدموا شكاوى كيدية تحت غطاء مكافحة الإرهاب.

في المقابل، تعارض أحزاب شيعية تشريع القانون إذا كان يسمح بإطلاق إرهابيين من السجون رغم تورطهم بجرائم قتل.

وقال رعد الدهلكي، عضو البرلمان عن محافظة ديالى: «نزف لإخواننا من المعتقلين الأبرياء وذويهم الاتفاق خلال اجتماع رؤساء الكتل السياسية على إدراج مشروع قانون العفو العام خلال الجلستين المقبلتين للقراءة الأولى والمضي بالتصويت عليه، لإنصافهم بعد سنوات من المعاناة والظلم نتيجة المخبر السري والتهم الكيدية».

من جهته، أكد عضو مجلس النواب، محمد الخفاجي، أن «البرلمان شرع قانون العفو العام عام 2016، وما نتحدث عنه الآن هو تعديل لا يشمل الإرهابيين وفئات محددة، من بينها الاتجار بالبشر والمخدرات والجرائم التي تمس الأمن الوطني والقومي، وكذلك جرائم اختلاس الأموال وهدر المال العام وغيرها».

أما العفو عن جرائم القتل العمد فسيكون «وفق شروط معينة؛ منها أن يقدم أصحاب المجني عليه التنازل الكامل عن الحق الشخصي».

ويعد قانون العفو العام أحد أبرز شروط الكتل السنية في أثناء مفاوضات تشكيل إدارة الدولة، التي ضمت «الإطار التنسيقي» الشيعي والكتل الكردية والسنية، وتمخضت عن تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة محمد شياع السوداني.

ويتضمن البرنامج الحكومي، وفق نواب من المكون السني، إصدار قانون العفو العام والتدقيق الأمني في محافظاتهم.

تعديل قانون الأحوال الشخصية قد يسمح باعتماد الشريعة في أحكام الزواج والحضانة والميراث (أرشيفية - إعلام محلي)

تعديل الأحوال الشخصية

ورغم أن نائباً واحداً تقدم بطلب تعديل قانون الأحوال الشخصية، فإن رئاسة البرلمان وافقت على إدراجه في جدول الأعمال، وترجح أطراف مدنية مختلفة أن الأغلبية الشيعية يمكنها تمرير تعديل قد يضر بجوهر القانون.

وسبق لقوى شيعية أن تقدمت بطلب تشريع قانون جديد يتيح للمواطنين اللجوء إلى رجال الدين الشيعة والسنة للتقاضي في شؤون الزواج والطلاق والميراث، لكن معارضة مجتمعية أحبطت تلك المحاولات.

وكان رئيس «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» الراحل عبد العزيز الحكيم، ألغى قانون الأحوال المدنية لسنة 1957، حين تسلم رئاسة «مجلس الحكم» نهاية عام 2003، قبل أن يعيد الحاكم الأميركي المدني بول بريمر العمل به سنة 2004.

وكتبت النائبة في البرلمان سروة عبد الواحد، في منصة «إكس»، أن «رئاسة البرلمان وضعت تعديل قانون يمس حياة العراقيين بناء على طلب نائب واحد (...) كيف نرد عليها».

وقالت عبد الواحد إن «تمرير هذا التعديل يقسّم العراق، ومن يتحدث باسم المرجعية الدينية ويقول إن المرجع الأعلى دعا إلى هذا التعديل فعليه أن يعطينا دليلاً واضحاً وصريحاً»، لافتة إلى «رفض التعديلات، ولن نقف مكتوفي الأيدي».

من جهته، قال النائب السابق في البرلمان العراقي حيدر الملا، إن «الأسرة نواة المجتمع فلا تدمروا الأسرة»، في إشارة إلى محاولة تعديل قانون الأحوال الشخصية.

في السياق، قال الخبير القانوني علي التميمي لـ«الشرق الأوسط»، إن «تعديل قانون الأحوال الشخصية يبدو أمراً طبيعياً لا سيما أن القانون صدر قبل أكثر من 60 عاماً مثل الطلاق التعسفي، كما يحصل الآن يحصل الآن لأتفه الأسباب، وهو ما يتطلب تشديد العقوبة فضلاً عن المادة الـ46 التي تتعلق بالطلاق الخلعي، والتي تتطلب موافقة الزوج بينما ليس هناك حاجة لذلك بوجود صلاحية المحكمة، والأمر نفسه ينطبق على المادة التي تخص الحضانة التي هي الأخرى تحتاج إلى تعديل».

وطبقاً للتميمي، فإن «الزواج خارج المحكمة بحاجة إلى تعجيل في القانون، لتضمن عقوبة للزوج بينما يجب أن تشمل الزوجة ورجل الدين الذي يتولى العقد خارج المحكمة، من أجل الحد من زواج القاصرات».

وتتعلق محاولة التعديل الحالية بالمادة الـ41 من الدستور التي تنص على أن العراقيين أحرار في أحوالهم الشخصية طبقاً لدياناتهم ومذاهبهم، وقال التميمي إن الأمر «متروك للبرلمان فيما إذا أراد أن يشرع قوانين خاصة للطوائف والأديان الأخرى، لكن من الأهمية التأكيد أن قانون الأحوال الشخصية العراقي يعد الأفضل في المنطقة».


مقالات ذات صلة

العراق: ضبط المزيد من الأموال والذهب عند «وكيل النفط»

المشرق العربي رزم الأموال الجديدة التي ضبطت عند وكيل وزارة النفط (وكالة الأنباء العراقية)

العراق: ضبط المزيد من الأموال والذهب عند «وكيل النفط»

ما زالت فصول قضية وكيل وزارة النفط المتهم بالفساد عدنان الجميلي تتوالى، وسط مخاوف من أن تقتصر «صولة» القضاء والحكومة ضد الفساد على صغار الفاسدين.

فاضل النشمي (بغداد)
خاص رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه المبعوث الأميركي توم برَّاك في بغداد يوم 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)

خاص تحالف عراقي - سوري برعاية أميركية... «بعيداً عن معسكر إيران»

أفاد ثلاثة مصادر، الاثنين، بأن العراق وسوريا يستعدان لتوقيع اتفاق اقتصادي برعاية أميركية، على هامش زيارة رئيس الحكومة علي الزيدي لواشنطن منتصف الشهر الجاري.

علي السراي (لندن)
خاص وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين ونظيره الإيراني عباس عراقجي في بغداد يوم 6 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

خاص بغداد ترفض «حماية إيرانية» لمطلوبين على قوائم الفساد

قال مصدران مطلعان، الأحد، إن الحكومة العراقية رفضت طلبات إيرانية لاستثناء شخصيات مدرجة على قوائم الاعتقال في إطار تحقيقات بشأن شبهات فساد...

علي السراي (لندن)
المشرق العربي أنصار مقتدى الصدر يلوّحون بالعلم العراقي خلال مظاهرة دعماً لإجراءات مكافحة الفساد في النجف (أ.ب)

العراق: حملة مرتقبة لرفع الحصانة عن نواب جدد متهمين بالفساد

كشفت مصادر برلمانية أن القضاء العراقي يعتزم رفع الحصانة عن نواب جدد، بعد أن تولى رفع الحصانة عن 10 نواب أثناء ما عرف بـ«صولة الفجر».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي عناعصر جهاز مكافحة الإرهاب يعثرون على كدس للعتاد في نينوى السبت _ وكالة الانباء العراقية

كركوك: مصرع ضابط عراقي في اشتباكات مسلحة مع عناصر لـ«داعش»

نعى جهاز مكافحة الإرهاب العراقي، الأحد، مقتل أحد ضباطه الذي يحمل رتبه ملازم أول على يد عناصر تنظيم «داعش» في محافظة كركوك (شمال)

فاضل النشمي (بغداد)

صراع اللافتات والصور في لبنان… مرآة لموازين القوى

لوحات إعلانية تحمل عبارة «لبنان يجمعنا» رفعت على الطريق المؤدي إلى المطار في بيروت وذلك بعد بدء وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» (إ.ب.أ)
لوحات إعلانية تحمل عبارة «لبنان يجمعنا» رفعت على الطريق المؤدي إلى المطار في بيروت وذلك بعد بدء وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» (إ.ب.أ)
TT

صراع اللافتات والصور في لبنان… مرآة لموازين القوى

لوحات إعلانية تحمل عبارة «لبنان يجمعنا» رفعت على الطريق المؤدي إلى المطار في بيروت وذلك بعد بدء وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» (إ.ب.أ)
لوحات إعلانية تحمل عبارة «لبنان يجمعنا» رفعت على الطريق المؤدي إلى المطار في بيروت وذلك بعد بدء وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» (إ.ب.أ)

لم يعد انتشار اللافتات والصور والشعارات السياسية في الشوارع اللبنانية، ولا سيما على طريق مطار رفيق الحريري الدولي، مجرد تعبير دعائي أو مناسبة احتفالية مرتبطة بمحطة سياسية أو إقليمية معينة، بل بات يُنظر إليه باعتباره مؤشراً يعكس طبيعة موازين القوى والتحولات السياسية التي يشهدها لبنان، كما يشكّل ساحة إضافية للصراع على الانتماءات والرسائل الموجهة إلى الداخل والخارج.

تقلب موازين القوى

فبعدما كانت موازين القوى السابقة قبل قرار «حزب الله» إسناد غزة تميل بقوة لحلفاء طهران في لبنان، كانت اللافتات والصور التي تحمل صور قادة إيران و«حزب الله» أمراً طبيعياً جداً على الطرقات اللبنانية ولا سيما الجنوبية اعتادها اللبنانيون وزوارهم خصوصاً وفي الضاحية وعلى طريق المطار. لكن بعد الصفعات الكبرى التي تلقاها الحزب وانهيار النظام في سوريا، انقلبت الأمور رأساً على عقب. فأمسكت الدولة زمام الأمور على طريق المطار وفي داخله، ناقلة إياه من صورة إلى أخرى. فرفعت شعارات «لبنان أولاً» لأشهر على طريق المطار قبل أن تعود الأمور لتتغير مؤخراً بعد توقيع التفاهم الأميركي- الإيراني، وما اعتبره «حزب الله» وجمهوره انتصاراً لهم. فعادت صور المرشد الإيراني السابق علي خامنئي وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله لتنتشر في الشوارع وعلى طريق المطار، كما انتشرت لافتات تشكر طهران على هذا الاتفاق وما تضمنه بخصوص لبنان. وهو الأمر الذي لاقى رفضاً واسعاً وأعلن وزير الداخلية أحمد الحجار أنه ستتم إزالتها قبل أن يعلن اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية لبيروت أن رفعها مرتبط بذكرى عاشوراء وهي لن تبقَ أكثر من 10 أيام. من هنا، وبعد إزالتها رفعت فوراً شعارات «لبنان أولاً» و«لبنان يجمعنا» التي تعرض بعضها للحرق.

لوحات إعلانية تحمل عبارة «لبنان أولاً» بعدما أضرمت النيران في إحداها على طريق مطار بيروت بالقرب من الضاحية الجنوبية لبيروت معقل «حزب الله» (أ.ف.ب)

وقبل أيام وفي ذكرى استقلال الولايات المتحدة الأميركية، استفز رفع صور ولافتات لمعايدة واشنطن، جمهور «حزب الله» الذي انتقد ما اعتبره «كيلاً بمكيالين»، بحيث أن «هناك من يرفض وجود صور لإيران وقادتها ويفضل رفع أعلام أميركا»، خاصة أن بعض هذه اللافتات رفعت داخل مطار رفيق الحريري الدولي إضافة إلى بعض المناطق اللبنانية.

صراع النفوذ

ويعتبر المحامي والأستاذ الجامعي الدكتور علي مراد أن رفع اللافتات على طريق المطار يعبّر عن إشكالية عميقة مرتبطة بصورة لبنان أمام زواره، باعتبار أن هذا الطريق يشكّل الإطلالة الأولى والأخيرة لأي وافد إلى البلاد. ومن هذا المنطلق، فإن رفع لافتات مرتبطة بإيران يهدف إلى تقديم صورة سياسية ورمزية محددة عن لبنان.

ويرى مراد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن اللافتات التي تتضمن عبارات شكر لإيران لا تستهدف جمهور «حزب الله» فحسب، بل تحمل رسائل سياسية ورمزية إلى الداخل والخارج، في إطار صراع النفوذ حول الصورة التي يُراد للبنان أن يظهر بها. ويضع هذا الأمر في سياق أوسع يشبه الصراع حول تسمية الشوارع والساحات، باعتباره انعكاساً للتنافس على الهوية السياسية والرمزية للبلاد.

وفي المقابل، يعتبر مراد أن رفع لافتات مرتبطة بالولايات المتحدة الأميركية جاء في إطار رد فعل مضاد، لكنه بقي محدود الانتشار والتأثير، من دون أن ننسى حوادث إحراق لافتات تحمل شعار «لبنان أولاً».

لوحات إعلانية لشكر إيران بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار الشهر الماضي (الشرق الأوسط)

ويشير مراد إلى أن الدعاية السياسية في الفضاء العام، ولا سيما على الطرقات، شكّلت عنصراً أساسياً في مقاربة «حزب الله» منذ ما قبل عام 2000؛ إذ تهدف إلى إظهار الطرف الغالب وإبراز موازين القوى القائمة، بما يجعل من اللافتات والصور وسيلة لرصد التحولات في النفوذ السياسي داخل المجتمع اللبناني.

أسماء الشوارع والطرقات

ولا تقتصر هذه المواجهة الرمزية على اللافتات والصور، بل تمتد أيضاً إلى أسماء الشوارع والجادات والأوتوسترادات، التي تحوّلت بدورها إلى ساحة تعكس التحولات السياسية وموازين القوى في البلاد. وقد شهدت المرحلة الأخيرة تغيير أسماء بعض هذه المعالم، أبرزها قرار الحكومة اللبنانية في أغسطس (آب) 2025 تغيير اسم «جادة حافظ الأسد» الممتدة من مطار رفيق الحريري الدولي باتجاه نفق سليم سلام واستبدل به اسم «جادة زياد الرحباني»، في خطوة اعتبرها كثيرون مؤشراً على تبدّل المشهد السياسي وانحسار رمزية الحقبة السورية في لبنان، مقابل تكريس رموز ثقافية لبنانية في الفضاء العام.

وكانت الجادة قد حملت اسم الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد منذ عام 1998، في مرحلة النفوذ السوري الواسع في لبنان. أما الاسم الجديد فيحمل اسم الفنان والمسرحي اللبناني الراحل زياد الرحباني، الذي توفي في يوليو 2025.

الولاءات الخارجية

ويوضح مراد أن مسألة الولاءات الخارجية تُعد جزءاً من الأزمة اللبنانية المزمنة المرتبطة بالاصطفافات الإقليمية، إلا أنه يلفت إلى أن علاقة أي طرف لبناني بدولة خارجية لا تشبه طبيعة العلاقة القائمة بين إيران و«حزب الله». ويؤكد أن القوى اللبنانية التي ترى نفسها اليوم أقرب إلى الولايات المتحدة تدرك في الوقت نفسه أن حسابات واشنطن الاستراتيجية قد تتعارض مع المصالح اللبنانية، وهو ما ظهر، حسب رأيه، خلال محطات تاريخية عدة، أبرزها عام 1975 ولاحقاً عام 1990.


الداخلية السورية بدأت تحليل تسجيلات الكاميرات لكشف ملابسات تفجيري دمشق

وزير الداخلية السوري أنس خطاب يتفقد منطقة بالقرب من فندق فورسيزونز بعد انفجارين في دمشق بالقرب من فندق كان يقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
وزير الداخلية السوري أنس خطاب يتفقد منطقة بالقرب من فندق فورسيزونز بعد انفجارين في دمشق بالقرب من فندق كان يقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
TT

الداخلية السورية بدأت تحليل تسجيلات الكاميرات لكشف ملابسات تفجيري دمشق

وزير الداخلية السوري أنس خطاب يتفقد منطقة بالقرب من فندق فورسيزونز بعد انفجارين في دمشق بالقرب من فندق كان يقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
وزير الداخلية السوري أنس خطاب يتفقد منطقة بالقرب من فندق فورسيزونز بعد انفجارين في دمشق بالقرب من فندق كان يقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

«تتابع وزارة الداخلية السورية انفجارين قرب فندق الفورسيزونز، حيث أمضى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليلته في زيارته الرسمية إلى العاصمة دمشق، وذكرت الوزارة أن الانفجارين ناجمان عن عبوتين ناسفتين.

وأشار وزير الداخلية أنس خطاب في تصريحات للإخبارية السورية، إلى أن بعض الطرق (داخل العاصمة) لا تزال مغلقة ريثما تنتهي أعمال التأمين في محيط الموقع، لافتاً إلى أن الجهات المختصة في الوزارة بدأت تحليل تسجيلات الكاميرات ومعلومات السيارة التي وُضعت العبوة بداخلها، لكشف ملابسات الحادث.

أفراد أمن سوريون يتفقدون مركبات محترقة بالقرب من فندق فورسيزونز بعد انفجارين هزا المنطقة في دمشق الثلاثاء (أ.ب)

وبيّن أن موكب الرئيس الفرنسي كان يبعد نحو 10 كيلومترات عن موقع الانفجار، مؤكداً أن وحدات K9 فتشت المواقع المحيطة وتأكدت من عدم وجود عبوة ثالثة، حفاظاً على سلامة المواطنين.

وقال الوزير خطاب، إن الانفجار الأول وقع عند الساعة 10:15 صباحاً، وعقبه الانفجار الثاني بعد نحو 8 دقائق. وأوضح أن معظم المصابين هم من عناصر وزارة الداخلية، مشيراً إلى أن الإصابات طفيفة باستثناء 4 حالات تخضع لعمليات جراحية.

أفراد الأمن السوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق فورسيزونز بينما كان الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في القصر الرئاسي بدمشق الثلاثاء (أ.ب)

وكان المتحدث باسم الداخلية السورية، نور الدين البابا، كشف اليوم، عن الوصول لطرف خيط يدل على منفذي التفجيرات في العاصمة دمشق. وقال البابا خلال مؤتمر صحافي إنه «تمت محاولة استهداف الطوق الأمني الذي يقوم بحماية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون».

كما أوضح أن «سبب التفجيرات الحاصلة عبوات ناسفة على زاوية الطوق الأمني ولم تستطع اختراقه». كذلك أضاف أن «قيادة الأمن الداخلي باشرت بالاشتراك مع الجنائية مباشرة بالتحقيق بالانفجار الذي يستهدف العلاقات السورية الفرنسية»، مؤكداً الوصول «إلى رأس خيط يدل على الفاعلين».

عنصر أمن سوري يتفقد سيارة محترقة بالقرب من فندق فورسيزونز بعد انفجارين هزا المنطقة الثلاثاء (أ.ب)

وبيّن البابا أن «العبوات الناسفة زرعت قبل دقائق فقط من الانفجار»، مردفاً أنه «يجري متابعة ما وصلنا له وسيتم قريباً إلقاء القبض على الفاعلين».

أحد أفراد الأمن بملابسه مغطاة ببقع الدم يقف بالقرب من فندق فورسيزونز بعد انفجارين قريبين خلال زيارة الزعيم الفرنسي التاريخية إلى سوريا ( إ.ف.ب)

وأوضحت وزارة الداخلية لوكالة «سانا»، أن قوى الأمن الداخلي رصدت العبوتين خلال عملياتها الميدانية، وباشرت الوحدات المختصة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتفكيكهما، إلا أنهما انفجرتا في أثناء التجهيز لتنفيذ عملية التفكيك.

وفرضت قوى الأمن الداخلي طوقاً أمنياً في محيط موقع الانفجار، حفاظاً على سلامة المواطنين، وباشرت الوحدات المختصة عمليات المسح والتأمين في المنطقة، بالتزامن مع متابعة الإجراءات الأمنية.

Your Premium trial has ended


علي الطاهر... المرتفع الذي عطّل أول محاولة لإطلاق الانسحاب الإسرائيلي

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية استهدفت بلدة النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية استهدفت بلدة النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

علي الطاهر... المرتفع الذي عطّل أول محاولة لإطلاق الانسحاب الإسرائيلي

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية استهدفت بلدة النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية استهدفت بلدة النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أعاد الفيديو المتداول لرفع العلم الإسرائيلي فوق إحدى نقاط مرتفعات علي الطاهر، الثلاثاء، تسليط الضوء على أحد أهم المواقع الاستراتيجية في جنوب لبنان. فالمرتفع الذي يشرف على مدينة النبطية وكفرتبنيت، ويؤمن الإسناد المتبادل مع قلعة الشقيف، تحول إلى عقدة جيواستراتيجية. وبينما أثارت الصور المتداولة تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل أحكمت سيطرتها على الموقع، يؤكد خبراء عسكريون أن الوصول إلى إحدى نقاط المرتفع لا يعني بالضرورة السيطرة العسكرية على كامل الجبل، الذي ظل محوراً للخلاف في المفاوضات بسبب موقعه الاستثنائي.

وترافقت هذه التطورات مع تصعيد ميداني في أكثر من منطقة؛ إذ ألقت مسيّرات إسرائيلية عدداً من القنابل الصوتية فوق بلدة حداثا في قضاء بنت جبيل، فيما حلّق الطيران الحربي الإسرائيلي على علو منخفض فوق منطقة البقاع وصولاً إلى مدينة بعلبك. وفي القطاع الغربي، أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن الجيش الإسرائيلي سيّر دوريات مؤللة في عدد من القرى، تخللها إطلاق نار كثيف في محيط تحركاتها، بالتزامن مع مواصلة الطيران المسيّر الإسرائيلي تحليقه فوق الضاحية الجنوبية لبيروت.

صورة متداولة في لبنان لرفع العلم الإسرائيلي على تلّة علي الطاهر

رفع العلم لا يعني السيطرة

وقبل رفع العلم، الثلاثاء، كانت إسرائيل أعلنت في 26 يونيو (حزيران) الماضي أنها سيطرة على «علي الطاهر» قبل أن ينفي «حزب الله» هذا الأمر، مشدداً «على أنها لا تزال تحت سيطرة عناصر المقاومة، الذين يبسطون سيطرتهم عليها».

وفي هذا الإطار، أكد العميد المتقاعد بسام ياسين لـ«الشرق الأوسط» أن مرتفعات علي الطاهر تُعد من أبرز العقد الجغرافية والعسكرية في جنوب لبنان، نظراً إلى موقعها المشرف على مدينة النبطية ومحيطها، موضحاً أنها «تمتد من كفرتبنيت حتى كفررمان، وتشرف على مدينة النبطية من مختلف الجهات وعلى الطرق المؤدية إليها، كما تقابل قلعة الشقيف مباشرة، ولا يفصل بينهما سوى بلدة كفرتبنيت، ما يجعلها كتلة استراتيجية مقابلة للشقيف».

وأشار إلى أن إسرائيل «كانت تتمركز في علي الطاهر قبل عام 2000، حيث أقامت ثلاثة مواقع عسكرية على تلال علي الطاهر والدبشة وجبل الطهرة، وهو ما يفسر استمرار اهتمامها بالمنطقة وسعيها إلى إعادة فرض السيطرة عليها»

وأضاف: «يمتد جبل علي الطاهر لمسافة تقارب كيلومتراً ونصف كيلومتر، ويشرف على سهل كفررمان والمنطقة المقابلة لإقليم التفاح وصولاً إلى جبل الرفيع وجبل صافي وسجد، وهو ما يمنحه أهمية ميدانية واستراتيجية كبيرة».

ورأى ياسين أنه «في حال وصول القوات الإسرائيلية إلى أطراف المرتفعات، لا تستطيع الادعاء بأنها باتت تسيطر عليها»، موضحاً أن «وصول طائرة مسيّرة إلى أحد المواقع أو رفع علم فوق نقطة معينة لا يعني السيطرة العسكرية على المنطقة أو احتلالها».

وفيما يتردد عن وجود منشأة تحت الأرض في علي الطاهر، قال ياسين: «إذا كانت هذه المنشأة موجودة بالفعل، فهي تفسر تعرض المنطقة لمئات الغارات خلال العامين الماضيين؛ لأن الهدف الأساسي كان الوصول إلى هذه المنشأة. وتقول إسرائيل إن عناصر من ما زالوا موجودين داخلها، ولذلك تسعى إلى إحكام السيطرة عليها؛ لأنها لا تستطيع حسم هذا الأمر من الجو، فيما يتطلب الدخول إلى المنشأة والسيطرة عليها وقتاً وجهداً ميدانياً».

صورة تظهر آثار القصف على مرتفعي علي الطاهر والدبشة جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

شبكة مرتفعات تؤمن السيطرة بالنار

بدوره، قال العميد الركن المتقاعد فادي داود لـ«الشرق الأوسط» إن «علي الطاهر يشكل نقطة ارتكاز وإسناد لمرتفع الشقيف، فالموقعان يؤمنان الإسناد المتبادل، سواء عبر المراقبة البصرية أو السيطرة بالنيران، ويؤمن كل منهما حماية للآخر، بما يسمح بإحكام السيطرة على كامل المحيط».

وأضاف أن «المقصود بعلي الطاهر ليس مجرد قمة واحدة، بل هو جزء من جبل الطهرة الذي يضم ثلاثة مرتفعات رئيسية تمتد من الشمال إلى الجنوب، هي علي الطاهر، والدبشة، وراية الطاهر»، مشيراً إلى أن أعلى هذه القمم تقع في الجزء الجنوبي من الجبل، فيما تشكل القمم الثلاث كتلة جغرافية وعسكرية واحدة.

وأوضح أن الموقع «يشرف مباشرة على كفرتبنيت والنبطية، وله تأثير على محيط كفررمان»، لافتاً إلى أن «الإشراف على المستوطنات الإسرائيلية يتحقق أساساً من مرتفعات الشقيف والبفور، بينما يقوم علي الطاهر بتأمين وحماية مرتفع البفور وإسناده ضمن شبكة المرتفعات نفسها».

ولفت إلى أن أهمية الموقع «لا تتوقف عند الجغرافيا العسكرية»، مضيفاً: «لا أستطيع تأكيد هذه المعلومات عسكرياً، لكن هناك حديثاً متداولاً منذ سنوات عن منشآت كبيرة وغرف عمليات تحت الجبل، كما يجري تداول معلومات عن وجود خبراء أو ضباط إيرانيين أو عناصر ذات وزن عسكري داخل تلك المنشآت، إلا أن كل ذلك يبقى في إطار المعلومات غير المؤكدة التي لا يمكن الجزم بصحتها».

كما شرح البعد العملياتي للموقع، موضحاً أن «القوات القادمة من محور دار ميماس تعبر باتجاه قلعة الشقيف وأرنون، ومن هناك تتفرع الحركة على محورين: محور شرقي باتجاه علي الطاهر، ومحور غربي باتجاه النبطية وكفرتبنيت، الأمر الذي يجعل السيطرة على جبل الطاهر عاملاً أساسياً في التحكم بالمحاور المؤدية إلى هذه المنطقة، وفي تأمين الإشراف والمراقبة على مساحة واسعة».

تصاعد أعمدة الدخان جرّاء القصف على حرش علي الطاهر جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

مرتفعات غيّرت مسار المفاوضات

وبحسب معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط»، فإنه مع بدء المفاوضات العملية حول الانسحاب، طُرح أن يبدأ التنفيذ من منطقة كفرتبنيت وقلعة الشقيف الأثرية، بهدف إبعاد القوات الإسرائيلية عن مدينة النبطية بعدما أصبحت على تخومها غير أن الاقتراح اصطدم بإصرار إسرائيلي على الوصول إلى مرتفعات علي الطاهر، فتحولت إلى محور الخلاف الرئيسي في المفاوضات.

وجرت اتصالات مع الجانب الأميركي على أساس دخول الجيش اللبناني إلى المنطقة مقابل انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى ما بعد نهر الليطاني، فيما نُقلت الفكرة إلى «حزب الله» عبر وسطاء.

وبحسب المعلومات، وافقت إسرائيل على المقترح، إلا أن الحزب رفضه بعد طرح صيغة أولية تقضي بانتشار الجيش اللبناني من دون دخوله إلى المنشأة، فسقطت الفكرة، وانتقلت المفاوضات إلى خيار آخر تمثل في اعتماد مرحلة تجريبية في زوطر الغربية وفرون والغندورية، فيما بقيت منطقة علي الطاهر خارج أي تفاهم.

من موقع احتلال سابق إلى محور الصراع

تقع تلة علي الطاهر شمال نهر الليطاني بين بلدتي كفرتبنيت والنبطية الفوقا، على ارتفاع يقارب 600 متر فوق سطح البحر، وهي جزء من سلسلة مرتفعات تضم علي الطاهر والدبشة ورأس الطهرة.

وخلال الحرب الأخيرة، جاء التقدم الإسرائيلي نحو التلة استكمالاً للمسار الذي بدأ بالسيطرة على قلعة الشقيف، حيث تقدمت القوات من محيط مجرى نهر الليطاني قبل أن تفتح محورين باتجاه علي الطاهر، في مسار ينسجم مع طبيعة الأرض ويتيح الإشراف على المحاور المؤدية إلى النبطية.

ولا تنبع أهمية الموقع من دوره في العمليات الحالية فقط، بل أيضاً من تاريخه العسكري، إذ شكّل خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي للشريط الحدودي حتى عام 2000 أحد أبرز المواقع والتحصينات العسكرية الإسرائيلية، قبل أن يتحول بعد الانسحاب إلى هدف استراتيجي لـ«حزب الله».