هل «طوفان الأقصى» آخر حروب «حماس»؟

قدرات الحركة العسكرية العقبة الكبرى في طريق «الهدنة»

فلسطينيون في خان يونس على مركبة عسكرية إسرائيلية جرى الاستيلاء عليها ضمن عملية «طوفان الأقصى» (د.ب.أ)
فلسطينيون في خان يونس على مركبة عسكرية إسرائيلية جرى الاستيلاء عليها ضمن عملية «طوفان الأقصى» (د.ب.أ)
TT

هل «طوفان الأقصى» آخر حروب «حماس»؟

فلسطينيون في خان يونس على مركبة عسكرية إسرائيلية جرى الاستيلاء عليها ضمن عملية «طوفان الأقصى» (د.ب.أ)
فلسطينيون في خان يونس على مركبة عسكرية إسرائيلية جرى الاستيلاء عليها ضمن عملية «طوفان الأقصى» (د.ب.أ)

سؤال صعب لم تجب عنه التطورات الميدانية، يلمس مستقبل حركة «حماس» وقدرتها على خوض حروب مستقبلية، انطلاقاً من قدراتها العسكرية التي يغلفها قدر كبير من الغموض، ومدى تأثير نحو 9 أشهر من القتال على السلاح وخطوط الإمداد.

حرب انتقامية هي الأعنف طيلة عقدين، بدأتها «حماس» باستراتيجية «المواجهة المستمرة والتوثيق»، لكن وتيرة تحركاتها انكمشت يوماً بعد يوم على وقع خسائر كبيرة، حتى دخلت مرحلة «التراجع الميداني»، و«تكنيك الأكمنة» المستندة لدعم لوجيستي من شبكة أنفاق معقدة.

تلك التطورات الميدانية المتسارعة وضعت «القدرات العسكرية» لحركة «حماس»، في صورة «العقبة الكبرى» في طريق الهدنة، وحرّكت تساؤلات بشأن احتمالية أن تكون عملية «طوفان الأقصى» آخر حروبها.

تلك التساؤلات وضعتها «الشرق الأوسط»، أمام خبراء عسكريين وسياسيين عرب وغربيين، اتفقوا في معظمها على أن معركة «طوفان الأقصى» التي أشعلتها «حماس» مع إسرائيل، قبل 9 أشهر، قد لا تكون «آخر الحروب»، وإن كانت قد أضعفت قدرات الحركة عسكرياً، وأثرت بشكل لافت على خطوط الإمداد ودفعها لنقل العمليات القتالية إلى «حرب مدن».

وتقف تل أبيب بين تمسك وزير الدفاع يوآف غالانت، في 3 يونيو (حزيران) الحالي، بـ«تفكيك (حماس) بوصفها سلطة حاكمة وعسكرية»، واعتراف متحدث الجيش الإسرائيلي دانيال هاغاري في 19 من الشهر نفسه، بأن هدف القضاء على الحركة «بعيد المنال»؛ ما أثار غضب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وقتها ودفعه لتجديد تعهده بالقضاء عليها.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع قائد القيادة الشمالية الإسرائيلية أوري غودن خلال حضورهما تمارين عسكرية في الجليل (مكتب الإعلام الحكومي - د.ب.أ)

تراجع «تكتيكي»

وفي 7 أكتوبر (تشرين الأول)، بدأت «حماس» تحركاً عسكرياً لأول مرة باستراتيجية «المواجهة المباشرة المستمرة»، قبل أن تنكمش وتيرة عملياتها إثر حرب إسرائيلية غير مسبوقة، وتدخل مرحلة «حرب الأكمنة» المستندة لدعم لوجيستي من شبكة أنفاق معقدة.

وظهر ذلك مع «توغل إسرائيل في رفح الفلسطينية، حيث اعتمدت «حماس» على أساليب الكر والفر، ونصب الكمائن، واستخدام القنابل بدائية الصنع، وتجنب المناوشات المباشرة كما كانت مع بداية الحرب، لا سيما مع خسارة نصف مقاتليها من 20 إلى 25 ألفاً إلى 9 إلى 12 ألفاً»، وفق ما نقلته «رويترز» عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين مطّلعين في 6 يونيو الحالي.

ذلك التراجع لا يراه متحدث «حماس» حسام بدران، في حديث مع «الشرق الأوسط» صحيحاً، مؤكداً أن «كتائب الحركة موجودة في كل المناطق بغزة، وجيش الاحتلال فشل في القضاء عليها، رغم قدراته وإمكاناته على مدار نحو 9 أشهر».

ويضيف: «بعض الأطراف كانت تظن أننا لن تستمر سوى أسابيع، لكن نؤكد أننا الآن لدينا القدرة والإمكانات للاستمرار ما دام هناك احتلال».

لقطة من فيديو نشرته «حماس» تظهر المعارك الدائرة بين «القسام» والقوات الإسرائيلية في غزة (أ.ف.ب)

آخر الحروب؟

هذا الإصرار الذي تتحدث عنه «حماس» واستمرارها في مواجهة «المحتل» يطرح تساؤلات بشأن إمكانية أن تكون حرب «7 أكتوبر» الأكبر والأضخم بتاريخ الصراع وآخر الحروب؟

وزير الخارجية المصري السابق، نبيل فهمي، يعتقد في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن هذا «الطرح يفتقد جوهر المشكلة المرتبطة بوجود الاحتلال الذي يجب أن يزول».

ويتمسك فهمي بـ«أهمية عدم حصر المشكلة بين (حماس) وإسرائيل، وجعلها فقط بين فلسطين وإسرائيل»، مؤكداً أن «(حماس) ليست أول ولن تكون آخر تيار فلسطيني يتصدى للاحتلال، وسبقها في الثمانينات تيارات أخرى، وستستمر الحروب ما بقيت المشكلة».

يتفق معه نائب رئيس هيئة الأركان الأردني الأسبق، الفريق محمود قاصد والعسكريان المصريان السابقان سمير فرج، وعادل العمدة، والعميد اللبناني المتقاعد، هشام جابر في أحاديث منفصلة مع «الشرق الأوسط» بأن «حرب 7 أكتوبر لن تكون آخر حروب (حماس)، ما استمر الاحتلال».

وفي حديث مماثل مع «الشرق الأوسط» يستبعد المحلل السياسي الأميركي، مايكل مورغان، أيضاً أن «تكون آخر حروب (حماس)، في ظل عدم تنفيذ حل الدولتين»، معتقداً أنه «ما دامت لا توجد دولة فلسطينية، فسيجري استخدام (حماس) إسرائيلياً لتدمير أي أمل محتمل في ذلك والعودة للمواجهات كل فترة».

ومع تقديرات استمرار المواجهات بين «حماس» وإسرائيل لما بعد الحرب الحالية، تطرح أسئلة حول ترتيبات البقاء والنهاية المحتملة، سواء بمسار نزع السلاح أم البحث عن بديل لحكم غزة، والاندماج في جيش موحد حال تأسيس دولة فلسطينية مستقلة.

وحول ذلك، يتوقع وزير الخارجية المصري السابق، نبيل فهمي، «ألا تتجاوب (حماس) أو غيرها مع فكرة نزع السلاح بالكامل، وسترفض تمكين إسرائيل أمنياً من غزة، أو فرض ترتيبات على الجانب الفلسطيني»، مستبعداً «تماماً» أي مشاركة عربية في أي «ترتيبات تلعب دور الشرطي لإسرائيل».

قالت «حماس» في عام 2021 إنها قامت ببناء أنفاق بطول 500 كيلومتر تحت غزة (أ.ف.ب)

ويستبعد الخبير الفلسطيني، أستاذ النظم السياسية والقيادي بحركة «فتح»، جهاد الحرازين في حديث مع «الشرق الأوسط»، «إمكانية نزع سلاح (حماس) أو المقاومة بشكل عام»، ويرى أن «الحل في تأسيس دولة فلسطينية ينطوي فيها الجميع تحت لواء جيش واحد وسلاح واحد».

وتتحرك السعودية ومصر ودول عربية وأوروبية للتعجيل بعقد مؤتمر دولي للسلام، لتنفيذ حل الدولتين في ظل اعترافات غربية بدولة فلسطينية مستقلة، بينما يرفض نتنياهو خيار إقامة دولة فلسطينية، ويتمسك بالقضاء حالياً على قدرات «حماس» التي تتلقى دعماً إيرانياً متنامياً منذ بداية الحرب عبر أذرع طهران بالمنطقة لا سيما من الحوثيين و«حزب الله».

خيار تدمير القدرات

وإزاء طرح نتنياهو، لا يتفق نبيل فهمي، مع الوصفة الإسرائيلية التي تربط بين نهاية الحرب وتدمير «حماس»، قائلاً إن «تخفيض قدرات (حماس) العملياتية ممكن، لكن هل يمكن توفير الأمن لإسرائيل بالقضاء عليها؟»، ويجيب: «لا، لأن هناك رفضاً فلسطينياً للاحتلال يتنامى في ظل عدم وجود دولة فلسطينية».

ويرى مايكل بريجنت، زميل معهد هودسون الأميركي في قضايا الإرهاب واستراتيجية الدفاع، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «(حماس) في الوقت الحالي، جرى إضعافها، وتراجعت قدراتها».

ويعتقد أنه من أجل «القضاء على (حماس) يجب على تل أبيب زيادة عملياتها الاستخبارية التي تركز على مستودعات أسلحة وذخيرة (حماس) للمضي قدماً في القضاء عليها».

ويرى بريجنت أن أي وقف إطلاق نار بغزة حالياً «يعني إعادة تجميع (حماس) لصفوفها، وإعادة تسليحها، وأنها ستكون قادرة على شن هجمات في المستقبل».

جنود إسرائيليون داخل أحد الأنفاق في قطاع غزة (أ.ف.ب)

ولا تستبعد الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، في حديث مع «الشرق الأوسط»، «احتمالية تفكيك قيادة وسلطة (حماس) بغزة»، وترى أن «هذا سيستغرق وقتاً بسبب الطبيعة المرهقة لحرب المدن».

وترجح تسوكرمان، «عودة (حماس) للظهور بأجزاء من غزة قامت إسرائيل بتطهيرها»، مقترحة «مزيداً من البقاء والسيطرة بعد التطهير، وتنفيذ استراتيجية تنهي الأنفاق بشراكة إقليمية، والبحث عن حل لوصول المساعدات الإنسانية بعيداً عنها».

ووفق تقديرات «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» الأميركي للأبحاث في يناير (كانون الثاني) 2024، اكتسبت «حماس» قدراتها العسكرية بـ«دعم إيران و(حزب الله)»، منذ سيطرتها على القطاع في 2007.

ويحتاج تفكيك «حماس» وفق تلك التقديرات إلى «استراتيجية دائمة صعبة ومعقدة، من 3 عناصر: تحرك أمني مستمر بعد الحرب لضمان عدم قدرة الحركة على إعادة تشكيل صفوفها، وتدشين عملية إعادة إعمار فورية لغزة بعيداً عن عناصرها، وتنشيط السلطة الفلسطينية وطرحها بديلاً عملياً فعالاً».

مستقبل العمليات

وسط التباين إزاء القضاء على قدرات «حماس» التي تقول تقديرات إنها أطلقت 10 آلاف صاروخ وقذيفة منذ بداية الحرب، تتجه الأنظار لمستقبل العمليات الحالية مع دخول حرب «7 أكتوبر» الشهر التاسع.

على مستوى إسرائيل، ستلجأ تل أبيب إلى الخطة «ج» وهي عبارة عن عمليات عسكرية استخباراتية مركزة في قطاع غزة، وفق ما أوردته «هيئة البث الإسرائيلية» الرسمية في 21 يونيو الحالي.

وتحدثت الهيئة عن أن تل أبيب تستعد للإعلان قريباً عن هزيمة «حماس» في رفح الفلسطينية، كاشفة عن «بدء الذراع العسكرية لـ(حماس) عملية الترميم».

أما بالنسبة إلى «حماس»، فيقول الخبير العسكري المصري سمير فرج: «وفق المتوفر من معلومات، فإن (حماس) لديها 4 كتائب في مدينة رفح الفلسطينية، بخلاف 24 كتيبة أخرى متفرقة لكن في حالة قتال. ومع تراجع الذخيرة ونقص العتاد تلجأ (حماس) إلى حرب الكمائن وقتال المدن بعيداً عن المواجهة المباشرة، وهو ما سيدفع إسرائيل إلى التركيز على العمليات الاستخباراتية الدقيقة».

وفي السياق نفسه يرى الفريق محمود قاصد أنه «مع ميل ميزان القوة للجيش الإسرائيلي ستنشط (حماس) في الرصد المبكر والاستدراج، وتفخيخ مواقع، وتضليل العدو ضمن نشاطات استخبارية وعمليات معقدة مثل عملية التسلل خلف خطوط العدو في رفح (في 7 يونيو الحالي)، مستندة في عملياتها لوحدات إسناد بالأنفاق، وأخرى فوق الأرض وبمعدات وذخائر وقوة بشرية أقل».

كذلك يعتقد الخبير العسكري اللبناني، العميد المتقاعد، هشام جابر، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «(حماس) لجأت لتكتيك حرب المدن والعبوات المتفجرة لرغبة في الحفاظ على ما تبقى من ذخيرتها، وإدراكاً منها أن الحرب ستطول ولمواجهة إمكانات الجيش الإسرائيلي المتفوق تسليحاً».

ويرى الخبير في شؤون «حماس» وقريب الصلة بالحركة، إبراهيم المدهون، أن تكتيكات الحركة «تعتمد حالياً على النفس الطويل، وانتقلت من ضرب الصواريخ للعمليات على الأرض»، لافتاً إلى أن «(كتائب القسام) التي كانت قبل الحرب أكثر من 50 ألفا، ولديها 5 ألوية هي لواء غزة، والشمال، والوسطى، وخان يونس، ورفح تعمل بكفاءة عالية وطرق مختلفة في أماكن وجودها».

وفي المقابل، دعا الخبير العسكري المصري اللواء عادل العمدة إلى «عدم تضخيم قدرات (حماس) العسكرية»، مؤكداً أن «أي حديث عن تفاصيلها هو من وحي الخيال»، قبل أن يستدرك «لكن الحركة لديها سلاح مهم هو الأنفاق، والذي لم تستطع قدرات إسرائيل القتالية والجوية والبحرية النيل منه».

وفي ظل تغير تكتيكات العمليات وامتلاك «(حماس) سلاح الأنفاق الذي لم يجرِ القضاء عليه»، وفق اللواء فرج، فمن المتوقع أن يدخل «الجيش الإسرائيلي مواجهة أصعب، ويتجه لتغيير عملياته».

ويرجع ذلك إلى أن «حرب المدن التي تنتهجها (حماس) حالياً تعد مقبرة الجيوش. الجيشان الأميركي والروسي لم يحققا انتصارات في أفغانستان بعد سنوات طويلة، واضطُرا للانسحاب».


مقالات ذات صلة

«لجنة غزة» تتطلع للإعمار التام في 7 سنوات... وإسرائيل ترى المرحلة الثانية «رمزية»

المشرق العربي صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب) play-circle

«لجنة غزة» تتطلع للإعمار التام في 7 سنوات... وإسرائيل ترى المرحلة الثانية «رمزية»

أظهر رئيس لجنة إدارة غزة علي شعث تفاؤلاً لافتاً بإتمام عملية إعمار القطاع الفلسطيني في غضون 7 سنوات، بينما سعت إسرائيل إلى التقليل من خطوة بدء المرحلة الثانية.

نظير مجلي (تل أبيب) «الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري خيام تأوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «عقبات عالقة» تهدد مسار «الإدارة الجديدة» في غزة

دخل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مرحلة جديدة بتشكيل لجنة إدارة القطاع التي واجهت على الفور سيل تصريحات إسرائيلية بشأن التمسك باسترجاع الرفات الأخيرة أولاً.

محمد محمود (القاهرة)
خاص اللواء الفلسطيني سامي نسمان (إكس) play-circle

خاص سامي نسمان... قصة ضابط عادته «حماس» وعاد ليدير أمن غزة

لم يكن أشد المتفائلين بتغيير واقع الحكم في غزة، يتوقع أن تشمل قائمة «لجنة إدارة غزة» أسماء شخصيات كانت توصف بأنها من أشد خصوم «حماس»، ومنها اللواء سامي نسمان.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع (أ.ف.ب) play-circle

خاص «حماس» لا تقبل «تغييبها» عن المشهد السياسي في غزة

يبدأ العد التنازلي نحو إطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بينما يترقب مصير «حماس»، التي كانت في صدارة مواجهة إسرائيل على مدار نحو عامين.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي في غزة أصبح الحمل والولادة بالنسبة لمعظم النساء يسببان التوتر والخوف (أ.ب) play-circle

«لجنة غزة» تحصد الدعم... واشنطن تعلن بدء «المرحلة الثانية»

في الوقت الذي حصدت فيه «لجنة إدارة غزة» دعماً وتوافقاً، أعلن المبعوث الأميركي ، ستيف ويتكوف، «إطلاق المرحلة الثانية من (خطة ترمب) لإنهاء الصراع في غزة»

«الشرق الأوسط» (غزة - القاهرة)

تسليم سلاح «حزب الله»... تعقيدات تتوسّع من «الضمانات» إلى حسابات إيران

عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)
عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)
TT

تسليم سلاح «حزب الله»... تعقيدات تتوسّع من «الضمانات» إلى حسابات إيران

عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)
عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)

يتقدّم ملف سلاح «حزب الله» إلى واجهة المشهد السياسي اللبناني، ليس بوصفه ملفاً داخلياً قابلاً للحسم، بل كعقدة بنيوية تتشابك فيها الحسابات المحلية بالضغوط الإقليمية والدولية. ومع تصاعد الحراك الدبلوماسي غير المعلن، يتّضح أن النقاش لم يعد يدور حول آليات نزع السلاح، بل حول الضمانات، ومآلات الانسداد القائم.

حراك خارجي بلا خريطة طريق

تتحرّك عواصم معنية بالاستقرار اللبناني، في إطار «اللجنة الخماسية» التي تضمّ الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية ومصر وقطر، ضمن مسار اتصالات لحث السلطات اللبنانية على تنفيذ حصرية السلاح بيد السلطات الشرعية، في مقابل رفض «حزب الله» إطلاق المرحلة الثانية من الخطة في شمال الليطاني. ويقول معارضو الحزب إن رفض الحزب لا ينطلق من مقاربة عسكرية ودفاعية فقط، بل من مقاربة سياسية أوسع، متعلقة بضمانات ومكاسب سياسية في الدولة.

غير أن الرد المباشر على أي طرح مشابه جاء سلبياً، حسب ما يقول معارضو الحزب، ويشرح مصدر معارض للحزب لـ«الشرق الأوسط» بالقول: «تُظهر التجربة اللبنانية أنّ مرحلة ما بعد الحرب الأهلية قامت على تسويات ضمنية، حوّلت السلاح إلى نفوذ سياسي داخل الدولة، غير أنّ إعادة إنتاج هذه الصيغة اليوم مستحيلة. فالتوازنات التي حكمت مرحلة التسعينيات تبدّلت، والانقسام العمودي داخل المؤسسات يمنع أي صيغة تقاسم جديدة للسلطة».

رجلا دين شيعيان يشاركان في الذكرى السنوية لاغتيال أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله في سبتمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولا تخفي القوى السياسية، على اختلاف مواقعها، خشيتها من فتح باب المكتسبات، لما يحمله من مخاطر تفجير داخلي أو تكريس اختلال دائم في بنية الدولة. من هنا، سقط عملياً أي حديث جدي عن «السلاح مقابل مكاسب سياسية».

لا تسييل للسلاح ولا مقايضة

وفي هذا الإطار، يقول عضو تكتل «القوات اللبنانية» النائب ملحم الرياشي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «(حزب الله) وافق وينجز مع الجيش تسليم السلاح جنوب النهر؛ أي في المنطقة المتاخمة للحدود مع إسرائيل، وبالتالي ما نفع السلاح شمال النهر؟ إنه لزوم ما لا يلزم». ويضيف: «إن عملية تسييل السلاح بمراكز سلطة ونفوذ هي أمر مرفوض بالمبدأ؛ لأن دقة التركيبة اللبنانية تستدعي إعادة نظر كاملة في النظام، وليس زيادة نفوذ لمكوّن لبناني على حساب آخر؛ فإما أن نعيد النظر بكل التركيبة من جذورها، أو نُبقي القديم على قدمه؛ أي نلتزم جميعاً»، ويشدّد على أنّ «(القوات اللبنانية) ملتزمة باتفاق الطائف».

ويرى الرياشي أنّ «السلاح مرتبط عضوياً بسلاح إيران ومشروعها»، قائلاً: «ندعو (حزب الله) إلى إخراج نفسه من صراع الآخرين، والعمل معنا على تحييد لبنان عن حروب الآخرين، لما فيه مصلحته ومصلحة إخوتنا الشيعة اللبنانيين ومصلحتنا جميعاً».

مشكلة سياسية لا تقنية

ثمة مخاوف لبنانية من أن يساهم فتح باب المقايضة في تعميق الانقسام بدل معالجته، وهو ما جعل هذا المسار يتراجع عملياً، لمصلحة نقاش أكثر تعقيداً حول مفهوم الضمانات.

ويرى النائب اللبناني السابق إلياس عطا الله، أنّ الإشكالية لا تكمن في شكل الضمانات أو نوعها، بل في طبيعة المشروع نفسه. ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن «مسألة (حزب الله) لم تكن يوماً مشروعاً عسكرياً بحتاً، بل مشروعاً سياسياً». ويشير إلى أنّ الحزب «منذ تأسيسه عام 1982، ارتبط عضوياً بإيران، حتى وإن تغيّرت أشكاله وتكويناته مع الوقت»، معتبراً أن «السلاح لم يكن أداة دفاع وطنية مستقلة، بل جزءاً من بنية سياسية خارج منطق الدولة».

ويشير عطا الله إلى أنّ «تجربة ما بعد الحرب اللبنانية عام 1990 أثبتت أنّ كل القوى سلّمت سلاحها للدولة، وكأنّ الحرب انتهت فعلياً، باستثناء طرف واحد قرّر ربط سلاحه بمشروع إقليمي»، لافتاً إلى أنّ «هذا الخيار جعل التخلي عن السلاح يتناقض مع طبيعة هذا التكوين وخياراته الأساسية».

الضمانات... والموقف الإيراني

وحسب عطا الله، فإنّ الحديث المتكرر عن ضمانات سياسية أو أمنية لا يعالج جوهر الأزمة. ويقول إنّ «(حزب الله) لا يبحث عن مكاسب سياسية مقابل تسليم سلاحه؛ لأنّ المسألة أعمق من ذلك»، مضيفاً أنّ «الحزب لا يريد دولة قوية وقادرة، بل دولة ضعيفة تُبقي السلاح خارج المحاسبة والشرعية».

ويتابع أنّ «السلاح بالنسبة إليه ليس ورقة تفاوض داخلية، بل أداة مرتبطة مباشرة بإيران، وبوظيفة تتجاوز الحدود اللبنانية»، معتبراً أنّ «الحديث عن تسليم طوعي للسلاح يتجاهل واقع أنّ هذا السلاح مرتبط بعقيدة تعتبر التخلي عنه نفياً للذات السياسية والتنظيمية».

ويتقاطع هذا التشخيص مع قراءة أوسع ترى أنّ ملف السلاح بات جزءاً من معادلة إقليمية أكبر، ما يجعل أي نقاش داخلي حوله رهينة تطورات خارج الحدود. وفي هذا الإطار، يعتبر عطا الله أنّ «أي حديث عن ضمانات سياسية أو أمنية لا يغيّر في جوهر المشكلة؛ لأنّ القرار ليس لبنانياً خالصاً»، مشدداً على أنّ «الرهان على تسوية داخلية من دون فك الارتباط الإقليمي هو رهان على الوقت لا أكثر».


بغداد تترقب زيارة سافايا وسط الخلافات بشأن فرص المالكي في تشكيل الحكومة

أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)
أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)
TT

بغداد تترقب زيارة سافايا وسط الخلافات بشأن فرص المالكي في تشكيل الحكومة

أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)
أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)

بينما يواصل رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مهامه بصورة طبيعية رغم أن حكومته تحولت إلى «حكومة تصريف أعمال» بعد إعلان نتائج الانتخابات وتصدر قرارات ذات طبيعة إلزامية لمؤسسات الدولة، ينشغل البيتان الكردي والشيعي في كيفية حسم اختيار رئيس جمهورية «كردي» ورئيس وزراء «شيعي»، طبقاً للمدد الدستورية.

وبما أنه لم يتبقَّ من المدة الدستورية اللازمة لذلك سوى نحو أسبوعين، فإن العاصمة العراقية بغداد تترقب بقلق بالغ كيفية التغلب على الخلافات داخل البيتين الكردي والشيعي. كما أنها تراقب بقلق أكبر الزيارة المرتقبة والوشيكة للمبعوث الرئاسي الأميركي مارك سافايا إلى العراق.

وبات سافايا يتنقل بين وزارتي الخزانة والحرب بالتزامن مع الحركة المكوكية للقائم بالأعمال الأميركي في بغداد، جوشوا هاريس، الذي التقى معظم المسؤولين والقيادات العراقية مؤخراً. وطبقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن سافايا في واشنطن وعن هاريس في بغداد، فإن في جعبة الرجلين قضية واحدة محددة، وهي عدم إشراك القوى والفصائل المسلحة في الحكومة العراقية القادمة رغم أن تلك القوى تملك نحو ثلث البرلمان العراقي، فضلاً عن إيقاف كل منابع التمويل بالعملة الصعبة لها ولإيران.

السوداني والمالكي

السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)

ومع أن سافايا لم يعلن بعد الوقت المناسب لزيارته إلى العراق، فإن كل الدلائل تشير إلى أن الزيارة أصبحت وشيكة بعد أن مهد لها القائم بالأعمال الأميركي جيداً. وفي الأثناء، لا يزال الجدل قائماً داخل الإطار التنسيقي الشيعي بشأن ما إذا كان مرشحه غير الرسمي حتى الآن نوري المالكي سوف يتمكن من تشكيل الحكومة القادمة.

من جهة أخرى، أثار تنازل السوداني قلقاً مزدوجاً داخل قوى الإطار التنسيقي، رغم أنه يملك الكتلة الأكبر داخل البيت الشيعي والفائز الأول في الانتخابات. ففي الوقت الذي وجدت بعض قوى الإطار التنسيقي أن السوداني لا المالكي هو رجل المرحلة المقبلة نظراً لعلاقته الجيدة مع أطراف مهمة في الإدارة الأميركية بمن فيهم المبعوث الرئاسي سافايا، فإن أطرافاً أخرى داخل الإطار التنسيقي وجدت أن ترشيح المالكي للمنصب قد يضيف المزيد من الأعباء أمامها، لا سيما في حال إصرار الإدارة الأميركية على تنفيذ كل مطالبها، وفي مقدمتها عدم مشاركة قوى السلاح في الحكومة المقبلة وتجفيف كل منابع تمويل إيران عبر الدولار.

المالكي من جهته يحاول تقديم تطمينات للإدارة الأميركية بأنه سيكون قادراً على التعامل مع الملفات الشائكة. وطبقاً للبيان الصادر عن مكتبه بعد لقائه القائم بالأعمال الأميركي، فقد وصف العلاقة بين العراق والولايات المتحدة بأنها «علاقة صداقة»، بينما قوى السلاح في العراق تعد الوجود الأميركي في العراق «احتلالاً».

وعود سافايا وأجندته

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع مبعوثه الخاص إلى العراق مارك سافايا (أرشيفية-إكس)

كثف المبعوث الأميركي مارك سافايا خلال اليومين الماضيين لقاءاته في واشنطن مع وزارتي الخزانة والحرب في سياق جهوده الخاصة للتعامل مع الملف العراقي، من زاوية تبدو شديدة التعقيد على القوى السياسية الشيعية المقربة من إيران، خصوصاً الفصائل المسلحة، فضلاً عن بعض قيادات الإطار التنسيقي.

وأكد سافايا، في بيان يوم الجمعة، أنه عقد اجتماعاً في البيت الأبيض مع كلٍّ من وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، ومدير شؤون مكافحة الإرهاب سيباستيان غوركا، وبحث معهما الزيارة التي سيجريها إلى العراق. وقال في البيان: «اتفقنا على أن القضايا التي جرى بحثها سيتم تناولها خلال زيارتي المقبلة إلى العراق، حيث سأتواصل مع أصحاب القرار المناسبين لمواجهة الوضع على الأرض لما فيه مصلحة الشعب العراقي».

وكان سافايا أعلن يوم الخميس عما سماه إجراء مراجعة شاملة للمدفوعات والمعاملات المالية المشبوهة في العراق مع وزارة الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، فضلاً عن مناقشة عقوبات مرتقبة تستهدف شبكات تقوّض النزاهة المالية وتموّل الأنشطة الإرهابية.

المعاملات المالية المشبوهة

الحكومة والبنك المركزي يسعيان لإقناع العراقيين بوضع أموالهم في البنوك (البنك المركزي العراقي)

وأضاف في البيان أنه التقى مسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، لبحث التحديات الرئيسية وفرص الإصلاح في المصارف الحكومية والمصارف الخاصة في العراق، مع تركيز واضح على تعزيز الحوكمة المالية والامتثال والمساءلة المؤسسية.

وأوضح أن الجانبين اتفقا على إجراء مراجعة شاملة لسجلات المدفوعات المشبوهة والمعاملات المالية التي تشمل مؤسسات وشركات وأفراداً في العراق، والمرتبطة بعمليات تهريب وغسل أموال وعقود ومشاريع «احتيالية» تموّل الأنشطة الإرهابية. وأضاف أن المباحثات تضمنت أيضاً مناقشة الخطوات المقبلة المتعلقة بالعقوبات المرتقبة التي تستهدف الجهات والشبكات «الخبيثة» التي تقوض النزاهة المالية وسلطة الدولة. وأكد مبعوث الرئيس الأميركي أن العلاقة بين العراق والولايات المتحدة لم تكن أقوى مما هي عليه اليوم في ظل قيادة الرئيس دونالد ترمب.


الرئاسة الألمانية: أحمد الشرع يزور برلين الثلاثاء

الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)
الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)
TT

الرئاسة الألمانية: أحمد الشرع يزور برلين الثلاثاء

الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)
الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)

يزور الرئيس السوري أحمد الشرع برلين الثلاثاء، وفق ما أظهر جدول أعمال الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير الذي نُشر الجمعة.

و​قال متحدث باسم الحكومة الألمانية إن المستشار فريدريش ميرتس سيناقش قضايا ‌من بينها ‌عودة ‌المواطنين ⁠السوريين ​إلى ‌بلادهم خلال اجتماعه مع الشرع في برلين يوم ⁠الثلاثاء.

وأضاف المتحدث: «‌لدينا رغبة ‍في ‍تعزيز العلاقات، وإذا جاز التعبير، بدء صفحة جديدة مع الحكومة ​السورية الجديدة. لدينا العديد من القضايا ⁠المهمة التي يجب التعامل معها... ومنها على سبيل المثال عودة السوريين إلى وطنهم».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)

وتأتي الزيارة بعد أقل من شهر من ترحيل ألمانيا لمواطن سوري مدان بالسطو المسلح والاعتداء والضرب والابتزاز، إلى بلاده في 23 ديسمبر (كانون الأول)، وهي أول عملية من نوعها منذ اندلاع النزاع في عام 2011.

ومنذ توليه منصبه في مايو (أيار) الماضي، بدأ ميرتس في تشديد سياسات الهجرة في ظل صعود اليمين المتطرف.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، دعا ميرتس إلى إعادة لاجئين سوريين إلى بلدهم بحجة أن «الحرب الأهلية في سوريا قد انتهت».

وبعد الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر 2024، أعلنت عدة دول أوروبية، من بينها ألمانيا، تجميد إجراءات طلبات اللجوء في سياق المكاسب الانتخابية القوية التي حققتها أحزاب اليمين المتطرف في أعقاب هجمات مختلفة ارتكبها أجانب.