فخري كريم: حملت إلى الأسد نصيحة طالباني حول تمرير الإرهابيين

قال لـ«الشرق الأوسط» إن القيادة الكردية أخطأت حين انشغلت بتحصين أربيل وتناست ما يجري في بغداد (الثالثة والأخيرة)

TT

فخري كريم: حملت إلى الأسد نصيحة طالباني حول تمرير الإرهابيين

فخري كريم: حملت إلى الأسد نصيحة طالباني حول تمرير الإرهابيين

كان الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني أستاذاً في تمرير الرسائل. يقول في اللقاءات الضيقة ما يتجنبه في التصريحات والحوارات. وكان كبير مستشاريه فخري كريم مشاركاً. وكان الغداء ثرياً فالسيد الرئيس يحترم الرأي الآخر لكنه لا يتوقف كثيراً عند نصائح الأطباء.

أعرب طالباني عن اعتقاده أن صناع القرار في إيران أذكياء ويأمل «ألا يرتكبوا خطأ الرهان على إدارة بغداد من طهران، خصوصاً بعد تجربة محاولة إدارة بيروت من دمشق». قال إن تركيبة الروح العراقية «تجعل من الصعب على العراق أن يكون تابعاً لأميركا أو لإيران أو لتركيا». لم يخفِ أنه وفر الملجأ الآمن لثمانين ضابطاً عراقياً ممن شاركوا في الحرب ضد إيران بعدما «استهدفت جهات معينة» هذا النوع من الضباط.

أشاد طالباني بالرئيس الراحل حافظ الأسد الذي «احتضننا وقدم لنا دعماً لا ينسى من الإقامة وصولاً إلى الباسبورات». كشف أنه أرسل إلى الرئيس بشار الأسد مع فخري كريم نصيحة مفادها أن «الجهاديين» الذين فتحت لهم سوريا حدودها لدخول العراق بذريعة مقاتلة الأميركيين قد يرتدّون لاحقاً إلى الداخل السوري، وهذا ما حصل.

بعد خروجه من بيروت في 1982 إثر الغزو الإسرائيلي، أقام فخري كريم في دمشق. ونشطت مؤسسة «المدى»، التي أسسها في النشر والترجمة وتنظيم معارض الكتب، فضلاً عن نشاطه السياسي ما أتاح له إقامة علاقات مع كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين.

بعد توليه السلطة في عام 2000، استقبل الرئيس بشار الأسد كريم الذي يتذكر اللقاء ويقول: «شعرت أنه راغب في الاستماع، خصوصاً في ضوء العلاقات التي تربطني بالكثير من المثقفين. قلت له إن الأصوات المعارضة موجودة لكن اللهجة إيجابية بمعظمها. أنتم تتحدثون اليوم عن تحديث وتجديد، وهذه فرصة للانفتاح ولو ضمن حدود معينة بما في ذلك الانتخابات. هل تعتقد سيادة الرئيس أن هناك من يمكن أن ينافسك وأنت ممثل حزب البعث بكل قاعدته وأجهزته وإمكاناته؟».

تطرقت معه إلى أوضاع الأكراد السوريين. قلت إن كثيرين منهم لا يملكون أوراقاً ثبوتية، وحتى مجرد ورقة تتيح لهم التنقل. قلت أيضاً إنني حين كنت أعبر منطقة الخابور كنت ألاحظ أن مناطق كردية تاريخية أزيلت أسماؤها القديمة وباتت عربية وهذا يثير حساسيات. أجابني: أنا غير راضٍ، وأطمئن هذا الملف موجود عندي وستسمع عنه كلاماً إيجابياً.

في لقاء لاحق بعد التغيير في العراق، التقيته مرات عدة نقلت إليه في واحدة منها تحيات الرئيس طالباني والقلق من مسألة تسهيل انتقال مسلحين إلى العراق وأخطار ذلك على العراق، وربما لاحقاً على سوريا نفسها. قال: جندنا قوات كبيرة لضبط الحدود ولكن ماذا نفعل؟ هناك بعض القبائل وهناك عدد من المهربين. كيف نمسك المهرب الذي يمكن إقناعه بمائة أو مائتي دولار؟

قلت للرئيس الأسد إنني فخري كريم الذي تعرفه ويستحيل أن أنقل إلى الجانب الأميركي ما أعرفه. أنا واثق يا سيادة الرئيس أن الإرهابيين يتسللون إلى العراق من مكان محدد أعرفه وليس من كل الحدود. وأنا أعرف أن الوضع في سوريا مضبوط ولا يسمح بمرور طائر غريب من دون أن تسقطه رصاصة. رد الأسد على أي حال نحن على استعداد ودعنا نعرف ماذا نقدر أن نقوم به.

والحقيقة أن دمشق كانت قلقة بسبب ما رددته دوائر عدة عن أن نظام البعث في سوريا قد يكون الهدف المقبل للجيش الأميركي الذي بات يرابط على حدودها. ثم إن دمشق كانت تنظر بقلق إلى ظهور لغة المكونات الشيعية والسُنّية والكردية في التعامل مع العراق وما يمكن أن يرتبه ذلك في سوريا نفسها».

«عرفات تأثر بدخولي بيروت المحاصرة»

كان ياسر عرفات لاعباً بارعاً في الإمساك بالأوراق. علاقته مع نظام صدام حسين لم تمنعه من تقديم رعاية لآلاف من العراقيين وبينهم أفراد الحزب الشيوعي العراقي وعائلاتهم. وكان هناك خيط من الود يربط عرفات بالزعيم الكردي الأبرز مسعود بارزاني.

في بداية الغزو الإسرائيلي للبنان غادر فخري كريم بيروت في مهمة حزبية. ولكنه بعد تطويق الجيش الإسرائيلي بيروت أصر على العودة إليها مخالفاً إرادة حزبه. يقول: «كان من غير المقبول أن نبتعد. جئت إلى البقاع اللبناني وانتقلت منه إلى بيروت ونجح سائق تاكسي في إيصالي إلى إحدى النقاط القريبة وعدت إلى العاصمة اللبنانية. تأثر عرفات يومها بعودتي في وقت كان هناك من يبحث عن سبب للمغادرة. وتحدث لاحقاً علانية عن الأمر في المجلس الوطني في الجزائر منوهاً بالاخ علي عبد الخالق، وهو كان اسمي في مرحلة بيروت. نحفظ لياسر عرفات أنه لم يبخل بأي دعم على آلاف العراقيين الذين اضطروا إلى اللجوء إلى بيروت وقدم لبعضهم فرص عمل ورواتب أو مساكن وأحياناً باسبورات. وللأمانة كان عرفات يكن تقديراً عميقاً للأخ مسعود بارزاني، ولعله تضامن رجلين يكافحان ضد الظلم الذي لحق بشعبيهما. أكرر ومن باب الإنصاف والاعتراف بالحقائق أن ياسر عرفات كان وفياً والتزم كل ما وعد به».

صيانة العلاقات الكردية

على مدى سنوات طويلة، انشغل فخري كريم بصيانة العلاقة بين القطبين الكرديين جلال طالباني ومسعود بارزاني. والقصة معقدة بدأت فصولها حين ولد «الاتحاد الوطني الكردستاني» من انشقاق في «الحزب الديمقراطي الكردستاني» في أيام زعيمه التاريخي الملا مصطفى البارزاني. وشهدت العلاقة الشائكة بين الطرفين فصولاً دموية ومعارك كر وفر رافقتها تدخلات خارجية. ويقول كريم إن القيادة الكردية، وعلى رغم الانشقاقات والخلافات تتوحد حين يحدق الخطر بالأكراد والإقليم، ويراهن على أن ذلك سيتكرر في المرحلة الحالية.

يلاحظ كريم أن «القيادة الكردستانية ممثلة بالرمزين صديقي العزيز مسعود بارزاني وصديقي العزيز جلال طالباني ارتكبت خطأً كبيراً في البداية حين انهمكت بالوصول إلى اتفاقات فيما يتعلق بقضايا الإقليم وكأنها ابتعدت عما يجري في بغداد أو اعتبرت ما يجري هناك شيئاً يخص أكثر الآخرين. وهذه غلطة كبيرة، فقد كان الاتفاق على قيام نظام ديمقراطي اتحادي تداولي ومرحلة انتقالية تؤدي إلى تعزيز المواطنة الحرة. وفي هذا السياق ينال الإقليم حقوقه ويمارسها. من دون عراق معافى كيف سيحصل الإقليم على حقوقه التي ستصبح في مهب الريح؟ كان يجب الانخراط أكثر فيما يجري في بغداد لأنه سيؤثر على مستقبل البلاد برمتها. ثم جاءت مرحلة ابتدع فيها ما لا علاقة له بالعمل السياسي والمفاهيم السياسية أو الشعار السياسي، وهو ما سُمي بالتحالف الشيعي - الكردي. أثرت الأمر أكثر من مرة، لافتاً إلى غرابة التحالف بين مكونين في داخل كل منهما أحزاب وقوى وتيارات. مع الأسف الشديد كان يأتيني الجواب بأنني مصاب بلوثة آيديولوجية. ارتُكبت لاحقاً أخطاء أخرى في عدم استكمال توحيد المؤسسات في الإقليم ومرجعياتها وتزايد الفساد ويقظة الحسابات الحزبية على حساب المؤسسات الجامعة وعدم الالتزام دائماً بمعايير الكفاءة في التعيينات».

سألت عن العلاقة الشخصية بين الرجلين فأجاب: «طوى الرجلان صفحات الماضي الصعبة، لكن ما بُذل من أجل المستقبل كان أقل من المطلوب. أريد أن أسجل هنا موقفاً للأخ مسعود وهو ينم عن طبيعته. حين مرض جلال، وجه مسعود بوسائله ما يشبه الإنذار إلى كل من يمكن أن يفكر بالإساءة إلى طالباني أو عائلته. هذه مشاهدة عيانية وسماعية وليست نقلاً عن الآخرين. رفض مسعود إبان مرض جلال فتح موضوع مستقبل الرئاسة أو البحث عن بديل. وشاركت شخصياً في تنظيم لقاء لزوجة طالباني السيدة هيرو وابنيها بافل وقباد وآراس ابن شقيق جلال. قال مسعود للمدعوين في الغداء الطويل: أنا قربكم وأنا عائلتكم. تحدث بتأثر وبلهجة أخوية. وبعد الخروج بدا التأثر واضحاً على السيدة هيرو والمدعوين إذ لم يتوقعوا أن يكون البعد العاطفي قوياً إلى هذا الحد.

علاقتي مع جلال تعود إلى 1960 إذ كنت عضواً شاباً في نقابة الصحافيين التي تشكلت برئاسة الجواهري الكبير وكان جلال عضواً في الهيئة الإدارية ممثلاً للشعب الكردي. لم نقترب كثيراً إلا في العقود الأخيرة».

طلبت من كريم أن يختصر شخصية مسعود بارزاني، فأجاب: «أنا شهادتي مجروحة لأنه صديقي التاريخي. منذ البداية كانت علاقتنا منسجمة سياسياً وأليفة شخصياً. أنا أعتبره الصديق الوفي وقد عبر عن هذا الوفاء مرات عدة. ذكي جداً وصاحب موقف. يجيد الاستماع ويفكر طويلاً فيما يسمع وقد يقتنع بوجهة نظرك بعد أسابيع. حين يتخذ موقفاً يشعر بصعوبة التراجع عنه. لا يناور. ذات يوم وخلال المفاوضات مع صدام أرسل في طلبي. سألني عن المفاوضات وكنت أنا معارضاً. تحدثنا في بعض النقاط وقلت له أنت يمكن أن تتراجع. قال: كيف أتراجع؟ أنا أعطيتهم كلاماً. إذا قطع عهداً التزم به ويشعر بصعوبة التراجع عنه.

التقينا يوم ذهب للقاء صدام، وبعد ما ارتكبه النظام بحق الأكراد وعشيرته. كاد يبكي حين سألته. قال لي: لا أعرف كيف أصف لك. كنت أخطو خطوة إثر خطوة وكأنني أدوس على الدماء وأخوض فيها، لكنني لم أكن أفكر بالجروح بل بمصلحة الشعب الكردي».

سألته عما إذا كان إقليم كردستان لا يزال يدفع ثمن عملية الاستفتاء حول تقرير المصير، فأجاب: «أعتقد أن الانحدار السلبي في الوضع السياسي بدأ في الدورة الثانية لنوري المالكي وتعذر مواجهته بسحب الثقة منه. بعدها حصلت تراجعات خطيرة وحاول المالكي الانتقال من التحالف الشيعي - الكردي إلى التحالف الشيعي - السني لمواجهة ما اعتبره الخطر الكردي. أطلق المالكي صيحته المشهورة: لا للتوافق ونعم للأكثرية. وهكذا بدأ التصويت في البرلمان في غياب قاعدة الشراكة والتوافق.

تم استغلال موضوع الاستفتاء لاتخاذ إجراءات عقابية ضد إقليم كردستان لا يزال بعضها مستمراً حتى الآن. لا علاقة للأمر بالاستفتاء بحد ذاته، بل ببرنامج يرمي إلى إطفاء هذه المنطقة المضيئة التي تسمى إقليم كردستان وبغرض إزالته أو تفريغه من محتواه إذا تعذرت الإزالة. الاستفتاء حق لأي مواطن. دول كثيرة تعود إلى المواطنين وتجري استفتاءات حول القضايا التي تهم الرأي العام. هذا يحدث في إسبانيا مثلاً ومن دون تحريك قوات عسكرية وعمليات ترهيب. كان الغرض من الاستفتاء تأكيد حق مبدئي وليس إعلان الانفصال وجاء الموقف لمواجهة الضغوطات والسلبيات التي تراكمت في التعامل مع الإقليم».

عداوة «البعث» والشيوعيين

سألت فخري كريم عن الفصول الدامية بين الشيوعيين والبعثيين بعد وصول «البعث» إلى السلطة في 8 فبراير (شباط) 1963. نقلت إليه ما سمعته من قائد «الحرس القومي» العقيد منذر الونداوي وفيه «خاض الشيوعيون في دمنا وخضنا في دمهم»، فقال: «بكل صراحة أقول لك إن انتهاكات جرت من جانب الحزب في الفترة الأولى من الصراع، لكن الحزب لم يخض في دم البعثيين. تستطيع العودة إلى ما كتبه حسن العلوي وهو كان في حزب البعث. انتهاكات محدودة نعم، لكن لم تحصل تصفيات كما يشير الونداوي، خصوصاً أن الحزب لم يكن في السلطة فلا مدير الأمن العام كان منه ولا مدير المخابرات. نظم البعثيون مذبحة مدروسة بحق الشيوعيين. دعوات السحق والقتل كانت علانية. ما جرى في قصر النهاية بات معروفاً. تعذيب رهيب أدى إلى مقتل سكرتير الحزب سلام عادل وكوكبة من القيادات والكوادر وبوحشية يتعذر وصفها. تصور أن يأكل ناظم كزار الكباب ورجله تضغط على عنق معتقل شيوعي يحتضر».

نقلت إليه ما سمعته أيضاً من العسكري والسياسي الصاخب عبد الغني الراوي الذي سألته إن كان قتل الشيوعيين، فأجاب: «نعم لكنني قتلتهم بموجب فتوى»، فقال كريم: «هذا الرجل كاذب يحاول التغطي بفتوى... يفاخر هذا المجرم بالجريمة التي ارتكبها بحق عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة». وكان الراوي قال في حوار أجريته معه إنه أمر بإطلاق النار على عبد الكريم قاسم ورفاقه بعدما تم إحضاره إلى الإذاعة إثر قيام قوات من الجيش بمحاصرة مقره في وزارة الدفاع ومشاركة الونداوي في الإغارة بطائرته على المقر.

الجواهري وصدام والمتنبي

خلال عمله في الحزب الشيوعي، تولى فخري كريم مسألة العلاقة مع الكتاب والشعراء والمثقفين فكانت له علاقات واسعة معهم ازدادت رسوخاً بعد تأسيسه «دار المدى» للنشر.

ربطت كريم على مدار عقود علاقة وثيقة بالشاعر العراقي والعربي الكبير محمد مهدي الجواهري. قلت لكريم إن أحد الذين عملوا في القصر مع صدام حسين قال لي إن صدام استقبل الجواهري وأهداه قطعة أرض على دجلة، فهل هذا صحيح؟ أجاب: «روى لي الجواهري أن صدام استدعاه إلى أحد القصور أو المزارع وتلاطف معه كثيراً ولوّح له بأرض وكذا. طبعاً لمن لا يعرف الجواهري أقول إنه كان في غاية الحساسية ولا يمكن أن يخضع لأي مراودة. شعر أن صدام يحاول أن يلتقط منه وعداً لكنه لم يعطه ما أراد في حين أنه نظم قصيدة في أحمد حسن البكر بعد مقتل نجله. أكثر من هذا فهو قال لي: لن أمدح صدام ولو أعطاني نهر دجلة نفسه وليس أرضاً قرب دجلة».

قلت له إنني كلما التقيت سياسياً عراقياً بارزاً أكتشف أنه يحفظ شيئاً من شعر الجواهري، فأجاب: «ليس عبثاً أنه أطلق على الجواهري لقب الشاعر العربي الأكبر. وهو مغدور مثل باقي المثقفين العراقيين لأنه عراقي. الجواهري خاتم الشعراء الكلاسيكيين الكبار. إنه متنبي العصر لكنه غدر. غدر عربياً».

ذات يوم ألمح كريم أمام الجواهري، وعلى استحياء، أن هناك من يقول إنه يمدح كثيراً، فرد شاتماً وقال: «هل تعتقد أنني حينما أكتب عنك أبياتاً أقصدك أنت؟ أنا تمر في بالي صور وتراكيب ثم أختار اسماً. هل يعني ذلك أنني أمدح صاحب الاسم؟ وحين كتبت عنك هل كنت أقصدك أنت بالذات؟».

هل كان يعتبر الجواهري نفسه المتنبي الجديد؟ يقول كريم: «مرة قال لي هذا المتنبي العظيم وراح يقرأ مقتطفات من المتنبي العظيم. وبعد ذلك راح يشتم نفسه ويقول كذا وكذا يا جواهري... ماذا أنت؟ هذا المتنبي العظيم ديوانه بهذا الحجم (وأشار بيديه) وأنت ديوانك خمسة مجلدات. وربما كان يقصد أنه تخطى المتنبي».

ويقول كريم إن الجواهري أقام في دمشق وامتدح الرئيس حافظ الأسد الذي أحاطه بعناية استثنائية، إذ أعطاه لإقامته فيلا تشبه القصر مع كل مستلزمات الراحة والتكريم. يضحك كريم ويتذكر: «كان الجواهري صعباً في التعامل بسبب هذه الحساسية التي تتفاقم لدى المبدعين حين يصطدمون بالواقع. كان حساساً جداً وصعباً جداً في التعامل الشخصي وأحياناً يخطر للمرء أن على من يحبه جداً ألا يقترب منه. ذات يوم حاول رفاق لنا تأليبه ضدي فقالوا له إنك لم تنل جائزة نوبل لأنك لم تنل قبلها جائزة لينين كما حصل مع بابلو نيرودا، وإن فخري كريم هو المسؤول عن عدم ترشيحك لجائزة لينين. غضب وشتمني وحين تدخل أبناؤه لنفي صحة الكلام، قال لهم أنتم تدافعون عن حزبكم. كان يغضب أحياناً ثم تعود المياه إلى مجاريها. الجواهري الكبير هو الجواهري الكبير».

درويش والماغوط وسعدي يوسف

ذات يوم زرت فخري كريم في منزله في دمشق فوجدت لديه صديقاً مقيماً محاطاً برعاية كاملة. إنه الشاعر سعدي يوسف. وكانت المودة بين الرجلين عميقة وظاهرة. في سنوات لاحقة وخصوصاً بعد الغزو الأميركي للعراق رحت أقرأ لسعدي يوسف مقالات يحملها سهاماً مسمومة ضد صديقه السابق. سألت كريم عن قدرته على التعايش مع أصحاب الأمزجة الصعبة، فأجاب: «هذا قدري. أنا لا أنكر قامة سعدي يوسف الشعرية ولا يمكن أن أتجاوز إساءاته إلى نفسه وقامته وطاقته الشعرية لأنه في العقد الأخير ولسبب صعب أن تؤكده صار يكتب أي شيء وهذا يمكن الاطلاع عليه. واجه سعدي مشكلة حين عاش في فرنسا. وفرنا له شقة عن طريق الحزب الشيوعي الفرنسي. قال لي إنه حاول تجديد إقامته فضغط عليه جهاز الأمن للتعاون معه. استُفز وغادر فرنسا. ومنذ ذلك اليوم صار يعتبر كل مثقف يحصل على إقامة في بلد أوروبي جاسوساً».

زرت دمشق في التسعينات وخطر ببالي أن أحرض الشاعر محمد الماغوط على العودة إلى كتابة المقالات بعدما انقطع عنها لسنوات. نصحني أصدقاء بعدم الخوض مع «الرجل المزاجي الصعب». لم أقتنع فقد كنت قرأت قصائده تلميذاً واكتشفت فيه صوتاً برياً صافياً يغسل المفردات من غبار القاموس.

وافق الماغوط على الكتابة في مجلة «الوسط»، التي كانت تصدرها «دار الحياة». وكانت شروطه طريفة. أن يعامل أفضل مما يمكن أن يعامل صاحب أي اسم متداول. فهمت الرسالة في باب كيد الشعراء. وألا يرى خطأً مطبعياً في مقاله «لأني أمرض إن رأيته». وأن يمر المقال قبل نشره على رئيس التحرير بعد مروره على التصحيح. وأن يكون ضامن كل ذلك فخري كريم الذي يتولى مكتبه صف المقالات وإرسالها. وانطلق التعاون وكتب الماغوط مقالات بأسلوبه المتفرد. ذات يوم ذهب فجأة إلى كريم وقال له: سأتوقف. استغرب كريم، فأجابه: لم يعد لدي ما أقوله وأنا لا أريد أن أكتب من أجل الراتب. سأله: كيف ستعيش؟ فأجابه: تدفع أنت شهرياً وبالعملة السورية. وكان ما طلبه الماغوط لا يتخطى المائة دولار. سألت كريم عنه فقال: «أنا أفخر بهذه العلاقة. إنسان رائع جداً. شاعر متدفق وبسيط جداً وبمواصفات استثنائية ومتطلباته أبسط ما يكون. حاولت إقناعه بإعادة صياغة مقالات قديمة وتدويرها فأجابني: أنا لا أخدع القارئ».

قامت بين فخري كريم والشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش علاقة «ودية جداً» كادت تطيح بها غيمة. ذات يوم نسبت مجلة «اليوم السابع»، التي كانت تصدر في باريس عنواناً إلى درويش يقول فيه إن «جورج حبش وفخري كريم يتآمران علي»، معتبراً أن الحملة قد تؤدي إلى اغتياله. جاء كريم إلى باريس واتصل بدرويش، الذي كان عصبياً جداً. «اقترحت عليه اللقاء المباشر وهكذا كان. أورد درويش الأسماء التي يتهمها في مجلة (الهدف) الناطقة باسم (الجبهة الشعبية) فأوضحت أن الأسماء من خارج الحزب ومعادية له. استمع درويش إلى القصة وغرق في الضحك وقلب الصفحة».

سألت كريم عن اتهامات وجهت إليه من مثقفين أنه أفاد من أموال الحزب، فأجاب ضاحكاً: «الحزب الشيوعي موجود ويمكن أن تسأله. لم يكن لدى الحزب فائض في يوم من الأيام لكي يستولي عليه أحد. أنا كلفت أن أقوم بالشحاذة من منظمة التحرير وسوريا واليمن ولم أمد يدي إلى شيء. الواقع أنني أسست في 1960 دار ابن سينا وكانت كبيرة وقد مولها أحد أقاربي. بدأت العمل في الرابعة عشرة. لا يتسع المجال هنا لكل التفاصيل وللرد على اتهامات ناتجة عن كيديات حزبية أو شخصية».

حمل كريم جوازات سفر لبنانية وسورية ويمنية «وزرت ذات يوم أفغانستان والتقيت الرئيس محمد نجيب الله فأهداني جوازاً دبلوماسياً لكنني لم أستخدمه». وعاش كريم بأسماء مستعارة كان أبرزها «علي عبد الخالق» و«سعد أحمد»، لكن ذلك لم يمنع تعرضه لمحاولة اغتيال في بيروت لا تزال آثارها ماثلة، لتعقبها بعد عقود محاولة الاغتيال الأخيرة في بغداد.

مشى مسعود على دم شعبه وعشيرته للقاء صدام وكاد يبكي... مرض طالباني فأظهر بارزاني شهامة واستقبل عائلته واحتضنها

فخري كريم


مقالات ذات صلة

تأجيل زيارة وفد نيابي إلى أربيل لإقناع «الديمقراطي» بالعودة إلى بغداد

المشرق العربي قلعة أربيل في كردستان (متداولة)

تأجيل زيارة وفد نيابي إلى أربيل لإقناع «الديمقراطي» بالعودة إلى بغداد

أرجأ وفد من البرلمان الاتحادي زيارة كانت مقررة، الأحد، إلى أربيل، في مسعى لإقناع كتلة الحزب «الديمقراطي» الكردستاني بالعودة إلى بغداد.

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد خط أنابيب بين العراق وتركيا داخل محافظة دهوك بإقليم كردستان العراق (رويترز)

العراق يدرس مشروعاً لتأمين نقل النفط عبر موانئ تركية وسورية وأردنية

صرح رئيس الحكومة العراقية بأن مشروع خط أنابيب النفط «بصرة - حديثة - متعدد الاتجاهات» سيضمن المرونة في نقل النفط باتجاه موانئ جيهان وبانياس والعقبة.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

العراق يدخل مرحلة الفراغ الدستوري حكومياً

دخل العراق في فراغ دستوري على مستوى الحكومة مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي من ذلك.

حمزة مصطفى (بغداد)
رياضة عالمية أمير العماري لاعب خط وسط نادي كراكوفيا البولندي والمنتخب العراقي (الاتحاد العراقي)

أمير العماري… نجم ضمن رموز جيل الحلم الذي أعاد العراق إلى المونديال

بعد أربعة عقود من الغياب، يعود منتخب العراق إلى المسرح العالمي من بوابة جيل جديد كتب اسمه في التاريخ، جيلٌ لم يكتفِ بالحلم بل حوّله إلى واقع.

فاتن أبي فرج (بيروت)
خاص السوداني يتوسّط رئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه أبو فدك (إعلام حكومي)

خاص مقاربة من 5 خطوات لـ«تفكيك الميليشيات» العراقية

رغم مطالب أميركية متواصلة للسلطات العراقية بكبح الفصائل، وتفكيكها، يلاحظ مراقبون الغياب شبه الكلي لهذا الملف عن اجتماعات قادة «الإطار التنسيقي».

فاضل النشمي (بغداد)

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.


الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

أعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، مقتل أحد جنوده وإصابة آخرين في جنوب لبنان، في ظل وقف لإطلاق النار تتبادل الدولة العبرية و«حزب الله» الاتهامات بانتهاكه.

وقال الجيش، في بيان، إنّ رقيباً في التاسعة عشرة من عمره قُتل في حادثة أصيب خلالها ضابط وأربعة جنود آخرين، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

ومنذ سريان وقف إطلاق النار في 17 أبريل (نيسان)، أعلن «حزب الله» مراراً تنفيذ عمليات تستهدف قوات إسرائيلية في جنوب لبنان، أو إطلاق صواريخ ومسيّرات نحو شمال الدولة العبرية، قائلاً إنها تأتي رداً على قيام الأخيرة بتنفيذ غارات وعمليات قصف وتفجير مبانٍ.


«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
TT

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

​أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي جرت في الضفة الغربية، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية والقروية وإقبالاً متوسطاً على التصويت، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة؛ وهي المدينة الوحيدة التي أجريت فيها انتخابات بالقطاع وسط معدلات مشاركة ضعيفة.

والانتخابات المحلية التي أجريت، السبت، هي الأولى وفق النظام الجديد الذي قررته السلطة الوطنية الفلسطينية، العام الماضي، ويُلزم المترشحين في كل الانتخابات ببرنامج «منظمة التحرير» أساساً للترشح؛ إذ تتعهد السلطة دولياً بمسار «حل الدولتين».

وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية، الأحد، النتائج النهائية للانتخابات المحلية، التي جرت في 183 هيئة محلية بالضفة الغربية، إلى جانب مدينة دير البلح في قطاع غزة، وقال رئيس اللجنة رامي الحمد الله، خلال مؤتمر صحافي، إن «الانتخابات جرت لأول مرة وفق قانون انتخابات جديد؛ يعمل بنظام القائمة المفتوحة، والنظام الفردي، وشمل ذلك دير البلح وسط قطاع غزة، باعتبار الوطن الجغرافي في الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة واحدة».

فلسطينية تدلي بصوتها في الانتخابات المحلية ببلدة بيرزيت الفلسطينية شمال رام الله بالضفة الغربية يوم السبت (أ.ف.ب)

وبحسب الحمد الله، فإن «عدد الناخبين المقترعين بلغ نحو 522 ألف ناخب، فيما فازت 197 هيئة محلية بالتزكية، وبلغت نسبة الاقتراع في الضفة الغربية 56 في المائة، مقارنة بـ53.7 في المائة بانتخابات 2012، و53.8 في المائة في 2017، و58 في المائة في 2022».

وفيما سجلت محافظة سلفيت شمال الضفة، أعلى نسبة اقتراع بلغت 71 في المائة، سجلت دير البلح بقطاع غزة أقل نسبة بواقع 23 في المائة.

«فتح» تعلن فوزاً كاسحاً

مع نشر النتائج النهائية، يوم الأحد، أكّدت «فتح» التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الفوز الكبير لقائمتها «الصمود والعطاء» في الانتخابات، معتبرة، في بيان لناطق باسمها، أن النتائج تمثل «استفتاءً شعبياً مؤيداً» لنهج الحركة وبرنامجها السياسي وخياراتها.

وأعلنت «فتح» فوزها في غالبية الهيئات المحلية؛ أبرزها الخليل وطولكرم وسلفيت والبيرة، وفي محافظة جنين وباقي المحافظات، وقالت إنها شكلت بالتوافق مع قوى العمل الوطنيّ والمؤسسات المحليّة 197 مجلساً بلدياً وقروياً بالتزكية؛ أبرزها بلديتا رام الله ونابلس الكبيرتان.

وجاء إعلان «فتح» بينما تغيب حركة «حماس» تماماً عن المنافسة؛ إذ لا تحظى بعضوية «منظمة التحرير» وكانت مشاركتها السابقة في الانتخابات تجري من دون الالتزام بكونها «ممثلاً شرعياً ووحيداً» للفلسطينيين، وفق ما تشدد السلطة.

وكانت «حماس» تشارك في الانتخابات التي كانت تجري في الضفة الغربية طيلة السنوات الماضية، إما عبر قوائم واضحة للحركة، أو من خلال دعم مرشحين آخرين غير رسميين؛ لكنها غابت هذه المرة عن الترشح، ولم تحشد للتصويت.

ومع غياب «حماس»، تنافست القوائم المدعومة من حركة «فتح» مع أخرى مستقلّة يقودها رجال أعمال، أو مرشحون من فصائل في «منظمة التحرير»؛ مثل «الجبهة الشعبية»، أو قوائم شكلتها عائلات كبيرة متحالفة، وفي بعض المناطق تنافست قوائم في المدينة الواحدة، تتبع كلها لحركة «فتح».

وتطالب «السلطة» حركة «حماس» بتسليم غزة والسلاح، والتحول إلى حزب سياسي والاعتراف بـ«منظمة التحرير» والتزاماتها، لكن «حماس» لم تعلن ذلك حتى الآن.

عام الانتخابات

وتعدّ الانتخابات المحلية تحضيراً لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والمجلس التشريعي، والرئاسة حال تقرر ذلك.

وروجت السلطة الفلسطينية للانتخابات المحلية في أعقاب «الإصلاحات» التي قالت إنها ستنفذها بوصفها جزءاً من «خطة السلام» للرئيس الأميركي دونالد ترمب لقطاع غزة، وقال عباس، الأحد، إن «هذا العام سيكون عام الانتخابات».

وتعهدت السلطة بإجراء انتخابات تشريعية وأخرى رئاسية بعد انتهاء الحرب على قطاع غزة.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته في الانتخابات المحلية بمركز تصويت بمدينة رام الله بالضفة الغربية يوم السبت (د.ب.أ)

وأضاف مهنئاً بالانتخابات المحلية: «هذا النجاح يشكل انتصاراً جديداً للإرادة الوطنية الفلسطينية، وتجسيداً حياً لتمسك شعبنا بخيار الديمقراطية». وأردف: «هذا الإنجاز يأتي في إطار عام الديمقراطية، الذي انطلق بانتخابات الشبيبة الفتحاوية، ويتواصل عبر الانتخابات المحلية، وسيتوج الشهر المقبل بعقد المؤتمر الثامن لحركة (فتح)، وانتخابات قيادتها، وصولاً إلى انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، بما يعزز الحياة الديمقراطية، ويكرس مبدأ (صوت المواطن هو الأساس لاختيار من يمثله)».

إقبال ضعيف في غزة

وفي قطاع غزة، شهدت الانتخابات المحلية التي أقيمت بمدينة دير البلح فقط، إقبالاً ضعيفاً، في أول منافسات من نوعها منذ عقدين.

وأظهرت معدلات التصويت أن دير البلح كانت الأقل مشاركة على مستوى الأراضي الفلسطينية (غزة والضفة)، حيث بلغت 23 في المائة.

وكان يحق لـ70449 ناخباً وناخبة المشاركة في العملية التي أشرف عليها 292 مراقباً. وأظهرت النتائج التي أعلنتها لجنة الانتخابات، أن أي قائمة من القوائم الأربع المتنافسة لم تحسم النتيجة لصالحها.

ويتشكل المجلس البلدي لدير البلح من 15 عضواً من الحاصلين على أعلى الأصوات، مع ضمان تمثيل نسائي لا يقل عن 4 سيدات. وحصدت قائمة «نهضة دير البلح» 6 مقاعد، و«مستقبل دير البلح» 5 مقاعد، فيما حصلت القائمتان «السلام والبناء» و«دير البلح تجمعنا» على مقعدين لكل منهما.

ووفقاً لمصدر مراقب على الانتخابات، فإنه قانونياً «لا بد أن تكون هناك تحالفات لتشكيل المجلس البلدي الجديد»، والتقديرات تشير إلى أن القائمتين الأضعف ستدعمان أو على الأقل إحداهما، القائمة الأكبر «نهضة دير البلح» المدعومة من شخصيات قيادية في حركة «فتح».

وأقر جميل الخالدي المدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية، بأن «الوضع الميداني الأمني وما فرضته الحرب من آثار وأولويات بالنسبة للمواطن في غزة، من الأسباب المهمة التي أدت لانخفاض نسبة الاقتراع، بشكل غير متوقع».

فلسطينيون بمدينة دير البلح وسط غزة قرب مركز تصويت في الانتخابات المحلية يوم السبت (أ.ب)

واعتبر الخالدي في مؤتمر صحافي لإعلان النتائج، أن «مجرد مشاركة دير البلح في ظل هذه الظروف الصعبة التي يحياها قطاع غزة، بمثابة خطة مهمة في جوهر العملية الديمقراطية الحرة والنزيهة التي جرت في أجواء منظمة، من دون أي مشاكل تذكر رغم كل الأوضاع الصعبة».

وقال زين الدين أبو معيلق والفائز عن قائمة «نهضة دير البلح»، إن جميع القوائم المشاركة هدفها تحقيق الخدمات للمواطنين وتحسينها، مرجحاً أن تتم عملية تشكيل المجلس البلدي الجديد دون أي تعقيدات.

ورفض أبو معيلق كما آخرون من الفائزين، التعليق على قضية النسبة الضعيفة للمشاركين في الانتخابات. فيما أرجع أحدهم فضل عدم ذكر هويته، ذلك إلى الظروف التي تحيط بالسكان من حيث الوضع الاقتصادي والإنساني والأمني، معرباً عن أمله في أن تتحسن مشاركة سكان قطاع غزة في الانتخابات المقبلة.

وقال المحلل السياسي المقيم في غزة مصطفى إبراهيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الانتخابات المحلية التي جرت في دير البلح، ربما لا تعبر عن حقيقة وقناعة الفلسطينيين بضرورة الانتخابات، وهذا ما تدلل عليه النسب المتدنية للمشاركين»، مضيفاً: «قد يكون أحد أسباب ذلك أنه لم تكن هناك مشاركة فصائلية حقيقية، رغم أن هناك قوائم محسوبة أو مدعومة من حركة (فتح)، لكنها اتخذت الطابع العشائري».

ورجح إبراهيم أنه في حال شاركت «فتح» أو «حماس»، بشكل مباشر أو بدعم حقيقي لأي من القوائم، «لكانت نتائج المشاركة أعلى مما رأينا سواء على صعيد الحسم أو المشاركة».

وأضاف: «رغم عدم رضا الفلسطينيين عن النظام السياسي القائم؛ فهناك أمل لدى كثير من السكان بأن تستعيد حركة (فتح) دورها، وكذلك (حماس) ما زالت لديها القدرة على المنافسة، لكن الاعتقاد الأكبر أنها لن تحقق نتائج كما كانت في نتائج الانتخابات المحلية والتشريعية عامي 2005 و2006».