فخري كريم: حملت إلى الأسد نصيحة طالباني حول تمرير الإرهابيين

قال لـ«الشرق الأوسط» إن القيادة الكردية أخطأت حين انشغلت بتحصين أربيل وتناست ما يجري في بغداد (الثالثة والأخيرة)

TT

فخري كريم: حملت إلى الأسد نصيحة طالباني حول تمرير الإرهابيين

فخري كريم: حملت إلى الأسد نصيحة طالباني حول تمرير الإرهابيين

كان الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني أستاذاً في تمرير الرسائل. يقول في اللقاءات الضيقة ما يتجنبه في التصريحات والحوارات. وكان كبير مستشاريه فخري كريم مشاركاً. وكان الغداء ثرياً فالسيد الرئيس يحترم الرأي الآخر لكنه لا يتوقف كثيراً عند نصائح الأطباء.

أعرب طالباني عن اعتقاده أن صناع القرار في إيران أذكياء ويأمل «ألا يرتكبوا خطأ الرهان على إدارة بغداد من طهران، خصوصاً بعد تجربة محاولة إدارة بيروت من دمشق». قال إن تركيبة الروح العراقية «تجعل من الصعب على العراق أن يكون تابعاً لأميركا أو لإيران أو لتركيا». لم يخفِ أنه وفر الملجأ الآمن لثمانين ضابطاً عراقياً ممن شاركوا في الحرب ضد إيران بعدما «استهدفت جهات معينة» هذا النوع من الضباط.

أشاد طالباني بالرئيس الراحل حافظ الأسد الذي «احتضننا وقدم لنا دعماً لا ينسى من الإقامة وصولاً إلى الباسبورات». كشف أنه أرسل إلى الرئيس بشار الأسد مع فخري كريم نصيحة مفادها أن «الجهاديين» الذين فتحت لهم سوريا حدودها لدخول العراق بذريعة مقاتلة الأميركيين قد يرتدّون لاحقاً إلى الداخل السوري، وهذا ما حصل.

بعد خروجه من بيروت في 1982 إثر الغزو الإسرائيلي، أقام فخري كريم في دمشق. ونشطت مؤسسة «المدى»، التي أسسها في النشر والترجمة وتنظيم معارض الكتب، فضلاً عن نشاطه السياسي ما أتاح له إقامة علاقات مع كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين.

بعد توليه السلطة في عام 2000، استقبل الرئيس بشار الأسد كريم الذي يتذكر اللقاء ويقول: «شعرت أنه راغب في الاستماع، خصوصاً في ضوء العلاقات التي تربطني بالكثير من المثقفين. قلت له إن الأصوات المعارضة موجودة لكن اللهجة إيجابية بمعظمها. أنتم تتحدثون اليوم عن تحديث وتجديد، وهذه فرصة للانفتاح ولو ضمن حدود معينة بما في ذلك الانتخابات. هل تعتقد سيادة الرئيس أن هناك من يمكن أن ينافسك وأنت ممثل حزب البعث بكل قاعدته وأجهزته وإمكاناته؟».

تطرقت معه إلى أوضاع الأكراد السوريين. قلت إن كثيرين منهم لا يملكون أوراقاً ثبوتية، وحتى مجرد ورقة تتيح لهم التنقل. قلت أيضاً إنني حين كنت أعبر منطقة الخابور كنت ألاحظ أن مناطق كردية تاريخية أزيلت أسماؤها القديمة وباتت عربية وهذا يثير حساسيات. أجابني: أنا غير راضٍ، وأطمئن هذا الملف موجود عندي وستسمع عنه كلاماً إيجابياً.

في لقاء لاحق بعد التغيير في العراق، التقيته مرات عدة نقلت إليه في واحدة منها تحيات الرئيس طالباني والقلق من مسألة تسهيل انتقال مسلحين إلى العراق وأخطار ذلك على العراق، وربما لاحقاً على سوريا نفسها. قال: جندنا قوات كبيرة لضبط الحدود ولكن ماذا نفعل؟ هناك بعض القبائل وهناك عدد من المهربين. كيف نمسك المهرب الذي يمكن إقناعه بمائة أو مائتي دولار؟

قلت للرئيس الأسد إنني فخري كريم الذي تعرفه ويستحيل أن أنقل إلى الجانب الأميركي ما أعرفه. أنا واثق يا سيادة الرئيس أن الإرهابيين يتسللون إلى العراق من مكان محدد أعرفه وليس من كل الحدود. وأنا أعرف أن الوضع في سوريا مضبوط ولا يسمح بمرور طائر غريب من دون أن تسقطه رصاصة. رد الأسد على أي حال نحن على استعداد ودعنا نعرف ماذا نقدر أن نقوم به.

والحقيقة أن دمشق كانت قلقة بسبب ما رددته دوائر عدة عن أن نظام البعث في سوريا قد يكون الهدف المقبل للجيش الأميركي الذي بات يرابط على حدودها. ثم إن دمشق كانت تنظر بقلق إلى ظهور لغة المكونات الشيعية والسُنّية والكردية في التعامل مع العراق وما يمكن أن يرتبه ذلك في سوريا نفسها».

«عرفات تأثر بدخولي بيروت المحاصرة»

كان ياسر عرفات لاعباً بارعاً في الإمساك بالأوراق. علاقته مع نظام صدام حسين لم تمنعه من تقديم رعاية لآلاف من العراقيين وبينهم أفراد الحزب الشيوعي العراقي وعائلاتهم. وكان هناك خيط من الود يربط عرفات بالزعيم الكردي الأبرز مسعود بارزاني.

في بداية الغزو الإسرائيلي للبنان غادر فخري كريم بيروت في مهمة حزبية. ولكنه بعد تطويق الجيش الإسرائيلي بيروت أصر على العودة إليها مخالفاً إرادة حزبه. يقول: «كان من غير المقبول أن نبتعد. جئت إلى البقاع اللبناني وانتقلت منه إلى بيروت ونجح سائق تاكسي في إيصالي إلى إحدى النقاط القريبة وعدت إلى العاصمة اللبنانية. تأثر عرفات يومها بعودتي في وقت كان هناك من يبحث عن سبب للمغادرة. وتحدث لاحقاً علانية عن الأمر في المجلس الوطني في الجزائر منوهاً بالاخ علي عبد الخالق، وهو كان اسمي في مرحلة بيروت. نحفظ لياسر عرفات أنه لم يبخل بأي دعم على آلاف العراقيين الذين اضطروا إلى اللجوء إلى بيروت وقدم لبعضهم فرص عمل ورواتب أو مساكن وأحياناً باسبورات. وللأمانة كان عرفات يكن تقديراً عميقاً للأخ مسعود بارزاني، ولعله تضامن رجلين يكافحان ضد الظلم الذي لحق بشعبيهما. أكرر ومن باب الإنصاف والاعتراف بالحقائق أن ياسر عرفات كان وفياً والتزم كل ما وعد به».

صيانة العلاقات الكردية

على مدى سنوات طويلة، انشغل فخري كريم بصيانة العلاقة بين القطبين الكرديين جلال طالباني ومسعود بارزاني. والقصة معقدة بدأت فصولها حين ولد «الاتحاد الوطني الكردستاني» من انشقاق في «الحزب الديمقراطي الكردستاني» في أيام زعيمه التاريخي الملا مصطفى البارزاني. وشهدت العلاقة الشائكة بين الطرفين فصولاً دموية ومعارك كر وفر رافقتها تدخلات خارجية. ويقول كريم إن القيادة الكردية، وعلى رغم الانشقاقات والخلافات تتوحد حين يحدق الخطر بالأكراد والإقليم، ويراهن على أن ذلك سيتكرر في المرحلة الحالية.

يلاحظ كريم أن «القيادة الكردستانية ممثلة بالرمزين صديقي العزيز مسعود بارزاني وصديقي العزيز جلال طالباني ارتكبت خطأً كبيراً في البداية حين انهمكت بالوصول إلى اتفاقات فيما يتعلق بقضايا الإقليم وكأنها ابتعدت عما يجري في بغداد أو اعتبرت ما يجري هناك شيئاً يخص أكثر الآخرين. وهذه غلطة كبيرة، فقد كان الاتفاق على قيام نظام ديمقراطي اتحادي تداولي ومرحلة انتقالية تؤدي إلى تعزيز المواطنة الحرة. وفي هذا السياق ينال الإقليم حقوقه ويمارسها. من دون عراق معافى كيف سيحصل الإقليم على حقوقه التي ستصبح في مهب الريح؟ كان يجب الانخراط أكثر فيما يجري في بغداد لأنه سيؤثر على مستقبل البلاد برمتها. ثم جاءت مرحلة ابتدع فيها ما لا علاقة له بالعمل السياسي والمفاهيم السياسية أو الشعار السياسي، وهو ما سُمي بالتحالف الشيعي - الكردي. أثرت الأمر أكثر من مرة، لافتاً إلى غرابة التحالف بين مكونين في داخل كل منهما أحزاب وقوى وتيارات. مع الأسف الشديد كان يأتيني الجواب بأنني مصاب بلوثة آيديولوجية. ارتُكبت لاحقاً أخطاء أخرى في عدم استكمال توحيد المؤسسات في الإقليم ومرجعياتها وتزايد الفساد ويقظة الحسابات الحزبية على حساب المؤسسات الجامعة وعدم الالتزام دائماً بمعايير الكفاءة في التعيينات».

سألت عن العلاقة الشخصية بين الرجلين فأجاب: «طوى الرجلان صفحات الماضي الصعبة، لكن ما بُذل من أجل المستقبل كان أقل من المطلوب. أريد أن أسجل هنا موقفاً للأخ مسعود وهو ينم عن طبيعته. حين مرض جلال، وجه مسعود بوسائله ما يشبه الإنذار إلى كل من يمكن أن يفكر بالإساءة إلى طالباني أو عائلته. هذه مشاهدة عيانية وسماعية وليست نقلاً عن الآخرين. رفض مسعود إبان مرض جلال فتح موضوع مستقبل الرئاسة أو البحث عن بديل. وشاركت شخصياً في تنظيم لقاء لزوجة طالباني السيدة هيرو وابنيها بافل وقباد وآراس ابن شقيق جلال. قال مسعود للمدعوين في الغداء الطويل: أنا قربكم وأنا عائلتكم. تحدث بتأثر وبلهجة أخوية. وبعد الخروج بدا التأثر واضحاً على السيدة هيرو والمدعوين إذ لم يتوقعوا أن يكون البعد العاطفي قوياً إلى هذا الحد.

علاقتي مع جلال تعود إلى 1960 إذ كنت عضواً شاباً في نقابة الصحافيين التي تشكلت برئاسة الجواهري الكبير وكان جلال عضواً في الهيئة الإدارية ممثلاً للشعب الكردي. لم نقترب كثيراً إلا في العقود الأخيرة».

طلبت من كريم أن يختصر شخصية مسعود بارزاني، فأجاب: «أنا شهادتي مجروحة لأنه صديقي التاريخي. منذ البداية كانت علاقتنا منسجمة سياسياً وأليفة شخصياً. أنا أعتبره الصديق الوفي وقد عبر عن هذا الوفاء مرات عدة. ذكي جداً وصاحب موقف. يجيد الاستماع ويفكر طويلاً فيما يسمع وقد يقتنع بوجهة نظرك بعد أسابيع. حين يتخذ موقفاً يشعر بصعوبة التراجع عنه. لا يناور. ذات يوم وخلال المفاوضات مع صدام أرسل في طلبي. سألني عن المفاوضات وكنت أنا معارضاً. تحدثنا في بعض النقاط وقلت له أنت يمكن أن تتراجع. قال: كيف أتراجع؟ أنا أعطيتهم كلاماً. إذا قطع عهداً التزم به ويشعر بصعوبة التراجع عنه.

التقينا يوم ذهب للقاء صدام، وبعد ما ارتكبه النظام بحق الأكراد وعشيرته. كاد يبكي حين سألته. قال لي: لا أعرف كيف أصف لك. كنت أخطو خطوة إثر خطوة وكأنني أدوس على الدماء وأخوض فيها، لكنني لم أكن أفكر بالجروح بل بمصلحة الشعب الكردي».

سألته عما إذا كان إقليم كردستان لا يزال يدفع ثمن عملية الاستفتاء حول تقرير المصير، فأجاب: «أعتقد أن الانحدار السلبي في الوضع السياسي بدأ في الدورة الثانية لنوري المالكي وتعذر مواجهته بسحب الثقة منه. بعدها حصلت تراجعات خطيرة وحاول المالكي الانتقال من التحالف الشيعي - الكردي إلى التحالف الشيعي - السني لمواجهة ما اعتبره الخطر الكردي. أطلق المالكي صيحته المشهورة: لا للتوافق ونعم للأكثرية. وهكذا بدأ التصويت في البرلمان في غياب قاعدة الشراكة والتوافق.

تم استغلال موضوع الاستفتاء لاتخاذ إجراءات عقابية ضد إقليم كردستان لا يزال بعضها مستمراً حتى الآن. لا علاقة للأمر بالاستفتاء بحد ذاته، بل ببرنامج يرمي إلى إطفاء هذه المنطقة المضيئة التي تسمى إقليم كردستان وبغرض إزالته أو تفريغه من محتواه إذا تعذرت الإزالة. الاستفتاء حق لأي مواطن. دول كثيرة تعود إلى المواطنين وتجري استفتاءات حول القضايا التي تهم الرأي العام. هذا يحدث في إسبانيا مثلاً ومن دون تحريك قوات عسكرية وعمليات ترهيب. كان الغرض من الاستفتاء تأكيد حق مبدئي وليس إعلان الانفصال وجاء الموقف لمواجهة الضغوطات والسلبيات التي تراكمت في التعامل مع الإقليم».

عداوة «البعث» والشيوعيين

سألت فخري كريم عن الفصول الدامية بين الشيوعيين والبعثيين بعد وصول «البعث» إلى السلطة في 8 فبراير (شباط) 1963. نقلت إليه ما سمعته من قائد «الحرس القومي» العقيد منذر الونداوي وفيه «خاض الشيوعيون في دمنا وخضنا في دمهم»، فقال: «بكل صراحة أقول لك إن انتهاكات جرت من جانب الحزب في الفترة الأولى من الصراع، لكن الحزب لم يخض في دم البعثيين. تستطيع العودة إلى ما كتبه حسن العلوي وهو كان في حزب البعث. انتهاكات محدودة نعم، لكن لم تحصل تصفيات كما يشير الونداوي، خصوصاً أن الحزب لم يكن في السلطة فلا مدير الأمن العام كان منه ولا مدير المخابرات. نظم البعثيون مذبحة مدروسة بحق الشيوعيين. دعوات السحق والقتل كانت علانية. ما جرى في قصر النهاية بات معروفاً. تعذيب رهيب أدى إلى مقتل سكرتير الحزب سلام عادل وكوكبة من القيادات والكوادر وبوحشية يتعذر وصفها. تصور أن يأكل ناظم كزار الكباب ورجله تضغط على عنق معتقل شيوعي يحتضر».

نقلت إليه ما سمعته أيضاً من العسكري والسياسي الصاخب عبد الغني الراوي الذي سألته إن كان قتل الشيوعيين، فأجاب: «نعم لكنني قتلتهم بموجب فتوى»، فقال كريم: «هذا الرجل كاذب يحاول التغطي بفتوى... يفاخر هذا المجرم بالجريمة التي ارتكبها بحق عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة». وكان الراوي قال في حوار أجريته معه إنه أمر بإطلاق النار على عبد الكريم قاسم ورفاقه بعدما تم إحضاره إلى الإذاعة إثر قيام قوات من الجيش بمحاصرة مقره في وزارة الدفاع ومشاركة الونداوي في الإغارة بطائرته على المقر.

الجواهري وصدام والمتنبي

خلال عمله في الحزب الشيوعي، تولى فخري كريم مسألة العلاقة مع الكتاب والشعراء والمثقفين فكانت له علاقات واسعة معهم ازدادت رسوخاً بعد تأسيسه «دار المدى» للنشر.

ربطت كريم على مدار عقود علاقة وثيقة بالشاعر العراقي والعربي الكبير محمد مهدي الجواهري. قلت لكريم إن أحد الذين عملوا في القصر مع صدام حسين قال لي إن صدام استقبل الجواهري وأهداه قطعة أرض على دجلة، فهل هذا صحيح؟ أجاب: «روى لي الجواهري أن صدام استدعاه إلى أحد القصور أو المزارع وتلاطف معه كثيراً ولوّح له بأرض وكذا. طبعاً لمن لا يعرف الجواهري أقول إنه كان في غاية الحساسية ولا يمكن أن يخضع لأي مراودة. شعر أن صدام يحاول أن يلتقط منه وعداً لكنه لم يعطه ما أراد في حين أنه نظم قصيدة في أحمد حسن البكر بعد مقتل نجله. أكثر من هذا فهو قال لي: لن أمدح صدام ولو أعطاني نهر دجلة نفسه وليس أرضاً قرب دجلة».

قلت له إنني كلما التقيت سياسياً عراقياً بارزاً أكتشف أنه يحفظ شيئاً من شعر الجواهري، فأجاب: «ليس عبثاً أنه أطلق على الجواهري لقب الشاعر العربي الأكبر. وهو مغدور مثل باقي المثقفين العراقيين لأنه عراقي. الجواهري خاتم الشعراء الكلاسيكيين الكبار. إنه متنبي العصر لكنه غدر. غدر عربياً».

ذات يوم ألمح كريم أمام الجواهري، وعلى استحياء، أن هناك من يقول إنه يمدح كثيراً، فرد شاتماً وقال: «هل تعتقد أنني حينما أكتب عنك أبياتاً أقصدك أنت؟ أنا تمر في بالي صور وتراكيب ثم أختار اسماً. هل يعني ذلك أنني أمدح صاحب الاسم؟ وحين كتبت عنك هل كنت أقصدك أنت بالذات؟».

هل كان يعتبر الجواهري نفسه المتنبي الجديد؟ يقول كريم: «مرة قال لي هذا المتنبي العظيم وراح يقرأ مقتطفات من المتنبي العظيم. وبعد ذلك راح يشتم نفسه ويقول كذا وكذا يا جواهري... ماذا أنت؟ هذا المتنبي العظيم ديوانه بهذا الحجم (وأشار بيديه) وأنت ديوانك خمسة مجلدات. وربما كان يقصد أنه تخطى المتنبي».

ويقول كريم إن الجواهري أقام في دمشق وامتدح الرئيس حافظ الأسد الذي أحاطه بعناية استثنائية، إذ أعطاه لإقامته فيلا تشبه القصر مع كل مستلزمات الراحة والتكريم. يضحك كريم ويتذكر: «كان الجواهري صعباً في التعامل بسبب هذه الحساسية التي تتفاقم لدى المبدعين حين يصطدمون بالواقع. كان حساساً جداً وصعباً جداً في التعامل الشخصي وأحياناً يخطر للمرء أن على من يحبه جداً ألا يقترب منه. ذات يوم حاول رفاق لنا تأليبه ضدي فقالوا له إنك لم تنل جائزة نوبل لأنك لم تنل قبلها جائزة لينين كما حصل مع بابلو نيرودا، وإن فخري كريم هو المسؤول عن عدم ترشيحك لجائزة لينين. غضب وشتمني وحين تدخل أبناؤه لنفي صحة الكلام، قال لهم أنتم تدافعون عن حزبكم. كان يغضب أحياناً ثم تعود المياه إلى مجاريها. الجواهري الكبير هو الجواهري الكبير».

درويش والماغوط وسعدي يوسف

ذات يوم زرت فخري كريم في منزله في دمشق فوجدت لديه صديقاً مقيماً محاطاً برعاية كاملة. إنه الشاعر سعدي يوسف. وكانت المودة بين الرجلين عميقة وظاهرة. في سنوات لاحقة وخصوصاً بعد الغزو الأميركي للعراق رحت أقرأ لسعدي يوسف مقالات يحملها سهاماً مسمومة ضد صديقه السابق. سألت كريم عن قدرته على التعايش مع أصحاب الأمزجة الصعبة، فأجاب: «هذا قدري. أنا لا أنكر قامة سعدي يوسف الشعرية ولا يمكن أن أتجاوز إساءاته إلى نفسه وقامته وطاقته الشعرية لأنه في العقد الأخير ولسبب صعب أن تؤكده صار يكتب أي شيء وهذا يمكن الاطلاع عليه. واجه سعدي مشكلة حين عاش في فرنسا. وفرنا له شقة عن طريق الحزب الشيوعي الفرنسي. قال لي إنه حاول تجديد إقامته فضغط عليه جهاز الأمن للتعاون معه. استُفز وغادر فرنسا. ومنذ ذلك اليوم صار يعتبر كل مثقف يحصل على إقامة في بلد أوروبي جاسوساً».

زرت دمشق في التسعينات وخطر ببالي أن أحرض الشاعر محمد الماغوط على العودة إلى كتابة المقالات بعدما انقطع عنها لسنوات. نصحني أصدقاء بعدم الخوض مع «الرجل المزاجي الصعب». لم أقتنع فقد كنت قرأت قصائده تلميذاً واكتشفت فيه صوتاً برياً صافياً يغسل المفردات من غبار القاموس.

وافق الماغوط على الكتابة في مجلة «الوسط»، التي كانت تصدرها «دار الحياة». وكانت شروطه طريفة. أن يعامل أفضل مما يمكن أن يعامل صاحب أي اسم متداول. فهمت الرسالة في باب كيد الشعراء. وألا يرى خطأً مطبعياً في مقاله «لأني أمرض إن رأيته». وأن يمر المقال قبل نشره على رئيس التحرير بعد مروره على التصحيح. وأن يكون ضامن كل ذلك فخري كريم الذي يتولى مكتبه صف المقالات وإرسالها. وانطلق التعاون وكتب الماغوط مقالات بأسلوبه المتفرد. ذات يوم ذهب فجأة إلى كريم وقال له: سأتوقف. استغرب كريم، فأجابه: لم يعد لدي ما أقوله وأنا لا أريد أن أكتب من أجل الراتب. سأله: كيف ستعيش؟ فأجابه: تدفع أنت شهرياً وبالعملة السورية. وكان ما طلبه الماغوط لا يتخطى المائة دولار. سألت كريم عنه فقال: «أنا أفخر بهذه العلاقة. إنسان رائع جداً. شاعر متدفق وبسيط جداً وبمواصفات استثنائية ومتطلباته أبسط ما يكون. حاولت إقناعه بإعادة صياغة مقالات قديمة وتدويرها فأجابني: أنا لا أخدع القارئ».

قامت بين فخري كريم والشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش علاقة «ودية جداً» كادت تطيح بها غيمة. ذات يوم نسبت مجلة «اليوم السابع»، التي كانت تصدر في باريس عنواناً إلى درويش يقول فيه إن «جورج حبش وفخري كريم يتآمران علي»، معتبراً أن الحملة قد تؤدي إلى اغتياله. جاء كريم إلى باريس واتصل بدرويش، الذي كان عصبياً جداً. «اقترحت عليه اللقاء المباشر وهكذا كان. أورد درويش الأسماء التي يتهمها في مجلة (الهدف) الناطقة باسم (الجبهة الشعبية) فأوضحت أن الأسماء من خارج الحزب ومعادية له. استمع درويش إلى القصة وغرق في الضحك وقلب الصفحة».

سألت كريم عن اتهامات وجهت إليه من مثقفين أنه أفاد من أموال الحزب، فأجاب ضاحكاً: «الحزب الشيوعي موجود ويمكن أن تسأله. لم يكن لدى الحزب فائض في يوم من الأيام لكي يستولي عليه أحد. أنا كلفت أن أقوم بالشحاذة من منظمة التحرير وسوريا واليمن ولم أمد يدي إلى شيء. الواقع أنني أسست في 1960 دار ابن سينا وكانت كبيرة وقد مولها أحد أقاربي. بدأت العمل في الرابعة عشرة. لا يتسع المجال هنا لكل التفاصيل وللرد على اتهامات ناتجة عن كيديات حزبية أو شخصية».

حمل كريم جوازات سفر لبنانية وسورية ويمنية «وزرت ذات يوم أفغانستان والتقيت الرئيس محمد نجيب الله فأهداني جوازاً دبلوماسياً لكنني لم أستخدمه». وعاش كريم بأسماء مستعارة كان أبرزها «علي عبد الخالق» و«سعد أحمد»، لكن ذلك لم يمنع تعرضه لمحاولة اغتيال في بيروت لا تزال آثارها ماثلة، لتعقبها بعد عقود محاولة الاغتيال الأخيرة في بغداد.

مشى مسعود على دم شعبه وعشيرته للقاء صدام وكاد يبكي... مرض طالباني فأظهر بارزاني شهامة واستقبل عائلته واحتضنها

فخري كريم


مقالات ذات صلة

العراق... أزمة الوقود تفاقم مشكلات البلاد وتتسبب في أعباء إضافية على المواطنين

المشرق العربي جانب من الازدحام عند محطة وقود في بغداد (وكالة الأنباء العراقية)

العراق... أزمة الوقود تفاقم مشكلات البلاد وتتسبب في أعباء إضافية على المواطنين

لا تستبعد أطراف مقربة من حكومة الزيدي، وجود «تلاعب مدبر» في دوائر وزارة النفط يفاقم الأزمة، ويربطون هذا التلاعب بجماعات تضررت مؤخراً من الحملة على الفساد.

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد محافظ البنك المركزي العراقي نزار ناصر حسين خلال لقائه بعدد من المختصين بالشأن الاقتصادي (إكس)

«المركزي» العراقي: لا عقوبات دولية على القطاع المصرفي بعد اليوم

أكد محافظ البنك المركزي العراقي نزار ناصر حسين، الأحد، أن تغيير العملة من صلاحيات البنك المركزي، وأشار إلى أن حذف الأصفار بحاجة لتشريع في مجلس النواب.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي من اجتماع «ائتلاف إدارة الدولة» في القصر الحكومي (واع)

الائتلاف الحاكم في العراق يتجاهل «حصر السلاح» ويحذر من تداعيات العقوبات ضد إيران

شدد «ائتلاف إدارة الدولة» في بيان على «ضرورة تجنيب العراق تداعيات العقوبات الأميركية المفروضة على بعض الدول (في إشارة إلى إيران)، في ظل الظرف المالي الصعب»...

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد منصة عائمة لتصدير النفط في ميناء البصرة النفطي (رويترز)

العراق يرفع طاقته التصديرية النفطية لأكثر من 3 ملايين برميل يومياً

رفع العراق طاقته التصديرية للنفط إلى أكثر من 3 ملايين برميل يومياً، وفق ما نقلت وسائل إعلام رسمية عن وزير النفط...

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عناصر من «الحشد الشعبي» يشاركون في عرض عسكري ببغداد (أرشيفية - غيتي)

مفاوضات نزع سلاح الفصائل العراقية أمام «طريق مسدود»

المفاوضات التي تجري بين «الإطار التنسيقي» الشيعي والفصائل المسلحة في العراق يبدو أنها وصلت إلى طريق مسدود.

حمزة مصطفى (بغداد)

الشرع يتقبّل أوراق اعتماد سبعة سفراء... بينهم سفير السعودية

الرئيس السوري ووزير خارجيته يتوسطان السفراء السبعة الذين قدموا أوراق اعتمادهم الأحد في قصر الشعب بدمشق (الخارجية السورية)
الرئيس السوري ووزير خارجيته يتوسطان السفراء السبعة الذين قدموا أوراق اعتمادهم الأحد في قصر الشعب بدمشق (الخارجية السورية)
TT

الشرع يتقبّل أوراق اعتماد سبعة سفراء... بينهم سفير السعودية

الرئيس السوري ووزير خارجيته يتوسطان السفراء السبعة الذين قدموا أوراق اعتمادهم الأحد في قصر الشعب بدمشق (الخارجية السورية)
الرئيس السوري ووزير خارجيته يتوسطان السفراء السبعة الذين قدموا أوراق اعتمادهم الأحد في قصر الشعب بدمشق (الخارجية السورية)

تقبّل الرئيس أحمد الشرع، اليوم (الأحد)، أوراق اعتماد سبعة سفراء لدى الجمهورية العربية السورية، خلال مراسم رسمية أُقيمت في قصر الشعب بدمشق، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني.

وشملت أوراق الاعتماد سفير المملكة العربية السعودية غازي العنزي، وسفير الفاتيكان «القاصد الرسولي» المطران لويجي روبرتو كونا، وسفير الاتحاد الأوروبي ميخائيل أونماخت، وسفير جمهورية البرازيل الاتحادية إدواردو باربوزا، وسفير جمهورية اليونان إيمانويل كاكافيلاكيس، وسفيرة مملكة السويد جيسيكا سفاردستروم، وسفير مملكة الدنمارك فراي جاكسون.

سفير المملكة العربية السعودية غازي العنزي (يساراً) بعد تقديم أوراق اعتماده للرئيس السوري أحمد الشرع بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني (حساب الرئاسة)

ورحّب الرئيس الشرع بالسفراء، متمنياً لهم التوفيق في أداء مهامهم، والإسهام في تعزيز علاقات التعاون مع الدول والجهات التي يمثلونها.

وكان السفراء المعينون قد قدموا نسخاً من أوراق اعتمادهم لوزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، الخميس الماضي.

تجدر الإشارة إلى أنه لا يزال سفيرا الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة لم يعينا بعد، والأمر ينطبق على سفيرَي سوريا لدى الدولتين.


ضغوط أميركية على نتنياهو لإخلاء بؤر استيطانية

جرافة إسرائيلية تعمل بالقرب من مستوطنة مجداليم الإسرائيلية قرب قرية قصرة جنوب مدينة نابلس في الضفة الغربية المحتلة الأحد (أ.ف.ب)
جرافة إسرائيلية تعمل بالقرب من مستوطنة مجداليم الإسرائيلية قرب قرية قصرة جنوب مدينة نابلس في الضفة الغربية المحتلة الأحد (أ.ف.ب)
TT

ضغوط أميركية على نتنياهو لإخلاء بؤر استيطانية

جرافة إسرائيلية تعمل بالقرب من مستوطنة مجداليم الإسرائيلية قرب قرية قصرة جنوب مدينة نابلس في الضفة الغربية المحتلة الأحد (أ.ف.ب)
جرافة إسرائيلية تعمل بالقرب من مستوطنة مجداليم الإسرائيلية قرب قرية قصرة جنوب مدينة نابلس في الضفة الغربية المحتلة الأحد (أ.ف.ب)

قالت مصادر أمنية إسرائيلية إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمر بإخلاء بؤر استيطانية في مناطق «ب» في الضفة الغربية، تحت ضغط أميركي مكثف، في توجه لم تظهر نتائجه على الأرض بعد.

وأكدت المصادر لموقع «واي نت» التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، الأحد، أن نتنياهو وجه بإخلاء بؤر استيطانية في منطقة «ب» تحت ضغوط شديدة من الإدارة الأميركية.

وقالت المصادر: «إن أكثر ما يُقلق رئيس الوزراء الإسرائيلي حالياً هو الإدارة الأميركية التي تبدي قلقاً بالغاً إزاء استمرار هجمات المستوطنين وتفاقم الوضع الأمني في الضفة الغربية».

وطالب الأميركيون نتنياهو مراراً بلجم المستوطنين، وظهر الغضب الأميركي، عبر تصريحات أدلى بها في الأيام القليلة الماضية السفير الأميركي في إسرائيل، مايك هاكابي، الذي وصف المستوطنين الذين يحاصرون منازل الفلسطينيين في «قصرة» وينفذون هجمات في مناطق أخرى بأنهم إرهابيون.

وطالب هاكابي، أثناء زيارته لبلدة ترمسعيا الفلسطينية قرب رام الله، السبت، السلطات الإسرائيلية بحماية السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية، ودعا إلى محاكمة المستوطنين العنيفين. وقال هاكابي إن على المستوطنين الذين يهاجمون الآمنين في منازلهم أن يتوقعوا عواقب وخيمة.

هاكابي على سطح منزل في ترمسعيا يملكه فلسطيني يحمل الجنسية الأميركية تعرض لهجومين من مستوطنين رغم رفع مالكه العلم الأميركي (أ.ف.ب)

وصعد المستوطنون هجماتهم في الضفة الغربية في السنوات الأخيرة، وكثفوا هذه الهجمات مع بدء الحرب الأخيرة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وراحت هذه الهجمات تأخذ منحى دموياً هذا العام. وقتل المستوطنون، حسب إحصاءات فلسطينية رسمية، 27 فلسطينياً في 2026.

وما زال مستوطنون يحاصرون الفلسطينيين في بلدة قصرة القريبة من نابلس للأسبوع الخامس على التوالي، ويشنون هجمات قاتلة بشكل يومي في مناطق واسعة في الضفة الغربية.

وقال مسؤولون أمنيون لـ«يديعوت أحرونوت» إن ما يحدث في الضفة الغربية سينفجر قريباً في وجه إسرائيل. وترسم المعطيات، حسب «يديعوت»، صورة معقدة وغير مسبوقة للواقع الأمني ​​على الأرض في الضفة.

وقال مسؤولون أمنيون: «نشهد زيادة هائلة في حجم الإنذارات والمعلومات، وكذلك في عمليات إحباط الهجمات (..) هناك أرقام مذهلة. والسؤال المطروح هو: هل ننجح حالياً في إيقافه واحتوائه؟ ومتى سينفلت؟».

وحسب المعطيات الإسرائيلية، فإن محاولات تنفيذ الهجمات لا تعتمد على الأفراد فحسب، بل بشكل رئيسي على منظمات محلية مدعومة من فصائل ومن الخارج.

وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن في اليومين الماضيين، عن عمليات خاصة في الضفة، زعم أنها أحبطت خلية مسلحة في شمال الضفة، ومنع هجمات فورية، ودمر أكثر من 30 مخرطة لإنتاج وسائل قتالية، وصادر أسلحة طويلة، ومسدسات، وبنادق ووسائل قتالية عديدة وذخيرة، إلى جانب اعتقال مطلوبين ومسلحين وتجار أسلحة.

سيارة عسكرية تابعة للجيش الإسرائيلي بجانب مستوطنين إسرائيليين على مشارف بيرزيت شمال رام الله في الضفة الغربية يوم 31 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

كما أعلن الجيش، في بيان أصدره الأحد، أنه أحبط خلية لـ«حماس» في شمال الضفة، ووجد قذيفة صاروخية من دون منصة في قرية «عقابا» قرب «طوباس»، وفجرها فوراً، واعتقل فلسطينيين وصادر أسلحة وعبوات.

وقالت «يديعوت» إن التهديد الأمني، والزيادة الحادة في عدد مراكز الاستيطان اليهودية في الضفة سببان مباشران لتصعيد الوضع. ويوجد في الضفة أكثر من 100 بؤرة استيطانية و130 مزرعة، ومن بين هذه البؤر، أُنشئت ما بين 15 و20 بؤرة في المنطقتين «أ» و«ب».

وبناءً على أوامر نتنياهو، صدرت تعليمات واضحة بإخلاء البؤر في المنطقتين «أ» و«ب»، ولا سيما تلك الموجودة في المنطقة «ب». وقالت المصادر إن نتنياهو أوضح للوزراء ضرورة عدم انتقاد قادة الجيش الإسرائيلي ودعمهم أثناء عمليات الإخلاء.

وتخشى إسرائيل من أن عمليات الإخلاء من شأنها أن تزيد التوترات. وقالت المصادر: «تُؤدي عمليات الإخلاء هذه إلى حلقة مفرغة ومحبطة من الاحتكاك على أرض الواقع. نُخليهم، فيعودون في الصباح».

وتربط إسرائيل بين ازدهار الاستيطان ونموه وقوة المستوطنين من جهة، واليأس الذي أصبح يسيطر على الفلسطينيين، وتتوقع أن التضارب سيفجر الوضع.

عين على الانتخابات

وقالت «يديعوت» إنه من بين المجالات الأخرى التي تُثير قلقاً بالغاً لدى المؤسسة الأمنية، الانتخابات المزمع إجراؤها في السلطة الفلسطينية. وتعتقد الأجهزة الأمنية أن «حماس» حالياً تبذل جهوداً حثيثة للمشاركة وتعزيز حضورها، مستغلةً الانتخابات.

وقالت مصادر إسرائيلية إنه بناءً عليه، فإن احتمال إجراء انتخابات في نهاية المطاف ضئيل للغاية. وقالت «يديعوت» إن الرئيس الفلسطيني محمود عباس و«حماس» يمران بفترة عصيبة، وسيتعين على عباس أن يقرر ما إذا كان سيخوض الانتخابات ويخسر، أم أنه سيقلب الطاولة؟ وبناء على كل ذلك يستعد الجيش ويعزز جاهزيته في الضفة.

مستوطنون يقذفون الحجارة في بلدة قصرة بالضفة الغربية يوم الأربعاء في لقطة مأخوذة من مقطع فيديو (رويترز)

وقالت مصادر في المؤسسة الأمنية إنهم رفعوا مستوى الاستعداد لأي انفجار محتمل في الضفة الغربية، وتقرر إضافة كتيبتين على الأقل في المنطقة.

وقال رئيس الأركان الإسرائيلي، أيال زامير، الأحد، بعد إطلاق تمرين للجيش الإسرائيلي استعداداً لفترة الأعياد الوشيكة: «نحن نمرّ بفترة متوترة وقابلة للاشتعال على جميع الجبهات، ونستعد لفترة الأعياد القريبة. نواصل استخلاص العبر، وكما حددت، فإن الحالة الأساسية التي يوجد فيها جيش الدفاع بأكمله هي الجاهزية لهجوم مفاجئ».

وحسب الجيش «يشكّل التمرين جزءاً مهماً من استعداد الجيش لفترة الأعياد الوشيكة».


حراك سياسي لعقد حوار وطني فلسطيني شامل في القاهرة

تَجمَّع المشيّعون في مدينة غزة لدفن جماعي لنحو 100 فلسطيني بينهم 62 طفلاً انتُشل رفاتهم من تحت الأنقاض (أ.ف.ب)
تَجمَّع المشيّعون في مدينة غزة لدفن جماعي لنحو 100 فلسطيني بينهم 62 طفلاً انتُشل رفاتهم من تحت الأنقاض (أ.ف.ب)
TT

حراك سياسي لعقد حوار وطني فلسطيني شامل في القاهرة

تَجمَّع المشيّعون في مدينة غزة لدفن جماعي لنحو 100 فلسطيني بينهم 62 طفلاً انتُشل رفاتهم من تحت الأنقاض (أ.ف.ب)
تَجمَّع المشيّعون في مدينة غزة لدفن جماعي لنحو 100 فلسطيني بينهم 62 طفلاً انتُشل رفاتهم من تحت الأنقاض (أ.ف.ب)

تشهد الساحة الداخلية الفلسطينية حراكاً جديداً، بهدف الدفع نحو عقد حوار وطني شامل قد يعقد في العاصمة المصرية، القاهرة، خلال الفترة القليلة المقبلة، حال تم التوافق عليه ما بين الفصائل التي تجري اتصالات بهذا الخصوص بدعم مصري كامل.

وقال مصدران من «حماس»، و3 من فصيلين آخرين، خلال إفادات منفصلة لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك اتصالات ولقاءات عقدت في الأيام والأسابيع القليلة الماضية بهدف عقد حوار وطني شامل قبل إجراء الانتخابات التشريعية المقررة في نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وسعت مصر خلال الأشهر الماضية، خاصةً في خضم مفاوضات وقف إطلاق النار بغزة، لعقد مثل هذا اللقاء؛ إلا أنها لم تنجح بذلك بسبب الاشتراطات التي كانت توضع من عدة أطراف وخاصةً حركة «فتح».

وقال مصدر من «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، إنه يجري حالياً الترتيب لعقد لقاءات ثنائية بين فصائل مختلفة خلال الأيام القليلة المقبلة، بهدف وضع تصور عام من أجل التجهيز لحوار وطني شامل، مبيناً أن «بعض الاتصالات واللقاءات التي جرت فعلاً خلال الأيام الماضية أحرزت تقدماً في هذا الصدد».

ووفقاً لمصدرين آخرين من فصيل ثانٍ، فإن لقاءات عقدت في رام الله والقاهرة، بين قيادات فصائلية، وكذلك مع مسؤولين مصريين، للدفع بهذا المسار الذي يهدف بشكل أساسي لإيجاد قاعدة شراكة وطنية تحمي إجراء الانتخابات في حال تم الإصرار على إجرائها في موعدها المحدد. وأشار أحد المصادر إلى أنه «في حال تم الاتفاق على عقد حوار وطني شامل، قد يعقد بالتزامن (حضورياً وعن بعد) ما بين القاهرة ورام الله وغزة وربما بيروت».

عباس أثناء المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله في 14 مايو 2026 (إ.ب.أ)

وأكد مصدران من «حماس» أن هناك إفادات وصلت من قبل قيادات بارزة في فصائل فلسطينية، وكذلك جهات داخل حركة «فتح»، وحتى مسؤولين من دول عربية، بينها مصر، أن هناك اتصالات وترتيبات قد تفضي لموافقة من جميع الأطراف على عقد حوار وطني شامل، مؤكدين جهوزية حركتهما للمشاركة فيه.

ووفقاً لأحد المصادر من «حماس»، فإن «هناك اتصالات مستمرة مع كافة الفصائل لتشكيل أوسع جبهة ممكنة لخوض الانتخابات التشريعية ضمن تحالف مشترك، كما أن هناك ترتيبات أيضاً لإمكانية دعم جميع الفصائل لقائمة واحدة يقودها شخصيات من التكنوقراط فقط للخروج من عنق الزجاجة في ظل المأزق السياسي الذي يواجهه الفلسطينيون».

وحسب المصادر الثلاثة الفصائلية السابقة، فإنهم تلقوا تأكيدات من قيادة حركة «فتح» باستعدادها للمشاركة في حوار وطني شامل، بعد التحفظات السابقة لدى الحركة على مثل هذا الخيار.

وأكدت المصادر ذاتها في إفادات منفصلة لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك محاولات لإقناع السلطة الفلسطينية وحركة «فتح» بتأجيل الانتخابات لمدة عام أو عامين لحين إعادة بناء منظمة التحرير، والمجلس الوطني، وعقد لقاءات للأمناء العامين للفصائل، وإجراء عملية إصلاحية شاملة للوضع الفلسطيني بما يسمح بوضع قواعد واضحة للشراكة الوطنية الشاملة.

وسبق وأن أعلنت حركة «فتح» رفض دعوات تأجيل الانتخابات التشريعية، بينما تدعو بعض الأصوات داخلها لتأجيلها وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية معاً بهدف تغيير النظام السياسي القائم. وأكد حسين الشيخ، نائب رئيس منظمة التحرير، نائب الرئيس الفلسطيني، قبل أسبوعين على أنه لن يتم تأجيل الانتخابات ولا رجعة عنها، مؤكداً أن إجراءها مرتبط بعدم تعطيلها من الجانب الإسرائيلي أو أي طرف آخر.

صورة أرشيفية للرئيس الفلسطيني محمود عباس ونائبه حسين الشيخ (موقع حركة «فتح»)

وكان مصدر من مؤسسات «المجتمع المدني» قد كشف منذ أسبوعين لـ«الشرق الأوسط»، أن إصرار حركة «فتح» والسلطة الفلسطينية على عقد الانتخابات في موعدها يأتي بناء على «ضغوط من دول عدة لدعم المسار الإصلاحي للسلطة في إطار خطة تهدف لإصلاح النظام السياسي الفلسطيني».

وتعقد حركة «فتح» اجتماعات داخلية مكثفة في الضفة الغربية وقطاع غزة، من أجل الاستعداد للانتخابات، كما أنها تسعى لتوحيد صفوفها قبل الانتخابات. وشوهد لأول مرة الشيخ، برفقة عضو اللجنة المركزية، جبريل الرجوب، خلال احتفال رياضي، بعدما كان الأخير تغيب عن اجتماعات اللجنة منذ تشكيلها في أعقاب الانتخابات الأخيرة للحركة، وطالب بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية وتجديد الدماء في القيادة الفلسطينية، وذلك في وقت أجرى فيه الرجوب اتصالات وعقد لقاءات مع قيادات من «حماس» بالخارج، كما ذكر بنفسه في تصريحات لوسائل إعلام محلية، فيما التقى الشيخ مع قيادات من «تيار القيادي المنشق عن (فتح) محمد دحلان» خلال زيارته لمصر مؤخراً بهدف توحيد الحركة، لكنه لم يلتق ممثلي «حماس».

وقالت دلال سلامة، عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح»، في حديث لإذاعة «صوت فلسطين» الرسمية، إن الحركة قطعت شوطاً في تحشيد الطاقات واستطلاع آراء القواعد التنظيمية في المحافظات لتشكيل قائمة الحركة، تمهيداً لتطبيق آليات متفق عليها تحظى بأوسع إجماع، مشيرةً إلى أنه بالتوازي مع ذلك، تواصل وفود الحركة زياراتها لعدة دول لتشكيل المجمعات الانتخابية في الشتات لضمان مشاركة الجاليات واللاجئين في انتخاب أعضاء المجلس الوطني، مؤكدةً أن الحركة تواصل دورها السياسي بالتنسيق مع كافة المكونات الفلسطينية ولجنة الانتخابات لتوفير غطاء سياسي وفني يضمن نجاح العملية الانتخابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended