«التمييز» العراقية تتصدى للمحكمة الاتحادية بمرافعة عن الصلاحيات

الحلبوسي «لن يعود إلى البرلمان هذه الدورة»... وخبراء يتوقعون «تغييرات سياسية كبرى»

أعضاء المحكمة الاتحادية في العراق (أرشيفية - إعلام القضاء)
أعضاء المحكمة الاتحادية في العراق (أرشيفية - إعلام القضاء)
TT

«التمييز» العراقية تتصدى للمحكمة الاتحادية بمرافعة عن الصلاحيات

أعضاء المحكمة الاتحادية في العراق (أرشيفية - إعلام القضاء)
أعضاء المحكمة الاتحادية في العراق (أرشيفية - إعلام القضاء)

أربك قرار غير مسبوق من محكمة التمييز العراقية المشهد السياسي والقانوني، بعدما أكدت «بطلان» أحكام سابقة أصدرتها المحكمة الاتحادية.

ونهاية الأسبوع الماضي، فاجأت محكمة التمييز الأوساط العراقية بقرار مطول من 5 صفحات سعى لتنظيم صلاحيات المحكمة الاتحادية، وتناول أحكاماً خلافية صدرت خلال الفترة الماضية، وهو أمر غير مسبوق؛ لأن الأخيرة غالباً ما تقول إن قراراتها «باتة وملزمة للجميع».

جانب من إحدى جلسات المحكمة الاتحادية العراقية (أرشيفية - موقع القضاء)

ومع أن طعن «التمييز» لا يرتبط مباشرة بقرار إقالة الحلبوسي بل بشأن قضائي صرف، لكن المراقبين أكدوا أن باب الجدل فُتح الآن على مصراعيه بشأن صلاحيات المحكمة الاتحادية، وإمكانية الطعن بقراراتها.

ويتوقع خبراء وسياسيون أن القرار الأخير يمثل أول مساجلة قانونية ضد المحكمة الاتحادية، وتوقعوا أن تبدأ نقاشات جادة لتشريع قانون خاص بالمحكمة الاتحادية وآلية الرقابة عليها، وتعيين قضاتها، حتى لا تتحول إلى جزيرة معزولة تخلق وضعاً سياسياً خارج السياقات، على حد تعبير قيادي في الإطار التنسيقي.

وقالت «التمييز»، إنها «الهيئة القضائية العليا، ولها الرقابة على جميع المحاكم، بما في ذلك المحكمة الاتحادية»، وحكمت بِعَدِّ «أي حكم صادر من المحكمة الاتحادية معدوماً إذا كان يمس الشأن القضائي».

ورأى سياسيون وخبراء قانون أن قرار التمييز فتح باباً يصعب غلقه في ظل عدم استقرار النظام السياسي في البلاد، حتى في ظل وجود ما يسمى الفصل بين السلطات.

وحصلت المحكمة الاتحادية على صلاحيات كاملة وفق المادة 94 من الدستور العراقي لاتخاذ قرارات «باتة وغير قابلة للطعن وملزمة لكل السلطات»، لكن المشكلة الآن تكمن في عدم تشريع قانون خاص بالمحكمة؛ ما يفتح الجدل دائماً بشأن سلطتها على السلطات الأخرى، بما فيها محكمة التمييز.

ومنح الدستور الذي جرى التصويت عليه عام 2005 صلاحية حصرية لرئيس الجمهورية بوصفه حامياً للدستور، وهو ما يعني تدخُّله في حال حدوث ما يمكن عدُّه خروقات دستورية، لكن هذه الصلاحية بقيت عائمة؛ لأن الدستور لم يحدد آلية معينة يستطيع رئيس الجمهورية استخدامها.

ولم تعمل الأحزاب التي أسهمت في كتابة الدستور على صياغة صلاحيات رئيس الجمهورية، لا سيما حمايته للدستور بقانون؛ حتى لا يطغى الرئيس على سلطة رئيس الوزراء الذي بيده السلطة الفعلية؛ كونه ينتمي إلى الغالبية الشيعية في البلاد.

صورة نشرتها المحكمة الاتحادية لإحدى جلساتها في فبراير الماضي (إعلام القضاء)

صراع صامت

مع وجود صراع صامت بين مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية، فإن الأخيرة اتخذت قرارات بدت من وجهة نظر بعض الأطراف السياسية غير عادلة وظالمة وغير دستورية، خصوصاً الكرد والسُّنة.

كردياً، قضت المحكمة الاتحادية بأحكام كثيرة عُدَّت ضد الكرد، من بينها حرمان وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري من الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، فضلاً عن قرارات أخرى آخرها ما يتعلق بانتخابات إقليم كردستان وكوتا الأقليات؛ ما جعلهم يطلقون عليها لقب «محكمة الثورة»، في إشارة إلى المحكمة التي كانت تعمل أيام حزب «البعث» المنحل.

أما سُنّياً، فإن من بين أبرز القرارات التي اتخذتها إسقاط عضوية رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي من عضوية البرلمان العراقي خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي بتهمة التزوير، وهي من التهم الجنائية التي هي من وجهة نظر محكمة التمييز خارج صلاحيات المحكمة الاتحادية.

ومن أحكام «الاتحادية» التي نالت الاهتمام السياسي على نطاق واسع قرار هذه المحكمة إنهاء عضوية الحلبوسي الذي علق على قرار التمييز عبر تصريح تناقلته وسائل إعلام محلية، وقال إنه «لا يسعى للعودة للبرلمان العراقي هذه الدورة».

وأوضح الحلبوسي أن «كل من يدافع عن التجاوزات المتكررة على السلطة التشريعية عليه التأكد بما لا يقبل الشك أن كثيراً من المسارات الخاطئة التي تضعف الدولة ومؤسساتها وعدم الالتزام بمبدأ الفصل بين السلطات سيوضع لها حد بهمَّة الخيرين والحريصين على البلد».

وقال مقربون من الحلبوسي إن قرار محكمة التمييز لن يغير عملياً الموقف من منصب الرئيس هذه الدورة، لكنه سيضيف دفعة قوية للحلبوسي وحزبه «تقدم» في الانتخابات البرلمانية المقبلة.

أبعاد خطيرة

في السياق نفسه، قال باسل حسين، رئيس مركز «كلواذا» للدراسات، لـ«الشرق الأوسط» إن «محكمة التمييز أكدت أن الاختصاص التشريعي هو من الصلاحيات الحصرية لمجلس النواب، كما نصت المادة (61/ أولاً) من الدستور»؛ ما يعني أن الدستور العراقي «لا يمنح المحكمة الاتحادية سلطة تعديل النصوص القانونية النافذة، بل يقتصر دورها على الطعن في دستوريتها كلياً أو جزئياً بناءً على الدعوى المقدمة إليها».

وأضاف حسين: «قرار محكمة التمييز يصطدم مع المادة (94) من الدستور رغم وجاهة الرأي الذي تبنته محكمة التمييز؛ ما يعني تعارضاً في النصوص القانونية؛ حيث استندت محكمة التمييز في قرارها إلى المادة (12) من قانون التنظيم القضائي رقم (160) لسنة 1979، لكن هذا الاستناد يتعارض بوضوح مع المادة (13) من الدستور التي تنص على أن الدستور هو القانون الأسمى والملزم في جميع أنحاء العراق، ولا يجوز سَنّ قانون يتعارض معه».

ورجّح حسين «آثاراً مستقبلية خطيرة بشأن هذا التصادم»، وأن «الخطورة الكامنة ليست فقط في الأثر الفوري للقرار، بل في الآثار المترتبة على إبطال قرارات المحكمة الاتحادية مستقبلاً، وهو ما يؤدي إلى نتائج كارثية على النظام القانوني والدستوري، ويهدد بانهيار مبادئ عدة؛ ما يجعل النظام كله على المحك».


مقالات ذات صلة

العراق... 5 فصائل تتجه لنزع السلاح وفصيلان يرفضان

المشرق العربي تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» في القائم على الحدود مع سوريا - 2 مارس 2026 (رويترز)

العراق... 5 فصائل تتجه لنزع السلاح وفصيلان يرفضان

تتحدث مصادر مقربة من أجواء قوى «الإطار التنسيقي» العراقي عن عدم ممانعة 5 فصائل نزع أسلحتها، في مقابل رفض فصيلين لمثل هذه الخطوة التي تصر عليها أميركا.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي صورة متداولة لشاحنة أغنام صفحة مستشار الحلال وتربية الأغنام

تعليق مرور «أغنام العوّاس» السورية اختبار لعودة الترانزيت عبر العراق

ثار الجدل بين الجانبين السوري والعراقي على خلفية تعليق عبور «الترانزيت» للمواشي إلى دول الخليج والسعودية عبر العراق.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء)

العراق يترقب اتفاقاً وشيكاً بين واشنطن وطهران لمعالجة أوضاعه الاقتصادية

ينتظر العراقيون، خصوصاً الجهات الحكومية، بفارغ الصبر نجاح مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار المحتمل بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني مستقبلاً الزيدي في أربيل (أرشيفية - حكومة إقليم كردستان)

وفد أمني عراقي إلى طهران لبحث ملف الهجمات على كردستان

لم يحدد الأعرجي موعداً لزيارة الوفد العراقي المشترك إلى طهران، لكن الأمر يمثل من وجهة نظر المراقبين السياسيين في بغداد تحولاً في موقف الحكومة العراقية الجديدة.

حمزة مصطفى (بغداد)
رياضة عربية فوز يونس محمود برئاسة اتحاد الكرة (وكالة الأنباء العراقية)

زلزال انتخابي يهز الكرة العراقية... يونس محمود يُسقط درجال وتهديدات بـ«كاس»

لم تكن نهاية الانتخابات هادئة؛ إذ شهدت القاعة أجواء مشحونة بعد إعلان النتائج، خصوصاً مع تداول تقارير عراقية عن توجه درجال إلى محكمة التحكيم الرياضية.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

الإفراج عن دفعة جديدة من منتسبي «قسد»

وصول دفعة جديدة من الموقوفين المحسوبين على «قسد» إلى الميلبية جنوب مدينة الحسكة (مديرية إعلام الحسكة)
وصول دفعة جديدة من الموقوفين المحسوبين على «قسد» إلى الميلبية جنوب مدينة الحسكة (مديرية إعلام الحسكة)
TT

الإفراج عن دفعة جديدة من منتسبي «قسد»

وصول دفعة جديدة من الموقوفين المحسوبين على «قسد» إلى الميلبية جنوب مدينة الحسكة (مديرية إعلام الحسكة)
وصول دفعة جديدة من الموقوفين المحسوبين على «قسد» إلى الميلبية جنوب مدينة الحسكة (مديرية إعلام الحسكة)

أفرجت الحكومة السورية، الاثنين، عن دفعة جديدة من الموقوفين لديها، من المنتسبين إلى «قسد»، وذلك في منطقة الميلبية جنوب مدينة الحسكة، ضمن جهود الفريق الرئاسي المكلف متابعة تنفيذ بنود «اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) 2026» مع «قسد»، وقيادة الأمن الداخلي في المحافظة. وقال محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، في تصريح صحافي، إن عدد المفرج عنهم، الاثنين، بلغ 88 شخصاً، مبيناً أن عملية الإفراج تأتي استكمالاً لدفعات سابقة تم الإفراج عنها، بدعم ومتابعة من القيادة السورية.

وأشار أحمد إلى استمرار العمل لإطلاق سراح الموقوفين والمحتجزين في السجون؛ «حيث ستكون هناك، اليوم (الاثنين) أو غداً (الثلاثاء)، دفعة جديدة، وصولاً إلى الإفراج عن جميع المعتقلين‏ بعد عيد الأضحى المبارك».

وشهد يوم 8 مايو (أيار) الحالي إخلاء سبيل 232 من «قسد» الذين اعتقلوا في الأحداث الأخيرة، ضمن استكمال تنفيذ «اتفاق 29 يناير 2026» الذي ينص على إطلاق جميع المعتقلين.

يذكر أن الحكومة السورية أعلنت، في 29 يناير الماضي، الاتفاق مع «قسد» على وقف إطلاق النار؛ ضمن اتفاق شامل ينص على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين، ودخول قوات الأمن إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي، والإفراج عن المعتقلين والموقوفين، وتسلّم الدولة جميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ.


في بيروت… عاملات مهاجرات يتكاتفن لمساندة المحتاجين في خضم الحرب

عاملات مهاجرات يقمن بإعداد وجبات طعام ساخنة (أ.ف.ب)
عاملات مهاجرات يقمن بإعداد وجبات طعام ساخنة (أ.ف.ب)
TT

في بيروت… عاملات مهاجرات يتكاتفن لمساندة المحتاجين في خضم الحرب

عاملات مهاجرات يقمن بإعداد وجبات طعام ساخنة (أ.ف.ب)
عاملات مهاجرات يقمن بإعداد وجبات طعام ساخنة (أ.ف.ب)

داخل مركز اجتماعي في بيروت، تنهمك عاملات مهاجرات في إعداد وجبات طعام ساخنة وحياكة أغطية وتوضيب مساعدات في أكياس بلاستيكية لتوزيعها على من يعانون في كسب لقمة عيشهم منذ بدء الحرب بين إسرائيل و«حزب الله».

في إحدى الغرف، يعدّ بعضهن حساء البامية مع الفستق.

وتسكب امرأة لفّت رأسها بشال أزرق الحساء إلى جانب قطعة خبز في صحن، بينما تنتظر امرأة أمامها الحصول عليه لاحتسائه.

عاملة مهاجرة (أ.ف.ب)

في غرفة أخرى، تنهمك شابات في تفصيل قماش ذي مربعات باللونين النبيذي والبيج، أو مربعات أخرى بالأحمر والبني والأزرق، وحياكته أغطية على ماكينات خياطة بيضاء.

يخرج رجل يحمل فرشاً على كتفه من المركز، بينما يتوافد آخرون للحصول على مواد غذائية ومعلبات.

وتقول العاملة الكاميرونية فياني دو مارسو (33 عاماً) التي تدير منظمة «ريمان» لدعم العمال الأفارقة في لبنان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، «إن لم نفعل ذلك، فلن يقوم أحد بذلك من أجلنا».

تتلقى مكالمة عبر هاتفها الجوال وتسير في فناء المركز وهي تردّ على محدثها في الطرف الآخر.

وتقول: «حتى خلال الليل... لا يتوقف الهاتف عن الرنين».

وتصبّ دو مارسو والمتطوعات معها اهتمامهن على مساعدة نحو 1500 شخص من دول إفريقية عدة بينها إثيوبيا وبنين وكينيا، إضافة إلى بعض اللبنانيين النازحين.

وتوضح أنّ مساعدة أفراد المجتمع «تمنحني نوعاً من السعادة».

ويستضيف لبنان نحو 164 ألف مهاجر من أكثر من 80 جنسية، معظمهم من النساء، وفقاً للمنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة.

على بعد كيلومترات شمال بيروت، تنهمك ميرا أراغون (52 عاماً) المتحدّرة من الفلبين بتوزيع طعام بدورها على زوّار مركز آخر.

عاملات مهاجرات يقمن بإعداد وجبات طعام ساخنة (أ.ف.ب)

تعلو ابتسامة وجهها، بينما تحيط بها نساء أخريات يساعدنها ويتبادلن أطراف الحديث.

سخّرت منظمة «تريس مارياس» التي تديرها أراغون وتدعم العمال المهاجرين أيضاً، جهودها خلال الشهرين الماضيين للاستجابة لتداعيات الحرب.

في مطبخ تحيط به رفوف تصطف عليها أنواع مختلفة من البهارات والصلصات والمعلبات، تعمل متطوعة في تنظيف أوانٍ استخدمت لإعداد وجبات ساخنة.

على طاولة مستطيلة، تنهمك نساء في تحضير قطع من الكرواسان.

ترتاد عاملات أجنبيات المركز، أحياناً برفقة أطفالهن، للحصول على حصص مساعدات تتضمن خبزاً ومعلبات ومعجون أسنان.

وتقول أراغون إن منظمتها بدأت تتلقى نداءات الاستغاثة «منذ الساعة الثالثة» من فجر الليلة التي اندلعت فيها الحرب في الثاني من مارس (آذار).

وتوضح أنها تعد يومياً مع المتطوعين نحو 150 وجبة ساخنة لتوزيعها على العمال المهاجرين أو الذين يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة. يحاولون المساعدة قدر المستطاع رغم محدودية الإمكانات.

وتقول: «لا يمكننا أن نقول لهم ببساطة: آسفون، لا يمكننا إعطاؤكم طعاماً اليوم لأنه ليس لدينا ما نطبخه»، مضيفة: «علينا أن نجد طريقة لتحقيق ذلك».


عيد غزة: حُجاج ممنوعون من الخروج... وأضاحٍ نادرة

TT

عيد غزة: حُجاج ممنوعون من الخروج... وأضاحٍ نادرة

الغزي أحمد النجار يعمل وأسرته في تجارة الماشية بمنطقة خان يونس جنوب قطاع غزة (الشرق الأوسط)
الغزي أحمد النجار يعمل وأسرته في تجارة الماشية بمنطقة خان يونس جنوب قطاع غزة (الشرق الأوسط)

للعام الثالث على التوالي يأتي عيد الأضحى في حين يُحرم سكان غزة من تأدية فريضة الحج، منذ بدء الحرب الإسرائيلية على القطاع بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ورغم إعلان الاتفاق على وقف إطلاق النار في أكتوبر من العام الماضي، واصلت إسرائيل منع خروج الغزيين عبر المعابر تحت ذرائع مختلفة.

ولا يقتصر حرمان إسرائيل لأهل قطاع غزة على الخروج منه بصورة طبيعية باستثناءات طبية محدودة؛ إذ تمنعهم كذلك من إدخال لحوم الأضاحي، وإبطاء وتعقيد دخول البضائع والمساعدات الإنسانية.

يقول الغزي رمضان أبو زيادة (61 عاماً)، وهو من سكان حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، إنه كان ينتظر فرصةً للتوجه إلى الحج قبل الحرب على القطاع، ولكن لم يحالفه الحظ ليكون اسمه ضمن القرعة التي يتم اختيارها في كل عام، ومنذ آخر دفعة خرجت للحج عام 2023 يتحين الفرصة كل عام.

حجاج فلسطينيون يستقلّون حافلة من معبر رفح مع مصر جنوب قطاع غزة 12 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

يقول أبو زيادة لـ«الشرق الأوسط»، إنه كان يأمل في أن تسمح إسرائيل لسكان القطاع بأداء مناسك الحج، خاصةً بعد وقف إطلاق النار وفتح معبر رفح جزئياً، إلا أن ذلك لم يتحقق. مضيفاً: «حُرمنا كل شيء من أجواء الأعياد، حتى زيارة بيت الله الحرام لم يُسمح لنا، وكأننا نعيش في سجن أو إقامة جبرية يمنع علينا فيها التنفس أو الحصول على أبسط حقوقنا كبشر».

ووفقاً لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية في قطاع غزة، فإن حصة القطاع كل عام تبلغ 2508 حجَّاج وحاجّات؛ ما يعني أنه تم حرمان أكثر من 7500 فلسطيني من أداء هذه الفريضة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة. مبينةً أن 2473 حاجاً وحاجة كانوا ينتظرون منذ 2023 السفر لأداء الحج بعدما حالفهم الحظ باجتياز قرعة اختيار الأسماء، إلا أنهم لم يتمكنوا من ذلك، وتوفي 31 منهم إما نتيجة وفيات طبيعية أو جراء القصف الإسرائيلي خلال الحرب.

ويأمل أبو زيادة بشكل عام أن يتمكن الغزيون من الحج خلال العام المقبل، وعلى المستوى الشخصي يرجو الرجل أن يكون بديلاً لأحد أسماء المتوفيين ممن اختيروا خلال السنوات الثلاث الماضية.

أضاحٍ قليلة

ومن انعدام فرصة أداء فريضة الحج، إلى واقع أكثر تعقيداً بحرمان الغزيين للعام الثالث على التوالي من الأضاحي في ظل تدمير إسرائيل مزارع تربية المواشي، والتي كانت غالبيتها في المناطق الشرقية من قطاع غزة، وتحوي آلاف المواشي المختلفة والتي نفقت بفعل استهداف تلك المزارع مع بدء الحرب.

في مزرعة صغيرة غرب خان يونس جنوب قطاع غزة، اعتاد الشاب أحمد النجار أن يساعد والده في تربية المواشي، وخاصةً الخراف (الضأن)؛ بهدف بيعها وخاصة في موسم عيد الأضحى، لكنه كما المئات من أصحاب المزارع فقدوا ما لديهم من مواشٍ بفعل القصف الإسرائيلي خلال الحرب. كما يوضح لـ«الشرق الأوسط».

إحدى المزارع الصغيرة النادرة في خان يونس جنوب غزة توفر الأضاحي ولكن بأسعار مرتفعة (الشرق الأوسط)

وقال النجار إنه لم يتبق لديهم سوى بعض الخراف الصغيرة والتي تكاثرت خلال فترة الحرب، وأنه حاول مع والده الحفاظ على ما لديهم؛ وهو الأمر الذي ساعدهم حالياً في توفر الكثير منها وهي بحالة صحية جيدة رغم الظروف البيئية المحيطة بها وقلة توفر طعامها وغيره. مشيراً إلى أن تربيتها كلفتهم مادياً؛ ما تسبب في ارتفاع أسعارها في كل القطاع.

ولفت إلى أن إسرائيل تمنع إدخال المواشي سواء بهدف بيعها خلال عيد الأضحى أو لتربيتها، بينما تسمح فقط بإدخال المُجمدات وبشكل متقطع وتفرض أسعاراً باهظة على تنسيق دخول شاحنتها.

ويبلغ سعر الخروف الواحد قرابة 5 آلاف دولار في المتوسط ويتفاوت حسب الجودة والوزن.

وأوضح النجار أن أسرته كان لديها سابقاً مزرعة كبيرة شرق خان يونس، في حين تراجع الوضع ولم يعد لديهم سوى مزرعة صغيرة قرب خيام التي يسكنونها ولكنها «لا تلبي احتياجات السكان بالكامل» وفق قوله.

ويقدر متعاملون في الأسواق أن إجمالي مزارع الماشية في القطاع باتت محدودة بفعل الحرب والتضييق الإسرائيلي المستمر على إدخالها أو أعلافها، ولا تزيد على عشر مزارع.

ويقول النجار: الأسعار باهظة الثمن بسبب الظروف التي نعيشها، وفي المقابل لا يوجد إقبال حقيقي على شرائها سوى من بعض المؤسسات التي هي الأخرى بدأت تعزف عنها وتحاول إيجاد حلول أخرى مثل شراء المجمدات لتوزيعها على السكان بدلاً من الأضاحي.

بضائع من دون زبائن

ولا يقتصر ضعف القدرة الشرائية في العيد على اللحوم، ففي أسواق مختلفة من غزة، توجد بضائع تجارية مختلفة دخلت القطاع بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، لكن أسعارها لا تزال باهظة الثمن، بينما لا يتمكن السكان من شرائها رغم الحاجة الماسة إلى بعضها.

خليل بكر العامل في أحد المحال التجارية بمدينة غزة، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن أجواء عيد الأضحى كما عيد الفطر، غائبة عن السكان الذين كانوا قبل الحرب على القطاع يلجأون لشراء كل احتياجاتهم من ملابس وغيرها، لكن الأوضاع اختلفت على كل المستويات، بما في ذلك أسعار ما يتوفر من بضائع.

نازحون فلسطينيون يرفعون حاويات فارغة للتعبير عن النقص الحاد في المياه خلال مظاهرة بخان يونس جنوب غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

ويتذكر بكر: في مثل هذه الأيام (قبل الحرب) نكون مضغوطين في العمل والبيع والشراء ونستقبل زبائن بشكل كبير، وتتم التحضيرات قبل أسبوع من العيد، لكن خلال فترة الحرب وحالياً الأوضاع اختلفت تماماً، مشيراً إلى أنه قبل الحرب كان الشخص يستطيع كسوة نفسه بمبلغ 100 شيقل (الدولار يساوي 2.89 شيقل تقريباً)، لكن حالياً هذا المبلغ لم يعد يوفر شيئاً للسكان الذين كانوا يشترون القميص الواحد بمبلغ 30 شيقلاً سابقاً، واليوم وصلت إلى 70 أو أكثر، بسبب ارتفاع التنسيقات التجارية.

وتفرض إسرائيل وجهات أخرى من خارج قطاع غزة، على التجار الذين يُسمح لهم باستيراد البضائع التجارية بشكل محدود، دفع مبالغ مالية تحت بند «التنسيقات»، وتصل لأرقام فلكية لبعض البضائع؛ ما تسبب برفع أسعارها.

الحياة باتت مختلفة

ويصف الغزي إبراهيم أبو جامع من سكان خان يونس، الأوضاع بأنها صعبة وكارثية، ولم يعد يشعر سكان القطاع بأن لديهم حياة كريمة في ظل معاناتهم مع نقص المياه والعيش في خيام وغيرها بعدما فقدوا منازلهم وأراضيهم.

وأشار أبو جامع إلى أنه في كل عام كان يضحي بما يتوفر من مواشٍ، لكنه للعام الثالث لم يستطع فعل ذلك بسبب الأوضاع المأساوية والأسعار الخيالية. قائلاً: قبل 3 سنوات كانت الحياة تختلف وننتظر استقبال الأعياد، لكن الأوضاع اليوم تختلف والسكان بالكاد يستطيعون توفير كيلو لحم واحد لعوائلهم.

ويتفق الغزي تيسير الأغا، مع أبو جامع على أن الحياة في قطاع غزة باتت مختلفة، وأن أجواء الأعياد باتت غائبة عن السكان الذين كانوا يشعرون بسعادة في مثل هذه الأوقات من أعوامهم، مشيراً إلى أنه في الماضي كان السكان جميعهم يتناولون الأضاحي لتوفرها سواء الغني أو الفقير، لكن حالياً أصبحوا جميعهم سواسية.

وتقول الغزية ولاء أبو الخير، إنه قبل الحرب كان السكان يستقبلون العيد في أجواء جميلة، ويستعدون له بأفضل حال، ويشترون لأطفالهم الملابس، وكانوا يشاهدون المواشي في الشوارع تمهيداً لذبحها ويلاحقونها وتلاحقهم، في أجواء وصفتها بأنها كانت بهيجة، مشيرةً إلى أنه حالياً بات السكان لا يعرفون بقدوم العيد سوى من تكبيراته بعدما انقلب الحال وباتت الظروف أصعب، خاصةً مع فقدان الكثير من العوائل لأبنائها. متأملةً في أن تعود الحياة لقطاع غزة وأن يعيش سكانه كما حال باقي سكان العالم.

ويشير عبد الرؤوف صافي، وهو تاجر، إلى أنه قبل الحرب كان يتوفر كل شيء من بضائع وأضاحٍ وبأسعار مقبولة وفي متناول اليد، لكن اليوم الأسعار باهظة الثمن، ورغم ذلك يحاول رسم البسمة على وجوه التي تحاول التكيف مع ظروف العيد. مشيراً إلى أن سعر كيلو الشوكولاته ارتفع من 90 شيقلاً قبل الحرب إلى 150 حالياً؛ وهو الأمر الذي أدى إلى عزوف الكثير من السكان عنه.

عبد الرؤوف صافي صاحب متجر صغير بغزة يعرض قطعاً من الشوكولاته التي يبيعها لسكان القطاع في العيد (الشرق الأوسط)

عيد وتصعيد

يأتي عيد الأضحى للعام الثالث على التوالي وسط تصعيد إسرائيلي لا يتوقف، أدى إلى وقوع مزيد من الضحايا الفلسطينيين الذين بلغ عددهم 900 منذ وقف إطلاق النار.

وعادت إسرائيل في الأيام الأخيرة لاستهداف مربعات سكنية؛ ما زاد من معاناة السكان وتشريد عائلات كانت قد وجدت بيوتها سليمة أو متضررة جزئياً واختارت العيش فيها على حياة النزوح في الخيام والتي باتت حالياً هي خيارهم الأخير بعدما دُمّرت مربعات سكنية بأكملها في سياسة إسرائيلية جديدة – قديمة تهدف للضغط على السكان.

أب يبكي بجوار جثمان ابنته داخل مستشفى ناصر في خان يونس جنوب غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ)

ويقول المواطن أدهم الهمص من سكان مخيم النصيرات وسط قطاع غزة والذي فقد منزله منذ يومين، إنه فوجئ بطلب الجيش الإسرائيلي إخلاء مربعهم السكني، قبل أن يتم قصف أحد المنازل المجاورة لبيته؛ ما أدى إلى تدمير 8 منازل على الأقل وأضرار جسيمة في منازل أخرى لم تعد صالحة للسكن؛ ما تسبب بتشريد مئات العوائل وإجبارها على النزوح والبحث عن خيام بديلاً لحياتهم التي كانت مستقرة مع وجود منازلهم آمنة قبل استهدافها.

وأضاف الهمص: عن أي عيد يتحدثون، وعن أي هدنة يقولون، نحن هنا ما زلنا في حالة الحرب، ولم نعد نشعر لا بأفراحنا وأعيادنا، ولا حتى بأحزاننا بفعل الهموم التي تلاحقنا بسبب الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه بحقنا كمدنيين لا ناقة ولا جمل لنا من هذه الحرب.