صراع خطوط الأنابيب... ازدياد النفوذ الأميركي في العراق وتراجع الهيمنة الإيرانية

ضغط واشنطن أجبر بغداد على إعادة فتح «كركوك - جيهان»

ولدان يجلسان على خط الأنابيب العراقي - التركي في قضاء زاخو بمحافظة دهوك بإقليم كردستان العراق (روترز)
ولدان يجلسان على خط الأنابيب العراقي - التركي في قضاء زاخو بمحافظة دهوك بإقليم كردستان العراق (روترز)
TT

صراع خطوط الأنابيب... ازدياد النفوذ الأميركي في العراق وتراجع الهيمنة الإيرانية

ولدان يجلسان على خط الأنابيب العراقي - التركي في قضاء زاخو بمحافظة دهوك بإقليم كردستان العراق (روترز)
ولدان يجلسان على خط الأنابيب العراقي - التركي في قضاء زاخو بمحافظة دهوك بإقليم كردستان العراق (روترز)

شهدت الأشهر القليلة الماضية تصعيداً خفياً وفعالاً للضغط الدبلوماسي الأميركي على الحكومة العراقية، نتجت عنه إعادة فتح خط أنابيب «كركوك-جيهان» الحيوي لتصدير نفط إقليم كردستان.

وبحسب مصادر مطلعة لـ«رويترز»، فإن هذه الخطوة تمثل تنازلاً كبيراً من بغداد، وتشير بوضوح إلى تراجع في نفوذ إيران وحلفائها داخل العراق لصالح الولايات المتحدة.

وكشفت الأزمة المتعلقة بوقف تصدير النفط عن استراتيجية واشنطن لاستغلال مصالحها الاقتصادية والأمنية لفرض إرادتها على بغداد، في سياق جيوسياسي دقيق.

شرارة الغضب الأميركي

لم يكن الضغط الأميركي وليد اللحظة، لكنه اكتسب زخماً هائلاً بعد الهجوم الذي وقع في منتصف يوليو (تموز) الماضي على حقول نفط أميركية في إقليم كردستان. في ذلك الوقت، اجتاحت طائرات مسيّرة إيرانية، يُرجَّح أنها أُطلقت من قبل ميليشيا مدعومة من إيران داخل العراق، سماء المنطقة الشمالية؛ لتستهدف حقل «سارسانغ» التابع لشركة «HKN Energy»، المملوكة لابن الملياردير روس بيرو، بالإضافة إلى حقل آخر تديره شركة «Hunt Oil»، ومقرها دالاس. تسبب هذا الهجوم، الذي استمرَّ 4 أيام وشمل شركات أخرى، في توقف نحو نصف إنتاج النفط في إقليم كردستان.

أثار الاستهداف المباشر للمصالح الأميركية غضب واشنطن، التي كانت تشعر منذ فترة طويلة بأن بغداد لم تتخذ الإجراءات الكافية لمواجهة الميليشيات الموالية لإيران. وبحسب مصدر في الإدارة الأميركية، كان الرد حاسماً: «من الآمن القول إن الوزير (ماركو) روبيو أوصل رسائل قاسية إلى بغداد لتوضيح أن لحظة الاختيار قد حانت». هذا الهجوم وضع الأساس لحملة ضغط مكثفة كان هدفها تجاوز الخلافات العراقية - الكردية، وإعادة تدفق النفط.

خط الأنابيب العراقي - التركي في قضاء زاخو بمحافظة دهوك بإقليم كردستان العراق (رويترز)

التهديد بالعقوبات يقود إلى التنازل

كانت واشنطن تضغط بالفعل لإعادة تشغيل خط الأنابيب ميناء جيهان التركي، الذي أُغلق عام 2023؛ بسبب خلافات حول مبيعات النفط بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان. لكن الهجوم المسيّر دفع إدارة ترمب إلى رفع سقف حملتها.

تعدَّدت الأهداف الأميركية من وراء إعادة تشغيل الخط: لم يكن الأمر مجرد مساعدة شركات النفط الأميركية مثل «HKN» و«Hunt»، بل كان يهدف أيضاً إلى محاولة خفض أسعار النفط العالمية، والأهم من ذلك، منع تحويل النفط إلى الجنوب، حيث يغذي شبكات التهريب التي تدر مبالغ طائلة لإيران ووكلائها في المنطقة، مما يقوِّض جهود العقوبات.

لتحقيق هذه الأهداف، صعَّدت واشنطن من أدوات ضغطها. ففي الشهرين اللذين تليا الهجمات، هدَّد ممثلوها كبار مسؤولي الطاقة العراقيين بعقوبات إذا لم يُعاد تشغيل خط الأنابيب، وفقاً لأحد المصادر المشارِكة في حملة الضغط لـ«رويترز».

أُعلن اتفاق مبدئي لإعادة تشغيل خط الأنابيب في 17 يوليو، وهو اليوم الأخير من هجمات الطائرات المسيّرة، وبعد شهرين من الضغط الأميركي المكثف، بدأ النفط يتدفق في 27 سبتمبر (أيلول).

لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن هجمات الطائرات المسيّرة. وقال مصدر حكومي عراقي، نقلاً عن تحقيق أجرته أجهزته الأمنية، إنها من تنفيذ ميليشيا قوية موالية لإيران، رفض تسميتها. صرَّح مصدر أمني عراقي بأنَّ بغداد حذَّرت الجماعة من أن أي هجمات أخرى ستضعها في مواجهة مباشرة مع الحكومة.

الولايات المتحدة تتوقّع «عائداً كبيراً» على استثمارها

تُسلط هذه الحادثة الضوءَ على طموحات الولايات المتحدة في مجال الطاقة في الشرق الأوسط، لا سيما أن العراق هو ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).

وقال مصدر في الإدارة الأميركية: «بعد استثمارنا كثيراً في هذا البلد... من حيث الثروة الوطنية وخسارة أرواح الأميركيين إلى جانب شركائنا العراقيين في هزيمة الإرهاب، نتوقّع أن يكون هناك عائد كبير على هذا الاستثمار».

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني خلال لقائه المبعوث الخاص للرئيس الأميركي توماس باراك في نوفمبر (أ.ف.ب)

دلالات التحول في ميزان القوى الإقليمي

في غضون ذلك، يشير هذا التنازل من الحكومة العراقية إلى احتمال حدوث تحول جوهري في التوازن الدقيق للنفوذ داخل البلاد، بعيداً عن إيران ونحو الولايات المتحدة. لطالما سارت بغداد على حبل دبلوماسي مشدود بين طهران وواشنطن، حليفتيها الرئيسيَّتين وعدوتيهما اللدودتين.

على الرغم من أن إيران تتمتع بنفوذ سياسي واسع في العراق وتدعم نحو 10 فصائل مسلحة تضم 50 ألف مقاتل، فإن قوتها وهيبتها تعرَّضتا لضربات موجعة؛ بسبب الهجمات الإسرائيلية ضد وكلائها في المنطقة.

هذا التداخل بين الدبلوماسية والمصالح التجارية يبرز بشكل واضح، خصوصاً بالنظر إلى أن عائلة بيرو (مالكي HKN) هي من الداعمين الرئيسيِّين للحزب الجمهوري.

مستقبل العلاقة

على الرغم من النجاح الدبلوماسي الأميركي في إعادة فتح الخط، فإن الاتفاق يواجه تحديات كبرى قد تعرقل استدامته. إن اتفاق استئناف الخط مؤقت، ومن المقرر مراجعته بين بغداد وحكومة إقليم كردستان في نهاية ديسمبر (كانون الأول).

بالإضافة إلى ذلك، تزيد الخلافات القانونية من تعقيد المشهد، لا سيما مع اقتراب انتهاء اتفاقية عام 1973 بين العراق وتركيا التي تُشرعِن الصادرات النفطية في يوليو المقبل. كما تستمر بغداد في معارضتها الشديدة لصفقتَي الغاز اللتين وقعتهما شركتا «HKN Energy» و«WesternZagros» مع إقليم كردستان في مايو (أيار)، حيث تصر على أن الاتفاقات المتعلقة بالموارد الطبيعية يجب أن تتم حصراً عبر الحكومة الاتحادية.

وفي مؤشر على انفتاح آفاق التعاون، عيَّنت واشنطن مبعوثاً خاصاً جديداً للعراق، وفي الوقت نفسه وافقت شركة «إكسون موبيل» على العودة إلى البلاد للمساعدة في توسيع الإنتاج في الجنوب، مما قد يرسم مساراً لعلاقات ثنائية أكثر استقراراً.

قال دارين وودز، الرئيس التنفيذي لشركة «إكسون»، في مؤتمر عُقد في لندن في 13 أكتوبر (تشرين الأول): «إنها خطوة أولى بالغة الأهمية في العمل الذي نرغب في إنجازه». وأضاف: «أمامنا طريق طويل لتحقيق أي إنجاز، لكننا متفائلون ونتطلع إلى تقييم ذلك».


مقالات ذات صلة

الكرملين: روسيا لن تنسحب من «أوبك بلس»

الاقتصاد مضخات النفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان في روسيا (رويترز)

الكرملين: روسيا لن تنسحب من «أوبك بلس»

أعلن الكرملين، يوم الأربعاء، أن روسيا تُخطط للبقاء في «أوبك بلس» رغم قرار الإمارات العربية المتحدة الانسحاب.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد  خزانات تخزين النفط الخام في صورة جوية لمركز كوشينغ النفطي بأوكلاهوما (رويترز)

النفط يقفز لـ119 دولاراً بعد رفض ترمب عرضاً إيرانياً

سجلت أسعار النفط العالمية قفزة دراماتيكية اليوم الأربعاء حيث تجاوز خام برنت حاجز 119 دولاراً للبرميل محققاً زيادة بنسبة 7 %

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد صهاريج تخزين النفط الخام والبنزين والديزل والمنتجات البترولية المكررة الأخرى في كارسون بكاليفورنيا (رويترز)

مخزونات النفط الأميركية والبنزين ونواتج التقطير تتراجع بأكثر من التوقعات

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، انخفاض مخزونات النفط الخام والبنزين ونواتج التقطير في الولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع النفط بالبيت الأبيض يوم 9 يناير 2026 (رويترز)

ترمب يلتقي مسؤولي شركات طاقة لمناقشة قضايا الإنتاج

قال مسؤول في البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب التقى كبار المسؤولين في شركة «شيفرون» وشركات طاقة أخرى لمناقشة مجموعة من الموضوعات، مثل الإنتاج.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد الغيص: نلتزم بالشفافية لضمان أمن الطاقة وفصل الحقائق عن ضجيج الأسواق

الغيص: نلتزم بالشفافية لضمان أمن الطاقة وفصل الحقائق عن ضجيج الأسواق

حدد الأمين العام لمنظمة «أوبك»، هيثم الغيص، عاملين جوهريين يحكمان واقع الصناعة اليوم: «التعقيد البنيوي» و«السرعة المذهلة للتطورات».

«الشرق الأوسط» (فيينا)

باكستان: دعم السعودية «محوري» في سداد 3.5 مليار دولار


ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)
TT

باكستان: دعم السعودية «محوري» في سداد 3.5 مليار دولار


ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة... 12 مارس 2026 (واس)

أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف نجاح بلاده في سداد 3.5 مليار دولار من الديون الثنائية الإلزامية، مؤكداً أن هذا العبور المالي الآمن لم يكن ممكناً لولا الدعم «المحوري» من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وأوضح شريف أن هذا السداد الضخم تم من دون المساس باستقرار احتياطيات النقد الأجنبي، التي بلغت مستويات عند 20.6 مليار دولار، وهي الخطوة التي تعدّ وقوداً فعلياً لتقوية موقف المفاوض الباكستاني أمام صندوق النقد الدولي، الذي يشترط عادةً وجود تمويل خارجي مؤكد واستقرار في الاحتياطيات للموافقة على برامج التمويل.

وكان البنك المركزي الباكستاني أعلن يوم الجمعة أن باكستان سددت جميع ديونها للإمارات بقيمة 3.45 مليار دولار، وذلك بعدما منحت السعودية إسلام آباد تمويلاً جديداً بقيمة 3 مليارات دولار مع تمديد أجل وديعة سابقة بقيمة 5 مليارات دولار.


لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.