التصعيد الإسرائيلي في الضفة وصل إلى «نقطة قبل الاشتعال»

سموتريتش يدعو لـ«حرب دفاعية» في الضفة ويهددها بخراب مماثل لغزة

عربة عسكرية إسرائيلية في جنين بالضفة الغربية الخميس (رويترز)
عربة عسكرية إسرائيلية في جنين بالضفة الغربية الخميس (رويترز)
TT

التصعيد الإسرائيلي في الضفة وصل إلى «نقطة قبل الاشتعال»

عربة عسكرية إسرائيلية في جنين بالضفة الغربية الخميس (رويترز)
عربة عسكرية إسرائيلية في جنين بالضفة الغربية الخميس (رويترز)

قال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إن على إسرائيل أن تبدأ «حرباً دفاعية» في الضفة الغربية، مهدداً بتحويل مدن الضفة إلى خراب إذا تواصل التصعيد في المنطقة، التي قال إسرائيليون إنها وصلت إلى «نقطة واحدة قبل الغليان». وأضاف سموتريتش، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية، قائلاً: «رسالتنا للجيران في طولكرم ونور شمس والشويكة وقلقيلية أننا سندمركم كما فعلنا في غزة إذا استمر إرهابكم». وتعهد سموتريتش بمواصلة السيطرة على الضفة الغربية بوصفها الحزام الأمني للمستوطنات على خط التماس، معتبراً أن كل من يتحدث عن إقامة دولة فلسطينية فإنه يهدر دم اليهود ويعرض دولتهم للخطر.

وقال سموتريتش في أثناء زيارته موقعاً تعرض لإطلاق النار في مستوطنة «بات حيفر» القريبة من طولكرم في شمال الضفة الغربية: «سنوجه ضربة حاسمة للإرهاب لكي لا تصبح كفار سابا (في الضفة) كفار عزة (في غلاف غزة) وبات حيفر هي بئيري. وهذا ما سنفعله».

مستوطنون يغلقون حاجز بيت فوريك العسكري أمام الفلسطينيين بعد هجوم دهس قُتل فيه جنديان إسرائيليان (د.ب.أ)

مقتل جنديين إسرائيليين

وجاءت تصريحات سموتريتش بعد ساعات من تصعيد في الضفة الغربية، شمل مقتل جنديين إسرائيليين على حاجز عسكري جنوب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، واستهداف مستوطنة «بات حيفر» غرب طولكرم بالرصاص، وذلك في وقت كان فيه الجيش الإسرائيلي يقتحم معظم مدن وقرى ومخيمات الضفة، في مشهد يختصر الجو العام على الجبهة. ومقتل جنود إسرائيليين في عملية جديدة، عزز مخاوف إسرائيلية من تصعيد محتمل في الضفة الغربية.

وصعدت إسرائيل في الضفة بعد بداية الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بدعوى كبح أي فرصة لتحولها إلى جبهة ثالثة، لكنها راحت تقتحم وتقتل وتعتقل فلسطينيين بأعداد كبيرة، مستخدمة قوة نيران غير مسبوقة في مناطق الضفة، بما في ذلك استئناف الاغتيالات من الجو. ومنذ السابع من أكتوبر قتلت إسرائيل في الضفة أكثر من 515 فلسطينياً، واعتقلت وجرحت آلاف الفلسطينيين، ودمرت بنى تحتية وهدمت منازل وصادرت أموالاً.

لكن استهداف مستوطنة «بات حيفر» أشعل مخاوف من شبح هجوم مماثل لما حدث في غزة في السابع من أكتوبر. ويقول المستوطنون في الضفة الغربية إنهم بحاجة إلى حماية أكبر؛ خشية تعرضهم لهجوم مباغت على نسق ما حدث في غلاف غزة، رغم أنهم يهاجمون ويقتلون الفلسطينيين في منازلهم والشوارع.

فلسطينيون يتفقدون الأضرار التي لحقت بسوق الخضار المركزي بعد هجوم إسرائيلي في رام الله بالضفة الغربية الخميس (رويترز)

السعي لتفكيك السلطة

وبعد إطلاق النار مباشرة على «بات حيفر» كتب سموتريتش على منصة «إكس» أنه «ينبغي علينا ألا نسمح لهم أن يفعلوا في وادي الشارون (منطقة وسط إسرائيل) ما فعلوه في 7 أكتوبر». ومن جانبهم، يتهم الفلسطينيون إسرائيل بأنها هي التي تدفع الضفة إلى التصعيد.

وقال مسؤول فلسطيني لـ«الشرق الأوسط» إن إسرائيل تريد إضعاف السلطة وتسعى إلى تفكيكها، وتضغط على الناس من أجل الهجرة، فهي تفعل في الضفة ما تفعله في غزة، لكن بطريقة مختلفة نوعاً ما». وعاشت الضفة، فجر الخميس، واحدة من الليالي الطويلة مع اقتحام الجيش رام الله ونابلس وجنين وسلفيت وبيت لحم وقلقيلية وطوباس وطولكرم والخليل وأريحا، قبل أن يشتبك الجيش مع فلسطينيين، قتل بعضهم وجرح واعتقل آخرين، مثلما يفعل يومياً، لكن زاد عليه هذه المرة مداهمة محلات صيارفة وإحراق سوق رام الله القديم.

وشوهدت القوات الإسرائيلية تستعرض في كل شوارع الضفة الغربية وتداهم منازل ومباني وأسواقاً ومحلات صيارفة، قبل أن تحرق سوق رام الله جراء الرصاص والقنابل الغازية والمضيئة والعبوات الحارقة. وأظهرت مقاطع فيديو نيراناً كبيرة تأتي على السوق القديم.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير ماليته بتسلئيل سموتريتش (أرشيفية - رويترز)

خنق اقتصاد الضفة

وقال رئيس بلدية البيرة روبين الخطيب إن الحريق تسبب في اشتعال النيران في أكثر من 100 محل تجاري في السوق، بينما قال الدفاع المدني إن الحريق بدأ في عربات الخضار الخشبية وانتقل لبعض المحال التجارية. وعملت 10 مركبات إطفاء بتعزيز من محافظتي القدس وسلفيت بمشاركة 60 رجل إطفاء، بالإضافة لمساندة الشرطة والأمن الوطني وبلديتي رام الله والبيرة، على السيطرة على الحريق ومنع امتداد النيران للمجمعات التجارية المجاورة.

وفيما اعتقلت القوات الإسرائيلية مطلوبين من بيوتهم وعلى حواجز عسكرية، صادرت أموالاً من محلات صيارفة في الضفة الغربية، في نهج بدأت اتباعه في الأسابيع القليلة الماضية. واقتحم الجيش محلات صيارفة في مدن مختلفة واعتقل قائمين على هذه المحلات وصادر أموالاً. وتقول إسرائيل إنها تستهدف الأموال التي يتم تحويلها لنشاطات معادية، لكن سلطة النقد اعتبرت أن الاستهداف المتكرر من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلية لمحلات الصرافة الخاضعة لإشرافها ورقابتها وللعاملين فيها، يأتي في سياق حملة لضرب القطاع المالي في فلسطين، في إطار خطة أوسع لخنق الاقتصاد الوطني.

وأكدت سلطة النقد، في بيان، الخميس، أنها وإذ ترفض سلطة النقد أي ذرائع واهية تسوقها سلطات الاحتلال لتبرير الاقتحام المتكرر لمقار شركات الصرافة، فإنها تجدد التأكيد على أن جميع القطاعات الخاضعة لإشرافها ورقابتها تخضع لمعايير امتثال صارمة تتوافق والممارسات الدولية الفضلى.

وأوضحت سلطة النقد أنها تعمل مع الجهات الدولية ذات العلاقة؛ لبيان خطورة هذه الممارسات وتأثيراتها السلبية على الاقتصاد، خاصة في ظل الظروف الراهنة بالغة التعقيد والصعوبة.

قوات إسرائيلية تستهدف متظاهرين فلسطينيين في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

جو مشحون للغاية

وأثار ما حدث في الضفة، الخميس، من اقتحامات واعتقالات وتخريب وقتل جنود واستهداف مستوطنات، نقاشاً حول ما إذا كان الوضع الأمني في الضفة ذاهب نحو التصعيد الذي ظلت الأجهزة الأمنية تحذر منه، وهل تغذيه إسرائيل فعلاً. ويربط المراقبون بين التصعيد في العمليات التي تنفذها خلايا فلسطينية في الضفة الغربية والحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر، في إشارة إلى تأثر الأولى بالثانية، ويعتقدون أن دخول الضفة على الخط بصفتها جبهة ثالثة مسألة وقت فقط، وفي ظل ضغط مالي واقتصادي وغياب أفق سياسي في جو مشحون للغاية.

ووفقاً لتقرير في موقع «واي نت»، فإن الأرقام توضح أنه «منذ بداية الحرب، يعمل في الضفة 23 كتيبة، وقُتل أكثر من 65 ناشطاً في جنين، وتم اعتقال أكثر من 160 آخرين، وتمت مصادرة نحو 100 قطعة سلاح. وفي طولكرم قتل نحو 40 مسلحاً، وألقي القبض على نحو 40، ومصادرة أكثر من 30 قطعة سلاح».

وفي مخيم نور شمس قُتل نحو 50 مسلحاً، وألقي القبض على نحو 50، وصودر نحو 70 قطعة سلاح. كما شهدت الضفة الغربية تحولاً تكتيكياً غير مسبوق، حيث أدخل الجيش الإسرائيلي الطيران لإحباط النشاطات المسلحة حديثاً، وتم منذ بداية الحرب تنفيذ 50 غارة جوية في الضفة الغربية».

وكتب المحلل العسكري عاموس هرئيل في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، محذراً من أنه على الرغم من الضفة بقيت ساحة ثانوية للقتال في غزة، فإن الاستقرار المحدود في الضفة قد يتضعضع في الأشهر القريبة المقبلة، بسبب الخطوات التي يتخذها اليمين في إسرائيل من أجل التخلص من السلطة الفلسطينية.


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

فتحت مراكز التصويت صباح اليوم (السبت)، في جميع مناطق الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، أمام الناخبين الفلسطينيين لانتخاب المجالس البلدية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

دشنت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، صفحة عبر تطبيق «تلغرام»، للكشف عن قيادات ونشطاء ميدانيين قتلوا خلال الحرب وفي الخروق المستمرة بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.