حرب استنزاف طويلة منتظَرة في قطاع غزة

بدأت فعلاً... فهل تتجنبها إسرائيل أو تغوص أكثر في رمال القطاع؟

فلسطينيون فوق دبابة سيطر عليها مقاتلو «كتائب القسام» قرب خان يونس يوم 7 أكتوبر (د.ب.أ)
فلسطينيون فوق دبابة سيطر عليها مقاتلو «كتائب القسام» قرب خان يونس يوم 7 أكتوبر (د.ب.أ)
TT

حرب استنزاف طويلة منتظَرة في قطاع غزة

فلسطينيون فوق دبابة سيطر عليها مقاتلو «كتائب القسام» قرب خان يونس يوم 7 أكتوبر (د.ب.أ)
فلسطينيون فوق دبابة سيطر عليها مقاتلو «كتائب القسام» قرب خان يونس يوم 7 أكتوبر (د.ب.أ)

لم يكن تصريح «أبو عبيدة» الناطق باسم «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس»، قبل أيام، حول استعداد الكتائب لخوض حرب استنزاف طويلة ضد القوات الإسرائيلية داخل قطاع غزة، مجرد تهديدات، ولكنَّ «حماس» وطَّنت نفسها فعلياً لمثل هذه الحرب منذ شهور، بعدما أدركت أنها أمام حرب طويلة أجبرتها على تغيير التكتيكات.

وتدعم جميع الظروف السياسية والميدانية مثل هذا السيناريو، وهو الأقرب إذا لم نكن فعلاً في وسطه.

وتخوض «حماس» وباقي الفصائل، عملياً، حرب شوارع تحاول فيها استنزاف القوات البرية الإسرائيلية، بعد أن تخلَّت عن فكرة التصدي المستمر لهذه القوات ومنعها من التقدم، مستبدلةً بذلك شن هجمات مباغتة وسريعة في كل منطقة يمكنها فيها ذلك.

وبينما فقدت «القسام» وباقي الفصائل قوتها الصاروخية إلى حد كبير، فإنها تحتفظ بالعدد الأكبر من مقاتليها وأسلحتها الخفيفة بما في ذلك سلاح القاذفات الموجَّهة، مثل قذائف الآر بي جي، أو تلك التي طوَّرتها عن صواريخ التاندوم، والتي سمَّتها «القسام» صواريخ «الياسين 105» وكان لها أثر كبير في الحرب الحالية، والصواريخ المضادة للأفراد مثل «تي بي جي»، وجميعها تخدم الآن فكرة حرب الاستنزاف.

وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، إن الخلايا الناشطة في غزة تعمل الآن فعلاً على استنزاف القوات الإسرائيلية، باستخدام الأسلحة الخفيفة وبعض القذائف الصاروخية الموجَّهة والعبوات الناسفة التي تمتلكها، رغم فقدانها الكثير من مخازن الأسلحة.

المتحدث باسم «كتائب عز الدين القسام» أبو عبيدة (أرشيفية - رويترز)

وأكدت المصادر أن «الآلاف من عناصر المقاومة ما زالوا ينشطون في مناطق متفرقة، وتلقوا التعليمات من أجل مواجهة طويلة مع القوات الإسرائيلية».

واستخدمت «القسام» والفصائل نهجاً يقوم على تنفيذ هجمات مباغتة حسبما تسمح الظروف في كل شارع وبيت وساحة، ولجأت من أجل ذلك إلى ترميم بعض الأنفاق الدفاعية التي قصفتها قوات الاحتلال خلال الحرب، وأُعيد استخدامها وتفخيخ فتحاتها وتفجيرها في القوات البرية الإسرائيلية.

وأكدت مصادر في «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، أن كل ذلك هو جزء من حرب استنزاف حقيقية تخوضها المقاومة التي ما زال في جعبتها الكثير من المفاجآت.

تغيير التكتيكات

وقالت المصادر إن «القسام» تعاملت مع واقع جديد وغيَّرت التكتيكات بعدما فهمت أن المعركة أطول مما خُطِّط لها. وأضافت: «حرب الاستنزاف ستكون لصالح المقاومة. هذه أرضنا ونحن هنا باقون. هم الذين سيرحلون في النهاية».

لكن لا يخطط الإسرائيليون للرحيل سريعاً، وليست لديهم خطة واضحة. ومع اقتراب الحرب من شهرها الثامن، يقدِّر الجيش الإسرائيلي أن الحرب على جبهة غزة قد تستمر لأشهر أخرى (6 أشهر)، وربما تمتد لجبهات أخرى (لبنان)، وتستمر حتى عام 2026.

جندي في الجيش الإسرائيلي فوق دبابة قتال بالقرب من الحدود مع قطاع غزة جنوب إسرائيل في 13 مايو (أ.ف.ب)

وحسب مصادر الجيش، فإنه يخطط لنقل العمليات في القطاع من «حربية» إلى «سيطرة أمنية» من خلال عمليات أكثر تركيزاً وفق الحاجة، في محاولة لاستنساخ سيناريو ما يجري في مناطق الضفة الغربية.

ولا تستبعد مصادر ميدانية من المقاومة، أن تكون تلك التقديرات صحيحة وتستمر الحرب لفترة طويلة، وأن تنتقل لمراحل مختلفة.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «يحاول الاحتلال تثبيت قواعد قتال جديدة من خلال جعل غزة مستباحة. ونحن تتعامل وفق ذلك. نواجه هذه المشروع ونحبطه. وسنتعامل مع كل سيناريو وفق ما تحدده الظروف الميدانية، وحسب تحركات الاحتلال».

وأضافت المصادر: «إن كانوا يخططون فعلاً للبقاء طويلاً فعليهم أن ينتظروا الموت كل يوم. إن كانوا يخططون لاحتلال غزة فسيغرقون هنا».

ولم تتخذ الحكومة الإسرائيلية قرارها بعد، ويبدو أنه ليس لديها أي خطط جاهزة للتعامل مع «اليوم التالي» في غزة.

جندي إسرائيلي ينظر إلى لافتة تحمل صور ضحايا مهرجان نوفا الذين قتلوا أو اختطفوا خلال هجوم حماس 7 أكتوبر (رويترز)

تكلفة عالية لإسرائيل

وأُثير جدل كبير في إسرائيل بعد تقرير نُشر في صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، جاء فيه أن حكماً عسكرياً أو مدنياً في غزة سيكون كبير التكلفة «البشرية والاقتصادية».

وحسب التقرير فإن مثل هذا الحكم تكلفته المالية نحو 6 مليارات دولار سنوياً، الأمر الذي دفع سياسيين واقتصاديين إلى رفض الفكرة، ودفع بوزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، تحديداً، إلى الخروج في مؤتمر صحافي تحدث فيه عن رفضه أن يكون لإسرائيل وجود دائم داخل قطاع غزة وبقاء قواته هناك، مطالباً رئيس حكومته بنيامين نتنياهو، بالعمل على إيجاد جسم بديل مثل السلطة الفلسطينية أو جهات أخرى، وهو طلب أغضب نتنياهو الذي جابه غالانت إعلامياً، برفضه تغيير ما قال عنها «حماسستان» بـ«فتحستان»، وأن قواته ستواصل القضاء على «حماس» بشكل كامل.

لكن إذا كانت إسرائيل ستحتل غزة أو تقاتل هناك لشهور طويلة أخرى، فهل حرب الاستنزاف الجارية ستكون لصالح إسرائيل أم لصالح «حماس»؟

يرى المحلل العسكري العقيد المتقاعد، منير حمد، أن إطالة أمد الحرب ليس من مصلحة إسرائيل، التي لا يمكن لجيشها أن يبقى طويلاً داخل قطاع غزة ويقاتل بهذا الزخم الذي نراه بعد 7 أشهر من الحرب. إن ما يجري في مخيم جباليا ورفح من قتال وجهاً لوجه، وما شهده حي الزيتون مؤخراً، يؤكد أن الجيش الإسرائيلي لم يُحدث التغيير المطلوب الذي كان يتوقعه في حرب تعتمد على الكرِّ والفرِّ من المقاومة الفلسطينية أكثر من أي تكتيكات أخرى.

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي يوم 21 مايو لجنوده في قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأضاف حمد لـ«الشرق الأوسط»: «المقاومة ورغم أن قدراتها العسكرية لا تمكن مقارنتها مع القدرات التي يمتلكها الجيش الإسرائيلي، قادرة على إلحاق الخسائر بقواته، واستمرار ذلك قد لا يتحمله المستوى السياسي ولا العسكري ولا حتى المجتمع الإسرائيلي».

وتوقع حمد أن تستمر عمليات الكر والفر من منطقة إلى أخرى، لحين الوصول إلى حل سياسي. والحل السياسي في غزة أكثر تعقيداً من العسكري.

وحتى اليوم مُنيت الجهود التي بُذلت من عدة أطراف لمحاولة التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار، بالفشل، كذلك فشلت الجهود من أجل وضع خطة واضحة لليوم التالي.

تماسُك مقابل خلافات

وبينما تظهر «حماس» أكثر تماسكاً في موقفها من ملف التهدئة بدعم من فصائل فلسطينية، أظهرت إسرائيل خلافات داخلية واسعة، سواء داخل مجلس الحرب المصغر، أو الموسع، وسط اتهامات لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بأنه هو من يماطل ويتعمد إطالة أمد الحرب لأسباب شخصية.

من جهة أخرى، يقول الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن إسرائيل اعتادت أن تشن حروباً سريعة، واحتلال منطقة مثل قطاع غزة سيكون له تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية لا تقوى عليها في ظل التفكك الداخلي والخلافات التي تزداد من حين إلى آخر.

ويرى إبراهيم أن إسرائيل ستبقى في وحل غزة في حال لم تجد حلاً سياسياً حقيقياً، وهذا الأمر تعيه الولايات المتحدة التي باتت تضغط بهذا الاتجاه وتستخدم عدة أوراق، من بينها ورقة بيني غانتس، في الضغط على نتنياهو من جهة، ووزراء اليمين المتطرف من جهة أخرى.

ويضيف إبراهيم: «ما دامت إسرائيل لا تريد السلطة الفلسطينية ولا حماس في حكم قطاع غزة وتفشل حتى الآن في إيجاد بديل حقيقي، فإنها ستتورط أكثر داخل القطاع... وستدفع ثمناً أكبر. وضعها معقَّد في غزة».

جنود إسرائيليون مع دباباتهم يتجمعون في مكان غير معلوم قرب السياج الحدودي مع قطاع غزة (إ.ب.أ)

رمال غزة

ويتفق كثير من الإسرائيليين على أنه يجب على إسرائيل ألا تتورط. وبينما ينادي غالانت وغانتس وآخرون بموقف واضح «ضد البقاء في غزة بعد الحرب»، يريد الكثيرون وقف الحرب الآن.

الجنرال احتياط في الجيش الإسرائيلي إسحاق بريك، كتب في صحيفة «معاريف» مقالاً، حذَّر فيه من أن الجيش الإسرائيلي يبتعد أكثر وأكثر مع مرور الوقت عن تحقيق أهداف الحرب، ويغرق أكثر فأكثر في وحل غزة.

قال بريك إن «الجيش لا يملك القدرة على إسقاط حماس حتى لو طال أمد الحرب»، وإنه على وشك الغوص في رمال غزة في حرب استنزاف طويلة.


مقالات ذات صلة

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

العالم العربي فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني.

محمد محمود (القاهرة )
خاص فلسطينيات يبكين قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في دير البلح بوسط قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

خاص تل أبيب تواصل اغتيال «قياديين» من «حماس» و«الجهاد»

اغتالت إسرائيل قياديين بارزين من الجناحين العسكريين لـ«حماس» و«الجهاد الإسلامي»، إلى جانب نشطاء آخرين، في سلسلة غارات طالت منازل عدة بمناطق متفرقة من قطاع غزة.

بندر الشريدة (غزة)
المشرق العربي جندي إسرائيلي ومعه أحد الكلاب المدرَّبة خلف الخط الأصفر بقطاع غزة (الجيش الإسرائيلي) play-circle

إسرائيل تنفي صحة تقرير بنقل الخط الأصفر إلى داخل قطاع غزة

نفى الجيش الإسرائيلي صحة تقرير يفيد بأنه نقل خط الترسيم الأصفر إلى داخل قطاع غزة، أيْ وسّع المنطقة التي تخضع لسيطرته.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)

حالات الانتحار تزداد في صفوف الجيش الإسرائيلي

تعاني إسرائيل من زيادة كبيرة في حالات الانتحار واضطراب ما بعد الصدمة في صفوف الجيش بعد حملتها العسكرية التي استمرت عامين على قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية-رويترز)

مقتل 10 في غارة إسرائيلية على غزة بينهم قياديون من «حماس» و«الجهاد»

قالت مصادر محلية في غزة اليوم الخميس إن 10 أشخاص على الأقل قتلوا جراء سلسلة غارات إسرائيلية على القطاع، من ​بينهم قيادي بارز في كتائب القسام.

«الشرق الأوسط» (غزة)

الجيش السوري: خطر تهديدات «قسد» لمدينة حلب وريفها الشرقي ما زال قائماً

عنصر من قوات الأمن السورية خارج دير حافر في ريف حلب (رويترز)
عنصر من قوات الأمن السورية خارج دير حافر في ريف حلب (رويترز)
TT

الجيش السوري: خطر تهديدات «قسد» لمدينة حلب وريفها الشرقي ما زال قائماً

عنصر من قوات الأمن السورية خارج دير حافر في ريف حلب (رويترز)
عنصر من قوات الأمن السورية خارج دير حافر في ريف حلب (رويترز)

أكد الجيش السوري، الجمعة، أن خطر التهديدات التي تمثلها «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) ما زال قائماً لمدينة حلب وريفها الشرقي، على الرغم من تدخل الوسطاء لإنهاء التوتر.

وقالت هيئة العمليات في الجيش السوري لتلفزيون «الإخبارية»، إنها رصدت وصول «الإرهابي» باهوز أوردال من جبال قنديل إلى منطقة الطبقة، من أجل إدارة العمليات العسكرية لتنظيم «قسد» وميليشيات «حزب العمال الكردستاني ضد السوريين وجيشهم».

وأضافت، في بيان، أن تنظيم «قسد» وميليشيات «الكردستاني» استقدما عدداً كبيراً من «المسيرات الإيرانية باتجاه منطقتي مسكنة ودير حافر، بهدف الإعداد لاعتداءات جديدة على الأهالي بمدينة حلب وريفها الشرقي».

وتابعت هيئة عمليات الجيش السوري: «رصدنا وصول مجموعات جديدة من الميليشيات وفلول النظام البائد إلى منطقة الطبقة، ومنها سيتم نقلهم إلى نقاط الانتشار بدير حافر ومسكنة والمناطق المحيطة بها»، مشددة على أنها لن تسمح لهذه المجموعات بزعزعة استقرار سوريا.

وقالت «الهيئة» إن الجيش «سيدافع عن الأهالي ويحفظ سيادة سوريا، ولن يسمح لفلول النظام البائد والإرهابيين العابرين للحدود والقادمين من قنديل بزعزعة استقرار سوريا واستهداف المجتمع السوري».


مواكبة لبنانية ودبلوماسية لتأمين نجاح مؤتمر دعم الجيش

الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماعاً أمنياً (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماعاً أمنياً (الرئاسة اللبنانية)
TT

مواكبة لبنانية ودبلوماسية لتأمين نجاح مؤتمر دعم الجيش

الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماعاً أمنياً (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماعاً أمنياً (الرئاسة اللبنانية)

يمضي لبنان في التحضير لمؤتمر باريس لدعم الجيش في 5 مارس (آذار) المقبل، على المسارين الدبلوماسي والأمني بمسعى لإنجاح المؤتمر وتلبية شروط الدول المانحة، ففي وقت أصدر فيه تعليمات للجيش وقوى الأمن بإعداد التقارير حول حاجاتها، واكب المطالب الدولية بالتحضير لاجتماع «الميكانيزم».

اجتماع أمني

وفي مؤشر إلى التحضيرات اللوجيستية لمؤتمر دعم الجيش، ترأس الرئيس اللبناني جوزيف عون اجتماعاً أمنياً، وأفادت الرئاسة اللبنانية بأن عون «شكر عون الأجهزة الأمنية على الجهود التي بذلتها خلال العام الماضي لبسط سلطة الدولة على أراضيها كافة وتأمين الاستقرار»، لافتاً إلى أن تحسن الوضع الاقتصادي يعود إلى الاستقرار الأمني الذي تحقق في الأشهر الماضية، منوهاً خصوصاً بالتدابير التي اتخذتها الأجهزة الأمنية خلال زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى لبنان، والتي كانت أحد العوامل الأساسية لنجاح الزيارة.

وتحدث عون عن المؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي الذي تقرر أن يعقد في باريس في 5 آذار المقبل، فطلب من الأجهزة الأمنية إعداد تقارير دقيقة بحاجاتها ليكون المؤتمرون على بيّنة منها، ما يحقق أهداف هذا المؤتمر.

بعد ذلك، توالى قادة الأجهزة الأمنية على عرض ما تحقق خلال السنة الماضية وخطط العمل للسنة الجارية، فأشار قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى استمرار الجيش بالقيام بالمهام الموكولة إليه في الأراضي اللبنانية عموماً، وفي منطقة الجنوب خصوصاً، إضافة إلى المهمات الأمنية الأخرى مثل ضبط الحدود ومكافحة الجريمة على أنواعها والتهريب وحفظ الأمن في البلاد.

اجتماع «الميكانيزم»

وعلى صعيد المواكبة السياسية والدبلوماسية التي تعكس جدية لبنان بالوفاء بالتزاماته الدولية، وتعزز ثقة المانحين به، عرض الرئيس اللبناني جوزيف عون، الجمعة، مع رئيس الوفد اللبناني المفاوض، السفير السابق سيمون كرم، التحضيرات الجارية لعقد اجتماع لجنة الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار «الميكانيزم»، والمواضيع التي ستُبحث خلاله، قبيل الاجتماع الذي يفترض أن يُعقد الأسبوع المقبل.

وجاء ذلك بعد أيام قليلة على الإعلان عن مؤتمر دعم الجيش، خلال اجتماع حضره ممثلون عن اللجنة الخماسية التي تضم الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية ومصر وقطر.

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالاً هاتفياً مع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، بحث خلاله الأوضاع اللبنانية والتطورات المرتبطة بالوضعين: السياسي والأمني.

وأعلن المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، أن الوزير عبد العاطي أكد خلال الاتصال موقف مصر الثابت والداعم للبنان، مشدداً على احترام سيادته ووحدة وسلامة أراضيه، وعلى ضرورة بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.

وأشار عبد العاطي إلى دعم مصر للمؤسسات الوطنية اللبنانية لتمكينها من الاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في حفظ أمن واستقرار لبنان، بما يصون مصالح الشعب اللبناني.

كما أعرب وزير الخارجية المصري عن تقديره للجهود التي تبذلها الدولة اللبنانية لبسط سلطاتها الكاملة على جميع الأراضي اللبنانية، مرحباً بإعلان إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة جنوب نهر الليطاني، واصفاً هذه الخطوة بأنها تعكس التزاماً واضحاً بتعزيز سيادة الدولة وترسيخ دور مؤسساتها الشرعية.

وشدد عبد العاطي على رفض مصر الكامل لأي مساس بسيادة لبنان ووحدة وسلامة أراضيه، مؤكداً ضرورة التنفيذ الكامل وغير الانتقائي لقرار مجلس الأمن رقم 1701، بما يضمن الانسحاب الفوري وغير المنقوص للقوات الإسرائيلية ووقف جميع الانتهاكات للسيادة اللبنانية.

المجلس الشيعي

هذا الدعم الدولي والعربي والتعهد اللبناني بالوفاء بالتزاماته، قابله تشكيك شيعي بالآلية التي توسع ممثلوها أخيراً من شخصيات عسكرية تمثل الولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة وإسرائيل ولبنان، إلى شخصيات مدنية.

وبعد انتقاد رئيس البرلمان نبيه بري للآلية، شكك نائب «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى»، الشيخ علي الخطيب، بدورها. وأكد في تصريح «ضرورة انسحاب قوات العدو من الأراضي اللبنانية، وعودة النازحين إلى أرضهم وبلداتهم، وإطلاق مسيرة الإعمار والإفراج عن الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، بمن فيهم الأسير الأخير النقيب أحمد شكر الذي اختطف من الأراضي اللبنانية، وذلك قبل أي شيء آخر»، مضيفاً: «وإلا لا فائدة ولا رهان على أي مفاوضات عبر لجنة (الميكانيزم)».

وطالب الموفدين العرب والأجانب «بوضع هذه الثوابت نصب أعينهم، والقيام بكل ما يلزم على المستوى الدولي لإجبار العدو الصهيوني على التزام ما يمليه عليه اتفاق وقف النار»، وتابع: «الأحرى بالسلطة اللبنانية أولاً أن تلتزم هذه الثوابت وتعمل على تحقيقها قبل الحديث أو البحث في حصر السلاح في المناطق الواقعة خارج جنوب الليطاني، حتى لا يفقد لبنان ورقة القوة المتوفرة لديه، ويندم الجميع ساعة لا ينفع الندم؛ لأن هذا العدو لا يؤمن إلا بمنطق القوة».


لبنان يحقق مع سوري بشبهة تحويل أموال لمقاتلين موالين للأسد

جنود لبنانيون في ضاحية بيروت (د.ب.أ)
جنود لبنانيون في ضاحية بيروت (د.ب.أ)
TT

لبنان يحقق مع سوري بشبهة تحويل أموال لمقاتلين موالين للأسد

جنود لبنانيون في ضاحية بيروت (د.ب.أ)
جنود لبنانيون في ضاحية بيروت (د.ب.أ)

أكد مصدر أمني لبناني رفيع لـ«الشرق الأوسط» أن الاستخبارات العسكرية اللبنانية تحقق مع السوري أحمد دنيا، وأنها «تدقق في مصادر أموال ضُبطت معه، وجهة تحويلها المفترضة، من دون الجزم بأنها تهدف إلى تمويل مقاتلين في إطار مؤامرة لزعزعة استقرار النظام الحاكم الجديد في سوريا».

وقال المصدر إن دنيا هو الوحيد الذي بقي قيد التوقيف من مجموعة أشخاص تم توقيفهم للاشتباه بقيامهم بأنشطة غير قانونية، وإن المحققين وجدوا ضرورة لإبقائه قيد التحقيق لتبيان حقيقة استعمال هذه الأموال، موضحاً أن المبالغ «كبيرة بما يكفي للاشتباه بها، لكنها قليلة لافتراض أنها تمويل واسع النطاق لتهديد الحكم الجديد في سوريا».

وإذ رفض المصدر «القفز نحو استنتاجات متسرعة»؛ قال إن التحقيق يسير في الاتجاه الصحيح، نافياً في الوقت نفسه تبلّغ لبنان من السلطات السورية بلائحة من 200 شخصية من مسؤولي النظام السابق متورطين في مؤامرة مماثلة.

وأوضح أن عشرات الآلاف من أنصار النظام السابق دخلوا إلى لبنان بعد انهيار النظام، لكن لم يتبين أن من بينهم مسؤولين كباراً في النظام السابق.

ونقلت وكالة «رويترز» عن مصدرين أمنيين، ومصدرين من شركاء دنيا السابقين، قولهم إن دنيا اعتُقل في وقت سابق من هذا الأسبوع في لبنان.

لكن القضاء اللبناني نفى إبلاغه بذلك. وقال مصدران قضائيان معنيان بالتوقيفات والتنسيق مع الأجهزة الأمنية اللبنانية، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأجهزة الأمنية لم تبلغهما بتاتاً بحادثة من هذا النوع.

ونقلت الوكالة عن مصدرين أمنيين لبنانيين، واثنين من شركائه السابقين، توقيف أحمد دنيا. ولم يذكر المصدران الأمنيان الاتهامات التي أوقف بسببها، أو ما إذا كان سيتم تسليمه إلى سوريا.

وكانت الوكالة نشرت قبل نحو شهر تحقيقاً تناول بالتفصيل «مخططات منفصلة، كان يعمل عليها معاونو الأسد السابقون لتمويل جماعات علوية مسلحة محتملة في ⁠لبنان وعلى طول الساحل السوري، من خلال وسطاء ماليين».

وأشار تحقيق «رويترز» إلى ‌أن دنيا «كان أحد هؤلاء الوسطاء، وحوّل أموالاً من الملياردير رامي مخلوف، ابن خال الأسد الذي يعيش الآن مع الديكتاتور السوري السابق في المنفى بموسكو، إلى مقاتلين محتملين في لبنان وسوريا».

وأكد شريك سابق لدنيا، وشخصية سورية مقربة من مخلوف، أن دنيا وسيط مالي رئيسي، وأنه احتُجز في لبنان.

وقال المصدران إنه كان ​يدير سجلات مالية كثيرة، بما في ذلك جداول رواتب وإيصالات مالية. وأضاف المصدران السوريان أن دنيا كان في ⁠الأشهر القليلة الماضية يقتطع لنفسه جزءاً من تحويلات مخلوف.