محطات فاصلة في حلم قيام «الدولة الفلسطينية»

عقود من النزال الدبلوماسي والسياسي

فلسطينيون يحملون مفاتيح رمزية خلال مشاركتهم في احتجاج لإحياء الذكرى السادسة والسبعين للنكبة برام الله (أ.ب)
فلسطينيون يحملون مفاتيح رمزية خلال مشاركتهم في احتجاج لإحياء الذكرى السادسة والسبعين للنكبة برام الله (أ.ب)
TT

محطات فاصلة في حلم قيام «الدولة الفلسطينية»

فلسطينيون يحملون مفاتيح رمزية خلال مشاركتهم في احتجاج لإحياء الذكرى السادسة والسبعين للنكبة برام الله (أ.ب)
فلسطينيون يحملون مفاتيح رمزية خلال مشاركتهم في احتجاج لإحياء الذكرى السادسة والسبعين للنكبة برام الله (أ.ب)

ينظر المجتمع الدولي إلى الاعتراف بدولة فلسطين على أنه خاتمة عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في رحلة دبلوماسية طويلة خاضتها السلطة الفلسطينية على مستوى المؤسسات الدولية منذ عقود. تعترف غالبية دول العالم بالدولة الفلسطينية، وحسب بيانات السلطة الفلسطينية، أعربت 137 من إجمالي 193 دولة في الأمم المتحدة عن اعترافها بالدولة الفلسطينية. لكنَّ ذلك لا يشمل معظم بلدان أوروبا الغربية وأميركا الشمالية وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية.

واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 مايو (أيار) الجاري، قرارها بشأن أحقية فلسطين في الحصول على العضوية الكاملة، وطالبت مجلس الأمن الدولي بضرورة إعادة النظر في هذه المسألة إيجابياً.

صوَّتت لصالح القرار 143 دولة، وامتنعت 25 عن التصويت، ورفضت القرار 9 دول.

ووفق مشروع القرار فإن دولة فلسطين مؤهلة لعضوية الأمم المتحدة وفقاً للمادة 4 من الميثاق، ومن ثم ينبغي قبولها في عضوية الأمم المتحدة، وبناءً على ذلك يوصي القرار مجلس الأمن بإعادة النظر في هذه المسألة بشكل إيجابي، في ضوء هذا القرار وفي ضوء فتوى محكمة العدل الدولية الصادرة في 28 مايو 1948، وبما يتفق تماماً مع المادة 4 من ميثاق الأمم المتحدة.

إعلان الاستقلال وقرارات الاعتراف الأولى

في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 1988، أي بعد نحو سنة من انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلي، أعلن زعيم منظمة التحرير ياسر عرفات، في الجزائر العاصمة، «قيام دولة فلسطين» وعاصمتها القدس، من منبر المجلس الوطني الفلسطيني في المنفى. وبعد دقائق، اعترفت الجزائر رسمياً بـ«الدولة الفلسطينية المستقلة»، حسبما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.

ياسر عرفات في الجزائر العاصمة عام 1988 (متداولة)

وبعد أسبوع، اتخذت 40 دولة، من بينها الصين والهند وتركيا ومعظم الدول العربية، الخطوة نفسها. وتبعتها جميع دول القارة الأفريقية والكتلة السوفياتية تقريباً.

في عامي 2010 و2011، اعترف معظم بلدان أميركا الوسطى واللاتينية بالدولة الفلسطينية.

«اتفاق أوسلو» ومحاولات التعايش وحلم الدولة

خاضت السلطة الفلسطينية سنوات طويلة من الاتفاقيات والاجتماعات لتسير عملية السلام مع إسرائيل وحل الدولتين، أشهرها اتفاق أوسلو، وهو «اتفاق إعلان المبادئ - حول ترتيبات الحكومة الذاتية الفلسطينية»، وتم توقيعه في 1993-9-13. ونصّ الاتفاق على انسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وإنشاء «سلطة حكم ذاتي فلسطينية مؤقتة» لمرحلة انتقالية تستغرق خمس سنوات، على أن تُتوج بتسوية دائمة بناءً على القرار رقم 242، والقرار رقم 338. كذلك تحدث الاتفاق عن وضع «حد لعقود من المواجهة والنزاع»، وعن اعتراف كل جانب «بالحقوق الشرعية والسياسية المتبادلة» للجانب الآخر.

وكذلك اتفاق «غزة - أريحا» 1994، واتفاق «باريس الاقتصادي»، يوليو (تموز) 1994، واتفاقية «طابا أو أوسلو الثانية» 1995، واتفاق «واي ريفر الأول» 1998، و«واي ريفر الثاني» 1999، ثم «خريطة الطريق» ثم اتفاق «أنابوليس» 2007، إلا أنها جميعاً باءت بالفشل أمام الاحتلال الإسرائيلي وسياسته المتبعة.

تصويت تاريخي لـ«دولة مراقب»

أطلق الفلسطينيون حملة دبلوماسية على مستوى المؤسسات الدولية. ومن خلال تصويت تاريخي في نوفمبر 2012، حصلوا على صفة «دولة مراقب» في الأمم المتحدة يحق لها في غياب العضوية الكاملة مع حقوق التصويت، الانضمام إلى وكالات الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية.

وبهذا الوضع الجديد، انضم الفلسطينيون إلى المحكمة الجنائية الدولية في عام 2015، الأمر الذي سمح بفتح تحقيقات في العمليات العسكرية في الأراضي الفلسطينية. وأدانت الولايات المتحدة وإسرائيل هذا القرار.

فتحت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) الطريق بمنح الفلسطينيين عضوية كاملة في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، وانسحبت إسرائيل والولايات المتحدة من المنظمة عام 2018، قبل أن تعود الأخيرة عام 2023.

السويد... أول الطريق إلى «الاتحاد الأوروبي»

أصبحت السويد التي تقيم فيها جالية فلسطينية كبيرة، أول دولة في الاتحاد الأوروبي تعترف بـ«دولة فلسطين» في عام 2014، بعد أن فعلت ذلك جمهورية التشيك والمجر وبولندا وبلغاريا ورومانيا وقبرص قبل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وأدى قرار استوكهولم الذي اتُّخذ في وقت بدت فيه الجهود المبذولة لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني في طريق مسدودة تماماً، إلى سنوات من العلاقات العاصفة مع إسرائيل.

دول أوروبية جديدة تنضم إلى الاعتراف

أعلنت إسبانيا وآيرلندا والنرويج، الاعتراف بدولة فلسطينية وذلك في بيانات صحافية متزامنة اليوم (الأربعاء)، لقادة تلك الدول.

أعلنت الدول الثلاث أن اعترافها بالدولة الفلسطينية سيصبح رسمياً وسارياً 28 مايو المقبل.

رئيس الوزراء الآيرلندي ووزيرا الخارجية والبيئة خلال مؤتمر صحافي في دبلن اليوم (إ.ب.أ)

كانت دبلن قد أشارت الأسبوع الماضي إلى أنها ستعترف «بالتأكيد» بدولة فلسطين قبل نهاية مايو، بينما لمحت أوسلو إلى مبادرة مماثلة خلال الربيع.

وكان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، قد أعلن الأسبوع الماضي، أنه سيكشف، الأربعاء، عن موعد اعتراف مدريد بدولة فلسطينية.

وأعلن سانشيز في مارس (آذار) أن إسبانيا وآيرلندا إلى جانب سلوفينيا ومالطا، اتفقت على اتخاذ خطواتها الأولى نحو الاعتراف بدولة فلسطين إلى جانب إسرائيل، معتبرة أن حل الدولتين ضروري للسلام الدائم.

توعُّد إسرائيلي

مع إعلان بعض الدول الأوروبية، اليوم، الاعتراف بدولة فلسطين، استدعت سفيرَيها في آيرلندا والنرويج لـ«إجراء مشاورات طارئة» بعد تحرك هذين البلدين نحو الاعتراف بدولة فلسطين. وقال وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في بيان: «أوجِّه اليوم رسالة شديدة اللهجة إلى آيرلندا والنرويج: لن تَلزم إسرائيل الصمت على ذلك. أصدرت التعليمات لعودة السفيرين الإسرائيليين في دبلن وأوسلو إلى إسرائيل لإجراء مزيد من المشاورات». وحسب كاتس فإن «الخطوات المتسرعة للبلدين ستكون لها عواقب وخيمة، وإذا نفَّذت إسبانيا وعودها بالاعتراف بالدولة الفلسطينية فستتّخذ خطوات ضدها».

كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قد صرح مطلع العام الجاري، بأنه لا يمكن أن يسمح بقيام دولة فلسطينية ما دام في منصبه، مضيفاً أن «الصراع ليس على قيام دولة فلسطينية، بل القضاء على الدولة اليهودية».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

ولطالما كان نتنياهو متباهياً بعقود من إحباط أي خطوة بشأن إقامة الدولة الفلسطينية.

وفي فبراير (شباط) الماضي وفي ذروة الحرب علي غزة، صرح بأنه يعتزم تقديم تشريع للكنيست يقضي برفض أي إملاءات دولية ترمي إلى إقامة دولة فلسطينية، وقال: «الجميع يعلم أنني أنا من أعاق على مدار عقود قيام دولة فلسطينية تُعرِّض وجودنا للخطر، ومذبحة السابع من أكتوبر تزيد إصراري على ذلك... ومهما كان الأمر، فإسرائيل ستحتفظ بالسيطرة الأمنية الكاملة على كل الأراضي الواقعة غرب نهر الأردن بما في ذلك غزة والضفة الغربية».


مقالات ذات صلة

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

المشرق العربي فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي الرئيس عباس يدلي بصوته في الانتخابات المحلية الفلسطينية في رام الله السبت (الرئاسة الفلسطينية)

انتخابات محلية فلسطينية... «بروفة» النظام السياسي الجديد

الفلسطينيون ينتخبون في أول انتخابات منذ الحرب وتكتسب أهميتها في أنها شملت جزئياً قطاع غزة وتستجيب لمطالب إصلاح وتؤسس لنظام سياسي جديد.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) p-circle

عرب البرغوثي: والدي مروان يمكنه قيادة «تجديد ديمقراطي» في فلسطين

لا يزال مروان البرغوثي، رغم مُضيّ 24 عاماً على اعتقاله، يشكّل رمزاً جامعاً للشعب الفلسطيني وقضيّته، كما يقول نجله عرب، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle 02:00

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس خلال اجتماع للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين في بروكسل الاثنين (إ.ب.أ) p-circle

السلطة الفلسطينية ماضية في «إصلاح شامل»... لكنها تخشى مخططات إسرائيل

قال رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، إن السلطة تعمل على إصلاح شامل استعداداً للدولة الفلسطينية المرجوة، لكن «إسرائيل تقوض الدولة والسلطة معاً بشكل منهجي».

كفاح زبون (رام الله)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.