عودة إسرائيل إلى مخيم جباليا... لماذا الآن؟

تساؤلات عما إذا كان الهدف الضغط على «حماس» أم البحث عن محتجزين

الدخان يتصاعد من موقع قصفته إسرائيل في جباليا الثلاثاء (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من موقع قصفته إسرائيل في جباليا الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

عودة إسرائيل إلى مخيم جباليا... لماذا الآن؟

الدخان يتصاعد من موقع قصفته إسرائيل في جباليا الثلاثاء (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من موقع قصفته إسرائيل في جباليا الثلاثاء (أ.ف.ب)

لم تكن التهديدات التي أطلقها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ووزير جيشه يوآف غالانت، وكبار الضباط، بمواصلة العمل في مختلف مناطق قطاع غزة، عبثاً، لكنها حملت ميدانياً ما يشبه المفاجأة بالنسبة إلى حركة «حماس»، وكذلك للفلسطينيين الذين فوجئوا بعملية تستهدف مخيم جباليا ومحيطه، في حين كان التركيز كله منصباً على العمليات العسكرية التي بدأت في رفح بجنوب القطاع.

وعلى الرغم من أن العملية التي بدأت في مخيم جباليا بالتزامن مع أخرى بدأت قبل ذلك بأيام في حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، فنّدت مزاعم الإسرائيليين بأنهم سيطروا سابقاً عملياتياً على المخيم وفككوا الكتائب التابعة لـ«حماس» هناك، لكنها وجهت في الوقت ذاته ضربة غير متوقعة للحركة التي يبدو أنها اعتقدت أنها نجت برجالها هناك.

وبينما كانت «حماس» وأذرعها المختلفة، ومنها الحكومية بشقيها الخدماتي والأمني، وكذلك الجناح العسكري للحركة، تبسط سيطرتها بالكامل على مخيم جباليا الذي يعد واحداً من أهم معاقلها منذ عقود، وكانت تعتقد أنه بات في أمان أكثر، وأن القوات الإسرائيلية لن تعود إليه، تفاجأت «حماس» على ما يبدو بهذه العملية. وتقول مصادر محلية إن إسرائيل تحاول ممارسة ضغوط عسكرية أكبر على الحركة في خضم تعثر مفاوضات الهدنة وتبادل المحتجزين.

طائرة إسرائيلية تُحلّق فوق جباليا الثلاثاء خلال المعارك الضارية الدائرة في المنطقة (أ.ف.ب)

وكانت إسرائيل قد نفذت، في بدايات شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عملية عسكرية ضد مخيم جباليا من الجهة الغربية، لكنها لم تستطع الدخول إلى عمقه، لأسباب عدة من بينها الأعداد المأهولة بالسكان في المخيم وخاصة من الجهة الغربية منه، وأزقة شوارعه التي كانت ستجبر قوات الاحتلال على تنفيذ أكبر عملية هدم لمنازل فلسطينية تمتد لأشهر وسط توقعات بأن عدد الضحايا سيكون كبيراً جداً من الجانبين. ومعلوم أن المقاومة الشرسة التي جابهتها القوات الإسرائيلية في بداية تلك العملية كانت الأعنف في ذلك الوقت، وقتل خلالها 9 جنود في 5 أيام.

واليوم تريد إسرائيل تحقيق ما فشلت فيه سابقاً، ويتضح بحسب ما رصد مراسل لـ«الشرق الأوسط» أن القوات الإسرائيلية اعتمدت تكتيكاً جديداً لاقتحام مخيم جباليا؛ إذ تحاول التقدم عبر المنطقة الحدودية الشرقية، والتي تعد في أجزاء كبيرة منها، فارغة من السكان ولا توجد بها كثافة سكانية.

لكن لماذا؟

واضح أن إسرائيل تريد الضغط أكثر على حركة «حماس»؛ لإجبارها على تقديم تنازلات في مفاوضات صفقة التبادل، وذلك عبر استهداف معقلها الرئيسي في شمال القطاع.

فلسطينيون ينزحون من جباليا الثلاثاء (أ.ف.ب)

وتثبت المعارك الدائرة الآن في شرق جباليا أن «كتائب القسام» ما زالت تتمتع هناك بكامل الجهوزية، وكان لافتاً أنها استخدمت في مرتين على الأقل طائرات مسيّرة أطلقت قذائف صغيرة تجاه الآليات الإسرائيلية شرقي مخيم جباليا، كما أطلقت عدة صواريخ في مرات مختلفة على مستوطنات غلاف غزة الشمالي، ومنها سديروت، وكذلك في اتجاه مدينة عسقلان.

وتأمل إسرائيل كما يبدو بالعثور على قادة من «حماس» هناك ومعهم محتجزون إسرائيليون.

وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» إن إسرائيل بعد فشلها في الوصول لأسراها في خان يونس، وكذلك في وسط القطاع، ومناطق متفرقة من شماله، تأمل الآن أن تجدهم في المخيم.

وأضافت: «لقد غامروا بالهجوم مرة أخرى بعدما فشلوا في المرة الأولى. لاعتقادهم أنهم قد يحققون هنا ما فشلوا فيه في مناطق أخرى».

ويبدو أن سيطرة «حماس» على المخيم، دفعت إسرائيل للاعتقاد أن هجوماً كبيراً ولو كان مكلفاً قد يعود بنتيجة ما.

ويشجع إسرائيل هذه المرة أنها في الهجوم الأول الفاشل، وجدت جثث أسرى قتلوا ودفنوا في مقبرة «الفالوجا» غرب المخيم، يعتقد أنهم قتلوا في قصفين؛ واحد طال أحمد الغندور قائد لواء الشمال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، استهدف نفقاً استراتيجياً في منطقة جباليا، والثاني في قصف استهدف القيادي البارز في «القسام» إبراهيم البياري، وسط مخيم جباليا.

طفل أصيب في قصف إسرائيلي خلال الهجوم على جباليا يوم الاثنين خلال علاجه في مستشفى كمال عدوان بشمال القطاع (رويترز)

ويعدّ مخيم جباليا واحداً من أكثر مناطق شمال القطاع التي ظل سكانه فيه، ولم ينزحوا ما جعله مكاناً قابلاً للحياة على مستويات مختلفة، حتى خلال المجاعة التي حلت في مناطق الشمال، والظروف الصعبة التي واجهها السكان لأشهر.

لكن هذا بالذات ما يعقد العملية الحالية بالنسبة لإسرائيل؛ إذ تعني الكثافة السكانية وأعداد النازحين إلى المخيم ومراكز الإيواء فيه، أن أعداد الضحايا ستكون مرتفعة في معركة قاسية وصعبة ومعقدة.

وليس واضحاً حتى الآن ما إذا كان ذلك سيضغط على إسرائيل أو «حماس».


مقالات ذات صلة

ضغوط متزايدة على «حماس» بانتظار ردها على «نزع السلاح»

خاص فلسطينيات خارج مستشفى ناصر في خان يونس الجمعة خلال تشييع قتيل سقط بضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

ضغوط متزايدة على «حماس» بانتظار ردها على «نزع السلاح»

أكد مصدر من «حماس» أن الحركة ستتعامل بمرونة مع الوسطاء وجميع الأطراف للتوصل إلى حلول لا تسمح باستئناف الحرب في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أطفال فلسطينيون من عائلات نازحة يتجمعون في ساحة مدرسة دير البلح المشتركة التابعة لوكالة «الأونروا» غرب دير البلح وسط قطاع غزة لتلقي بعض الدروس (أ.ف.ب)

مسعفون: مقتل تلميذة بنيران إسرائيلية في غزة

قال مسؤولون في مجالي الصحة والتعليم في قطاع غزة اليوم الخميس إن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على تلميذة، وقتلتها أثناء حضورها فصلاً دراسياً.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي امرأة فلسطينية نازحة تقف على شرفة داخل مبنى مهدم في جامعة الأقصى جنوب غزة يُستخدم كمأوى (رويترز) p-circle

عصابة مسلحة مدعومة إسرائيلياً تحرق منازل في غزة

في تصعيد لافت، أفاد سكان في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، بأن عناصر تابعة لعصابات مسلحة موالية لإسرائيل أحرقت، يوم الخميس، أراضي ومنازل ثابتة، وصوبات زراعية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي يقف الناس قرب سيارة محترقة عقب غارة إسرائيلية أسفرت عن مقتل في قناة الجزيرة (د.ب.أ)

إسرائيل تقتل 4 في غزة بينهم صحافي

أفادت ‌السلطات الصحية في قطاع غزة وشبكة تلفزيون الجزيرة بأن الغارات الجوية الإسرائيلية على القطاع، اليوم الأربعاء، أودت بحياة أربعة أشخاص.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي صبي يساعد بائعاً في ترتيب بضائعه خلال وقوفه أمام أنقاض مبنى منهار في رفح جنوب قطاع غزة أبريل 2024 (أ.ف.ب)

خنق غزة يُفسِدُ الجيش الإسرائيلي

كثّفت إسرائيل من الحصار على قطاع غزة، وبسبب تفاقم أزمة نقص الغذاء وارتفاع الأسعار دخل بعض أفراد القوات الإسرائيلية على خط الأزمة لتحقيق بعض المكاسب.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

إسرائيل تقرر «التفاوض المتدرج» مع لبنان

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض (أرشيفية - د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

إسرائيل تقرر «التفاوض المتدرج» مع لبنان

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض (أرشيفية - د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض (أرشيفية - د.ب.أ)

أكدت مصادر مقربة من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الجمعة، أنه قرر التقدم في المفاوضات مع لبنان بشكل تدريجي؛ يبدأ بالأمور التقنية والإجرائية، ثم يتقدم إلى الأمام في القضايا الكبرى، وفقاً لسير المفاوضات التي بدأت في باكستان بين الولايات المتحدة وإيران.

وقالت هذه المصادر، وفقاً لصحيفة «معاريف»، إن نتنياهو اختار لإدارة هذه المفاوضات مسؤولاً غير كبير؛ هو سفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل رايتر، بعدما كان سابقاً قرر تعيين مستشاره المقرّب رون ديرمر.

ولفتت إلى أن ديرمر اختلف مع نتنياهو في موضوع المفاوضات؛ فقد رأى أن توافق إسرائيل على وقف النار أيضاً على الجبهة اللبنانية، حتى يتاح تسيير مفاوضات إسلام آباد بلا أي شوائب. وخلال حواراته مع مبعوث المفاوضات الأميركي، ستيف ويتكوف، فهم أن موضوع استمرار الحرب مع لبنان يؤثر بشكل سلبي على المفاوضات مع إيران، وقد يتحول إلى حجة تتذرع بها طهران لافتعال أزمة تؤدي إلى تمديد المفاوضات. والأمر يعود بالضرر على الرئيس دونالد ترمب، الذي يواجه ضغوطاً محلية جدية لمنع استئناف الحرب.

وديرمر، الذي يدير الحوار الأميركي - الإسرائيلي، يرى أن معارضي ترمب يستغلون هذه الحرب ضده، ويتهمونه بالانجرار وراء نتنياهو ومصالحه الشخصية والحزبية على حساب مصالح الولايات المتحدة، وهذا يمس بمكانة إسرائيل في الداخل الأميركي.

لكن الجيش الإسرائيلي يرفض وقف الحرب مع لبنان، ويصر على أن تجري تحت النار، وذلك بسبب الانطباع السائد لدى الجمهور بأن عملياته لم تحقق أهداف الحرب، والغضب من استمرار القصف من لبنان؛ فهذا القصف يستمر ويتسع نطاقه حتى الجنوب الإسرائيلي. ومع أنه لا يوقع أضراراً كبيرة، فإنه يؤدي إلى الهلع ويعزز المطلب باستمرار الحرب، حيث إن استطلاع رأي نشر الجمعة، يشير إلى أن 79 في المائة من الإسرائيليين يريدون للجيش ألا يوقفها قبل تفكيك «حزب الله» ونزع سلاحه.

جنود إسرائيليون على متن آلية عسكرية عند الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

ويقف نتنياهو إلى جانب الجيش في هذا الموقف، والأمر يحرج ديرمر، وهو ينكب مع نتنياهو على التفتيش عن صيغة تريح الأميركيين.

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الذي يؤيد موقف نتنياهو والجيش، قد صرح بأنّ «حزب الله» يسعى بشدّة لوقف إطلاق النار، وأن إيران تمارس ضغوطاً، وتطلق تهديدات، خوفاً من أن «نسحقه»، فيما ذكر رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، بوعز بيسموت، أن هناك احتمالاً لاستئناف الحرب في «الأيام القريبة»، مشيراً إلى أن وقف إطلاق النار حالياً، هو اتفاق مرحليّ فقط.

وفي محاولة لإقناع الجمهور الإسرائيلي، خصوصاً في المنطقة الشمالية التي تتعرض لأكبر كمية من الصواريخ، بأن الجيش يواصل ضرب الحزب، قال كاتس إن «الهجوم الضخم وغير المسبوق على لبنان تسبب في ضربة قوية جداً لـ(حزب الله)، تركته في حالة ذهول وارتباك، نتيجة عمق الاختراق، ونطاق الضربة». وأضاف كاتس أن «اتفاق فصل الجبهات، يُعدّ إنجازاً مهماً بقيادة رئيس الحكومة (نتنياهو)، ويُمكّننا من العمل بقوة ضد (حزب الله)، وفقاً لخطة منظَّمة، وجيشنا على أُهبة الاستعداد للتحرّك بقوّة، إذا أطلقت إيران النار على إسرائيل».

وأشار كاتس إلى أن الخطّة «قائمة على 4 محاور: خط الحدود، بما في ذلك تدمير المنازل بالقرى اللبنانية (الحدودية)؛ وخط الدفاع داخل لبنان، الذي تم توسيعه من 5 إلى 15 نقطة؛ وخط الدفاع المضاد للدروع، الذي تم الاستيلاء عليه بالعملية البرية التي يجري توسيعها حالياً، لتشمل نقاطاً إضافية؛ وخطّ الليطاني، الذي سيسيطر عليه الجيش الإسرائيلي بوصفه جزءاً من سيطرته على منطقة الليطاني، وسيمنع تسلل مزيد من (العناصر)، ويمنع عودة السكان إلى الجنوب».

وأضاف أنه «في الوقت نفسه، سيشن الجيش الإسرائيلي هجوماً جوياً، وفقاً للنموذج الإيراني، وبقوة كبيرة، على (العناصر) ومواقع إطلاق الصواريخ في منطقة الليطاني، وفي مناطق الإطلاق بجميع أنحاء لبنان خارج منطقة الليطاني». وكرّر الادّعاء: «لقد تعهّدنا بتوفير الأمن لسكان الشمال، وهذا ما سنفعله بالضبط».

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير (رويترز)

وفي السياق، صادق رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، على خطط عسكرية إضافية لمواصلة الحرب والعمليات البرية في لبنان، بعدما أجرى جولة وتقييماً للأوضاع في أطراف بنت جبيل، جنوب لبنان، الخميس. وقال بحسب بيان صدر عن الجيش الإسرائيلي، إن «جبهة القتال الرئيسية لدينا هي هنا في لبنان. الهدف الذي حُدد هو إزالة التهديد المباشر عن سكان الشمال».

وأشار إلى أن «الجيش في حالة حرب، ونواصل تعميق العمليات البرية وضرب (حزب الله) بقوة. هذه عملية قوية جداً، وقواتنا في خطوط الجبهة وفي العمق». وأضاف أن «الضربة التي تلقتها إيران تؤثر أيضاً على (حزب الله) الذي أصبح معزولاً داخل لبنان، ومعزولاً عن شريانه الاستراتيجي في إيران»، وتابع: «الحكومة اللبنانية تدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى، حجم المشكلة المتمثلة في وجود (منظمة إرهابية راديكالية متطرفة على أراضيها)».


الأمن الغذائي مهدد في قرى جنوب لبنان المحاصرة

مواطنون يعاينون مبنى تم قصفه بغارة إسرائيلية في منطقة صور بجنوب لبنان (رويترز)
مواطنون يعاينون مبنى تم قصفه بغارة إسرائيلية في منطقة صور بجنوب لبنان (رويترز)
TT

الأمن الغذائي مهدد في قرى جنوب لبنان المحاصرة

مواطنون يعاينون مبنى تم قصفه بغارة إسرائيلية في منطقة صور بجنوب لبنان (رويترز)
مواطنون يعاينون مبنى تم قصفه بغارة إسرائيلية في منطقة صور بجنوب لبنان (رويترز)

أثارت تصريحات نقلت عن برنامج الأغذية العالمي بشأن اقتراب لبنان من أزمة أمن غذائي نتيجة تعطيل الحرب للإمدادات، صدمة في صفوف اللبنانيين الذين لم يلاحظوا انقطاع أي من المواد الغذائية في السوبرماركت والمحال التجارية. ليتبين بعد التدقيق أن مديرة برنامج الأغذية العالمي في لبنان، أليسون أومان لاوي، كانت تتحدث عن أزمة تحيط بقرى الجنوب المحاصرة.

وأشارت لاوي في إحاطة قدمتها للأمم المتحدة إلى أنه «في حين أن الأسواق في مختلف أنحاء لبنان لا تزال تعمل بشكل عام على المستوى الوطني، فإن هذا يخفي واقعاً أكثر خطورة بكثير في المناطق المتأثرة بالنزاع»، لافتة إلى أنه «في الأجزاء الجنوبية من لبنان لم يعد أكثر من 80 في المائة من الأسواق يعمل، حيث أفاد العديد من التجار بأن لديهم مخزوناً من المواد الغذائية الأساسية يكفي أقل من أسبوع واحد فقط».

ارتفاع عدد مَن يعانون من انعدام الأمن الغذائي

وأوضحت رشا أبو ضرغام، الناطقة باسم برنامج الأغذية العالمي في لبنان، أن «نحو 900 ألف شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي حتى قبل اندلاع الحرب الراهنة» مؤكدة أن «الأرقام في تصاعد بعد الحرب وستصدر قريباً». وشرحت رشا أبو ضرغام أن «المشكلة ليست في عدم توفر الغذاء، وإنما في وصول الناس إلى الغذاء نتيجة ارتفاع كبير في الأسعار، ففي شهر مارس (آذار) الماضي مثلاً ارتفعت أسعار الخضار 20 في المائة»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «لكن تبقى الأسواق في مختلف أنحاء لبنان تعمل بشكل طبيعي والأزمة التي تحدثت عنها مديرة البرنامج تلاحظ حصراً في المناطق المتأثرة بالنزاع جنوباً».

حصار لقرى قضاء بنت جبيل

ومنذ أكثر من أسبوعين تتجه الأنظار إلى 13 بلدة في جنوب الليطاني، معظم سكانها من المسيحيين، بعد قرار الجيش اللبناني الانسحاب من مواقع انتشاره فيها إثر تقدم القوات الإسرائيلية إليها وتجنبه أي اشتباك أو مواجهة مباشرة معها.

وأصبحت الطرق التي تربط مثلث رميش ودبل وعين إبل بباقي المناطق اللبنانية تحت النار ما جعل هذه البلدات الثلاث معزولة، وأدى إلى رفع أهلها الصوت لتأمين ممرات إنسانية لإيصال المواد الغذائية والأدوية والمحروقات وغيرها من السلع الضرورية.

ويُعتبر وضع القرى في قضاء مرجعيون مقبولاً نسبياً باعتبار أن هناك طريقاً مفتوحاً إليها بخلاف وضع قرى قضاء بنت جبيل التي باتت تحت الحصار المطبق.

مدخل بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منها وبدء عودة الأهالي إليها بعد انتهاء الحرب في شهر نوفمبر 2024 (إ.ب.أ)

ولم يتمكن السفير البابوي هذا الأسبوع الذي كان يحمل مساعدات غذائية وطبية من الوصول إلى هذه القرى نتيجة اشتداد المعارك في المناطق المحيطة، رغم الحماية التي كانت تؤمنها له قوات «اليونيفيل» والجيش اللبناني ما اضطره ومن كانوا معه بعد انتظار أكثر من ساعتين في بلدة الطيري للانسحاب بعدما كانوا على بُعد 10 دقائق فقط من بلدة دبل.

وجال البطريرك الماروني بشارة الراعي الأربعاء على عدد من البلدات الحدودية في قضاءي مرجعيون وحاصبيا، شملت كوكبا، جديدة مرجعيون، القليعة، وحمل معه مساعدات إليها.

الوضع في رميش

ويوضح رئيس بلدية رميش، حنا العميل، إحدى البلدات المحاصرة تماماً، أنه «منذ أواخر شهر مارس لم تصل أي مساعدات غذائية إلى البلدة»، واصفاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» وضع الأمن الغذائي بـ«الدقيق». وقال: «هناك شح بالطحين الذي نصنع منه الخبز، ولم يعد يكفي إلا لبضعة أيام». ويشرح العميل أن الأزمة تطال أيضاً «مياه الشرب وحتى مياه الصرف، كما أنه لا توجد كهرباء ولا اتصالات، وبعض الأدوية لم تعد متوافرة، مع العلم أن هناك 7 آلاف شخص في البلدة».

ويتحدث العميل عن وعود كثيرة يتلقونها بمساعدات ستصل إليهم، لكن احتدام المعارك يجعل الطريق للوصول إلينا صعباً.

سكان عين إبل بجنوب لبنان يرحبون بالبطريرك الراعي في زيارة سابقة له إلى المنطقة (البطريركية المارونية)

الوضع في عين إبل

ويبدو وضع الأمن الغذائي في عين إبل أفضل حالاً، إذ يقول رئيس بلديتها، أيوب خريش، لـ«الشرق الأوسط»، إن المواد المتوافرة، مثل الأرز والعدس، قد تكفي أسبوعين أو 3 أسابيع، لافتاً إلى أن ما يفتقرون إليه بشكل أساسي هو مياه الشرب والخضار «فنحن غير قادرين على الوصول إلى مزروعاتنا».

ويشير خريش إلى أنه تواصل مع القيمين على بلدة رميش لمدهم ببعض الطحين، فيعيدون الكميات بعد أن تصل القوافل المنتظرة إلى هذه القرى.


لبنان يفرض نفسه على طاولة المفاوضات: كسر لـ«وحدة المسار»... وضربة لحسابات «حزب الله»

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صورة لأمين عام الحزب السابق حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث الدمار يعم المكان (رويترز)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صورة لأمين عام الحزب السابق حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث الدمار يعم المكان (رويترز)
TT

لبنان يفرض نفسه على طاولة المفاوضات: كسر لـ«وحدة المسار»... وضربة لحسابات «حزب الله»

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صورة لأمين عام الحزب السابق حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث الدمار يعم المكان (رويترز)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون صورة لأمين عام الحزب السابق حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث الدمار يعم المكان (رويترز)

في خطوة غير مسبوقة، من المفترض أن يدخل لبنان مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل للمرة الأولى، بما يُشكِّل تطوراً يعكس تحولاً أساسياً في مقاربة الدولة لإدارة الصراع، ويؤكد تمسكها بقرار سيادي بعيداً عن أي وصاية خارجية.

وجاء هذا التحوُّل بعد محاولات إيرانية للإبقاء على ما تُعرف بـ«وحدة المسار والساحات»، ضمن المفاوضات التي ستعقد في باكستان، مقابل تأكيد لبناني عبر رئيسَي الجمهورية جوزيف عون، والحكومة نواف سلام أنَّ الدولة وحدها هي المخولة التفاوض باسم لبنان، وهو ما كرَّس واقعاً جديداً فرض نفسه على طاولة التفاوض.

وتكتسب هذه المفاوضات أهميةً إضافيةً كونها تأتي للمرة الأولى بعد سلسلة قرارات مفصلية اتخذتها الدولة اللبنانية، أبرزها حظر الجناح العسكري لـ«حزب الله»، إلى جانب قرار حصر السلاح في بيروت بالقوى الشرعية، وبعد قرارات عدة مرتبطة برفض تدخل إيران في لبنان، وكان آخرها طرد السفير الإيراني.

وتتقاطع هذه الإجراءات بشكل مباشر مع مطلب نزع سلاح «حزب الله» الذي سيكون في صلب المفاوضات المقبلة، خصوصاً في ظلِّ توجه إسرائيلي لربط أي انسحاب من جنوب لبنان بتقدُّم ملموس في هذا المسار.

سيدتان تقفان على نافذة مبنى متضرر جراء القصف الإسرائيلي وترفعان علامة النصر (رويترز)

وهذه الوقائع مجتمعة أثارت امتعاض «حزب الله»، وقد ارتفعت أصوات مسؤوليه ومناصريه المنتقدة لهذا المسار، حيث وصلت إلى حدِّ تخوين رئيس الحكومة نواف سلام، عادين أنَّ رفض إدراج لبنان ضمن التفاهمات التي تسعى إليها إيران أدى إلى استبعاده من الهدنة التي بدأت يوم الثلاثاء، ومن ثم تنفيذ الهجوم الإسرائيلي على بيروت، كما نفَّذ مناصرون لـ«حزب الله» تحركاً ضد سلام، يوم الخميس، إثر اتخاذ الحكومة قراراً لجعل «بيروت منزوعة السلاح».

تفاوض الدولة «ضربة» لرهانات «حزب الله»

وانطلاقاً من كل ما يجري، قال عضو حزب «القوات اللبنانية» النائب رازي الحاج: «من الواضح أن رهان حزب الله كان أن يشمل إعلان وقف إطلاق النار لبنان، ضمن الاتفاق بين أميركا وإيران؛ كي يعلن وفق حالة الإنكار التي يعيشها (الانتصار الوهمي)، وأن ينفِّذ في الداخل محاولات للضغط على الحكومة للعودة عن قراراتها، ومحاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإعادة تجربة محاصرة السراي الحكومي لرئيس مجلس الوزراء الأسبق فؤاد السنيورة، أو أحداث 7 مايو (أيار) 2008 عند اجتياح بيروت».

وعدّ الحاج أن «الدولة جادة أكثر من أي وقت بالسير قدماً بملف حصر السلاح، والمفاوضات ليست إلا تعبيراً حقيقياً عن عدم تبني الدولة اللبنانية الرسمية سردية (حزب الله)».

من جهته، يرى المحلل السياسي علي الأمين أن «(حزب الله) دأب على استثمار مختلف المحطات السياسية والميدانية وتحويلها إلى ما يشبه (الانتصار)، حتى ولو كان انتصاراً وهمياً، مستفيداً من ماكينة دعائية منظمة، وقدرته على التأثير داخل بيئته الحاضنة». ويقول لـ «الشرق الأوسط»: «لو تَحقَّق وقف إطلاق النار في لبنان بالتوازي مع هدنة في إيران، لكان الحزب سارع إلى إعلان النصر الإلهي، وتنظيم احتفالات تعبِّر عن هذا الخطاب».

ويضيف الأمين: «إلا أنَّ مسار الأحداث الأخيرة جاء مغايراً لما سعى له (حزب الله)، وضربة له ومن خلفه إيران، إذ تزامن استمرار الضربات الإسرائيلية مع تحرك رسمي لبناني واضح، ما أضعف قدرة الحزب على توظيف التطورات لصالحه»، مشيراً إلى «مبادرة رئيس الحكومة نواف سلام، وجهود رئيس الجمهورية جوزيف عون، في تكريس معادلة أن الدولة اللبنانية هي الجهة التي تفاوض باسم لبنان، وهو ما أثار انزعاج (حزب الله)».

«حزب الله» لا يرفض التفاوض... بل خروجه منه

من هنا، يرى الأمين أن «المشكلة الأساسية لدى (حزب الله) لا تكمن في مبدأ التفاوض، إذ لطالما شارك فيه عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري في محطات سابقة، أو خلال مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، إنما الإشكالية اليوم تتمثَّل بالنسبة له في أنَّه لم يعد الطرف الذي يقود هذا المسار أو يحتكره، ولا حتى إيران من خلفه».

ويلفت إلى أنَّ «إعلان رئيس الحكومة بشكل صريح أنَّ لبنان يفاوض عن نفسه، ثم تأكيد رئيس الجمهورية هذا التوجه، شكَّلا نقطة تحوُّل، قابلها الحزب بحملة سياسية وصلت إلى حد اتهام سلام بـ(الصهيونية)، ومن ثم فإنَّ إعلان إسرائيل استعدادها للتفاوض زاد من وقع الصدمة، ليس بسبب التفاوض بحد ذاته، بل بسبب خروج زمام المبادرة من يدِّ الحزب».

ويشير الأمين إلى عامل إضافي وهو «التبدل في المقاربة الأميركية، إذ لم تُفتح هذه المرة قنوات خلفية مع (حزب الله)، بل كان هناك دعم واضح للحكومة اللبنانية لتكون الطرف الوحيد في التفاوض، ما يعكس تحولاً في موازين التأثير السياسي».

رهان على الدولة واستعادة السيادة

وبانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات، يؤكد الأمين أن «المرحلة المقبلة تحمل رهانًا كبيراً على الدولة اللبنانية، وتحديداً رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس الجمهورية جوزيف عون؛ لاتخاذ خطوات عملية تُعزِّز موقع الدولة. وأبرز هذه الخطوات تنفيذ قرار جعل بيروت مدينةً منزوعة السلاح، بما يُشكِّل مدخلاً أساسياً لإعادة الاعتبار لسيادة الدولة ومؤسساتها»، مشدداً: «نجاح هذه الخطوة قد يُشكِّل مدخلاً واسعاً لإعادة الاعتبار للدولة، لكنه يحتاج إلى حاضنة عربية ودولية جدية لضمان تنفيذه».

عناصر في الدفاع المدني يقومون بعمليات البحث عن ضحايا في موقع تعرَّض للقصف في الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

من جهته، يؤكد الحاج أن «المفاوضات اليوم هي خطوة إلى الأمام، وستتركز على نقطة أساسية، وهي قدرة الدولة على إعطاء ضمانات حول حصرية السلاح، وهو الأمر العالق منذ انتخاب الرئيس عون وتشكيل الحكومة».

وذكَّر بأنَّ وزراء «القوات» تقدَّموا بمذكرة لمجلس الوزراء وضعوا خلالها «المسار القانوني والسياسي الواضح لخطوات عملية للخروج من المستنقع الحالي، ومحاسبة المسؤولين، ومقاضاة إيران أمام المحافل الدولية للخسائر التي تسببت بها للبنان جراء إقحام (حزب الله) في الحرب».