«هدنة غزة»: القاهرة تسابق الزمن لإنجاز اتفاق «يؤجل» اجتياح «رفح»

بايدن طالب مصر وقطر بالضغط على «حماس»

فلسطيني يفحص دماراً طال مباني في رفح (أقصى جنوب غزة) بعد غارة إسرائيلية يوم الاثنين (أ.ف.ب)
فلسطيني يفحص دماراً طال مباني في رفح (أقصى جنوب غزة) بعد غارة إسرائيلية يوم الاثنين (أ.ف.ب)
TT

«هدنة غزة»: القاهرة تسابق الزمن لإنجاز اتفاق «يؤجل» اجتياح «رفح»

فلسطيني يفحص دماراً طال مباني في رفح (أقصى جنوب غزة) بعد غارة إسرائيلية يوم الاثنين (أ.ف.ب)
فلسطيني يفحص دماراً طال مباني في رفح (أقصى جنوب غزة) بعد غارة إسرائيلية يوم الاثنين (أ.ف.ب)

تُسابق القاهرة الزمنَ لإنجاز اتفاق «هدنة» في غزة بين تل أبيب وحركة «حماس» يتم خلالها تبادل المحتجزين من الجانبين، ما قد يفضي إلى «تأجيل» عملية عسكرية إسرائيلية واسعة في مدينة رفح الفلسطينية، أقصى جنوب قطاع غزة على الحدود المصرية.

وبينما يترقب الجميع رد حركة «حماس» على مقترح «الهدنة»، طالب الرئيس الأميركي جو بايدن، مساء الاثنين، قادة مصر وقطر، بالضغط على «حماس»، للقبول بالاتفاق الذي تعدّه واشنطن «سخيّاً».

وغادرت حركة «حماس» القاهرة، مساء الاثنين، حسب قناة «القاهرة الإخبارية» المصرية، التي أشارت إلى أن «الوفد سيعود مجدداً برد مكتوب على اقتراح لوقف إطلاق النار في غزة». وقال مصدر في الحركة: «نحن معنيون بالرد بأسرع وقت ممكن»، حسب ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.

كان وفدٌ من «حماس» أجرى مباحثات موسعة مع مسؤولين أمنيين مصريين، الاثنين، تناولت مقترحاً جديداً قدمته القاهرة، وناقشته مع مسؤولين إسرائيليين خلال زيارة قام بها وفد أمني مصري إلى تل أبيب الجمعة الماضي. ويقضي المقترح «بإطلاق سراح ما بين 20 إلى 40 محتجزاً إسرائيلياً، مقابل وقف إطلاق النار لمدة يوم أو أكثر قليلاً عن كل محتجز يطلق سراحه»، حسب ما تداولته وسائل إعلام إسرائيلية.

وأكد مصدر مصري مطلع على سير المفاوضات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الصعوبات بشأن اتفاق الهدنة تتضاءل، ولا توجد مشكلات كبيرة في تفصيلات المقترحات المصرية». وقال إن «الصعوبات الآن مرتبطة بإرادة الطرفين ورغبتهما في إنجاز الاتفاق وليس بطبيعة المقترحات».

الرئيس الأميركي جو بايدن والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - حساب بايدن على منصة «إكس»)

ومنذ يناير (كانون الثاني) الماضي يسعى الوسطاء في مصر وقطر والولايات المتحدة لإنجاز هدنة في غزة، لكن جولات المفاوضات الماراثونية لم تسفر عن اتفاق بسبب تمسك إسرائيل و«حماس» بمطالبهما.

لكن يبدو أن «الأمور تسير بشكل أكثر إيجابية»، هذه المرة، حيث نقلت «وكالة أنباء العالم العربي» عن مصدر مطلع على المفاوضات، الاثنين، أن «الاتفاق بات وشيكاً، وقد يتم التوصل إليه خلال بضعة أيام إذا تم الانتهاء سريعاً من بعض الإشكاليات التي تعيق التنفيذ».

وأضاف: «المقترح المصري يحظى بقبول لدى الطرفين، إلا أن الإشكالية تتعلق بعدد المحتجزين لدى حركة (حماس) من الفئة العمرية والطبيعة الوظيفية المطلوب الإفراج عنهم ضمن المقترح».

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية عن ثلاثة مسؤولين إسرائيليين، قولهم، الاثنين، إن «فريق التفاوض الإسرائيلي خفض عدد المحتجزين المفترض إطلاق سراحهم في المرحلة الأولى من الصفقة إلى 33 بدلاً من 40»، وعدت الصحيفة ذلك «بارقة أمل قد تقرب الوصول إلى اتفاق».

وأعرب وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الاثنين، في الرياض، عن «أمله» في الحصول على ردّ «إيجابي» من «حماس»، على اقتراح وصفه بأنه «سخي جداً».

بدوره، طلب الرئيس الأميركي، جو بايدن، من قادة قطر ومصر «بذل كلّ ما في وسعهم» لتأمين إطلاق سراح عدد من المحتجزين، عاداً خلال اتصالين هاتفيين مع قادة البلدين، مساء الاثنين، أنّ «هذه هي العقبة الوحيدة أمام وقف فوري لإطلاق النار»، حسب بيان للبيت الأبيض.

بلينكن يحط في مطار بن غوريون بتل أبيب الثلاثاء (أ.ف.ب)

وقال البيت الأبيض إن بايدن أكد أن الولايات المتحدة ستعمل مع مصر وقطر على ضمان التنفيذ الكامل لشروط الاتفاق المقترح بشأن غزة.

وأوضحت الرئاسة المصرية أن المباحثات الهاتفية بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي، «تناولت آخر التطورات بخصوص المفاوضات الجارية والجهود المصرية للتوصل إلى تهدئة في قطاع غزة ووقف لإطلاق النار وتبادل الرهائن».

وأضافت الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، أن «الرئيسين شددا خلال الاتصال على خطورة التصعيد العسكري في مدينة رفح الفلسطينية، لما سيضيفه من أبعاد كارثية للأزمة الإنسانية المتفاقمة بالقطاع، فضلاً عن تأثيراته على أمن واستقرار المنطقة».

في حين قال الديوان الأميري إن مباحثات أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، مع بايدن، «تطرقت إلى تطورات الأوضاع في قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، وجهود البلدين من أجل التوصل لاتفاق وقف فوري ودائم لإطلاق النار في غزة».

ترقب الساعات الـ48

بدوره، أكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، أن «الجميع يترقب ما ستسفر عنه الساعات الـ48 المقبلة، والرد الذي سيرسله القيادي في حركة (حماس)، يحيى السنوار، بشأن مقترح (الهدنة)». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «السنوار يدرك تماماً أن المحتجزين هم ورقة الضغط الوحيدة لديه، وإذا لم يحسن استخدامها سيقضى عليه وعلى حركة (حماس)».

وأضاف أن «الوسطاء في مصر والولايات المتحدة وقطر يسعون لإيجاد رابط بين اتفاق هدنة مرحلية، وبين اتفاق دائم لوقف إطلاق النار، أملاً في أن تسفر مرحلة الهدنة عن مناقشة الفترة التالية لها».

ولفت هريدي إلى أنه «بينما تقترح إسرائيل هدنةً مؤقتةً لمدة عام، تريد الدول العربية اتفاقاً يفضي إلى التحرك لإقامة الدولة الفلسطينية، لكن من غير المؤكد حتى الآن ما إذا كان يمكن التحرك نحو إقامة الدولة خلال فترة الهدنة».

ومنذ بداية الحرب، تمّ التوصل إلى هدنة لمدة أسبوع في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) سمحت بالإفراج عن حوالى 80 محتجزاً لدى «حماس» مقابل 240 أسيراً فلسطينياً لدى إسرائيل.

وتزامناً مع المفاوضات لا تزال إسرائيل تهدد باجتياح مدينة رفح، رغم التحذيرات الدولية والإقليمية، ونقل موقع «واي نت» الإسرائيلي، الثلاثاء، عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قوله إن «عملية إجلاء المدنيين من رفح في جنوب قطاع غزة قد بدأت، تمهيداً لشن هجوم بري على المدينة».

وأكد نتنياهو، في تصريحات خلال اجتماعه مع عدد من عائلات المحتجزين، نشرتها صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، أن «الجيش الإسرائيلي عازمٌ على دخول رفح، سواء تم التوصل إلى اتفاق مع (حماس) أم لا». وشدد على أن إنهاء الحرب قبل تحقيق جميع أهداف إسرائيل «غير مقبول».

وأوضح المصدر المصري المطلع على سير المفاوضات لـ«الشرق الأوسط»، أن «إسرائيل تخشى انهيار الحكومة حال تمت الهدنة، لذلك يسعى اليمين المتطرف لإقناع شركائه بأن عملية رفح قادمة لا محالة، وأنه لا وقف دائم لإطلاق النار».

في المقابل، «تريد حركة (حماس) تحقيق نوع من الانتصار»، حسب المصدر الذي أشار إلى أن «حركة (حماس) ترغب في الحصول على ضمانات بوقف مستدام للقتال، لا سيما مع إدراكها أن نتنياهو يعتزم استئناف القتال بعد الهدنة».

رد فعل السجناء الفلسطينيين المفرج عنهم من سجن عوفر العسكري الإسرائيلي بعد صفقة تبادل الأسرى بين «حماس» وإسرائيل 24 نوفمبر الماضي (رويترز)

وكان وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس قال، السبت الماضي، إنه «إذا كان هناك اتفاق (هدنة)، فسنعلّق العملية في رفح». وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، الثلاثاء، إنه «خلال الـ48 إلى 72 ساعة المقبلة سيتم اتخاذ القرار الذي سيشكل نهاية الحرب في قطاع غزة؛ صفقة رهائن مع (حماس) أو دخول الجيش الإسرائيلي إلى رفح».

من جانبه، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق إن «عامل الوقت يضغط على واشنطن وتل أبيب اللتين تسعيان لاتفاق مرحلي لا يتناقض مع الأهداف الرئيسية لإسرائيل في القضاء على حركة (حماس)».

وقال هريدي إن «عملية رفح يتم استخدامها ورقةً في المفاوضات، حيث تهدد إسرائيل بتنفيذها إذا لم تتم الصفقة»، مشيراً إلى أن «واشنطن تحاول التأجيل وإدخال تغييرات كبيرة على تكتيكات إسرائيل حتى لا تكون هناك خسائر بشرية كبيرة حال تم تنفيذ الاجتياح».

وأضاف أن «الدول العربية دأبت على التحذير من هذه العملية كونها ستعقد الأمور وتؤدي إلى تصعيد الموقف الإقليمي». وتابع هريدي: «من الممكن الآن أن تؤجل إسرائيل العملية لو تمت الهدنة، لكن هذا لن يثنيها عن تحقيق هدفها، وهو القضاء على (حماس)»، متسائلاً عن «قدرة نتنياهو في ظل الاعتبارات السياسية الداخلية على إلغاء هذه العملية».


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

فتحت مراكز التصويت صباح اليوم (السبت)، في جميع مناطق الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، أمام الناخبين الفلسطينيين لانتخاب المجالس البلدية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

دشنت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، صفحة عبر تطبيق «تلغرام»، للكشف عن قيادات ونشطاء ميدانيين قتلوا خلال الحرب وفي الخروق المستمرة بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.