تزايد ضغوط إيران على دمشق لاسترداد ديونها عبر الاستثمارات

دمشق ترضخ في ظل غياب مشاريع أخرى وتدعو الإمارات للتعاون الاقتصادي

توقيع مذكرة تفاهم مايو 2023 بين الرئيسين الأسد ورئيسي في دمشق لخطة التعاون الشامل الاستراتيجي طويل الأمد (سانا)
توقيع مذكرة تفاهم مايو 2023 بين الرئيسين الأسد ورئيسي في دمشق لخطة التعاون الشامل الاستراتيجي طويل الأمد (سانا)
TT

تزايد ضغوط إيران على دمشق لاسترداد ديونها عبر الاستثمارات

توقيع مذكرة تفاهم مايو 2023 بين الرئيسين الأسد ورئيسي في دمشق لخطة التعاون الشامل الاستراتيجي طويل الأمد (سانا)
توقيع مذكرة تفاهم مايو 2023 بين الرئيسين الأسد ورئيسي في دمشق لخطة التعاون الشامل الاستراتيجي طويل الأمد (سانا)

تزيد إيران من ضغوطها على الحكومة السورية لوضع الاستثمارات الاستراتيجية التي حصلت عليها بموجب اتفاقيات أُبرمت بين البلدين موضع التنفيذ، لسداد الديون السورية البالغة 50 مليار دولار. ونجحت طهران في تسريع إجراءات تحويل تلك الاتفاقيات التي كانت دمشق تتردد بتنفيذها إلى واقع ملموس، مستغلة أنها باتت تشكل «شريان الحياة» بالنسبة للحكومة السورية في ظل الانهيار الاقتصادي في البلاد.

مصادر متابعة في دمشق أكدت أن طهران تضغط منذ عدة سنوات على دمشق لتنفيذ الاتفاقيات الموقعة بين البلدين، خصوصاً بعد زيارة الرئيس إبراهيم رئيسي لدمشق مايو الماضي (أيار)، وتوقيع «مذكرة تفاهم للتعاون الاستراتيجي» في مجالات كثيرة، والتأكيد على ضرورة وضع الاتفاقيات العديدة الموقعة بين البلدين موضع التنفيذ.

أرشيفية لمصنع سابا الإيراني لتجميع السيارات في حمص وسط سوريا تأسس 2007 وفي الخلفية ملصق لمصافحة الأسد ورئيس إيران السابق أحمدي نجاد (رويترز)

وأضافت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة السورية ترى أن تلك الاتفاقيات مجحفة بالنسبة لها، كونها منحت إيران امتيازات على حساب المصالح السورية، وأنها تحرمها من الحصول على موارد مالية تدعم خزينتها، لأن الهدف الرئيسي منها هو استعادة الدَّين الإيراني، وبالتالي تتردد الحكومة في تنفيذها لـ«إبقاء الاقتصاد ورقة على أمل إقناع دول عربية وغربية بالاستثمار في سوريا».

منجم الفوسفات في حمص بسوريا (سانا)

يشار إلى أنه جرى في أغسطس (آب) الماضي تسريب وثيقة حكومية مصنفة «سرية» صادرة عن الرئاسة الإيرانية إلى وسائل الإعلام تتعلق بإنفاق طهران 50 مليار دولار على الحرب في سوريا، خلال 10 سنوات، واعتبارها «ديوناً» تريد استعادتها على شكل استثمارات، ونقل للفوسفات والنفط والموارد الأخرى إلى الحكومة الإيرانية.

وفق الوثيقة، هناك 8 مشاريع استثمارية ستنفق إيران 947 مليون دولار عليها حتى تتمكن من استرداد نحو 18 ملياراً خلال 50 عاماً.

خبير اقتصادي في دمشق قال لنا إن «الإنتاج في مناطق الحكومة شبه معدوم، بسبب الدمار الهائل الذي طال كل القطاعات خلال سنوات الحرب، وبالتالي فإن موارد الحكومة شحيحة جداً، وهي تستورد معظم احتياجات البلاد، وباتت تعتمد بشكل كبير في ذلك على إيران بعد انشغال حليفتها روسيا في حربها بأوكرانيا».

وأوضح الخبير أن «إيران تستغل حالة الانهيار الاقتصادي في مناطق الحكومة التي تتعمق باستمرار، وأن الحكومة السورية في ظل امتناع الدول العربية والأجنبية عن تنفيذ مشاريع استثمارية فيها، بسبب العقوبات الغربية، وجدت نفسها مجبرة على الرضوخ لضغوط إيران التي باتت تتحكم بدمشق، خصوصاً بمسألة توريد النفط والغاز والمواد الغذائية الأساسية للبلاد، كونها المورد الوحيد». في ظل هذه الأوضاع باتت إيران تشكل «شريان الحياة» للحكومة السورية، على حد قول الخبير.

متداولة للمقر الرئيسي لشركة «وفا تيليكوم» المشغل الثالث للاتصالات الخليوية في سوريا

وفي مؤشر على قرب ترجمة الاتفاقات المبرمة بين دمشق وطهران إلى واقع ملموس، أعلن إياد الخطيب وزير الاتصالات والتقانة في الحكومة السورية منذ أيام، وفقاً لصحيفة «الوطن» المقربة من الحكومة، أن المكالمة التجريبية الأولى من المشغل الثالث للخليوي والمعروف باسم «وفا تيليكوم» ستكون في سبتمبر (أيلول) المقبل، ومن ثم سيتم بعدها الإطلاق التجاري للمشغل.

فيما أكد عاملون في شركات خاصة تعمل في تركيب أبراج الاتصالات الخاصة بالهاتف الجوال أنه تم تركيب كثير من الأبراج لتخدم «وفا تيليكوم» التي ذكرت وسائل إعلام محلية أن 7 شركات سورية محلية أسستها، لكن تحقيق أجرته «مؤسسة مكافحة الجريمة المنظمة والفساد» و«مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية»، ورد فيه بالاستناد إلى وثائق سورية وماليزية، أن بعض هذه الشركات تساهم بها شخصيات من الحرس الثوري الإيراني.

أحد العاملين قال لنا «أغلب مناطق دمشق تم تركيب أبراج فيها»، فيما أكد مصدر متابع آخر في دمشق، أن هناك تسريعاً لإجراءات تنفيذ اتفاقيات «تأسيس بنك مشترك» بين البلدين، و«تطوير التعامل المصرفي من خلال تحديد آليات التعامل بالعملات المحلية»، و«تأسيس شركة للتأمين»، و«تطوير اتفاقية التجارة الحرة» واتفاقيات أخرى.

حسين أكبري سفيراً مفوضاً فوق العادة في دمشق (وكالة تسنيم)

وبهدف تسريع تنفيذ تلك الاتفاقيات عيّنت إيران، أبريل (نيسان) 2023، لمتابعة هذا الشأن حسين أكبري سفيراً مفوضاً فوق العادة في دمشق، والذي يكثف لقاءاته مع المسؤولين السوريين لهذا الهدف. كما يقوم بنشاط لافت بين مؤسسات الدولة وغرف التجارة والصناعة، ويؤكد أن أولوية السفارة في الوقت الحالي هو الملف الاقتصادي.

المركز التجاري الإيراني بالمنطقة الحرة في دمشق افتتح في العام 2021 (سانا)

واجتمع في 21 الشهر الحالي بحسب وسائل إعلام محلية مع ثلاثة وزراء من الحكومة السورية كل على حدة، وهم وزير الصناعة عبد القادر جوخدار، ووزير الاقتصاد سامر الخليل، بالإضافة إلى رئيس هيئة التخطيط والتعاون الدولي، فادي الخليل، الذي يعتبر بمثابة وزير، وبحث معهم الخطوات العملية والفنية والقانونية للبدء بإقامة عدد من المشاريع الصناعية المشتركة بين البلدين.

بحث وزير الصناعة عبد القادر جوخدار مع سفير الإمارات حسن الشحي تعزيز التعاون بين سوريا والإمارات في المجال الصناعي (موقع الوزارة)

في المقابل، برزت الأربعاء الماضي دعوة رسمية سورية لدولة الإمارات للتعاون المشترك في القطاع الاقتصادي والصناعي، وزيادة فرص الاستثمار في المشاريع الصناعية، وذلك خلال لقاء وزير الصناعة عبد القادر جوخدار مع السفير المفوض فوق العادة لدولة الإمارات في سوريا حسن الشحي.

ونقلت صفحة الوزارة في «فيسبوك» عن جوخدار قوله خلال اللقاء «نثمن مواقف دولة الإمارات، ووقوفها إلى جانب الشعب السوري، ونتطلع إلى مزيد من التعاون المشترك في القطاع الاقتصادي والصناعي، وزيادة فرص الاستثمار في المشاريع الصناعية».

من جهته، أكد السفير الشحي حرص دولة الإمارات على الأمن القومي العربي، وضمان تمتين العلاقات بين الدول العربية، ونوه إلى الدور الحيوي لدولة الإمارات الداعم للأشقاء في كافة المجالات، وأكد على أهمية استمرارية اللقاءات الثنائية لتحقيق تقدم مثمر في مجالات التعاون المشتركة في القطاع الاقتصادي.

وجرى خلال اللقاء تسليم دعوة من الجانب الإماراتي لوزير الصناعة لحضور النسخة الـ13 من قمة الـAIM للاستثمار التي تقام خلال الشهر المقبل في أبوظبي.

المشاريع الإيرانية في سوريا

وفي قائمة تلك المشاريع اتفاق حول منجم سوري للفوسفات بطاقة 1.05 مليار طن. وبحسب الاتفاق من المفترض أن تحصل إيران على جزء من مطالبها في هذا المنجم خلال 50 عاماً، باستثمار 125 مليون دولار سيتم تنفيذه خلال 3 سنوات.

ووفق الوثيقة الإيرانية التي تسربت العام الماضي، تم تنفيذ هذا العقد منذ عام 2018، حيث جرى استخراج 2.05 مليون طن من الفوسفات من هذا المنجم حتى فبراير (شباط) العام 2022.

وهناك عقد يتعلق بحقل نفط حمص «رقم 21» وسط سوريا، باحتياطي 100 مليون برميل، وذكرت الوثيقة أن تنفيذ هذا العقد الذي تبلغ مدته 30 عاماً بدأ في عام 2020، إذ ستستثمر إيران 300 مليون دولار فيه لإنجازه في غضون 5 سنوات لتسد سوريا 3.4 مليار دولار من ديونها من هذا الحقل.

كذلك هناك عقد آخر في حقل «رقم 12» في البوكمال شرق سوريا مدته 30 عاماً ومن المتوقع أنه باستثمار 300 مليون دولار في غضون 5 سنوات، سوف تكسب إيران منه ما مجموعه 3 مليارات دولار.

ومن ضمن المشاريع، إنشاء وتشغيل محطة للهاتف الجوال في سوريا من خلال إنفاق 222 مليون دولار خلال 3 سنوات لتحصل طهران بذلك على دخل متوقع بمبلغ 1.5 مليار دولار. هناك أيضاً اتفاقية تقضي بحصول إيران على جزء من دخل ميناء اللاذقية، وقد حصلت على جزء من حصتها في عامي 2019 و2020، ومن المفترض أن تستمر عملية دفع هذه المستحقات لمدة 20 عاماً.

كما أن هناك عقوداً لـ«استثمار 5 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية» في سوريا. ومن المفترض أن يغطي هذا المشروع 25 مليون دولار من ديون سوريا لإيران في غضون 25 عاماً.

إضافة إلى ذلك هناك عقد لإنشاء معمل لإنتاج حليب الأطفال المجفف بالقرب من منشأة أبقار «زاهد» لتربية المواشي بطرطوس، ومن المقرر أن يحدث من خلاله سداد 7 ملايين دولار من الديون المستحقة على سوريا لإيران على مدى 25 عاماً.


مقالات ذات صلة

ترمب يشكك في قدرة رضا بهلوي على حشد الدعم في إيران

شؤون إقليمية رضا بهلوي خلال مقابلة صحافية في يناير 2018 (رويترز) play-circle

ترمب يشكك في قدرة رضا بهلوي على حشد الدعم في إيران

قال الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب، إن زعيم المعارضة الإيرانية رضا بهلوي «يبدو لطيفاً للغاية»، لكنه عبر عن شكوكه بشأن قدرة ‌بهلوي على حشد ‌الدعم داخل ‌إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية شيرين عبادي الحائزة جائزة نوبل للسلام (أرشيفية)

عبادي الحائزة نوبل للسلام تدعو واشنطن لاتخاذ إجراءات «محددة» ضد قادة إيران

قالت شيرين عبادي، الحائزة جائزة نوبل للسلام، الأربعاء، إن على الولايات المتحدة أن تتّخذ «إجراءات محددة» بحق المرشد الإيراني علي خامنئي وقادة «الحرس الثوري».

«الشرق الأوسط» (برلين)
شؤون إقليمية أورسولا فون دير لاين إلى جانب رئيسة حكومة آيرلندا كريسترون فروستدوتير في بروسك (إ.ب.أ)

الأوروبيون متمسكون برفض «التغيير بالقوة» في إيران

إجراءات الأوروبيين إزاء إيران محدودة وأشدها فرض عقوبات إضافية ويتمسكون برفض تغيير النظام الإيراني بتدخل خارجي كما يتخوفون من ضرب استقرار المنطقة في حال حصوله.

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية  ترمب من الطائرة الرئاسية عند وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند الثلاثاء(أ.ب) play-circle

الجيش الأميركي يسحب أفراداً من قواعد رئيسية في المنطقة

باشرت الولايات المتحدة إجراءات احترازية شملت سحب مئات الجنود والأفراد من بعض قواعدها الرئيسية في الشرق الأوسط، من بينها قاعدة العديد الجوية في قطر.

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية الشرطة تطلق الغاز المسيل للدموع خلال مظاهرة مناهضة للحكومة في طهران الخميس الماضي (أ.ب) play-circle

إيران تلوِّح برد يتجاوز حدودها إذا تعرضت لهجوم

تقترب طهران من منعطف أمني وسياسي مع اتساع الاحتجاجات واحتدام السجال مع واشنطن، وحذرت من استهداف القواعد الأميركية في الشرق الأوسط إذا تعرضت لهجوم.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

ملك الأردن يتلقى دعوة من ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

فتيات فلسطينيات يمررن بين أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال الحرب (رويترز)
فتيات فلسطينيات يمررن بين أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال الحرب (رويترز)
TT

ملك الأردن يتلقى دعوة من ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

فتيات فلسطينيات يمررن بين أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال الحرب (رويترز)
فتيات فلسطينيات يمررن بين أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال الحرب (رويترز)

​قالت وزارة الخارجية الأردنية، اليوم الأحد، إن الملك عبد الله الثاني تلقى ‌دعوة من الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب ​للانضمام ‌لمجلس السلام في غزة.

وذكرت الوزارة في بيان: «يجري حالياً دراسة ⁠الوثائق المرتبطة بالدعوة ‌وفق الإجراءات ‍القانونية ‍الداخلية».

ومن المقرر ‍أن يشرف المجلس على الإدارة المؤقتة لقطاع ​غزة، في ظل اتفاق هش لوقف ⁠إطلاق النار منذ أكتوبر (تشرين الأول).

وأعلن البيت الأبيض، مساء الجمعة، تشكيل «مجلس السلام» في غزة والمجلس التنفيذي، بعد يومين من تشكيل لجنة إدارة القطاع، معتبراً ذلك «خطوة حيوية نحو تنفيذ المرحلة الثانية من خطته الشاملة لإنهاء الصراع في غزة».

ويضم المجلس التنفيذي التأسيسي، وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وصهر ترمب، جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ورجل الأعمال الأميركي مارك روان، ورئيس البنك الدولي أجاي بانجا، إلى جانب نائب كبير موظفي البيت الأبيض روبرت جابرييل.

كما يضم المجلس التنفيذي لغزة، المبعوث الدولي السابق للشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ومستشار رئيس مجلس الوزراء القطري للشؤون الاستراتيجية علي الذوادي، ورئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، ووزيرة دولة للتعاون الدولي الإماراتية ريم الهاشمي، ورجل الأعمال القبرصي الإسرائيلي ياكير جاباي، وكبيرة منسقي الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة سيغريد كاج.

وسيتولى ملادينوف مهام «الممثل الأعلى» لغزة، حيث سيعمل حلقة وصل ميدانية بين «مجلس السلام» و«اللجنة الوطنية لإدارة غزة».

وأعلنت مصر وتركيا والأرجنتين وكندا تلقي زعمائها أيضاً دعوات من الرئيس الأميركي للانضمام إلى المجلس.


أوجلان يعدّ معارك سوريا «محاولة تخريب» لعملية السلام في تركيا

جنود أميركيون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» يقفون في حالة تأهب خلال اجتماع مع «قوات سوريا الديمقراطية» بدير حفر بسوريا أول من أمس (أ.ب)
جنود أميركيون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» يقفون في حالة تأهب خلال اجتماع مع «قوات سوريا الديمقراطية» بدير حفر بسوريا أول من أمس (أ.ب)
TT

أوجلان يعدّ معارك سوريا «محاولة تخريب» لعملية السلام في تركيا

جنود أميركيون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» يقفون في حالة تأهب خلال اجتماع مع «قوات سوريا الديمقراطية» بدير حفر بسوريا أول من أمس (أ.ب)
جنود أميركيون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» يقفون في حالة تأهب خلال اجتماع مع «قوات سوريا الديمقراطية» بدير حفر بسوريا أول من أمس (أ.ب)

وصف زعيم «حزب العمال الكردستاني»، عبد الله أوجلان، القتال الدائر بين الجيش السوري والقوات الكردية في شمال شرقي سوريا بأنه «محاولة لتخريب عملية السلام»، التي بدأت في تركيا مع مقاتلي الحزب.

وأفاد وفد من حزب «المساواة وديمقراطية الشعوب» (حزب اليسار الأخضر) المؤيد للأكراد، الأحد، بأن «أوجلان يرى في هذا الوضع محاولة لتخريب عملية السلام وإرساء مجتمع ديمقراطي».

وكان الوفد قد زار، السبت، مؤسس حزب «العمال» الكردستاني المسجون في إسطنبول منذ عام 1999.

في 27 فبراير (شباط) 2025، دعا زعيم «حزب العمال الكردستاني» الحركة إلى حلّ نفسها وإلقاء السلاح لإنهاء أكثر من 4 عقود من القتال الذي أودى بحياة ما لا يقل عن 50 ألف شخص، وذلك استجابة لمبادرة من أنقرة.

وبعدما أمضوا «ساعتين ونصف الساعة» معه، نقل أعضاء في حزب «المساواة وديمقراطية الشعوب»، ثالث أكبر الأحزاب في البرلمان التركي، عن أوجلان تجديد «التزامه بعملية السلام والمجتمع الديمقراطي، وإشارته إلى أن رؤية 27 فبراير لا تزال قائمة». كما دعا أوجلان إلى «اتخاذ الخطوات اللازمة للمضي قدماً» في المسار السلمي.

وفي منتصف يناير (كانون الثاني)، ندَّدت القيادة العسكرية لـ«حزب العمال الكردستاني» بمحاولة «تقويض وقف إطلاق النار» مع أنقرة من خلال هجوم القوات السورية على آخر حيَّين كانا لا يزالان تحت سيطرة الأكراد في حلب، واللذين انسحب منهما لاحقاً المقاتلون الأكراد.


خط غير واضح يفصل بين الحياة والموت في غزة

تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)
تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)
TT

خط غير واضح يفصل بين الحياة والموت في غزة

تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)
تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)

قد يُمثّل الخط الفاصل، الذي يكون أحياناً غير مرئي، مسألة حياة أو موت للفلسطينيين في غزة. ويقول مَن يحتمون قرب «الخط الأصفر» الذي انسحب إليه الجيش الإسرائيلي بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول)، إنهم يعيشون في خوف دائم، إذ يُطلق الجنود الإسرائيليون النار بشكل شبه يومي على كل مَن يعبره أو حتى يوجد بالقرب منه.

ومن بين 447 فلسطينياً قُتلوا بين دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ ويوم الثلاثاء، قُتل 77 على الأقل بنيران إسرائيلية قرب الخط، من بينهم 62 عبروه، وفقاً لوزارة الصحة في غزة. ووجدت وكالة «أسوشييتد برس» أن من بين الضحايا مراهقين وأطفالاً صغاراً.

ورغم أن الجيش وضع بعض البراميل الصفراء والحواجز الخرسانية لتحديد حدود المنطقة الفلسطينية، فإن الخط لا يزال غير واضح في بعض الأماكن، وفي أماكن أخرى وُضع أعمق بنحو نصف كيلومتر (0.3 ميل) مما تم الاتفاق عليه في اتفاق وقف إطلاق النار، ما يُوسِّع الجزء من غزة الذي تسيطر عليه إسرائيل، بحسب فلسطينيين وخبراء في رسم الخرائط.

جثمان الطفلة همسة حوسو التي قتلها الجيش الإسرائيلي وتبلغ من العمر 11 عاماً بمستشفى الشفاء في جباليا (أ.ب)

وقال أحمد أبو جهال، أحد سكان مدينة غزة: «نبتعد عن البراميل. لا أحد يجرؤ على الاقتراب»، مشيراً إلى أن العلامات تبعد أقل من 100 متر (110 ياردات) عن منزله، بدلاً من 500 متر (546 ياردة) تقريباً كما هو موضح في خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي.

وحتى يوم الثلاثاء، أقرّ الجيش الإسرائيلي بقتل 57 شخصاً حول الخط الأصفر، مُدّعياً أن معظمهم من المسلحين. وأوضح أن قواته تلتزم بقواعد الاشتباك لمواجهة الجماعات المسلحة، وأنها تُبلغ الفلسطينيين بموقع الخط وتضع علامات عليه على الأرض «لتقليل الاحتكاك ومنع سوء الفهم».

من السهل التيه

وبموجب وقف إطلاق النار، سحبت إسرائيل قواتها إلى منطقة عازلة يصل عمقها إلى 7 كيلومترات (4 أميال) وتشمل معظم الأراضي الزراعية في غزة، ومناطقها المرتفعة، وجميع معابرها الحدودية. وهذا يُحاصر أكثر من مليونَي فلسطيني في شريط على طول الساحل ووسط غزة.

وقال مدير مستشفى الأهلي في مدينة غزة، فاضل نعيم، إن أشخاصاً من جميع الأعمار، بعضهم متوفون بالفعل، يتوافدون بشكل شبه يومي إلى غرفة الطوارئ مصابين بجروح ناجمة عن طلقات نارية؛ نتيجة تجولهم بالقرب من الخط الفاصل.

ووسط الدمار الهائل في غزة، يصعب في كثير من الأحيان تحديد خط الترسيم، كما قال نعيم. وروى كيف كان يشق طريقه عبر مسارات غير متضررة خلال زيارة قام بها مؤخراً إلى مدينة خان يونس الجنوبية. وقال إنه لم يلاحظ أنه كاد يعبر الخط حتى صرخ عليه السكان المحليون للعودة.

تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)

وقال الجيش الإسرائيلي إن معظم من قتلهم في أثناء عبورهم الخط كانوا يُشكِّلون تهديداً لقواته. ووفقاً لمسؤول عسكري تحدَّث شريطة عدم الكشف عن هويته تماشياً مع القواعد العسكرية، فإن القوات تصدر تحذيرات صوتية، ثم تطلق طلقات تحذيرية كلما عبر أحدهم الخط. وأقرَّ المسؤول بأن كثيراً من المدنيين يتراجعون عند إطلاق الطلقات التحذيرية، على الرغم من مقتل بعضهم.

قُتل زاهر شاميا، البالغ من العمر 17 عاماً، في أثناء لعبه بالقرب من الخط. كان يعيش مع جده في خيمة تبعد 300 متر (330 ياردة) عن الخط في مخيم جباليا للاجئين شمال غزة. وفي 10 ديسمبر (كانون الأول)، كان يلعب مع ابن عمه وبعض أصدقائه بالقرب من الخط، وفقاً لمقطع فيديو صوره قبل وفاته.

وقُتل زاهر في أثناء لعبه بالقرب من الخط. فجأة، دوت طلقات نارية وتوقف الفيديو. وقال شاهد عيان إن جنوداً كانوا يقتربون من الخط بجرافة مدرعة أطلقوا النار على المراهقين، فأصابوا زاهر. وعثر أحد الجيران في نهاية المطاف على جثة زاهر، التي سُحقت تحت الجرافة، وقال جده كمال البيه: «لم نتعرَّف عليه إلا من رأسه». وأكد الطبيبان، محمد أبو سلمية ورامي مهنا، أن المراهق قُتل برصاص ثم دهسته جرافة. وقال مسؤول عسكري إنه كان على علم بأنَّ شاميا مدني، وأن الجيش يحقق في الأمر. وقالت مرام عطا إن ابنتها عهد البيوك، البالغة من العمر 3 سنوات، كانت تلعب مع إخوتها خارج خيمتهم، القريبة من الخط الأصفر على طول الساحل الجنوبي لغزة، في السابع من ديسمبر. وكانت عطا تُعدّ العدس عندما سمعت طائرات تحلق فوقها، ثم دويّ إطلاق نار. ومرّت قذيفة طائشة بالقرب منها وأصابت عهد، التي فارقت الحياة قبل وصولهم إلى العيادة. وقالت عطا وهي تبكي: «لقد فقدت ابنتي بسبب ما يسمونه (وقف إطلاق نار). أي وقف إطلاق نار يتحدثون عنه؟».

ونفى مسؤول عسكري وقوع عملية القتل.

غموض قاتل

وأفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأن الموقع الدقيق للخط غير واضح، ويختلف بين الخرائط التي نشرها الجيش الإسرائيلي والبيت الأبيض. ولا يتطابق أي منهما مع الخط الذي يبدو أن القوات تحدده على الأرض، وفقاً لفلسطينيين وخبراء في تحديد المواقع الجغرافية. وقام كريس أوسيك، محلل ومستشار استخبارات المصادر المفتوحة، بتحديد المواقع الجغرافية لعدد من المربعات الصفراء استناداً إلى مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي. ووجد 4 مناطق حضرية على الأقل وضعت فيها القوات المربعات على عمق مئات الأمتار داخل غزة، أبعد من الخط الأصفر المحدد في الخريطة العسكرية. قال أوسيك: «هذا ما يحدث عندما تسمح لترمب ببساطة بإنشاء صورة ونشرها على منصة (تروث سوشيال)، وتسمح للجيش الإسرائيلي بإنشاء صورته الخاصة». وأضاف: «إذا لم يكن النظام دقيقاً، بإحداثيات تسهل على الناس تحديد موقعه، فإنك تترك المجال مفتوحاً للجيش الإسرائيلي لتفسير الخط الأصفر كما يشاء».

أطفال فلسطينيون ينظرون إلى الدمار الذي أحدثه الجيش الإسرائيلي في دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ورفض المسؤول العسكري هذه الانتقادات، قائلاً إن أي انحرافات عن الخريطة لا تتجاوز بضعة أمتار. لكن بالنسبة للفلسطينيين المحاصرين بالدمار والتهجير الواسعَين، فإن كل بضعة أمتار مفقودة تعني منزلاً آخر لا يمكن الاحتماء به، منزلاً آخر يشكّون في إمكانية استعادته.

«الخط يقترب جداً»

بموجب وقف إطلاق النار، من المفترض أن تبقى القوات الإسرائيلية عند الخط الأصفر فقط حتى انسحاب كامل، على الرغم من أن الاتفاق لا يحدد جدولاً زمنياً لذلك. ومع تأخر الخطوات التالية في الاتفاق، وحفر القوات مواقعها على الجانب الإسرائيلي، يتساءل الفلسطينيون عمّا إذا كانوا يشهدون استيلاءً دائماً على الأرض.

في ديسمبر، وصف وزير الدفاع الإسرائيلي الخط الأصفر بأنه «خط حدودي جديد، بمثابة خط دفاعي أمامي لمجتمعاتنا وخط للعمليات».

وواصل الجيش هدم المباني داخل المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل، محولاً الأحياء المتضررة أصلاً إلى أراضٍ قاحلة. وقد سُوّيت مدينة رفح بأكملها تقريباً بالأرض، خلال العام الماضي. ويقول الجيش إن هذا ضروري لتدمير الأنفاق وتجهيز المنطقة لإعادة الإعمار. في بعض المناطق، تجاوزت عمليات الهدم منذ وقف إطلاق النار الخط الأصفر الرسمي.

جثمان الطفلة همسة حوسو التي قتلها الجيش الإسرائيلي وتبلغ من العمر 11 عاماً بمستشفى الشفاء في جباليا (أ.ب)

ومنذ نوفمبر (تشرين الثاني)، سوّت القوات الإسرائيلية مساحةً من حيّ طفة في مدينة غزة بالأرض، تمتدّ نحو 300 متر (330 ياردة) خارج المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل، وذلك وفقاً لصور الأقمار الاصطناعية التي التقطتها شركة «بلانيت لابز» في 14 أكتوبر و18 ديسمبر. وعاد أبو جهال إلى منزله المتضرر في طفة مع بداية وقف إطلاق النار. وقال إنه كان يرى باستمرار ظهور براميل صفراء جديدة، والجيش يُجبر كل من يسكن على جانبه من العلامات على إخلاء منزله. وفي 7 يناير (كانون الثاني)، أصابت نيران إسرائيلية منزلاً بالقرب منه، ما اضطرّ سكانه إلى الإخلاء، على حدّ قوله. وأضاف أبو جهال أن عائلته - بمَن في ذلك زوجته وطفله و7 من أقاربه - قد تضطرّ أيضاً إلى المغادرة قريباً. وقال: «الخط يقترب جداً».