تزايد ضغوط إيران على دمشق لاسترداد ديونها عبر الاستثمارات

دمشق ترضخ في ظل غياب مشاريع أخرى وتدعو الإمارات للتعاون الاقتصادي

توقيع مذكرة تفاهم مايو 2023 بين الرئيسين الأسد ورئيسي في دمشق لخطة التعاون الشامل الاستراتيجي طويل الأمد (سانا)
توقيع مذكرة تفاهم مايو 2023 بين الرئيسين الأسد ورئيسي في دمشق لخطة التعاون الشامل الاستراتيجي طويل الأمد (سانا)
TT

تزايد ضغوط إيران على دمشق لاسترداد ديونها عبر الاستثمارات

توقيع مذكرة تفاهم مايو 2023 بين الرئيسين الأسد ورئيسي في دمشق لخطة التعاون الشامل الاستراتيجي طويل الأمد (سانا)
توقيع مذكرة تفاهم مايو 2023 بين الرئيسين الأسد ورئيسي في دمشق لخطة التعاون الشامل الاستراتيجي طويل الأمد (سانا)

تزيد إيران من ضغوطها على الحكومة السورية لوضع الاستثمارات الاستراتيجية التي حصلت عليها بموجب اتفاقيات أُبرمت بين البلدين موضع التنفيذ، لسداد الديون السورية البالغة 50 مليار دولار. ونجحت طهران في تسريع إجراءات تحويل تلك الاتفاقيات التي كانت دمشق تتردد بتنفيذها إلى واقع ملموس، مستغلة أنها باتت تشكل «شريان الحياة» بالنسبة للحكومة السورية في ظل الانهيار الاقتصادي في البلاد.

مصادر متابعة في دمشق أكدت أن طهران تضغط منذ عدة سنوات على دمشق لتنفيذ الاتفاقيات الموقعة بين البلدين، خصوصاً بعد زيارة الرئيس إبراهيم رئيسي لدمشق مايو الماضي (أيار)، وتوقيع «مذكرة تفاهم للتعاون الاستراتيجي» في مجالات كثيرة، والتأكيد على ضرورة وضع الاتفاقيات العديدة الموقعة بين البلدين موضع التنفيذ.

أرشيفية لمصنع سابا الإيراني لتجميع السيارات في حمص وسط سوريا تأسس 2007 وفي الخلفية ملصق لمصافحة الأسد ورئيس إيران السابق أحمدي نجاد (رويترز)

وأضافت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة السورية ترى أن تلك الاتفاقيات مجحفة بالنسبة لها، كونها منحت إيران امتيازات على حساب المصالح السورية، وأنها تحرمها من الحصول على موارد مالية تدعم خزينتها، لأن الهدف الرئيسي منها هو استعادة الدَّين الإيراني، وبالتالي تتردد الحكومة في تنفيذها لـ«إبقاء الاقتصاد ورقة على أمل إقناع دول عربية وغربية بالاستثمار في سوريا».

منجم الفوسفات في حمص بسوريا (سانا)

يشار إلى أنه جرى في أغسطس (آب) الماضي تسريب وثيقة حكومية مصنفة «سرية» صادرة عن الرئاسة الإيرانية إلى وسائل الإعلام تتعلق بإنفاق طهران 50 مليار دولار على الحرب في سوريا، خلال 10 سنوات، واعتبارها «ديوناً» تريد استعادتها على شكل استثمارات، ونقل للفوسفات والنفط والموارد الأخرى إلى الحكومة الإيرانية.

وفق الوثيقة، هناك 8 مشاريع استثمارية ستنفق إيران 947 مليون دولار عليها حتى تتمكن من استرداد نحو 18 ملياراً خلال 50 عاماً.

خبير اقتصادي في دمشق قال لنا إن «الإنتاج في مناطق الحكومة شبه معدوم، بسبب الدمار الهائل الذي طال كل القطاعات خلال سنوات الحرب، وبالتالي فإن موارد الحكومة شحيحة جداً، وهي تستورد معظم احتياجات البلاد، وباتت تعتمد بشكل كبير في ذلك على إيران بعد انشغال حليفتها روسيا في حربها بأوكرانيا».

وأوضح الخبير أن «إيران تستغل حالة الانهيار الاقتصادي في مناطق الحكومة التي تتعمق باستمرار، وأن الحكومة السورية في ظل امتناع الدول العربية والأجنبية عن تنفيذ مشاريع استثمارية فيها، بسبب العقوبات الغربية، وجدت نفسها مجبرة على الرضوخ لضغوط إيران التي باتت تتحكم بدمشق، خصوصاً بمسألة توريد النفط والغاز والمواد الغذائية الأساسية للبلاد، كونها المورد الوحيد». في ظل هذه الأوضاع باتت إيران تشكل «شريان الحياة» للحكومة السورية، على حد قول الخبير.

متداولة للمقر الرئيسي لشركة «وفا تيليكوم» المشغل الثالث للاتصالات الخليوية في سوريا

وفي مؤشر على قرب ترجمة الاتفاقات المبرمة بين دمشق وطهران إلى واقع ملموس، أعلن إياد الخطيب وزير الاتصالات والتقانة في الحكومة السورية منذ أيام، وفقاً لصحيفة «الوطن» المقربة من الحكومة، أن المكالمة التجريبية الأولى من المشغل الثالث للخليوي والمعروف باسم «وفا تيليكوم» ستكون في سبتمبر (أيلول) المقبل، ومن ثم سيتم بعدها الإطلاق التجاري للمشغل.

فيما أكد عاملون في شركات خاصة تعمل في تركيب أبراج الاتصالات الخاصة بالهاتف الجوال أنه تم تركيب كثير من الأبراج لتخدم «وفا تيليكوم» التي ذكرت وسائل إعلام محلية أن 7 شركات سورية محلية أسستها، لكن تحقيق أجرته «مؤسسة مكافحة الجريمة المنظمة والفساد» و«مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية»، ورد فيه بالاستناد إلى وثائق سورية وماليزية، أن بعض هذه الشركات تساهم بها شخصيات من الحرس الثوري الإيراني.

أحد العاملين قال لنا «أغلب مناطق دمشق تم تركيب أبراج فيها»، فيما أكد مصدر متابع آخر في دمشق، أن هناك تسريعاً لإجراءات تنفيذ اتفاقيات «تأسيس بنك مشترك» بين البلدين، و«تطوير التعامل المصرفي من خلال تحديد آليات التعامل بالعملات المحلية»، و«تأسيس شركة للتأمين»، و«تطوير اتفاقية التجارة الحرة» واتفاقيات أخرى.

حسين أكبري سفيراً مفوضاً فوق العادة في دمشق (وكالة تسنيم)

وبهدف تسريع تنفيذ تلك الاتفاقيات عيّنت إيران، أبريل (نيسان) 2023، لمتابعة هذا الشأن حسين أكبري سفيراً مفوضاً فوق العادة في دمشق، والذي يكثف لقاءاته مع المسؤولين السوريين لهذا الهدف. كما يقوم بنشاط لافت بين مؤسسات الدولة وغرف التجارة والصناعة، ويؤكد أن أولوية السفارة في الوقت الحالي هو الملف الاقتصادي.

المركز التجاري الإيراني بالمنطقة الحرة في دمشق افتتح في العام 2021 (سانا)

واجتمع في 21 الشهر الحالي بحسب وسائل إعلام محلية مع ثلاثة وزراء من الحكومة السورية كل على حدة، وهم وزير الصناعة عبد القادر جوخدار، ووزير الاقتصاد سامر الخليل، بالإضافة إلى رئيس هيئة التخطيط والتعاون الدولي، فادي الخليل، الذي يعتبر بمثابة وزير، وبحث معهم الخطوات العملية والفنية والقانونية للبدء بإقامة عدد من المشاريع الصناعية المشتركة بين البلدين.

بحث وزير الصناعة عبد القادر جوخدار مع سفير الإمارات حسن الشحي تعزيز التعاون بين سوريا والإمارات في المجال الصناعي (موقع الوزارة)

في المقابل، برزت الأربعاء الماضي دعوة رسمية سورية لدولة الإمارات للتعاون المشترك في القطاع الاقتصادي والصناعي، وزيادة فرص الاستثمار في المشاريع الصناعية، وذلك خلال لقاء وزير الصناعة عبد القادر جوخدار مع السفير المفوض فوق العادة لدولة الإمارات في سوريا حسن الشحي.

ونقلت صفحة الوزارة في «فيسبوك» عن جوخدار قوله خلال اللقاء «نثمن مواقف دولة الإمارات، ووقوفها إلى جانب الشعب السوري، ونتطلع إلى مزيد من التعاون المشترك في القطاع الاقتصادي والصناعي، وزيادة فرص الاستثمار في المشاريع الصناعية».

من جهته، أكد السفير الشحي حرص دولة الإمارات على الأمن القومي العربي، وضمان تمتين العلاقات بين الدول العربية، ونوه إلى الدور الحيوي لدولة الإمارات الداعم للأشقاء في كافة المجالات، وأكد على أهمية استمرارية اللقاءات الثنائية لتحقيق تقدم مثمر في مجالات التعاون المشتركة في القطاع الاقتصادي.

وجرى خلال اللقاء تسليم دعوة من الجانب الإماراتي لوزير الصناعة لحضور النسخة الـ13 من قمة الـAIM للاستثمار التي تقام خلال الشهر المقبل في أبوظبي.

المشاريع الإيرانية في سوريا

وفي قائمة تلك المشاريع اتفاق حول منجم سوري للفوسفات بطاقة 1.05 مليار طن. وبحسب الاتفاق من المفترض أن تحصل إيران على جزء من مطالبها في هذا المنجم خلال 50 عاماً، باستثمار 125 مليون دولار سيتم تنفيذه خلال 3 سنوات.

ووفق الوثيقة الإيرانية التي تسربت العام الماضي، تم تنفيذ هذا العقد منذ عام 2018، حيث جرى استخراج 2.05 مليون طن من الفوسفات من هذا المنجم حتى فبراير (شباط) العام 2022.

وهناك عقد يتعلق بحقل نفط حمص «رقم 21» وسط سوريا، باحتياطي 100 مليون برميل، وذكرت الوثيقة أن تنفيذ هذا العقد الذي تبلغ مدته 30 عاماً بدأ في عام 2020، إذ ستستثمر إيران 300 مليون دولار فيه لإنجازه في غضون 5 سنوات لتسد سوريا 3.4 مليار دولار من ديونها من هذا الحقل.

كذلك هناك عقد آخر في حقل «رقم 12» في البوكمال شرق سوريا مدته 30 عاماً ومن المتوقع أنه باستثمار 300 مليون دولار في غضون 5 سنوات، سوف تكسب إيران منه ما مجموعه 3 مليارات دولار.

ومن ضمن المشاريع، إنشاء وتشغيل محطة للهاتف الجوال في سوريا من خلال إنفاق 222 مليون دولار خلال 3 سنوات لتحصل طهران بذلك على دخل متوقع بمبلغ 1.5 مليار دولار. هناك أيضاً اتفاقية تقضي بحصول إيران على جزء من دخل ميناء اللاذقية، وقد حصلت على جزء من حصتها في عامي 2019 و2020، ومن المفترض أن تستمر عملية دفع هذه المستحقات لمدة 20 عاماً.

كما أن هناك عقوداً لـ«استثمار 5 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية» في سوريا. ومن المفترض أن يغطي هذا المشروع 25 مليون دولار من ديون سوريا لإيران في غضون 25 عاماً.

إضافة إلى ذلك هناك عقد لإنشاء معمل لإنتاج حليب الأطفال المجفف بالقرب من منشأة أبقار «زاهد» لتربية المواشي بطرطوس، ومن المقرر أن يحدث من خلاله سداد 7 ملايين دولار من الديون المستحقة على سوريا لإيران على مدى 25 عاماً.


مقالات ذات صلة

إيران وإسرائيل توقفان الضربات... وضغوط أميركية تكبح التصعيد

شؤون إقليمية صواريخ اعتراضية إسرائيلية في سماء الضفة الغربية المحتلة بعد إطلاق صواريخ من إيران باتجاه إسرائيل كما شوهدت من مدينة رام الله يوم الاثنين (رويترز)

إيران وإسرائيل توقفان الضربات... وضغوط أميركية تكبح التصعيد

أوقفت إيران وإسرائيل، الاثنين، موجة التصعيد المتبادل بينهما بعد أول تبادل مباشر للضربات منذ وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران - تل أبيب)
شؤون إقليمية منظومة «القبة الحديدية» الإسرائيلية تعترض صواريخ أُطلقت من إيران فوق وسط إسرائيل اليوم (أ.ب)

«الحرس الثوري» يعلن استهداف قاعدتين جويتين ومجمع بتروكيميائي في إسرائيل

قال «الحرس الثوري» الإيراني، اليوم الاثنين، إنه استهدف قاعدتَي نيفاتيم وتل نوف العسكريتين في إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية دخان يتصاعد في السماء بعد اعتراض منظومة «القبة الحديدية» الإسرائيلية صاروخاً إيرانياً اليوم (رويترز)

​تضرر مصنع للبتروكيماويات في إيران جراء ضربة إسرائيلية

قالت وسائل إعلام «الحرس الثوري» الإيراني، اليوم الاثنين، ⁠إن مصنع ⁠كارون ‌للبتروكيماويات القريب ‌من ​ميناء معشور بمحافظة الأحواز في جنوب غرب ‌البلاد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مقذوف يعبر سماء وسط إسرائيل خلال هجوم صاروخي إيراني، الأحد  (أ.ب)

الجيش الإسرائيلي يلوّح بخطط رد على إيران

قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إن رئيس الأركان إيال زامير صادق على خطط لعمليات مستقبلية، من دون أن يوضح ما إذا كان سيتم تنفيذ رد فوري على إيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية منظومة القبة الحديدية في إسرائيل تتصدى لصواريخ إيرانية (أرشيفية-رويترز) p-circle

إيران تقصف إسرائيل ردا على قصف ضاحية بيروت

أطلقت إيران، مساء اليوم الأحد، صواريخ باتجاه إسرائيل، بعد ساعات من غارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران-تل أبيب)

عون ﻟ«سي إن إن»: لن ألتقي نتنياهو قبل «إنهاء الحرب»

الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز)
TT

عون ﻟ«سي إن إن»: لن ألتقي نتنياهو قبل «إنهاء الحرب»

الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز)

صرّح الرئيس اللبناني جوزيف عون لشبكة «سي إن إن» الأميركية، بأنه لن يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في لبنان، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأوضح الرئيس اللبناني أنّ التفاوض يتم في الوقت الحالي للتوصل إلى اتفاق عدم اعتداء مع إسرائيل أو اتفاق أمني، وليس اتفاق سلام شاملاً. وتوجّه عون بالكلام إلى الحكومة الإسرائيلية: «أقول للحكومة الإسرائيلية إن الحل العسكري لن يوفر أبداً الأمن لسكان شمال إسرائيل».

وأضاف «نحن جاهزون وملتزمون وراغبون، فهل أنتم كذلك؟ إذا كنتم كذلك، ⁠فلنجلس ونتحدث. وإذا ‌لم ‌تكونوا ​راغبين، ‌فلن نعيش في ‌أمن وأمان».

كما أشار إلى أنّ لبنان يسعى لإقامة علاقة جيدة مع إيران تقوم على عدم التدخل بالشأن اللبناني.


انعقاد البرلمان السوري قريباً... والكشف عن ممثلي الرئيس مقيد بالإعلان الدستوري

انعقاد البرلمان السوري قريباً... والكشف عن ممثلي الرئيس مقيد بالإعلان الدستوري
TT

انعقاد البرلمان السوري قريباً... والكشف عن ممثلي الرئيس مقيد بالإعلان الدستوري

انعقاد البرلمان السوري قريباً... والكشف عن ممثلي الرئيس مقيد بالإعلان الدستوري

يعود الحديث عن موعد انعقاد أولى جلسات مجلس الشعب السوري، بعد انتهاء العملية الانتخابية في المناطق التي كانت تخضع لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وانقضاء المدة (مطلع الشهر الحالي) التي أعلن عنها سابقاً عبر تصريحات رسمية لانطلاق أعمال البرلمان وإعلان قائمة أعضاء الثلث المتبقي.

الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)

وسبق للرئيس السوري أحمد الشرع، خلال مشاركته في مؤتمر أنطاليا، أبريل (نيسان) الماضي، أن أعلن أن أولى جلسات البرلمان ستكون مطلع شهر مايو (أيار)، قبل أن تؤكد مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط» صعوبة انعقاده في التاريخ المحدد، مرجحة أن يكون يوم الثامن من شهر يونيو (حزيران) الحالي.

وكان المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات نوار نجمة، قد أشار خلال مؤتمر صحافي بعد نهاية انتخابات المنطقة الشرقية إلى توجه الرئيس الشرع لإعلان أسماء أعضاء حصته البرلمانية، بعد عطلة عيد الأضحى، وهو ما تأخر أيضاً، لينقضي الأسبوع الأول من يونيو دون بوادر أو مؤشرات على انعقاده.

انتخابات عين العرب/ كوباني بمحافظة حلب لممثليها في مجلس الشعب 24 مايو المنصرم (مجلس الشعب السوري الصفحة الرسمية)

غير أن عضو مجلس الشعب السوري المنتخب، بشر حاوي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن عملية انطلاق المجلس واجهت خلال الأيام القليلة الماضية تعقيدات ومشكلات لوجستية وتقنية أسهمت في إرجائه، منها ما يخص مبنى البرلمان نفسه الذي تجري فيه عملية صيانة وتجديد يفترض أنها وصلت مراحلها النهائية.

ويرجح بشر حاوي قرب موعد الإعلان عن انعقاد المجلس، خصوصاً بعد تجاوز المرحلة الأصعب، وهي انتخاب ممثلين عن المحافظات الشرقية التي كانت تسيطر عليها «قسد». ويتابع أن «المشكلة التي كانت تواجه المجلس في السابق هي أزمة التفاوض واندماج قوات (قسد)، وبالتالي صعوبة عقد برلمان سوري جامع دون وجود شخصيات ممثلة عن المحافظات، وهي الرقة والحسكة وأجزاء من دير الزور ومدينة عين العرب، شمال حلب، وهذه العملية لا تقتصر على الدمج العسكري، إنما تضم أيضاً دمجاً مؤسساتياً وسياسياً، الأمر الذي أحدث تأخيراً في هذا الملف».

بائع سوري شاب يقف أمام المباني التي دمرتها الحرب في دير الزور وفيضان نهر الفرات (د.ب.أ)

وفيما يخص حصة الرئيس السوري داخل البرلمان، أشار حاوي إلى أن الكشف عن ممثلي ثلث الرئيس بموجب نص الإعلان الدستوري يعني انعقاد المجلس بعد ثلاثة أيام من تقديم الأسماء، بالتالي فإن تأخير الإعلان مرتبط بالأمور اللوجستية والسياسية الداخلية.

بينما يعتبر مدير «مركز الحوار السوري»، أحمد قربي، أن اختيار أسماء الثلث الأخير للمجلس ممثلاً بحصة الرئيس الشرع، «أحد أهم أسباب تعطيل انعقاد البرلمان، لجهة محاولته إيجاد توازن للتمثيل العادل بين المكونات والمناطق والحضور النسائي»، وهي معادلة صعبة جداً، خاصة وأن الانتخابات التي جرت عبر الهيئات الناخبة قد «أفرزت بعض الثغرات».

إلى جانب ذلك، يشير قربي إلى ازدياد مطالب بعض المكونات السورية «باعتماد نظام كوتا أو محاصصة، وطلب تمثيل أكبر، ما يعقد من عملية الاختيار، ويجعلها تواجه تحديات مركبة على المستوى السياسي والاجتماعي».

عضوات مجلس الشعب المنتخبات في ورشة متخصّصة حول «تمكين المشرّعات السوريّات» في العاصمة الأردنيّة عمّان 8 مايو الماضي (مجلس الشعب السوري الصفحة الرسمية)

ويتفق الباحث السياسي، عبد الوهاب عاصي، مع هذا الرأي، مرجحاً أنّ «التأخير هو نتيجة استمرار المشاورات حول طبيعة الشخصيات التي ستدخل ضمن حصة الرئيس، خاصة أن هذه الحصة تُستخدم لمعالجة بعض الاختلالات الناتجة عن الانتخابات، سواء على مستوى التمثيل السياسي أو الاجتماعي أو المناطقي».

وبموجب المادة 24 من الإعلان الدستوري، يحتفظ الرئيس بحق تسمية ثلث أعضاء مجلس الشعب يشغلون 70 مقعداً من أصل 210، وتشير المادة إلى أن هذا الثلث يهدف إلى ضمان التمثيل العادل، الذي يمكن قراءته بضمان التمثيل الإثني والطائفي والجندري داخل البرلمان.

قوات الأمن السورية بالقرب من لافتة طريق مدينة السويداء يوم 15 يوليو 2025 (رويترز)

ويوضح عاصي أن حصة الرئاسة تستهدف «إدخال شخصيات تساهم في تخفيف التوتر مع بعض المكونات أو المناطق، خصوصاً في ما يتعلق بالاتفاق مع (قسد) وتمثيل الأكراد، إضافة إلى محاولة مراعاة التوازنات المرتبطة بمحافظة السويداء والدروز بما يمنع ظهور المجلس بصورة منحازة أو ضيقة التمثيل».

وأسهم تأخر استكمال تشكيل حصة الرئيس في إبقاء صناعة القرار مركزة في السلطة التنفيذية، حسب الباحث عبد الوهاب عاصي، وكانت أقل تعرّضاً للنقاشات والضغوط السياسية والمؤسساتية، وقد لا يكون ذلك سبباً بالضرورة لتأخير انعقاد المجلس لكنه كان أحد أبرز نتائجه. كما أنّ تأخر تشكيل المجلس خفّض من سقف التوقعات الشعبية تجاه قدرة مجلس الشعب على ممارسة دور الرقابة والمساءلة للسلطة التنفيذية.

ورغم تفهم أسباب التعطيل وإرجاء انطلاق أعمال البرلمان، فقد أبدى عدد من أعضاء ممن تواصلت معهم «الشرق الأوسط»، ومنهم بشر حاوي، عن استيائهم من استمرار تأخر انعقاد البرلمان، ومرور أكثر من ثمانية أشهر على انتخابهم، بالتالي ضياع أو تأجيل الكثير من المشاريع التي تفيد البلاد، إلى جانب تأخر عملية تطوير وتعديل القوانين والتشريعات الناظمة لعمل المؤسسات السورية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


بيروت تواجه معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال الإسرائيلي

جندي من الجيش اللبناني يقف قرب موقع غارة إسرائيلية استهدفت شقة سكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)
جندي من الجيش اللبناني يقف قرب موقع غارة إسرائيلية استهدفت شقة سكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)
TT

بيروت تواجه معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال الإسرائيلي

جندي من الجيش اللبناني يقف قرب موقع غارة إسرائيلية استهدفت شقة سكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)
جندي من الجيش اللبناني يقف قرب موقع غارة إسرائيلية استهدفت شقة سكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

أعاد التصعيد المتبادل بين إسرائيل و«حزب الله»، من الغارات على الضاحية الجنوبية لبيروت إلى التهديدات الإسرائيلية باستهدافها مجدداً، ليطرح تساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تكريس معادلة «الضاحية مقابل المستوطنات». وزاد من أهمية هذا التساؤل دخول إيران المباشر على خط المواجهة عبر قصفها إسرائيل رداً على استهداف الضاحية، في خطوة حملت دلالات تتجاوز البعد العسكري إلى إعادة تأكيد ارتباط الساحة اللبنانية بحسابات الصراع الإقليمي. وبينما أعلن الجيش الإسرائيلي، الاثنين، اعتراض 3 مقذوفات أُطلقت من لبنان باتجاه قواته العاملة في الجنوب، يرى خبراء عسكريون أن ما يجري لا يزال أقرب إلى مرحلة اختبار المعادلات، ومحاولات فرضها من قبل مختلف الأطراف، أكثر منه انتقالاً إلى قواعد اشتباك ثابتة ومستقرة يمكن عدُّها إطاراً نهائياً للمواجهة في المرحلة المقبلة.

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية استهدفت أحد أحياء مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

المعادلات لا تُقاس برد واحد

رأى العميد المتقاعد فادي داود في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن تكريس معادلة «الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل مستوطنات شمال إسرائيل لا يزال سابقاً لأوانه»، معتبراً أن تثبيت مثل هذه المعادلات يحتاج إلى تكرار الوقائع الميدانية التي تؤسس لها».

وقال: «لا يمكن الجزم حتى الآن بأن هذه المعادلة ترسخت بصورة نهائية؛ لأن الأمر يحتاج إلى أكثر من تجربة ومؤشر ميداني قبل الحديث عن قواعد اشتباك ثابتة».

ورأى أن إيران «لا تزال تنظر إلى (حزب الله) بوصفه إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية في المنطقة؛ ولذلك لا تبدو مستعدة للتخلي عنه، أو فصله عن مسار المواجهة الإقليمية». وأوضح أن «طهران تسعى إلى إبقاء الساحة اللبنانية مرتبطة بمفاوضاتها وصراعها مع إسرائيل عبر رفع تكلفة الضربات الإسرائيلية والرد عليها أو التهديد بالرد».

ورأى أن «جوهر التحرك الإيراني لا يقتصر على الرد العسكري المباشر، بل يتصل بمحاولة منع فصل الساحة اللبنانية عن المواجهة الإقليمية الأوسع، وإبقاء «حزب الله» ضمن معادلة الردع الإقليمية، وقال: «إيران نجحت إلى حد ما في رفع التكلفة التي تتحملها إسرائيل، لكنها في المقابل ربطت لبنان بشكل أكبر بالمواجهة الإيرانية - الإسرائيلية؛ ما يجعل الساحة اللبنانية أكثر عرضة لتداعيات هذا الصراع».

وأضاف: «السؤال الأساسي يبقى ما إذا كان رفع التكلفة على إسرائيل يحقق فعلاً حماية للبنان، أم أنه يزيد من احتمالات تحويله إلى ساحة مواجهة مفتوحة».

ورأى أن «أي محاولة لرفع مستوى الردع قد تقابلها محاولات إسرائيلية مقابلة لرفع مستوى الضغط العسكري؛ ما يفتح الباب أمام دوامة تصعيد يصعب التحكم في مساراتها»، مشيراً إلى أن «استمرار استهداف (حزب الله) يعكس تمسك إسرائيل بهدف إضعاف الحزب، بينما يؤكد استمرار الدعم الإيراني له أن طهران لا تزال تعده ورقة استراتيجية أساسية في حساباتها الإقليمية».

صاروخ اعتراضي من منظومة «القبة الحديدية» الإسرائيلية يشقّ سماء الجليل الأعلى لاعتراض مقذوفات (أ.ف.ب)

مرحلة اختبار المعادلات

من جهته، رأى العميد المتقاعد بسام ياسين أن ما يجري حالياً لا يرقى إلى مستوى تكريس معادلة مستقرة، بل يندرج ضمن محاولات متبادلة لإرساء قواعد جديدة للصراع.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكن القول إن معادلة الضاحية مقابل شمال إسرائيل قد تكرست فعلاً. ما نشهده اليوم هو عملية إرساء معادلات ومحاولة تثبيتها، وإذا نجحت هذه المحاولات فقد تتحول لاحقاً إلى قواعد اشتباك ثابتة».

ولفت إلى «أن المعادلات العسكرية لا تُقاس بواقعة واحدة أو برد فعل منفرد، بل بمدى تحولها إلى سلوك متكرر يلتزم به طرفا الصراع»؛ فالمعادلة تصبح ثابتة عندما يدرك كل طرف مسبقاً طبيعة الرد الذي سيواجهه إذا أقدم على خطوة معينة، وهو أمر لا يزال، بحسب رأيه، غير متوافر في الحالة الراهنة.

ورأى أن ما حدث أخيراً لا يعني نجاح أي طرف في فرض معادلة نهائية، قائلاً: «الإسرائيلي يحاول فرض قواعد جديدة، لكنه لم ينجح بعد في تثبيتها بصورة نهائية. نحن ما زلنا في مرحلة اختبار وردود فعل متبادلة».

ورأى أن «ما يجري اليوم يشبه مرحلة اختبار الإرادات أكثر مما يشبه مرحلة استقرار الردع؛ إذ يحاول كل طرف استكشاف حدود الطرف الآخر وسقف ردوده؛ ما يجعل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة».

مشيعون يحملون نعش النقيب إيلي خوري من الجيش اللبناني الذي قتل جراء قصف إسرائيلي خلال جنازته في مسقط رأسه بقرية كفر جراح قرب جزين جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأضاف: «عندما يجري استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، فإن إيران تتعامل مع الأمر بوصفه جزءاً من مسؤولياتها الإقليمية؛ ولهذا جاء الرد باتجاه شمال إسرائيل. من هنا يمكن فهم محاولة طهران تعديل المعادلات التي تسعى إسرائيل إلى فرضها».

وأشار إلى أن الصراع الحالي لا يدور فقط حول تبادل الضربات العسكرية، بل حول تحديد من يمتلك القدرة على رسم قواعد اللعبة في المرحلة المقبلة؛ فكل طرف يحاول فرض تصوره للردع وحدود الحركة المسموح بها للطرف الآخر، وهو ما يفسر كثافة الرسائل العسكرية والسياسية المتبادلة خلال المدة الأخيرة.

إعلان إسرائيلي عن منشأة في الشقيف

وبينما ربط الخبيران جزءاً من التصعيد الحالي بالدور الإيراني وعلاقة طهران بـ«حزب الله»، أعلن الجيش الإسرائيلي كشف ما وصفه بمنشأة تابعة للحزب في جنوب لبنان قال إن إيران موّلت إنشاءها.

وأعلن الجيش الإسرائيلي عن شبكة أنفاق تابعة لـ«حزب الله» في منطقة الشقيف جنوب لبنان، قال إن إيران خططت لها ومولتها. وأضاف أنها تقع على مسافة أقل من 6 كيلومترات من المطلة، وكانت تُستخدم مركزاً عملياتياً للحزب باتجاه منطقة إصبع الجليل، وتضم أنفاقاً تستوعب مئات المقاتلين ومجهزة ببنى تحتية ومنظومات مضادة للدروع والدفاع الجوي. وعرض المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي صوراً قال إنها في قلعة الشقيف التي «حولها (حزب الله) إلى مركز عسكري».

جبهة مفتوحة

في غضون ذلك، بقيت الجبهة الجنوبية مفتوحة على تصعيد واسع، مع سقوط صاروخين في القليعة اقتصرت أضرارهما على الممتلكات، وصاروخ في عين إبل أدى إلى إصابة سيدة وتضرر منزلين، كما استهدفت غارات إسرائيلية المروانية والنميرية وياطر وصفد البطيخ وتبنين ومجدل سلم وكفرتبنيت والشرقية وحبوش، إضافة إلى برج الشمالي والخرايب والحوش والزرارية وخربة الدوير والمعشوق في قضاء صور، بينما استهدفت مسيّرة إسرائيلية بلدة عربصاليم. وتزامن ذلك مع قصف مدفعي طال النبطية والنبطية الفوقا وشوكين وتمشيط باتجاه وادي السلوقي والحجير.

وسجلت زفتا الحصيلة الأكثر دموية مع مقتل آدم وهبي ووالدته خديجة حمزة، ومحمد النعنوع، وحسين عقيل في غارات استهدفت مركز إيواء ومحيط حسينية النساء ومفرق المدرسة الرسمية ووسط البلدة، كما طالت الغارات عين قانا وجبل صافي وأطراف سجد وسهل المنصوري والحلوسية، بينما استهدف القصف المدفعي منطقة القطراني في قضاء جزين.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف تجمع لجنود وآليات إسرائيلية على أطراف بيت ياحون برشقة صاروخية، وآلية اتصالات قرب قلعة الشقيف بمسيّرة من طراز «أبابيل»، في مؤشر إلى استمرار المواجهات على طول الجبهة رغم اتساع الضربات الإسرائيلية داخل العمق اللبناني.

تداعيات تتجاوز الميدان

ترافقت المواجهات مع تداعيات متزايدة على الداخل اللبناني؛ فقد حذّر رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام من أن بيروت وصيدا ومناطق أخرى بلغت «طاقتها الاستيعابية القصوى» مع تزايد أعداد النازحين، بينما لا تزال هناك قدرة محدودة على الاستيعاب في الشمال والضنية.

كما عرض وزير الدفاع ميشال منسّى حصيلة الخروق الإسرائيلية لوقف إطلاق النار بين 17 أبريل (نيسان) و7 يونيو (حزيران)، والتي بلغت 3491 غارة جوية و407 عمليات تفجير و6 عمليات جرف و6 توغلات برية. وأظهرت الأرقام الرسمية أن حصيلة القتلى جراء الحرب والاعتداءات الإسرائيلية بلغت 3526 قتيلاً، بينما تجاوز عدد الجرحى 10733 مصاباً، بينما شهد يوم واحد فقط تنفيذ 70 غارة إسرائيلية مقابل إطلاق 33 صاروخاً.