6 أشهر على حرب غزة... الربح والخسارة والنهاية العسيرة

نتنياهو يخوض معركة وجودية في الداخل و«حماس» تواجه حسابات الدمار والمجاعة

TT

6 أشهر على حرب غزة... الربح والخسارة والنهاية العسيرة

فتاة تركب دراجة بجوار أنقاض مبنى مدمر في رفح بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة تركب دراجة بجوار أنقاض مبنى مدمر في رفح بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

عندما يدرس المؤرخون والباحثون في كليات الأمن القومي 6 أشهر من حرب غزة، سيضطرون إلى قراءة الوثائق والمستندات مرتين وثلاث مرات، ولن يصدقوا ما يقرأون. سيكون صعباً عليهم تفسير الكثير من الظواهر، وسيظل كثير منهم مشدوهاً، وهو يحلل شخصيات محورية من طرفي الحرب، لعبت دوراً في اندلاعها وإدارتها، ويتعثرون في إنهائها.

حرب الجميع خاسر فيها، يبحث عن المجد وهو مفقود إلى الأبد، وعن انتصار يبتعد كل يوم بسنوات، ذلك أن الغطرسة تعمي العيون والأبصار والقلوب، دون اكتراث للضحايا الأبرياء.

وسيكتب المؤرخون بكلمات قاسية، أن إسرائيل التي حققت في تاريخها إنجازات في الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والابتكار والثقافة والفنون، بدت صغيرة بقيادتها السياسية. وإن حركة «حماس»، التي أذهلت الخبراء بتحضيرها لهذه الحرب بخطة محكمة ونجحت في اختراق المنظومة الأمنية الإسرائيلية ومباغتتها طيلة ساعات وأحدثت إرباكاً شديداً لكبار السياسيين والعسكريين الإسرائيليين وتمكنت من احتلال 11 قاعدة عسكرية و22 بلدة إسرائيلية محروسة بقوات مدربة، وقعت في فخ التناقض، وجندت ضدها معظم دول العالم.

جنود إسرائيليون في قطاع غزة (أ.ف.ب)

حرب عقائدية

كانت إسرائيل قبل الحرب تخوض معركة عقائدية كبيرة جداً، أحدثت شرخاً هائلاً في المجتمع والجيش ومؤسسات الدولة، لدرجة راح قادتها يحذرون من حرب أهلية.

اليمين، الذي فاز بالحكم بأكثرية أربعة مقاعد فقط، باشر الإعداد لانقلاب على منظومة الحكم والجهاز القضائي، وهي خطة اشتغل عليها طيلة 17 عاماً، ولها علاقة وثيقة بقطاع غزة.

بدأ العمل في هذه الخطة عام 2007، أي في الوقت الذي نفذت فيه «حماس» انقلابها على السلطة الفلسطينية وسيطرت على غزة وأحدثت انقساماً في صفوف الشعب الفلسطيني، لكن هذا الانقلاب لم يكن هماً أساسياً عند اليمين الإسرائيلي. إنما الهم لديه كان في قرار حكومة أرييل شارون وإيهود أولمرت، الانسحاب من قطاع غزة وإخلاء 8 آلاف مستوطن وإزالة 21 مستوطنة وإنهاء الوجود الاستيطاني اليهودي في القطاع تماماً.

وقرر اليمين أن يبني أسساً تمنع قيام حكومة أخرى في إسرائيل تقرر انسحاباً من الضفة الغربية، حتى لا تقام دولة فلسطينية، والطريقة الوحيدة التي وجدها صالحة لتحقيق الهدف كانت تغيير منظومة الحكم وتحطيم كل المعوقات الديمقراطية والقضائية والإعلامية التي تقف في طريقه.

المعارضة الإسرائيلية ومعها الدولة العميقة، الممثلة في الجيش والأجهزة الأمنية والدوائر المدنية والحكومية وفي المؤسسات الاقتصادية والبنكية والأكاديمية والجهاز القضائي والإعلام، هبت لمنع الانقلاب.

وطيلة تسعة شهور ونيف، جندت الجمهور الواسع إلى كفاحها وأقامت مظاهرات ضخمة بمشاركة مئات الآلاف في كل يوم سبت لمدة 40 أسبوعاً، ووقفت إلى جانبهم الإدارة الأمريكية علناً، ودول الغرب على اختلافها.

وبدا أن المعركة تسير إلى نجاح مبهر وأن حكومة بنيامين نتنياهو آيلة إلى السقوط القريب. لكن، في يوم السبت الحادي والأربعين، الذي صادف يوم 7 أكتوبر 2023، جاء هجوم «حماس» المباغت، فتوقفت معركة الانقلاب.

شهود العيان الذين التقوا رئيس وزراء خطة الانقلاب، نتنياهو، أكدوا أنه أصيب بانهيار، والتصقت به تهمة الإخفاق الكبير، الذي أدى إلى مقتل 1200 إسرائيلي وأسر 253 آخرين.

وقال الشهود إن سياسة نتنياهو جلبت الحرب، إذ إنه عزز حكم «حماس» لتعميق الانقسام الفلسطيني ومنع قيام دولة فلسطينية، لكن هرولة الرئيس جو بايدن إلى القدس الغربية ووقوفه التام إلى جانب إسرائيل وجلب البوارج البحرية الأمريكية وقرار تقديم مساعدة مالية بمقدار 14.3 مليار دولار، رفعت معنوياته.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المستفيد الأساسي من تفكيك حزب خصمه غانتس (أ.ف.ب)

وراح نتنياهو يعلنها حرباً جارفة لإبادة «حماس» والقضاء على حكمها حتى لا يعود قطاع غزة تهديداً وإعادة الأسرى المختطفين بالقوة، وراح يبعد عنه التهمة ويلصقها بالجيش والمخابرات، في معركة وجودية.

الجيش كان أذكى من نتنياهو قليلاً، إذ أعلن تحمله المسؤولية عن الإخفاق وتجنده للحرب على «حماس» لتحقيق أهداف الحكومة. كانت هذه، بالنسبة لكل الأجهزة الأمنية، حرباً متعددة الأهداف: الانتقام من «حماس»، التي خربت عليه المعركة ضد نتنياهو وحكومته الانقلابية، ثم الانتقام لمساسها بهيبته العالمية كجيش قوي ذي مخابرات تمتد أذرعها كالأخطبوط في كل مكان في العالم، وثالثاً تصفية قدرات «حماس» العسكرية مرة واحدة وإلى الأبد.

كان جميع الخبراء، وبينهم أصدق أصدقاء إسرائيل ينصحونها ويلفتون نظرها إلى أن الهدف غير واقعي. وعندما انضم إلى الحرب «حزب الله» اللبناني وجماعة «الحوثي» وبقية أذرع المحور الإيراني، هرعت أميركا وهبت قوتها العظمى لنصرة إسرائيل حتى أصبحت شريكة في الحرب، وتمكنت من الاتفاق مع إيران على إبقاء رقعتها في الشمال تحت سقف محدود، دون الذهاب إلى حرب شاملة.

إدارة الحرب

لقد أدار الجيش الإسرائيلي الحرب كما لو أنه يحارب دولة عظمى، وليس تنظيمات مسلحة لا يزيد حجمها عن 40 ألف مقاتل مسلح، وجندت 287 ألف جندي من جيش الاحتياط، إضافة إلى الجيش النظامي برمته، أي ما مجموعه نصف مليون مقاتل.

واستخدمت إسرائيل كل الوحدات العسكرية في سلاح الجو أولاً، ثم سلاح البحرية واليابسة والهندسة والمخابرات، واستخدمت قنابل ذكية وأسلحة جديدة لم تستخدم من قبل، ووسائل تعتمد الذكاء الاصطناعي، عدا عن القوات الأميركية والقطار الجوي والبحري من الولايات المتحدة لتعويضها عن خسائرها من الذخيرة والأسلحة، وبدأت بالقصف من بعيد، حتى لا تقع في مطبات الاشتباك، لذلك قيل إنها «تقتل ولا تقاتل».

ولم تفرق القوات الإسرائيلية بين مسلح ومدني، وهو أمر مخيف في عالم الحروب، وراحت تدمر كل شيء في قطاع غزة؛ البيوت والعمارات والمستشفيات والعيادات الطبية والجامعات والكنائس والجوامع والمدارس والنوادي.

لقد بلغ عدد القتلى الفلسطينيين نحو 34 ألفاً ثلثاهم من النساء والأطفال ونحو 90 ألف جريح، وغالبيتهم أيضاً نساء وأطفال.

وحجبت وسائل الإعلام الإسرائيلية والرقابة العسكرية ما فعلته في غزة عن الجمهور الإسرائيلي، واستخدمت منظومة «بروتوكول هنيبعل»، أي قتل الآسرين من «حماس» مع الأسرى الإسرائيليين، حتى بلغت التقديرات غير الرسمية لعدد القتلى الإسرائيليين من النيران الصديقة أكثر من 10 في المائة.

وبحسب الإحصاءات الرسمية الإسرائيلية، فقد بلغ عدد القتلى الإسرائيليين نحو 1500، بينهم 600 عسكري، والجرحى نحو 4 آلاف (التقديرات غير الرسمية تتحدث عن 11500 جريح وتشكك في عدد القتلى وتعتبره متواضعاً أمام الحقيقة).

ومع أن الجيش الإسرائيلي استخدم هذه القوى الهائلة، غرق في الحرب لتتحول إلى أطول حرب في تاريخ إسرائيل منذ قيامها سنة 1948.

ومع أنه غير شكل الحرب منذ يناير (كانون الثاني)، لتتحول إلى حرب استنزاف، فإن الحكومة تصر على الاستمرار فيها بلا هوادة، «حتى نحقق النصر التام»، كما يقول نتنياهو، والجيش لا يقوى على الاعتراض حتى لا يتهمه خصومه في اليمين السياسي بالجبن والتخلي عن عقيدة الإقدام، وصارت الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل بوصلة عملياتها الحربية.

دمار واسع في محيط «مجمع الشفاء» بمدينة غزة (د.ب.أ)

إنهاء الحرب

هناك قناعة تامة في العالم، وحتى في إسرائيل، بأن الحرب استنفدت نفسها بعد شهرين من نشوبها، وأن العمليات التي تمت منذ شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، مع ما سببته من ضحايا إضافية لدى الطرفين، كانت هباء.

في إسرائيل نحو 200 ألف مشرد عن بيته، في الشمال وفي الجنوب، وأسرى يتلظون في مخابئ تحت الأرض وجنود قتلى وجرحى وقيم أخلاقية تنهار وكراهية أحقاد تتراكم.

وفي فلسطين سفك مهول للدماء؛ قتلى وجرحى والدمار الرهيب، الذي تبدو نتيجته، مرة أخرى، إعداد جيل من الفلسطينيين الناقمين الحاقدين، والجاهزين ليكونا أقوى من «حماس» في كل شيء.

في ظروف أخرى، وتحت قيادة مخلصة تتمتع بالحد الأدنى من الشجاعة، كانت هذه الحرب ستضع أوزارها قبل شهور طويلة. ففي كل حرب، يجري القادة حسابات الربح والخسارة لشعوبهم ويتخذون قراراً حازماً وحاسماً بوقفها ويدفعون ثمن ذلك.

كل حرب تنتهي بتبادل أسرى، ولكل حرب آفاق سياسية، وكل قادة يعتبرون حقن دماء أبناء شعبهم مكسباً كبيراً، أهم من أي إنجاز آخر، إلا في حرب غزة، حتى بعد 183 يوماً من المجاعة والقتل.


مقالات ذات صلة

«حماس» ترفض انحياز ميلادينوف للرواية الإسرائيلية

المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

«حماس» ترفض انحياز ميلادينوف للرواية الإسرائيلية

رفضت حركة «حماس» الفلسطينية بشدة تبنّي ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف الرواية الإسرائيلية بشأن تعليق إدخال البضائع المخصصة للقطاع الخاص إلى غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية وزير ​الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)

إيطاليا تدرج كاتس ومسؤولين إسرائيليين كباراً في تحقيق «أسطول غزة»

أدرجت إيطاليا أسماء وزير ​الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ومسؤولين في الجيش والشرطة والسجون الإسرائيلية ضمن تحقيق يتعلق بمعاملة نشطاء أسطول غزة.

«الشرق الأوسط» (روما )
المشرق العربي فلسطينيون يبحثون عن ناجين تحت أنقاض بناية دمرها القصف الإسرائيلي ليلاً في «مخيم المغازي» (أ.ب)

إسرائيل تواصل التدمير وتوسع نطاق عمليات سيطرتها داخل غزة

نشرت وزارة الصحة في غزة بياناً بمناسبة «يوم الغذاء العالمي»، أكدت فيه أن معدلات سوء التغذية والتجويع بلغت مستويات كارثية تفتك بالأطفال وكبار السن والفئات الهشة.

«الشرق الأوسط» (غزّة)
شؤون إقليمية ملصق انتخابي يظهر فيه غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) ومنافسه رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)

لكمات متبادلة وثقيلة قبل أسبوعين من الانتخابات الإسرائيلية

لجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومنافسه على رئاسة الحكومة غادي آيزنكوت، إلى تبادل اللكمات الثقيلة خلال الأسبوعين المتبقيين من المعركة الانتخابية.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي Palestinians walk amidst destroyed buildings in Gaza City (AP)

مقتل فلسطيني وإصابة آخرين إثر قصف إسرائيلي على مدينة غزة

قُتل فلسطيني وأصيب آخرون اليوم الخميس، جراء قصف مُسيَّرة إسرائيلية مجموعة من المواطنين شمال غرب مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

قيادي بارز في «حماس» يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن إصابة علي العامودي بهجوم إسرائيلي

القيادي في «حماس» علي العامودي (المركز الفلسطيني للإعلام التابع لـ«حماس»)
القيادي في «حماس» علي العامودي (المركز الفلسطيني للإعلام التابع لـ«حماس»)
TT

قيادي بارز في «حماس» يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن إصابة علي العامودي بهجوم إسرائيلي

القيادي في «حماس» علي العامودي (المركز الفلسطيني للإعلام التابع لـ«حماس»)
القيادي في «حماس» علي العامودي (المركز الفلسطيني للإعلام التابع لـ«حماس»)

كشف قيادي بارز في حركة «حماس» أن علي العامودي، مسير المكتب السياسي للحركة في قطاع غزة، قد أصيب في الهجوم الإسرائيلي الذي استهدفه بشقة سكنية في منطقة الميناء غرب مدينة غزة، في 3 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وقتل خلاله 5 فلسطينيين.

وقال القيادي الذي فضل عدم ذكر هويته، خلال حديث في وقت متأخر من مساء الجمعة لـ«الشرق الأوسط»، إن العامودي أصيب بجروح متوسطة، وتعرض للكسر في أطرافه إثر الغارة التي استهدفته، مؤكداً أنه كان داخل الشقة السكنية أثناء استهدافها، ولحسن الحظ كان في مكان جانبي بالشقة، الأمر الذي أدى إلى نجاته.

ولم يفصح القيادي عن أي تفاصيل أخرى عن الحادثة، مكتفياً بالتأكيد على أن العامودي يتمتع بصحة جيدة بعد الهجوم، وأنه يتلقى العلاج في مكان آمن.

وهذا أول إقرار من مسؤول في «حماس» يؤكد أن العامودي كان في الشقة السكنية وقت الهجوم، حيث نفت وجوده عدة مصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط» في الأيام الأخيرة، مؤكدةً أنه نجا.

روايات سابقة

وقالت 3 مصادر من الحركة، قبل أيام، إن تقريراً استخباراتياً مستعجلاً وصل إلى العامودي، وذلك قبل نحو 3 ساعات من الهجوم، دفعه لمغادرة المكان الذي كان يوجد به، لكن هذا التقرير لم يكن يحمل تأكيداً على أن هناك عملية ستستهدفه شخصياً بشكل مباشر.

وأوضحت المصادر حينها في إفادات منفصلة متطابقة أن العامودي كان في الشقة السكنية المستهدفة، وأنه أخذ ما ورد في التقرير الاستخباراتي على محمل الجد؛ ولذلك غادر المكان إلى مكان آخر آمن.

وبينت المصادر آنذاك أن عنصرين من «سلاح الجو» التابع لـ«كتائب القسام»، الجناح المسلح لـ«حماس»، رصدا نهار الثاني من أكتوبر الحالي تحليقاً مكثفاً لطائرتين مسيرتين إسرائيليتين من طراز استخباري معروف بتقنياته الخطيرة لدى الجهات الأمنية الفلسطينية، وكان يدور بشكل دائري في محيط المبنى، ومنطقة الميناء غرب مدينة غزة.

ووفقاً للمصادر، فإن الطائرات المسيرة التي كانت تحلق بأجواء المنطقة تحمل تقنيات استخباراتية خطيرة، وتعتمد على الذكاء الاصطناعي، وغيرها من التقنيات التي تساعد في تحديد الأهداف بدقة، مبينةً أن العنصرين اللذين تمكنا من رصدهما بشكل واضح وعلى مدار ساعات توقعا حصول عملية اغتيال لشخصية كبيرة موجودة في المنطقة؛ ولذلك توجهوا لجهات أمنية أعلى بإبلاغهم بالتقرير المستعجل، والذي وصل لجهات مسؤولة عن حماية الشخصيات الكبيرة في «حماس»، ومنهم العامودي.

وأوضحت المصادر أنه عندما تلقى الشخص الوحيد المسؤول عن أمن العامودي، ويعرف المكان، التقرير، توجه فوراً له، وأبلغه بما يجري، واتخذ القيادي في «حماس» قراراً فورياً بمغادرة الشقة السكنية من دون تأخير، أو تأجيل، مرجحاً أن يكون هو الهدف بنفسه، وهذا ما تبين لاحقاً بعد نحو ساعة أو أكثر باستهداف الشقة بصواريخ موجهة خطيرة، وكذلك بطائرة أو طائرتين انتحاريتين.

ورفض القيادي البارز الذي كشف عن إصابة العامودي تأكيد أو نفي تلك المعلومات، لكنه اكتفى بتأكيد أن هناك تقارير استخباراتية باستمرار تنقل لقيادات من مختلف المستويات من قبل نشطاء ميدانيين يتابعون تحركات الطائرات المسيرة الإسرائيلية في سماء القطاع، والتي قد تشير لإمكانية وقوع عمليات اغتيال، أو عمليات محددة في أماكن معينة تحلق الطائرات في سمائها.

وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع مصادرها حول تأكيدات إصابة العامودي، وعدم مغادرته للشقة السكنية قبل قصفها، دون الحصول على رد من اثنين من المصادر، فيما قال ثالث إن معلوماته حصل عليها بموجب تقرير داخلي، دون أن يقدم توضيحات أكثر.

وقد تكون «حماس» حاولت إخفاء معلومات عن إصابة العامودي حتى عن قياداتها، أو شخصيات فصائلية، وغيرها، وذلك في إطار الحرب الاستخباراتية التي تقودها لإظهار فشل إسرائيل بأي هجمات، ولفرض حالة من الحيرة لدى الجهات الأمنية الإسرائيلية التي تؤكد بعض التقارير العبرية أنها تحقق في أسباب إخفاق العملية حينها.

شخصية محورية

ويعرف داخل «حماس» عن العامودي أنه من الشخصيات الأمنية ذات التفكير الاستراتيجي، وهذا ما أوصله لهرم قيادة الحركة في الآونة الأخيرة، وتوليه مسؤوليات عديدة منذ الإفراج عنه من السجون الإسرائيلية.

وكان العامودي مقرباً جداً من قائد «حماس» السابق يحيى السنوار، داخل وخارج السجون الإسرائيلية، حيث كانا معتقلين معاً، قبل أن يفرج عنهما، وقد حُرّر في صفقة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، والتي أطلقت عليها الحركة اسم «وفاء الأحرار».

والعامودي عضو مكتب سياسي في «حماس»، وكان مسؤولاً عن الدائرة الإعلامية للحركة قبل الحرب، وأصبح في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مسيراً لأعمال مكتبها السياسي في قطاع غزة، بعدما تم تكليفه وعدد من المقربين من يحيى السنوار بإدارة الحركة في القطاع، وغالبيتهم ممن يقطنون في خان يونس جنوب القطاع، قبل أن يرفض بعض قيادات الحركة هذا التكليف، والتزكية، باعتبارهما طريقة التفافية على القوانين الداخلية للحركة.

وقبل محاولة اغتياله بأيام، وأسابيع، خاض العامودي جولة انتخابات داخلية لرئاسة «حماس» بغزة، ولم يحسمها أمام منافسه نزار عوض الله، لتجري جولة إعادة تم وقفها بسبب الطعن بها.

ويعد العامودي شخصية مركزية داخل الحركة في قطاع غزة، وخارجها، وذات تأثير في العديد من القرارات التي تتخذ بالحركة.


العراق إلى مراجعة الدستور الدائم


عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم - 15 أكتوبر 2005 (أرشيفية - أ.ف.ب)
عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم - 15 أكتوبر 2005 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق إلى مراجعة الدستور الدائم


عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم - 15 أكتوبر 2005 (أرشيفية - أ.ف.ب)
عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم - 15 أكتوبر 2005 (أرشيفية - أ.ف.ب)

دعا رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق إلى مراجعة أحكام الدستور «بما ينسجم مع القانون»، ما فسّره خبراء في القانون على أنه دعوة لتشكيل لجنة تأسيسية تقود إلى «عقد اجتماعي جديد للبلاد».

وقال القاضي فائق زيدان، في بيان صحافي، مساء الخميس، بمناسبة ذكرى الاستفتاء على الدستور عام 2005، إن البرلمان العراقي «أمام مسؤولية وطنية وتاريخية لمراجعة الأحكام وإجراء التعديلات اللازمة بما ينسجم مع القانون وإرادة الشعب».

وذكر زيدان أن «التجربة السياسية كشفت عن إشكالات في التطبيق والتفسير، أسهمت في تعطيل استحقاقات دستورية، أبرزها ما يتعلق بالأغلبيات البرلمانية، وانتخاب رئيس الجمهورية، وتحديد الكتلة النيابية (الأكثر عدداً)». وشدد على أن «احترام الدستور والتمسك به يقتضيان معالجة مواطن الخلل وتحديث بعض نصوصه، بعد مرور أكثر من عقدين على صياغته في ظروف انتقالية دقيقة وحساسة».


اتّصالات لتحييد لبنان عن التصعيد الإقليمي

آليات عسكرية لقوات «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة إبل السقي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
آليات عسكرية لقوات «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة إبل السقي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

اتّصالات لتحييد لبنان عن التصعيد الإقليمي

آليات عسكرية لقوات «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة إبل السقي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
آليات عسكرية لقوات «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة إبل السقي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وسط مخاوف لبنانية مما قد يقوم به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل انتخابات الكنيست في أواخر هذا الشهر، تكثّفت الاتصالات الدبلوماسية بين لبنان والدول الصديقة لضمان تحييد البلاد عن تداعيات أي تصعيد عسكري يمكن أن تشهده المنطقة.

وقالت مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن الاتصالات تولاها الرئيس اللبناني جوزيف عون، ووُضع رئيس البرلمان نبيه بري في أجوائها كونه صلة الوصل بين الرئاسة اللبنانية و«حزب الله»، لافتةً إلى أن اتصالات رئيس الجمهورية الداخلية والدولية «تسعى لإبعاد لبنان عن أي تطورات أمنية في المنطقة». وقالت المصادر إن منع أي تدهور للوضع الأمني «متوقف على عدم انخراط (حزب الله) في أي تصعيد إقليمي يمكن أن يحدث في إيران»، مشيرة إلى مخاوف جدية من «ردة فعل إسرائيلية قوية في حال تدخل الحزب في أي حرب مقبلة».

وتحدّثت معلومات عن أن عون نقل هذه المخاوف إلى الجانب الأميركي خلال الاتصال مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس. وأشارت مصادر مطلعة إلى أن الموقف الأميركي يتلخّص بأن على لبنان تجنّب منح نتنياهو مبرراً لتوسيع ضرباته الحالية، وهو ما يعني لجم «حزب الله» عن الانخراط في أي مواجهة محتملة بين حلفائه الإيرانيين وإسرائيل.

يأتي ذلك وسط مراوحة في ملف توسعة المناطق التجريبية في الجنوب، ودعوة الولايات المتحدة إلى تنسيق مباشر بين الجيشَين اللبناني والإسرائيلي.