غزة في 6 أشهر: مجاعة مكتملة الأركان... والحرب مستمرة

وصول المساعدات «شبه مستحيل»... ومفاوضات وقف النار وإطلاق الأسرى تتعثر رغم الوساطات

فلسطيني مصاب يحمل طفله الذي قُتل بغارة إسرائيلية جنوب غزة الخميس (رويترز)
فلسطيني مصاب يحمل طفله الذي قُتل بغارة إسرائيلية جنوب غزة الخميس (رويترز)
TT

غزة في 6 أشهر: مجاعة مكتملة الأركان... والحرب مستمرة

فلسطيني مصاب يحمل طفله الذي قُتل بغارة إسرائيلية جنوب غزة الخميس (رويترز)
فلسطيني مصاب يحمل طفله الذي قُتل بغارة إسرائيلية جنوب غزة الخميس (رويترز)

خُمس سكان غزة قُتلوا أو أُصيبوا، والبقية يواجهون المجاعة الوشيكة في مايو (أيار) المقبل، وبينما يتكدس نصف السكان في رفح، تستعد إسرائيل لاجتياحها رغم التحذيرات من كارثة إنسانية كبرى.

هذه حصيلة 6 أشهر من الحرب، شملت أيضاً تعثر مفاوضات وقف إطلاق النار رغم نشاط الوسطاء، وبينما تتنازع الدوائر الإسرائيلية على صيغة لتخفيف الضغط الدولي، لإنجاز صفقة بشأن الأسرى، تشهد العلاقات الإسرائيلية توتراً غير مسبوق منذ 7 عقود.

وبعد اقتحام مسلحي «حماس» جنوب إسرائيل، في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أدت العملية البرية التي تشنها إسرائيل للقضاء على الحركة إلى تدمير جزء كبير من قطاع غزة ووقوع كارثة إنسانية.

ويحاول الوسطاء التوصل إلى أول هدنة طويلة في الحرب لتسريع تقديم المساعدات لإطعام سكان القطاع البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة وتأمين إطلاق سراح بعض الرهائن الإسرائيليين الذين لا تزال «حماس» تحتجزهم.

فلسطينيون وسط الدمار الناتج عن الهجوم الإسرائيلي قرب مستشفى الشفاء في غزة (أ.ب)

جثث وأنقاض

بدأت العملية العسكرية الإسرائيلية في النصف الشمالي من قطاع غزة، وصدرت الأوامر لمئات الآلاف من السكان بالإخلاء والتوجه للجنوب، وبعد وقف إطلاق النار لمدة أسبوع في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني)، حوّلت القوات الإسرائيلية انتباهها نحو الجنوب، وأمرت الناس مرة أخرى بالفرار.

ومنذ فبراير (شباط)، توغلت القوات الإسرائيلية في كل أنحاء غزة تقريباً، باستثناء منطقة صغيرة في وسط القطاع ومدينة رفح على الطرف الجنوبي؛ حيث نزح أكثر من نصف سكان غزة.

تقول السلطات الصحية في غزة إنه تم التأكد من مقتل أكثر من 33 ألف فلسطيني، نحو 40 في المائة منهم من الأطفال، ولا يزال هناك آلاف الجثث تحت الأنقاض.

وأصيب أكثر من 75 ألف شخص، ما يعني أن نحو 5 في المائة من السكان قُتلوا أو أصيبوا، دون احتساب الوفيات الناجمة عن الجوع والظروف غير الصحية وانهيار خدمات الرعاية الصحية.

وتقول إسرائيل إنها قتلت أكثر من 13 ألفاً من مقاتلي «حماس»، وتحمل المسلحين مسؤولية إلحاق الأذى بالمدنيين بسبب الاندساس بينهم، بما في ذلك من خلال شبكة من المخابئ والأنفاق تحت الأرض، لكن «حماس» تنفي انتشار مقاتليها وسط المدنيين.

مساعدات «مستحيلة»

في بداية الحرب، فرضت إسرائيل حصاراً شاملاً. وسمحت تدريجياً بدخول المساعدات، أولاً من خلال معبر مع مصر مخصص للأفراد، ثم عبر نقطة تفتيش قريبة مع إسرائيل نفسها.

وتقول إسرائيل إنها لا تفرض أي قيود على الإمدادات الغذائية والإنسانية، لكن وكالات الإغاثة والدول المانحة تقول إن عمليات التفتيش الإسرائيلية المرهقة تعني إمكانية تعليق الشحنات لأسابيع، ولا يمكن عبور سوى عدد صغير من بين 500 شاحنة يومياً كانت غزة تعتمد عليها في السابق.

ويصعب توزيع أو نقل الإمدادات التي تدخل القطاع بسبب الانفلات الأمني مع تفكك السلطات المدنية.

وتقول إسرائيل إنها تسمح الآن باستخدام نقاط تفتيش برية إضافية وبإسقاط المساعدات جواً وتسليمها بحراً. لكن لا يوجد في غزة ميناء بحري ملائم، وتقول وكالات الإغاثة إن عمليات الإسقاط الجوي محدودة النطاق وخطيرة، ولا يوجد حتى الآن طريق بري إلى شمال غزة، حيث الظروف أكثر سوءاً، ما يجعل وصول الإمدادات أمراً شبه مستحيل.

صورة نشرها الجيش الأردني تظهر عمليات إنزال مساعدات إنسانية جواً فوق قطاع غزة (أ.ف.ب)

مجاعة مكتملة الأركان

للمجاعة ثلاث مراحل تقريباً: نقص حاد في الغذاء مما يؤدي إلى تفشي سوء التغذية، وفي النهاية الموت الجماعي بسبب الجوع والمرض.

ووفقاً للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي - وهو أداة لمراقبة الجوع في العالم - فقد تجاوزت غزة بالفعل المعيارين الأولين؛ نقص الغذاء وسوء التغذية، وأصبح الموت الجماعي «وشيكاً» ما لم تزد المساعدات بشكل فوري، ويتوقع أن تتفشى المجاعة بحلول شهر مايو المقبل.

وذكر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي منذ أشهر أن غزة تعاني من أكبر حالة لانعدام الأمن الغذائي تشهدها على الإطلاق، طبقاً لما نقلته وكالة «رويترز»

وفي تقريره الصادر في مارس (آذار)، أشار التصنيف إلى أن 100 في المائة من سكان غزة يعانون من نقص حاد في الغذاء، وبالنسبة لنصف السكان، وهو ما يتجاوز بكثير نسبة 20 في المائة المرتبطة بالمجاعة، فقد وصل نقص الغذاء إلى أعلى مستوى، وهي الفئة الخامسة أو «الكارثة».

وتقول «رويترز» إن صحافييها الذين يعملون في جنوب غزة، لاحظوا أن بعض السكان لجأوا إلى إطعام أطفالهم أوراق الشجر بعد غليها، وشاهدوا عدداً من الأطفال يعالجون من سوء التغذية الحاد في مستشفى برفح، في حين أفادت التقارير بأن الظروف أسوأ بكثير في الشمال.

وتقول إسرائيل إن منهجية تقرير التصنيف المرحلي المتكامل معيبة وتدعي أنه لا يوجد نقص في الغذاء في غزة. وتلقي باللوم في أي جوع على عمليات وكالات الإغاثة وعلى المسلحين الذين تقول إنهم يخزنون الطعام.

وبالإضافة إلى الجوع، تشعر وكالات الإغاثة بالقلق إزاء نقص الرعاية الصحية والصرف الصحي، ولم تعد هناك مستشفيات تعمل بكامل طاقتها في الشمال، ولا يوجد سوى عدد قليل منها يعمل في الجنوب.

وداهمت إسرائيل المستشفيات وحاصرتها مراراً، قائلة إن مسلحي «حماس» يستخدمونها قواعد، وهو ما تنفيه الطواقم الطبية.

ويؤدي الاكتظاظ إلى انتشار الأمراض، ويجد العديد من الأشخاص صعوبة بالغة في العثور على مراحيض نظيفة أو أماكن للاستحمام بشكل دائم أو لا يمكنهم الوصول إليها على الإطلاق.

الأمم المتحدة تحذر من حدوث مجاعة في شمال قطاع غزة بحلول شهر مايو (د.ب.أ)

اجتياح رفح

مع تكدس نحو نصف سكان القطاع في رفح حالياً، يقول البعض إنه لم يعد هناك مكان للفرار إليه، وتقول إسرائيل إن وحدات «حماس» المسلحة الرئيسية وقادتها يحتمون في المدينة، وإن الاجتياح البري ضروري لهزيمتهم، ووعدت بالتنسيق مع مصر وإجلاء المدنيين شمالاً داخل غزة دون تقديم أي تفاصيل.

ووصفت واشنطن الهجوم المزمع بأنه خطأ قائلة إن إسرائيل يمكنها استهداف المسلحين بأساليب من شأنها أن تلحق أذى أقل بالمدنيين.

وذكرت الأمم المتحدة أن الهجوم على رفح سيتسبب في كارثة إنسانية. ويقول فلسطينيون إنهم يخشون أن يكون هدف إسرائيل النهائي هو تهجيرهم من غزة إلى مصر، وهو ما تنفيه إسرائيل.

مفاوضات وقف النار

منذ وقف إطلاق النار الوحيد في الحرب في نهاية نوفمبر عندما أطلقت «حماس» سراح نحو نصف الرهائن لديها، أجرى الجانبان محادثات عبر وسطاء للتوصل إلى هدنة أخرى.

واقترح الجانبان وقفاً جديداً لإطلاق النار لمدة 40 يوماً تقريباً، يشمل إطلاق سراح نحو 40 رهينة مقابل مئات المعتقلين الفلسطينيين. ورفض كل طرف مقترحات الطرف الآخر، لكن الوسطاء يقولون إن المحادثات ما زالت بناءة، وفقاً لـ«رويترز».

وذكرت إسرائيل أنها ستناقش فقط وقفاً مؤقتاً للقتال ولن تنهي الحرب حتى القضاء على «حماس»، التي تقول إنها لن تطلق سراح الرهائن دون التوصل إلى اتفاق يُنهي الحرب ويمهد لانسحاب إسرائيل.

الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اجتماع مشترك بتل أبيب 18 أكتوبر 2023 (رويترز)

توتر غير مسبوق

مع استمرار الحرب، شهدت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مشاحنات متزايدة لم يعهدها تحالفهما الوثيق الممتد منذ 75 عاماً إلا قليلاً.

وأيّد الرئيس الأميركي جو بايدن بقوة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد «حماس» في أعقاب هجومها قبل 6 أشهر، لكنه حثّ الإسرائيليين أيضاً في خطاب ألقاه في تل أبيب على عدم الانسياق للغضب.

ومنذ ذلك الحين، كثّف بايدن ومسؤولون آخرون في الإدارة الأميركية دعواتهم لإسرائيل لبذل المزيد من الجهد لحماية المدنيين والسماح بدخول المساعدات.

وتقول واشنطن إن هدفها هو التوصل إلى اتفاق سلام أوسع نطاقاً لتطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، وهو ما قد يتطلب آفاقاً لقيام دولة فلسطينية في نهاية المطاف، وهو محور أساسي في السياسة الأميركية منذ عقود، إلا أن نتنياهو يرفض ذلك.

وأثارت خطة إسرائيل لمهاجمة رفح انتقادات أقوى من واشنطن، وفي مارس الماضي، دعا زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي الإسرائيليين إلى إجراء انتخابات جديدة تنهي حكم نتنياهو.

وامتنعت واشنطن في وقت لاحق عن استخدام حق النقض (الفيتو) لوقف قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يطالب بوقف إطلاق النار، ورد نتنياهو بإلغاء رحلة مقررة لوفد إسرائيلي إلى واشنطن.

مع ذلك، تواصل الولايات المتحدة تزويد إسرائيل بالأسلحة والذخائر.


مقالات ذات صلة

سيدة من غزة تروي قصة «استعادة» وجهها بعد الحرب

المشرق العربي صورتان لآية سلامة بعد عمليات التجميل في مصر (الطبيب المعالج)

سيدة من غزة تروي قصة «استعادة» وجهها بعد الحرب

جاءت آية سلامة إلى مصر من أجل ترميم وتجميل وجهها بعد تشوهه في قصف إسرائيلي مطلع الحرب على غزة.

يسرا سلامة (القاهرة)
المشرق العربي جثث القتلى الفلسطينيين في غزة (أ.ف.ب)

مقتل 7 فلسطينيين في غارة إسرائيلية على وسط قطاع غزة

قتل سبعة فلسطينيين في غارة جوية إسرائيلية، فجر اليوم السبت، قرب نقطة للشرطة في مخيم البريج وسط قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون موقعاً قال مسعفون إنه شهد غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارة قرب مدخل بلدة زويدا وسط غزة (رويترز) p-circle

غارة جوية إسرائيلية تقتل 4 فلسطينيين في غزة

قالت سلطات الصحة في غزة إن غارة جوية إسرائيلية قتلت أربعة فلسطينيين في شمال القطاع اليوم (الأحد)

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي امرأة تبكي خلال جنازة 6 فلسطينيين قُتلوا في غارات إسرائيلية في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز) p-circle

طواقم طبية: الغارات الإسرائيلية تقتل ستة في غزة

كشف مسؤولون في قطاع الصحة أن غارات إسرائيلية قتلت ما لا يقل عن 6 أشخاص في ​قطاع غزة، الثلاثاء، في أحدث موجة من العنف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيّعون يحضرون جنازة فلسطينيين قُتلوا بغارة إسرائيلية حسب مسعفين في مدينة غزة (رويترز)

كوسوفو توافق على إرسال قوات إلى غزة في إطار خطة ترمب

وافقت كوسوفو، اليوم (الاثنين)، على إرسال قوات إلى قطاع غزة للانضمام إلى قوة أمنية دولية.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا )

وزير الخارجية السعودي يجدد دعم المملكة لاستقرار لبنان

الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (الرئاسة اللبنانية)
TT

وزير الخارجية السعودي يجدد دعم المملكة لاستقرار لبنان

الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (الرئاسة اللبنانية)

جدد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، الخميس، موقف المملكة العربية السعودية الداعم لاستقرار الجمهورية اللبنانية وتمكين مؤسسات الدولة فيها، وذلك خلال اتصال هاتفي برئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، بالتزامن مع لقاء أجراه مستشار وزير الخارجية السعودية الأمير يزيد بن فرحان للرئيس اللبناني جوزيف عون.

وأفادت وكالة الأنباء السعودية «واس»، بأن الوزير فيصل بن فرحان، أجرى اتصالاً هاتفياً برئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، مشيرة إلى أنه خلال الاتصال «جرى بحث التطورات على الأراضي اللبنانية والمساعي المبذولة لوقفٍ كاملٍ للاعتداءات الإسرائيلية عليها».

وجدّد وزير الخارجية السعودي، موقف المملكة الداعم لاستقرار الجمهورية اللبنانية وتمكين مؤسسات الدولة فيها، فيما أشاد بري بدور المملكة وجهودها المتواصلة في دعم لبنان والحفاظ على أمنه وأمن المنطقة، مجدداً تمسك لبنان باتفاق الطائف، ورفضه لكل ما يهدد المملكة.

بموازاة ذلك، أعلنت الرئاسة اللبنانية أن الرئيس عون استقبل في قصر بعبدا، مستشار وزير الخارجية السعودية الأمير يزيد بن فرحان وأجرى معه جولة أفق تناولت الأوضاع الراهنة في ضوء التطورات الأخيرة، ودور المملكة العربية السعودية في مساعدة لبنان على تجاوز الظروف الصعبة التي يمر بها.


حكومة نتنياهو صادقت على إقامة 103 مستوطنات منذ توليها السلطة

ابنتا الشاب الفلسطيني عودة عواودة (25 عاماً) الذي قُتل في هجوم استيطاني إسرائيلي خلال جنازته قرب رام الله في الضفة الغربية الخميس (رويترز)
ابنتا الشاب الفلسطيني عودة عواودة (25 عاماً) الذي قُتل في هجوم استيطاني إسرائيلي خلال جنازته قرب رام الله في الضفة الغربية الخميس (رويترز)
TT

حكومة نتنياهو صادقت على إقامة 103 مستوطنات منذ توليها السلطة

ابنتا الشاب الفلسطيني عودة عواودة (25 عاماً) الذي قُتل في هجوم استيطاني إسرائيلي خلال جنازته قرب رام الله في الضفة الغربية الخميس (رويترز)
ابنتا الشاب الفلسطيني عودة عواودة (25 عاماً) الذي قُتل في هجوم استيطاني إسرائيلي خلال جنازته قرب رام الله في الضفة الغربية الخميس (رويترز)

رفعت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدد المستوطنات التي صادقت عليها منذ توليها السلطة قبل أكثر من 3 سنوات إلى 103 مستوطنات.

وأقرت الحكومة، قبل أيام، إعادة بناء مستوطنتين شمالي الضفة الغربية، بالإضافة إلى 34 مستوطنة جديدة أقرت قبل أسبوعين.

وغالبية المستوطنات التي أقرتها حكومة نتنياهو جديدة، وأربع منها تم تجميدها في زمن حكومة أرييل شارون، بالإضافة إلى 170 مزرعة استيطانية للرعي، أقيمت خلال الفترة نفسها وتم وضع مليون دونم تحت تصرفها من الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وحسب تقرير لحركة «سلام الآن» الإسرائيلية؛ فإن الحكومة خصصت لهذه المشاريع الاستيطانية وحدها ميزانية مباشرة بقيمة 19 مليار شيقل (نحو 7 مليارات دولار).

ورغم أن القيادات العسكرية والاستخبارات حذرت من خطورة الاستيطان من الناحية الأمنية إذ تثقل كاهل الجيش والمخابرات بالأعباء، وتحتاج إلى حراسة على مدار الساعة خوفاً من انتقام الفلسطينيين؛ فإن الحكومة ماضية في برامجها التوسعية والاستيطانية، ولا تخفي هدفها الأكبر منها ألا وهو منع إقامة دولة فلسطينية.

وإلى جانب الاستيطان، الخطير بحدّ ذاته، يقوم أفراد ميليشيات المستوطنين المسلحة، في كل يوم، باقتحام أراضي القرى والتجمعات الأهلية الفلسطينية، ومرات عديدة تتم بمرافقة مسلحين يخدمون في كتائب الدفاع التي تحولت إلى ميليشيات رسمية تابعة للجيش.

احتكاكات مقصودة

ويدور الحديث عن أعمال احتكاك مقصودة، هدفها طرد الفلسطينيين من بيوتهم؛ ورغم ذلك تتواصل دون عراقيل ودون إنفاذ للقانون من أجهزة الاحتلال.

وقتلت عناصر هذه الميليشيات منذ بداية الحرب على غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، 13 فلسطينياً وهم في قراهم. ورغم أن القتلة معروفون لدى الفلسطينيين؛ فإن الشرطة لم تعتقلهم، ولم توجه إليهم لوائح اتهام، وفي أحسن الأحوال يتم التحقيق معهم ويفرج عنهم.

وبالتوازي، توجد أيضاً اعتداءات جماعية منظمة دون وقوع قتلى، يقوم بها عشرات الشبان الملثمين الذين يحملون العصي ومواد حارقة، يعتدون ثم يغادرون المكان في غضون دقائق، وتأتي قوات الأمن متأخرة، ونتيجةً لذلك لا يكون هناك معتقلون في الغالب.

والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

وفي الأسابيع الأخيرة أطلقت تنديدات من جانب الحكومة ورئيس الأركان، إيال زامير، في أعقاب ضغط أميركي، لكن هذا لا يكفي إذ إن العنف يتصاعد فقط وسيستمر إلى أن تقرر الحكومة وضع حد للظاهرة.

«خطة الحسم»

ويقول الباحثان الكبيران في معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب، العميد (احتياط) أودي ديكل، والدكتورة تامي كينر، إن «الضفة الغربية تشهد في السنوات الثلاث الأخيرة ليس فقط نهضة استيطانية إشكالية، وعنفاً دموياً خطيراً من اليهود ضد العرب؛ بل تشهد أيضاً تحولاً في العقائد والمفاهيم والممارسات العملية».

وشرح الباحثان في مقال مشترك أنه «تحت ذريعة دواعي الأمن والسعي وراء (الأمن المطلق)، تتبنى الحكومة سياسة فرض السيادة الإسرائيلية، وعرقلة سبل التوصل إلى تسوية سياسية مستقبلية، وإضعاف السلطة الفلسطينية حتى انهيارها، وتهجير الفلسطينيين من ديارهم داخل الأراضي الفلسطينية».

ويعتقد الباحثان أن «هذه السياسة تتبنى في الواقع مبادئ (خطة الحسم) التي يروج لها اليمين الآيديولوجي في الحكومة، بقيادة الوزير بتسلئيل سموتريتش، التي تُهدد الاستقرار والأمن في المناطق الفلسطينية، وتؤدي إلى واقع دولة واحدة، مع تغيير جذري في صورة إسرائيل».

جندي إسرائيلي مسلّح بسوق البلدة القديمة في نابلس شمال الضفة الغربية اثناء مداهمات (أ.ف.ب)

ويحذر الباحثان من أن «إسرائيل قد تجد نفسها في خطر جسيم يتمثل في اندلاع أعمال إرهابية واسعة النطاق، وتآكل أخلاقي داخلي، وتزايد الانتقادات الدولية الموجهة إليها إلى حد تصنيفها رسمياً دولة فصل عنصري، وتعميق إجراءات العزلة السياسية، وتجميد علاقات السلام القائمة منذ أمد طويل وتهدد حتى (اتفاقيات إبراهيم)».

الجدير بالذكر أن الجيش الإسرائيلي، الذي يحذر من النشاط الاستيطاني واعتداءات المستوطنين، يقوم هو نفسه بعمليات يسميها هجمات استباقية على جميع البلدات في الضفة الغربية.

وحسب إفادة للأمم المتحدة في مارس (آذار) الماضي، ارتفع عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا على يد القوات الإسرائيلية والمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة إلى 1071 شخصاً منذ 7 أكتوبر 2023، بينهم 233 طفلاً.

وفي حملات اعتقالات يومية نفذت قوات الاحتلال أكثر من 9 آلاف حالة اعتقال لفلسطينيين في الضفة الغربية، وفي الفترة نفسها، تم تهجير نحو 40 ألف فلسطيني وتدمير مخيمات لاجئين في جنين وطولكرم.


نيران إسرائيلية تقتل 5 فلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية

أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)
أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)
TT

نيران إسرائيلية تقتل 5 فلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية

أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)
أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)

أفاد مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة بأن غارات جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في قطاع غزة، الخميس، ​في حين قتل جنود بالرصاص فتى يبلغ من العمر 15 عاماً خلال مداهمة للجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة.

وقال مسعفون في غزة إن شخصاً قُتل في غارة جوية استهدفت خان يونس جنوب القطاع، وأسفرت عن إصابة آخرين. فيما أفاد الجيش الإسرائيلي بأنه استهدف مسلحين ينقلون ذخيرة ويشكلون تهديداً لجنوده.

وأكد مسؤولون في قطاع الصحة مقتل 3 آخرين، بينهم أحد أفراد فرق الإنقاذ، ‌في غارة منفصلة ‌استهدفت مخيم المغازي للاجئين بمنطقة ​دير ‌البلح ⁠وسط قطاع ​غزة.

ولم يصدر عن الجيش الإسرائيلي أي تعليق بعدُ على تلك الغارة.

وتشن إسرائيل غارات متكررة على قطاع غزة منذ دخول وقف إطلاق النار؛ الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وتتبادل إسرائيل وحركة «حماس» الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار.

جنود إسرائيليون في بستان حيث تعمل جرافة على اقتلاع أشجار الزيتون في قرية اللبن الشرقية قرب نابلس (أ.ف.ب)

ولا توجد آلية لتطبيق ومراقبة الهدنة. وقتل 4 جنود إسرائيليين وأكثر ⁠من 780 فلسطينياً في قطاع غزة منذ بدء ‌سريان وقف إطلاق النار.

وفي «مجمع الشفاء ‌الطبي» بمدينة غزة، وهو أكبر مرفق ​طبي في القطاع، وقف الأقارب ‌بين المعزين الذين تجمعوا لدفن 5 أشخاص، بينهم 3 أطفال، كانوا راحوا ضحية غارة جوية إسرائيلية، الأربعاء، على بلدة في شمال غزة. وقال محمد بعلوشة، وهو من أقارب أحد الضحايا: «لا يوجد وقف لإطلاق نار، ولا هدنة، ولا أي شيء، العدو يضرب... ولا أمان في أي منطقة».

ولم ‌يصدر الجيش الإسرائيلي بعدُ أي تعليق على تلك الضربة، وفق وكالة «رويترز».

عنف في الضفة الغربية

في مدينة نابلس ⁠بالضفة الغربية، ⁠قال مسؤولون صحيون إن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على فتى وقتلته خلال «مداهمة مستمرة» في المدينة.

وأعلنت وزارة الصحة، في بيان مقتضب، «استشهاد الطفل يوسف سامح اشتية (15 عاماً) برصاص الاحتلال في نابلس».

ورداً على استفسارات «وكالة الصحافة الفرنسية»، قال الجيش الإسرائيلي إنه يحقق في الحادث.

وكانت وزارة الصحة أعلنت أن مستوطنين إسرائيليين أطلقوا النار على رجل يبلغ من العمر 25 عاماً وقتلوه في بلدة دير دبوان قرب رام الله أمس، في أحدث حلقة من سلسلة وقائع وصفتها منظمات حقوقية بأنها تصاعد في العنف ضد الفلسطينيين من جانب المستوطنين والجنود الإسرائيليين.

ولم يصدر الجيش الإسرائيلي بعدُ أي تعليق على أي من الواقعتين.

وقالت وزارة الصحة الفلسطينية إن 15 شخصاً على الأقل قتلوا في هجمات المستوطنين الإسرائيليين ​هذا العام.