العراق: قاتل هشام الهاشمي حر و«صفر دعاوى» ضد قتلة المتظاهرين

«الشرق الأوسط» تحصل على أول إفادة قضائية: براءة لعدم كفاية الأدلة

هشام الهاشمي (إكس)
هشام الهاشمي (إكس)
TT

العراق: قاتل هشام الهاشمي حر و«صفر دعاوى» ضد قتلة المتظاهرين

هشام الهاشمي (إكس)
هشام الهاشمي (إكس)

أكد القضاء العراقي تبرئة قاتل الباحث هشام الهاشمي والإفراج عنه، وفي حين رفضت عائلته التواصل مع جهات إنفاذ القانون لمتابعة القضية، عاد المتهم - المُدان بالجريمة - «بريئاً» إلى مهامه في وزارة الداخلية «بشكل طبيعي»، وفقاً لمصادر متقاطعة.

وقالت المتحدثة باسم مجلس القضاء العراقي، سنان غانم، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، إن «محكمة عراقية أصدرت حكماً بالبراءة لصالح أحمد حمداوي الكناني؛ لعدم كفاية الأدلة».

وهذه أول إفادة عراقية رسمية بشأن القضية التي شغلت الرأي العام لفترة طويلة، بعد أيام من نشر تسريبات عن قيام محكمة الجنايات بإعادة محاكمة الكناني والإفراج عنه، بعد نحو 3 سنوات ونصف السنة على مقتل الهاشمي في بغداد.

وقال مصدر قضائي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الكناني أنكر ارتكابه الجريمة أمام القاضي، في جلسة كانت مخصصة لإعادة النظر بالقضية».

أحمد الكناني الذي أدين بقتل الهاشمي عام 2020 وجرت تبرئته أخيراً (إعلام أمني)

وكانت السلطات الأمنية العراقية قد بثت اعترافات الكناني، في 16 يوليو (تموز) 2020، بعد 10 أيام من وقوع الجريمة، قال فيها إنه «من ضمن مجموعة أشخاص خططوا ونفذوا القتل بعد متابعة لتحركات الهاشمي حتى وصل إلى منزله».

وحينها كان الهاشمي يركن سيارته ليلاً في حي زيونة، شرق العاصمة، عندما نزل القاتل من دراجة نارية واتجه نحو الضحية وأرداه بأربع رصاصات.

وظهر الكناني، خلال فيديو الاعتراف، وهو يؤشر على مُنفذ الجريمة في شاشة كانت تعرض محتوى من كاميرا مراقبة، وقال: «سحبت مسدس الشرطة الخاص بي، وقتلت الهاشمي أمام منزله»، بعدما فشل في إطلاق النار من سلاحه الشخصي نوع «رشاش»، ويُعرف محلياً بـ«الغدارة».

الكناني وهو يشير إلى نفسه في مشهد كاميرا مراقبة وهو يطلق النار على الهاشمي (إعلام أمني)

وعرضت السلطات الأمنية صوراً للسلاح المستخدم ورقمه، مع صورة لخرطوش الرصاص الذي قُتل به الهاشمي، وقالت إنها مطابقة لأقوال الكناني وسلاحه الرسمي.

واستغرب ناشطون كيف أفرج القضاء عن الكناني بوجود دليل عن السلاح المستخدم، والموثق في اعترافات بثتها السلطات الرسمية.

لكن محامياً عراقياً على اطلاع وثيق بالقضية قال، لـ«الشرق الأوسط»، إن «محاكم التمييز لا تعتد بمقاطع الفيديو دليلاً كافياً للإدانة، وتحتاج إلى شيء ملموس كالاعتراف والشهود قد تقر حكماً باتّاً».

وفي العادة، تحرر السلطات القضائية للإعلام بيانات صحافية عن أحكامها، لكنها لم تفعل ذلك بعد صدور قرار براءة الكناني. في حين قال المحامي، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن «روتين المحاكم يقضي بطباعة الأحكام بعد أسبوع تقريباً من صدورها».

صورة عرضتها السلطات العراقية صيف 2020 لسلاح حكومي استخدمه الكناني لقتل الهاشمي

من الإدانة إلى البراءة

كيف وصلنا إلى هنا؟ هذه أكثر قضائية جنائية شهدت تقلبات شديدة منذ الكشف عن مُنفذها؛ لارتباطها بشخص هشام الهاشمي نفسه، وتزامنها مع تحولات سياسية عاصفة.

وعُرف الهاشمي بأنه باحث مختص في شؤون الجماعات المتطرفة، وساعد السلطات الحكومية على تفكيك هيكل «داعش»، خلال معارك التحرير.

ويعتقد كثيرون من أصدقاء الهاشمي أن محاولته، في الأشهر الأخيرة قبل اغتياله، التعرض لمنظومة الفصائل المسلّحة الموالية لإيران، وانتقاده علناً أنشطتها في «الابتزاز والقتل» قادت إلى حتفه، في نهاية المطاف.

وهلل متطرفون مؤيدون لتنظيم «داعش»، لمقتل الهاشمي، كما سال حبر كثير للطعن فيه من قِبل ناشطين مناصرين للفصائل الشيعية.

ومرت قضية قاتل الهاشمي بمحطات مختلفة بدأت باعتقاله ثم الحكم عليه غيابياً بالإعدام، ثم نقض الحكم من قِبل محكمة التمييز، وإعادة محاكمته، وصولاً إلى تبرئته.

ويعتقد خبراء قانونيون أن قرار محكمة التمييز العراقية، صيف عام 2023، إلغاء لجنة شكّلها رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، اختصت بملاحقة «الجرائم الاستثنائية»، كان نقطة التحول في مسار قضية الكناني.

واللجنة المشار إليها كانت بإمرة الفريق أحمد أبو رغيف، وكُلفت بتنفيذ أوامر اعتقال بحق متهمين بالفساد وقضايا «كبرى»، والتحقيق معهم وإحالتهم إلى القضاء، وكانت قضية الهاشمي من بينها.

ووفق وثيقة قضائية صدرت، في 2 مارس (آذار) 2022، فإن والد الكناني؛ وهو حمداوي عويد معارض، رفع دعوى قضائية ضد رئيس الحكومة لإلغاء اللجنة التي اعتقلت ولده.

نسخة ضوئية لقرار المحكمة الاتحادية الطعن بلجنة الجرائم الكبرى التي حققت مع قاتل الهامشي

وقبلت المحكمة الاتحادية الدعوى وألغت اللجنة، وعدّت جميع الإجراءات التي اتخذتها باطلة منذ تشكلها في أغسطس (آب) 2020.

ونفذت لجنة أبو رغيف حملة اعتقالات ضد مسؤولين بتُهم فساد، لكنها أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية وصل إلى درجة عدِّها «محكمة عرفية».

ورغم قرار المحكمة الاتحادية بنسف ملف قاتل الهاشمي، كانت لجنة أبو رغيف قد أكملت التحقيق وأحالته إلى المحكمة المركزية بالرصافة التي قضت بعد 8 تأجيلات بإعدامه غيابياً، في مايو (أيار) 2023.

وفي 31 يوليو 2023، نقضت محكمة التمييز، برئاسة رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، حكم الإعدام، وقررت إعادة إضبارة الدعوى إلى محكمة التحقيق المركزية في الرصافة؛ للسير في الإجراءات التحقيقية «وفق الأصول والقانون».

وخلال تلك المرحلة، لم يحضر الكناني أي جلسة محاكمة، وفقاً لمصادر موثوقة، وكان أمر وجوده في السجن من عدمه لغزاً محيراً، وسرد كثيرون روايات مختلفة عن تهريبه أو هروبه، لم يكن من السهل إثباتها.

نسخة ضوئية من قرار محكمة التمييز الطعن بحكم الإعدام على الكناني

ويتداول سياسيون وصحافيون عراقيون معطيات تفيد بأن الكناني «اختفى تماماً» منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، وهو الشهر الذي شكل فيه تحالف «الإطار التنسيقي»، حكومة محمد شياع السوداني بعد معركة سياسية شرسة مع التيار الصدري الذي غادر المشهد تماماً منذ صيف ذلك العام.

لكن كان من الواضح أن التكتم على حالة المتهم ومكانه، طوال فترة المحاكمة، ونقاط التحول المفصلية التي رافقت الإجراءات، يعكس جميعها كيف وصلت القضية أخيراً إلى براءة المتهم الذي كان مداناً.

وساعد قرار محكمة التمييز على تصفير القضية، وفتح الملف «نظيفاً دون أدلة معتبرة»، لتقرر محكمة عراقية تبرئة الكناني؛ لعدم كفاية الأدلة، وفقاً لمحام عراقي قال إنه كان يحاول مساعدة عائلة الهاشمي على تسيير القضية، وفشل في ذلك.

ومع ذلك قال مصدر قضائي عراقي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حكم البراءة لا يعني إغلاق قضية الهاشمي بشكل نهائي؛ لأن جرائم القتل لا تسقط بالتقادم».

وخلال سنتين من الآن، يمكن استئناف الدعوى القضائية ضد المتهم، الكناني أو غيره، في حال ظهور دليل جديد في القضية، على ما يقول المصدر القضائي.

«عاد إلى حياته والوظيفة»

في صفحة على منصة «فيسبوك»، نشر مدونون بدا أنهم مهتمون بنشاط قبيلة كنانة في العراق، تهنئة على إطلاق سراح «ولدهم أحمد حمداوي الكناني».

كان هذا بعد ساعات من تسريب معلومات عن قرار البراءة، مطلع هذا الأسبوع، تبعتها معلومات عن عودة الكناني إلى وظيفته الحكومية «بشكل طبيعي».

منشور من منصة «فيسبوك» يبدو أنها تهنئة من أقارب الكناني على البراءة

وقال مصدر أمني، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الكناني (وهو برتبة ملازم أول) باشر العمل في وزارة الداخلية». وأكد مصدر آخر أنه «تنسب على مديرية الأشغال الهندسية».

ووفق منصات رسمية لوزارة الداخلية، فإن «الأشغال الهندسية» تنفذ، منذ سنوات، أعمالاً بلدية تشمل إكساء شوارع في مناطق متفرقة، بالتعاون مع دوائر مدنية خِدمية.

وسألت «الشرق الأوسط» مسؤولين في وزارة الداخلية عما إذا كان الكناني قد عاد إلى العمل دون أن تحصل على أي رد، لكن ضابطاً عراقياً قال إنه «من الطبيعي حدوث ذلك بعد حكم البراءة».

والتحق الكناني، وهو من مواليد 1985، بسلك الشرطة عام 2007 بعد تخرجه في دورة ضباط بالعاصمة الأردنية عمان، وحينها كان العراق يرسل منتسبيه في أجهزة الأمن إلى هناك لحمايتهم من أعمال العنف التي كانت تستهدف مراكز التدريب والمعسكرات العراقية.

أحمد الكناني الضابط الذي اغتال هشام الهاشمي - صورة أرشيفية لعراقي أمام ملصق للباحث هشام الهاشمي الذي قُتل بالرصاص في بغداد يوليو 2020 (أ.ب)

«دية» الهاشمي... والعائلة تتوارى

بعد صدور حكم البراءة، حاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع عائلة هشام الهاشمي، لكن كان من الصعب حدوث ذلك؛ لأن مقرَّباً قال، لـ«الشرق الأوسط»، إنها «تفضل التواري عن الأنظار بشكل نهائي».

وأوضح المقرب من العائلة، الذي شدد على عدم ذكر اسمه، أن «جهات قضائية وأمنية أبلغت العائلة، بعد صدور حكم البراءة، بالحضور وتسجيل موقف قانوني بشأن الهاشمي، لكنها رفضت بسبب خشيتها (مما لا تُحمد عقباه)»، على حد تعبيره.

وادعى المقرب، نقلاً عن العائلة، أنها لم توافق على غلق القضية بطريقة «دفع الدية»، ونفت أنها تلقت أي أموال مقابل التسوية.

وقال: «العائلة تفضل الآن الابتعاد والانشغال بتربية أبناء هشام، وهي لأجل ذلك تتحسب من أي خطوة قد تجعلها في مواجهة غير متوازنة مع الجهة التي أمرت وخططت لقتله».

ومنذ تبرئة الكناني، لم يحظ الحدث بتفاعل واسع، كما جرت العادة، خلال العامين الماضيين، كلما طرأ جديد في المحاكمة.

ويقول سياسي عراقي من تحالف «إدارة الدولة»، طلب عدم الإفصاح عن هويته، خلال اتصال هاتفي، إن «القوى السياسية الشيعية المعنية بملف الهاشمي لا تتوقع أي رد فعل غاضب من الرأي العام».

وأشار السياسي، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «القوى المتنفذة نجحت، خلال الفترة الماضية، في تحييد جميع مصادر القلق في الشارع العراقي».

وقال النائب المستقل سجاد سالم، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذه رابع قضية تجري فيها تبرئة القتلة في جرائم راح ضحيتها متظاهرون وناشطون وباحثون». وأشار إلى أن «القوى المتنفذة نجحت الآن في تصفير كامل لجميع هذه القضايا».

وتحدّث سالم عن «تقديم مشروع قانون لمحاكمة القتلة لإنصاف الضحايا وتحقيق العدالة»، وقال إنه «خاطب الحكومة العراقية؛ لمعرفة رأيها بهذا الشأن».

لكن السياسي العراقي استبعد «حدوث اختراق» في هذا الملف؛ لأنه رأى أن «الإطار التنسيقي حفر نفوذه عميقاً في المؤسسات، ولم يترك مجالاً لسيناريو مختلف مستقبلاً، حتى لو عاد مقتدى الصدر». وقال إن «زعيم التيار الصدري حينما يعود سيضطر إلى العمل بأدوات سياسية مختلفة لن تشمل اجتثاث خصومه أو محاربتهم؛ لأنهم أغلقوا جميع الثغرات، ولم تكن قضية الهاشمي أكثرها خطورة عليهم».


مقالات ذات صلة

مبعوث ترمب يصوب نحو «شبكة الفساد المعقدة» في العراق

المشرق العربي مارك سافايا مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العراق (إكس)

مبعوث ترمب يصوب نحو «شبكة الفساد المعقدة» في العراق

مع مرور نحو 4 أشهر على تعيينه مبعوثاً خاصاً للرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى العراق، يواصل مارك سافايا ضغوطه على صناع القرار بهدف «تحقيق الاستقرار» في البلاد.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني داخل طائرة عسكرية (إعلام حكومي)

السوداني يقلل المخاوف من تدهور أمن الحدود مع سوريا

سعى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى تبديد مخاوف من تدهور أمني محتمل على الحدود مع سوريا، في ظل التطورات الأخيرة هناك، مؤكداً جاهزية القوات العراقية.

حمزة مصطفى (بغداد)
خاص رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (إكس)

خاص ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء يذكّر أحزاباً بأيام «عجاف» في العراق

في غمرة انشغال رئيس ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي بإقناع حلفائه داخل قوى «الإطار التنسيقي» لحسم ترشيحه، يواجه اليوم معارضة القوى السياسية السنية.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي جندي عراقي يراقب الأوضاع بالقرب من الحدود العراقية - السورية عند معبر «البوكمال - القائم» الحدودي (أرشيفية - رويترز)

العراق يعزز أمن الحدود مع سوريا... ويعتقل متسللاً «داعشياً»

تواصل السلطات الأمنية في العراق ما تقول إنها حالة تأهب وجهود لتأمين حدود البلاد، في ظل التطورات السياسية والأمنية الأخيرة الجارية في سوريا.

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد استؤنفت تدفقات النفط عبر ⁠خط أنابيب كركوك إلى «جيهان» أواخر سبتمبر (رويترز)

زيادة 21 % في صادرات العراق من نفط كركوك خلال فبراير

أظهرت جداول شحن، أن العراق سيصدر ما مجموعه 223 ألف برميل يومياً في فبراير (شباط) من خام ‌كركوك بزيادة ‌قدرها ‌21 في المائة ​عن ‌الشهر السابق، وفقاً لـ«رويترز».

«الشرق الأوسط» (لندن)

مبعوث ترمب يصوب نحو «شبكة الفساد المعقدة» في العراق

مارك سافايا مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العراق (إكس)
مارك سافايا مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العراق (إكس)
TT

مبعوث ترمب يصوب نحو «شبكة الفساد المعقدة» في العراق

مارك سافايا مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العراق (إكس)
مارك سافايا مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العراق (إكس)

مع مرور نحو 4 أشهر على تعيينه مبعوثاً خاصاً للرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى العراق، يواصل مارك سافايا تحذيراته وضغوطه على صناع القرار السياسي في العراق؛ بهدف «تحقيق الاستقرار» في البلاد، على حد زعمه.

وحتى الآن يمارس سافايا ضغوطه من خلال تغريداته المتواصلة عبر منصة «إكس»، وليس من السهل التكهن بطبيعة ما سيفعله في حال وصوله إلى العراق ولقائه كبار المسؤولين وجهاً لوجه، بينما يثير تعيينه سجالات وانقساماً بين الأوساط السياسية، لا سيما الفصائل المسلحة.

وفي أحدث تغريدة كتبها سافايا، الأربعاء، وأخطرها، وفق مراقبين، تحدث مبعوث ترمب عن الفساد الذي تعاني منه البلاد منذ أكثر من عقدين، ووصفه بـ«المرض».

وبات معروفاً في العراق أن الفساد من بين أكبر التحديات التي تواجهها الحكومات المتعاقبة من دون أن تتمكن من التصدي له فعلياً، بالنظر إلى تورط معظم الأحزاب والشخصيات والقوى النافذة فيه.

وقال سافايا: «إذا كان لا بد من إصلاح العراق، فتجب مواجهة الفساد أولاً وبحزم. الميليشيات عَرَض، أما الفساد فهو المرض».

وتحدث عن أنه يعرف بـ«التفصيل كيف تُمرَّر الأموال غير المشروعة. فهي لا تتدفق فقط عبر القيادات العليا، بل الأهم أنها تمر عبر طبقات من الفاعلين ذوي المستويات الأدنى، مثل أفراد العائلة والأصدقاء والحراس والسائقين والوسطاء. هذا الهيكل يوفّر العزل والإنكار، مع إبقاء المنظومة تعمل بكامل طاقتها».

وأشار إلى أن «هذه شبكة شديدة التعقيد ومُنشأة عمداً، وقد ظلت نشطة لأكثر من عقدين. وقد نجحت في الالتفاف على القوانين والأطر الرقابية وآليات التدقيق الدولية. ومن خلال هذا النظام، جرى تمكين الميليشيات المدعومة من إيران مالياً وحمايتها واستدامتها».

تدمير نفوذ الميليشيات

ولم تمر مناسبة دون أن يذكّر المبعوث الأميركي بخطر الميليشيات الموالية لإيران؛ الأمر الذي يطرح مزيداً من الأسئلة وعلامات الاستفهام داخلياً بشأن النيات التي يضمرها لتلك الفصائل والطريقة التي سيعتمدها في مجال سعيه إلى احتوائها وتدمير نفوذها، خصوصاً أنها باتت تملك اليوم تمثيلاً وازاناً في البرلمان يناهز 100 مقعد نيابي.

وخلص سافايا إلى القول إن «أي جهد جاد لاستقرار العراق، واستعادة سيادته، وتفكيك الميليشيات، يجب أن يبدأ بتفكيك شبكات الفساد التي تموّلها وتحميها. ولا بد من وقف مصادر الأموال الفاسدة الضخمة، مثل الرواتب الوهمية، والقروض الوهمية، والأصول الوهمية... ومن دون ذلك، فسيفشل أي جهد آخر».

ويوم الاثنين الماضي، ذكر سافايا أيضاً عباراته المتشددة ضد الفساد والميليشيات خلال لقائه مدير الاستخبارات الوطنية الأميركي، وأشار إلى مناقشته معه «دور الميليشيات المدعومة من إيران والشبكات المرتبطة بها. وأهمية مواصلة جهود الحكومة العراقية التي كانت خلال العام الماضي؛ لتعزيز أمن الحدود، ومكافحة التهريب والفساد».

ثم عاد سافايا، الثلاثاء، ونشر صورة مع الرئيس ترمب وقد ظهرت أمام الرئيس عملة نقدية فئة 5 آلاف دينار تعود إلى حقبة الرئيس الراحل صدام حسين؛ الأمر الذي فجر موجة من التفسيرات والأسئلة بشأن ظهورها في هذا التوقيت، وما إذا كانت إشارة «تفضيل» لذلك العهد الذي أُطيحَ أميركيّاً، لكن من دون أن يكون لتلك التفسيرات والأسئلة ما يرجحها.

وفي وقت سابق من الشهر الحالي، أعلن سافايا إجراءه مراجعة شاملة للمدفوعات والمعاملات المالية المشبوهة في العراق مع وزارة الخزانة الأميركية و«مكتب مراقبة الأصول الأجنبية»، إلى جانب مناقشة عقوبات مرتقبة تستهدف شبكات تقوض النزاهة المالية وتمول الأنشطة الإرهابية.

عناصر من «كتائب حزب الله» خلال استعراض ببغداد في سبتمبر 2024 (أرشيفية - رويترز)

«رسائل أميركية مباشرة»

وفي حين لم تصدر أي ردود أو بيانات معتبرة من القادة السياسيين العراقيين عن مجمل التصريحات والتغريدات التي يصدرها المبعوث الأميركي بشأن العراق، تتحدث أوساط سياسية وصحافية في العراق هذه الأيام عن «رسائل أميركية مباشرة وصلت إلى قادة ومسؤولين كبار متورطين في الفساد، تطالبهم بإعادة ما سرقوه إلى الدولة في مقابل عدم محاسبتهم علناً».

ومن الصعب التحقق من هذه المزاعم، لكن المصادر أشارت إلى أن الفترة المقبلة ستشهد تحولات في ملف إدارة موارد الدولة وطريقة إنفاقها، وصلة ذلك بنفوذ الفصائل والجماعات الموالية لإيران.

وسبق لسافايا أن صرح بأنه «ستُجرى مراجعة شاملة للمدفوعات والمعاملات المالية المشبوهة في العراق».

بدوره، قدم الباحث والمحلل باسل حسين، الأربعاء، عبر منصة «إكس»، ما وصفها بـ«النصيحة» للمبعوث الأميركي، في حال أراد أن يجعل من محاربة الفساد في العراق «فعلاً حقيقياً».

ويعتقد حسين أن ذلك يتمثل في إخضاعه إلى «معيار واحد لا ازدواج فيه؛ يحاسب فيه الفعل لا الفاعل، فجوهر العدالة في مكافحة الفساد أن تجرد من الاعتبارات الشخصية والسياسية، وأن تطبق القواعد على الجميع دون استثناء».

ورأى حسين أن «أحد أبرز أسباب إخفاق السياسة الأميركية في هذا الملف هو ازدواجية المعايير؛ إذ جرى غض الطرف عن فاسدين مقربين من الولايات المتحدة في العراق، بل وفي أحيان كثيرة استُقبلوا ورُحّب بهم، في حين انحصرت جهود مكافحة الفساد في استهداف أولئك المرتبطين بإيران وحدهم. هذه المقاربة الانتقائية لم تضعف مصداقية الخطاب الأميركي فحسب، بل قوضت أيضاً أي أمل في بناء ثقة حقيقية مع المجتمع العراقي».

وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فرض حزمة عقوبات استهدفت شخصيات مصرفية وشركات عراقية مرتبطة بـ«الحرس الثوري الإيراني» و«كتائب حزب الله»، وأيضاً «شركة المهندس» الذراع الاقتصادية لـ«الحشد الشعبي»، في خطوة قالت إنها تهدف إلى «تفكيك شبكات الفساد وغسل الأموال التي تمكّن الجماعات المسلحة من العمل داخل العراق وخارجه».


محمد مصطفى لـ«الشرق الأوسط»: تأخير إعمار غزة يخدم مخططات الترحيل

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (الشرق الأوسط)
رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (الشرق الأوسط)
TT

محمد مصطفى لـ«الشرق الأوسط»: تأخير إعمار غزة يخدم مخططات الترحيل

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (الشرق الأوسط)
رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (الشرق الأوسط)

في ظل وقف إطلاق نار هشّ في قطاع غزة، وما يرافقه من خروقات إسرائيلية وضغوط سياسية وأمنية متشابكة، يضع رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى خريطة طريق للمرحلة المقبلة، تبدأ من الأساسيات الإنسانية العاجلة، ولا تنتهي عند إعادة الإعمار وبناء المؤسسات وتوحيد غزة والضفة الغربية.

وفي حديث مع «الشرق الأوسط» على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، يربط مصطفى بين توفير سكن لائق «وإن كان مؤقتاً»، وبدء الإعمار وفتح المعابر، واستتباب الأمن، وإفشال مخططات الترحيل، مؤكداً أن تأخير هذه الخطوات يهدد فرص التعافي، ويخدم ما تريده إسرائيل من تهجير سكان القطاع.

أساسيات العيش الكريم «أولوية قصوى»

يقول مصطفى إن التقدم الذي أُحرز حتى الآن فيما يتعلق باتفاق وقف إطلاق النار في غزة «يستحق الشكر لكل الأطراف الدولية والعربية» التي أسهمت في تحقيقه، وبدء المسار نحو خطوات لاحقة. لكنه يؤكد أن المرحلة المقبلة ما زالت تتطلب الكثير من العمل، وأن «كل شيء يجب أن يبدأ من الأساسيات».

رجل يسير وسط الدمار في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقال رئيس الوزراء إن «الناس لا يزالون يموتون ويعانون من هذا الوضع. صحيح أنه لا توجد مجاعة اليوم، لكنَّ السكن اللائق غير متوفر، ولو بشكل مؤقت على الأقل». ويؤكد أن إسرائيل «لا تزال تفرض قيوداً على ذلك»، معتبراً أن هذه المسألة تمثل «أولوية قصوى».

ويضيف: «لا نريد الحديث عن أشياء كبيرة، فلنُبسّط الأمور. أبسط الاحتياجات بعد الأكل والشرب أن يعيش الناس في مكان محترم. لا نطلب عمارات ولا فيلات، بل سكناً مؤقتاً، مكاناً جاهزاً، غرفة بمساحة 70 أو 100 متر للعائلة، ليعيشوا بكرامة».

شرطا التعافي الاقتصادي

يرى رئيس الوزراء الفلسطيني أن الخطوة الثانية بعد توفير السكن المؤقت هي «التفكير الجدي في بدء التعافي الاقتصادي والإعمار، ولو في مراحله الأولى». ويقرّ بأن الترتيبات معقدة، لكنها تتطلب أمرين أساسيين: فتح المعابر، واستتباب الأمن. ويوضح أنه «من دون فتح المعابر لن تدخل مواد البناء، ومن دون أمن لن يكون هناك إعمار ولا اقتصاد ولا أي شيء آخر».

معدات ثقيلة على الجانب المصري من معبر رفح تنتظر الدخول إلى قطاع غزة في فبراير 2025 (أ.ف.ب)

ويؤكد أن الخطوة التالية يجب أن تكون «السماح بفتح المعابر لإدخال مواد البناء، والبدء في إصلاح البنية التحتية، بهدف توفير الخدمات الأساسية للمواطنين»، مشدداً على أن ذلك يتطلب بالضرورة «تحسين الوضع الأمني».

الوضع الأمني وبناء المؤسسات

يشدد مصطفى على أن تحسين الوضع الأمني يجب أن ينطلق من «إدراك أن ما يجري هو وضع مؤقت، وأنه في نهاية المطاف، وبعد نحو عامين، يجب أن تعود الأمور كاملة إلى السلطة الفلسطينية». ويتابع: «نريد أن نبني كل المؤسسات، بما فيها المؤسسة الأمنية، ونحن نأخذ هذا بعين الاعتبار».

في هذا السياق، يؤكد المسؤول الفلسطيني الرفيع «السعي للتسريع في العمل مع الأطراف الشريكة، خصوصاً مصر والأوروبيين والأردن من أجل إعادة إنشاء أو تعزيز القوة الأمنية الفلسطينية، وعلى رأسها الشرطة الفلسطينية، لتتمكن من حفظ الأمن في غزة».

ويضيف أن «القوة الدولية العسكرية للسلام، في حال وصولها، يمكن أن تقدم دعماً إضافياً، وتسهم في الحفاظ على السلام مع الجانب الإسرائيلي».

وحدة المؤسسات بين غزة والضفة

شدد رئيس الوزراء على أن الحكومة تسعى إلى «تطوير عمل المؤسسات في غزة كي تقوم بواجباتها في تقديم الخدمات للمواطنين، لكن ضمن أطر مؤسسية وقانونية موحدة بين غزة والضفة الغربية».

وأكّد أن «الهدف النهائي هو وحدة غزة والضفة، تمهيداً لقيام الدولة الفلسطينية، كما جرى الاتفاق عليه في مؤتمر نيويورك، الذي تم بقيادة المملكة العربية السعودية وفرنسا، وكما ورد في خطة ترمب وقرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي ينص على أن البداية تكون بوقف إطلاق النار، والنهاية هي حق تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية».

وحول ما إذا كان مخطط الترحيل لا يزال يشكل تهديداً حقيقياً، يقول مصطفى: «نأمل ألا يكون الترحيل حقيقياً، وألا ينجح. لكن لضمان فشله، يجب أن نُنجز ما تحدثنا عنه: إعمار، إغاثة، سكن، وأمن». ويتساءل: «كيف يمكن للناس أن يعيشوا؟». محذراً من أن غياب هذه المقومات سيدفع الناس للبحث عن أي فرصة للرحيل، وهو ما تريده إسرائيل.


مقتل 11 فلسطينياً بينهم صحافيون بنيران إسرائيلية في غزة

فلسطينية تبكي أمام جثمان أحد قتلى الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (رويترز)
فلسطينية تبكي أمام جثمان أحد قتلى الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (رويترز)
TT

مقتل 11 فلسطينياً بينهم صحافيون بنيران إسرائيلية في غزة

فلسطينية تبكي أمام جثمان أحد قتلى الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (رويترز)
فلسطينية تبكي أمام جثمان أحد قتلى الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (رويترز)

قُتل 11 فلسطينياً، اليوم (الأربعاء)، بنيران الجيش الإسرائيلي في مناطق متفرقة من قطاع غزة، في ظل تصاعد التوتر الميداني اليومي، رغم مرور نحو 100 يوم على اتفاق وقف إطلاق النار، حسب مصادر فلسطينية.

وأفادت مصادر طبية وأمنية فلسطينية بأن القتلى سقطوا جراء غارات جوية وإطلاق نار استهدف مناطق متفرقة من القطاع، مشيرةً إلى أن ثلاثة فلسطينيين قُتلوا شرق مخيم البريج بوسط قطاع غزة، فيما قُتل ثلاثة آخرون بشرق مدينة دير البلح، إضافةً إلى ثلاثة في منطقة الزهراء بجنوب مدينة غزة، واثنين في مدينة خان يونس بجنوب القطاع.

وأفادت وكالة الصحافة الفلسطينية (صفا) بـ«استشهاد ثلاثة مواطنين وإصابة آخرين في استهداف سيارة يستقلها صحافيون، قرب المستشفى التركي في المحافظة الوسطى للقطاع». وأكدت الوكالة أن «الشهداء كانوا يصورون مخيماً تشرف عليه اللجنة المصرية في المحافظة الوسطى».

وقال الناطق باسم الدفاع المدني، محمود بصل، لـ«وكالة الأنباء الألمانية» إن الصحافيين كانوا يرتدون ملابس مميزة للصحافة في أثناء وجودهم في موقع الاستهداف.

من جهتها، قالت إذاعة الجيش الإسرائيلي إن سلاح الجو نفَّذ غارة استهدفت سيارة في وسط قطاع غزة، بزعم أن من كانوا بداخلها استخدموا طائرة مسيَّرة لجمع معلومات استخباراتية عن قوات الجيش الإسرائيلي المنتشرة في المنطقة.

وقالت سلطات الصحة في غزة، في وقت سابق اليوم، إن النيران الإسرائيلية قتلت خمسة ​فلسطينيين، بينهم طفلان، في وسط وجنوب القطاع غزة، فيما قال الجيش الإسرائيلي إنه «قضى» على مسلح فلسطيني شكل تهديداً للجنود.

وتتبادل إسرائيل وحركة «حماس» الفلسطينية الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه ‌في أكتوبر (تشرين ‌الأول) بعد حرب ‌استمرت ⁠عامين ​دمَّرت ‌غزة وتسببت في كارثة إنسانية.

وتوجد فجوات واسعة بين الطرفين بشأن الخطوات التالية لتنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول غزة والمؤلفة من 20 نقطة.

وقال مسعفون فلسطينيون إن ثلاثة، من بينهم طفل ⁠عمره 10 سنوات، قُتلوا نتيجة قصف الدبابات الإسرائيلية شرقي ‌دير البلح وسط غزة.

وأضافوا أن شخصين آخرين، وهما صبي عمره 13 عاماً وامرأة، لقيا حتفهما بنيران إسرائيلية في واقعتين منفصلتين في شرق خان يونس بجنوب القطاع. وقال السكان إن الواقعتين حدثتا في مناطق يسيطر ​عليها الفلسطينيون.

وأدى وقف إطلاق النار إلى انسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية لتسيطر على نحو ⁠53 في المائة من القطاع. لكنَّ سكاناً قالوا لوكالة «رويترز» إن القوات وسَّعت وجودها تدريجياً في الأسابيع الماضية مما أجبر عائلات فلسطينية على النزوح.

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان، إن قواته قتلت «إرهابياً» عبر إلى منطقة خاضعة لسيطرتها ‌مما شكَّل تهديداً وشيكاً للجنود المنتشرين هناك.