المسنّون في لبنان من دون دواء ولا استشفاء

الضمان الاجتماعي يرفع تقديماته إلى 50 % والنسبة لا تكفي

ممرضة تستعد لتقديم علاج لمرضى في مستشفى في بيروت (رويترز)
ممرضة تستعد لتقديم علاج لمرضى في مستشفى في بيروت (رويترز)
TT

المسنّون في لبنان من دون دواء ولا استشفاء

ممرضة تستعد لتقديم علاج لمرضى في مستشفى في بيروت (رويترز)
ممرضة تستعد لتقديم علاج لمرضى في مستشفى في بيروت (رويترز)

تخطّت اللبنانية إنعام الحلبي الثمانين من عمرها، لكن كابوس الشيخوخة يطاردها كلّ يوم، وتزداد قلقاً ما دامت تعيش ببلدٍ قيمة الإنسان فيه ليست أولوية، فكيف بالمسنين الذين تجتاحهم الأمراض، ويفتقدون التغطية الطبيّة سواء من وزارة الصحة أو الضمان الاجتماعي أو شركات التأمين الخاصّة؟

وحال إنعام كحال أكثر المتقدمين في العمر الذين وجدوا أنفسهم من دون ضمانات صحية. تروي إنعام بألم وحسرة كيف انقلبت حياتها رأساً على عقب: «قبل الأزمة كنّا بخير»، تقول السيّدة المسنّة، وتضيف: «كنت أُعالَج أنا وزوجي على نفقة الضمان الاجتماعي، وكنا مسجَّليْن على اسم ولدنا الوحيد الذي يعمل في شركة خاصّة، لكن بعد الأزمة فقدنا التغطية الطبية، لأن صندوق الضمان يسدد فواتير المعاينات الطبيّة والاستشفاء والفحوصات على تسعيرة 1500 ليرة للدولار الواحد، بينما تتقاضى المستشفيات والمختبرات مستحقاتها على دولار الـ90 ألف ليرة». وتؤكد أن «تكلفة معاينة الطبيب والتحاليل الطبية تستلزم تأمين نحو 400 دولار أميركي كل 3 أشهر، وولدي بات عاجزاً عن تسديد هذا المبلغ».

جانب من الاحتجاجات للمطالبة برفع الحد الأدنى للأجور أمام السراي الحكومي في بيروت الأحد (إ.ب.أ)

حال إنعام أفضل من زوجها الذي طوى قبل أيام عامه الـ91 مع وضعٍ صحّي ينذر بالأسوأ، وتقول بحسرة: «زوجي يحتاج إلى 9 أنواع من أدوية الأمراض المزمنة لا يمكنه الاستغناء عنها». وتشير إلى أن ولدها «قصد معظم شركات التأمين الخاصة، وحاول الحصول على بطاقة تأمين (insurance)، كلّها رفضت تأميننا لكوننا تجاوزنا الثمانين من العمر». وتختم إنعام: «نتمنّى الموت كلّ ساعة، الموت أرحم من الحياة في بلد لا قيمة فيه إلّا للأغنياء وأصحاب الثروات».

أزمة المسنين

حكاية إنعام ليست حالة فريدة في لبنان، بل هي نموذج صارخ لما يعانيه المسنّون الذين ينتظرون قدَراً محتوماً، واللافت أن المحنة لا تطول العاجزين عن الالتحاق بشركات التأمين، بل تنسحب حتى على المؤمَّن عليهم المتقدمين في العمر، إذ تتنصّل بعض الشركات من التزاماتها تجاههم. ويشير فادي. خ. الذي يعمل في مهنة حرّة، إلى أنه «ملتزم بتسجيل والديه في إحدى شركات التأمين من أكثر من عقدين»، ويكشف لـ«الشرق الأوسط» أن والدته البالغة من العمر 76 عاماً «اضطُرت إلى دخول المستشفى، وإجراء عملية طارئة، غير أن الصدمة أتت من شركة التأمين التي تنصّلت من تغطية تكلفة العملية والعلاج، لكونها متقدمة في السنّ».

ويعبّر عن غضبه لأن «العملية الطارئة تأخرت ساعات، وكلّ محاولاته باءت بالفشل لولا تدخل المحامي الذي لوّح برفع دعوى قضائية ضدّ الشركة التي طلبت مبلغاً إضافياً قدره 2000 دولار للقبول بتغطية العملية».

تأمين صحي لكبار السن

رئيس جمعية شركات التأمين (ACAL) أسعد ميرزا استغرب حدوث هذه الحالة، وأكد لـ«الشرق الأوسط»، أن «مؤسسات التأمين ملتزمة بتوفير التغطية الصحيّة الشاملة للمؤمَّن عليهم لديها حتى الموت، شرط أن يكونوا منتسبين قبل بلوغ السبعين عاماً، وهذه التغطية مؤمَّنة لـ720 يوماً». واعترف ميرزا بأن الشركات «لا تقبل تأمين الذين بلغوا السبعين من العمر ولم يكونوا منتسبين قبل ذلك، لأنه لا يمكنها أن تحلّ مكان الدولة».

ثمّة حالات يمكن قبول المسنين لكنها من دون فائدة، ويوضح وليد هاونجي، وهو وكيل عدد من شركات التأمين الخاصّة، أن «الشركات ملزَمة بتغطية نفقات المرض والعلاج لكبار السنّ إذا كانوا مؤمَّناً عليهم منذ سنوات، أي قبل إصابتهم بمرض عضال أو مزمن». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لدينا منتسبون للتأمين هم الآن بعمر الـ94 عاماً، لكنهم انتسبوا قبل سنوات طويلة». وأضاف هاونجي: «شركات التأمين مستعدة لتوفير البطاقة الصحيّة لمنتسبين جدد من كبار السنّ، لكنّ هذه البطاقة لا تغطي الأمراض المزمنة والمستعصية التي يعانيها المريض قبل انتسابه»، مشيراً إلى أن «التأمين الجديد يشمل حالات الطوارئ فقط، أي إذا أصيب المؤمَّن عليه بكسر أو بحادث معين، أما إذا أصيب بانتكاسة صحيّة نتيجة ما يعانيه سابقاً، أي أمراض القلب والضغط والسكري والسرطان، فلا يمكن شمولها بالتغطية». وأوضح أنه «إذا جرى تأمين أحد كبار السنّ، ولم يصب في السنة الأولى بعارض صحّي، يمكن تجديد بطاقته في السنة التالية مع شمول أمراض مزمنة، لكن تكلفتها تكون مرتفعة وتتراوح بين 3000 و10000 دولار أميركي».

ممثلات عن منظمات طبية دولية خلال زيارة إلى مركز طبي تديره مؤسسة «عامل» الدولية (عامل)

صناديق التعاضد

ما بين مؤسسات الدولة الضامنة التي وضعت خارج الخدمة، وبين شركات التأمين التي «تنحر» المواطن، ثمة حلول بديلة يمكن اللجوء إليها، إذ أوضح رئيس اتحاد صناديق التعاضد الصحية قي لبنان غسان ضو أن «صناديق التعاضد هي مؤسسات اجتماعية لا تتوخى الربح، ومنصوص عليها في مرسوم إنشائها». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن صناديق التعاضد التي تنتمي إلى مديرية التعاونيات اللبنانية «تعمل على مواجهة الهمّ الاستشفائي للمواطن اللبناني، بغض النظر عن عمره وحالته الصحية».

وسأل: «كيف يرتاح رب الأسرة عندما تطلب المستشفى آلاف الدولارات مسبقاً قبل دخول المريض، وهذا ما يخلق قلقاً كبيراً عند الناس». وأضاف: «لا سقف لعمر المنتسبين إلى صندوق التعاضد الاستشفائي، نحن ندرك أنه عندما يتجاوز الشخص السبعين من العمر تصبح احتمالات إصابته بالمرض وحاجته للاستشفاء كبيرة جداً، ولدينا كثير من المشتركين من كبار السن، ولقد احتفلنا قبل أسبوعين بمنتسب للصندوق أتمّ الـ100 عام من العمر».

وذكّر رئيس اتحاد صناديق التعاضد الصحي بأن «الضمان الاجتماعي وسائر الهيئات الضامنة الحكومية، كانت تحصّل اشتراكاته قبل الأزمة على الليرة اللبنانية وتسدد 90 في المائة من قيمة الفاتورة الاستشفائية، أما اليوم فباتت المستشفيات والمراكز الطبية تستوفي الفاتورة على سعر 89000 ليرة للدولار». وشدد ضو على أن «اتحاد صناديق التعاضد الصحي يسعى لتحقيق هدف رئيس، وهو أن تتوافر رعاية صحية لكل الناس دون تفرقة أو تمييز، لأن قدرة الجماعة المتعاضدة أقوى من قدرة المواطن وحده».

الضمان الاجتماعي

ومن جهته، أقرّ مدير عام الضمان الاجتماعي الدكتور محمد كركي بصعوبة «الهمّ الاستشفائي لدى الناس منذ انهيار قيمة العملة الوطنية»، وكشف لـ«الشرق الأوسط»، أن مجلس إدارة الضمان «حقق نقلة نوعيّة ومقبولة في الأيام الماضية، حيث اتخذ قراراً بتسديد 60 في المائة من القيمة الفعلية لفاتورة الأدوية للأمراض المزمنة شرط أن تكون أدوية «جنيريك». وقال: «أعدنا هندسة كل تقديمات الضمان الاجتماعي، وبات بإمكان المضمونين الاستفادة من 620 نوعاً من الدواء بتغطية 60 في المائة من قيمتها»، مشيراً إلى أن «الزيادة شملت أيضاً معاينات الأطباء المختصّين، وباتت قيمة المعاينة مليون ليرة لبنانية (ما يعادل 11 دولاراً أميركياً).

وأكد كركي أن الضمان «اتخذ قراراً برفع فاتورة الاستشفاء، وهذا القرار سيوضع موضع التنفيذ خلال أسبوعين المقبلين»، موضحاً أن «القرار يقضي بأن يدفع الضمان ما نسبته 50 في المائة على 3200 عملية جراحيّة، وأيضاً نفس النسبة للعلاج الاستشفائي في كل المستشفيات اللبنانية، وذلك بدلاً من نسبة الـ90 في المائة التي كان يسددها قبل الأزمة».


مقالات ذات صلة

حرص سعودي على «الاستقرار الداخلي في لبنان»

المشرق العربي مستشار وزير الخارجية السعودي الأمير يزيد بن فرحان (الوكالة الوطنية للإعلام)

حرص سعودي على «الاستقرار الداخلي في لبنان»

جدَّد الأمير يزيد بن فرحان، مستشار وزير الخارجية السعودي، حرص المملكة على الاستقرار الداخلي في لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته في الاجتماع غير الرسمي لقادة دول الاتحاد الأوروبي في قبرص (أ.ب)

عون: لبنان يرفض أن يكون «ورقة تفاوض» في الصراعات الإقليميَّة

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن لبنان «يرفض أن يكونَ ورقةَ تفاوض في الصراعاتِ الإقليميَّة»، مشدداً على أنه «يفاوض باسمه، دفاعاً عن مصالحه الوطنيَّة وسيادتِه».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن ومسؤولين في الخارجية الأميركية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الخميس (أ.ب)

تصعيد عسكري في جنوب لبنان يختبر تمديد الهدنة 3 أسابيع

اختبر التصعيد الميداني في جنوب لبنان، صمود الهدنة الممدة لثلاثة أسابيع، إذ أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاراً باخلاء قرية كاملة تقع على بُعد 11 كيلومتراً عن الحدود

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)

تمديد الهدنة يبدّد جزءاً من مخاوف الحرب ولا يلغي قلق اللبنانيين

قبل ساعات قليلة من تمديد وقف إطلاق النار في لبنان لمدة ثلاثة أسابيع، كانت السفارة الأميركية في بيروت ترسم مشهداً مختلفاً تماماً: طلب مغادرة فورية لرعاياها.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (الرئاسة اللبنانية)

وزير الخارجية السعودي يجدد دعم المملكة لاستقرار لبنان

جدد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، موقف المملكة العربية السعودية الداعم لاستقرار الجمهورية اللبنانية

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مراوحة مستمرة في العراق بشأن اختيار رئيس الوزراء الجديد

نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)
نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

مراوحة مستمرة في العراق بشأن اختيار رئيس الوزراء الجديد

نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)
نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)

فشل التحالف الشيعي الرئيسي في العراق، الجمعة، في الاتفاق على مرشح جديد لمنصب رئيس الوزراء، بعدما قوّضت الضغوط الأميركية فرص نوري المالكي الذي كان الأوفر حظا.

وقبل الجمعة، عقد قادة «الإطار التنسيقي»، وهو ائتلاف حاكم يضم فصائل شيعية ترتبط بدرجات متفاوتة بإيران وكان قد رشّح المالكي في البداية، اجتماعات عدة هذا الأسبوع لإجراء مشاورات مكثفة لحسم ملف رئاسة الحكومة، من دون التوصل إلى نتيجة.

وأفادت وكالة الأنباء العراقية الرسمية، بعد اجتماع الجمعة، بأنهم سيجتمعون مجددا السبت لـ «حسم مرشح منصب رئاسة الوزراء»، وفقا لوكالة الصحافة الفرنسية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد هدد في يناير (كانون الثاني) بوقف دعم العراق في حال عودة المالكي الذي شغل رئاسة الحكومة لولايتين ويتمتع بعلاقات وثيقة مع إيران، إلى المنصب.

وفي العراق، يؤدي ترشيح الكتلة الشيعية الأكبر عمليا إلى وصول مرشح إلى السلطة عبر تكليف رئاسي، لكن تهديدات ترمب أعادت خلط الأوراق.

ورغم أن «الإطار التنسيقي» لم يسحب رسميا دعمه للمالكي، فإن قادته يناقشون أسماء بديلة محتملة.

ومن بين هذه الأسماء رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، ورئيس جهاز المخابرات حميد الشطري، وباسم البدري الذي يرأس لجنة تُعنى بمنع أعضاء حزب «البعث» الذي كان يتزعمه صدام حسين من تولي مناصب عامة.

ولطالما سعى العراق إلى الموازنة بين نفوذ حليفيه، إيران المجاورة والولايات المتحدة، الخصم اللدود لطهران.


الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)
أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)
TT

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)
أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

حذّرت الأمم المتحدة، الجمعة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

وأشارت إلى أنّ هذه القنابل والقذائف، بل وحتى الرصاصات، باتت منتشرة في مختلف أنحاء القطاع منذ اندلاع الحرب التي شنّتها إسرائيل عقب هجوم غير مسبوق لحركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ويُظهر مسح أجرته دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS) أنّ أكثر من ألف شخص لقوا حتفهم في غزة نتيجة وجود هذه الذخائر المرتبطة بالنزاع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

غير أنّ الحصيلة الفعلية «يرجّح أن تكون أعلى بكثير»، وفق ما قال يوليوس فان دير فالت، المسؤول عن هذه الدائرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأضاف، خلال مؤتمر صحافي في جنيف، أنّ «نحو نصف الضحايا من الأطفال».

ومن جانبها، أسفت نارمينا ستريشينيتس من منظمة «سايف ذا تشيلدرن» على الثمن الباهظ الذي يدفعه الأطفال في غزة.

ووفق تقرير نشرته المنظمة العام الماضي، فإن استخدام الأسلحة المتفجرة في القطاع تسبّب شهرياً في المتوسط بإصابة 475 طفلاً بإعاقات قد ترافقهم مدى الحياة. وقالت ستريشينيتس إن غزة تضم اليوم «أكبر عدد من الأطفال مبتوري الأطراف» في العالم.

وأوضح فان دير فالت أنّ الدائرة الأممية لم تتمكّن بعد من تقييم حجم المشكلة بالكامل، لكن البيانات المتاحة تُظهر «كثافة مرتفعة» من التلوث بالذخائر غير المنفجرة في القطاع.

وقد أحصت الدائرة حتى الآن أكثر من ألف ذخيرة خلال عمليات نفّذتها على مدى العامين ونصف العام الماضيين.

وأشار إلى أنّ ذلك يعادل «ذخيرة واحدة كل 600 متر تقريباً»، لافتاً النظر إلى أنّ هذا الرقم يقتصر على ما تم رصده فقط.

ويُضاف إلى ذلك الكثافة السكانية العالية جداً في غزة، التي كانت قبل الحرب من بين أكثر المناطق اكتظاظاً في العالم بنحو ستة آلاف نسمة في الكيلومتر المربع، على حد قوله، مشيراً إلى أنّ الحرب خفّضت فعلياً المساحة المتاحة إلى النصف وضاعفت الكثافة.

وقال إن «الأسلحة المتفجرة تُستخدم في كل أنحاء القطاع، بما في ذلك في مخيمات لاجئين شديدة الاكتظاظ»، مستشهداً بحادثة حديثة عُثر فيها على بقايا ذخائر داخل خيمة مأهولة منذ أسابيع. كما حذّر من أنّ القوافل الإنسانية قد تتسبّب بانفجارات في أثناء عبورها القطاع.

وقدّر فان دير فالت أنّ التعامل مع هذه الذخائر قد يتطلّب، في أفضل الأحوال، نحو 541 مليون دولار، شرط الحصول على كل التصاريح اللازمة وتوفير المعدات المطلوبة.

وحذّر من أنّ حجم التلوث، ولا سيما في الأنقاض، يجعل من شبه المستحيل إجراء تقييم كامل، مرجّحاً أن تبقى هذه المتفجرات مشكلة لعقود.

وأشار إلى العثور حتى اليوم على قنابل من الحرب العالمية الثانية في مواقع بناء في المملكة المتحدة، معتبراً أنّ «أمراً مشابهاً قد يحدث» في قطاع غزة.


الشرع: سوريا «شريان آمن» لربط آسيا الوسطى والخليج بأوروبا

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا الجمعة (رويترز)
الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا الجمعة (رويترز)
TT

الشرع: سوريا «شريان آمن» لربط آسيا الوسطى والخليج بأوروبا

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا الجمعة (رويترز)
الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا الجمعة (رويترز)

أكد الرئيس السوري، أحمد الشرع، الجمعة، أن اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين في العاصمة القبرصية، نيقوسيا، يمثل لحظة نضج سياسي واستراتيجي تكرس واقعاً جيوسياسياً جديداً يتجاوز الأطر التقليدية للتعاون، واضعاً أمام الشركاء «مبادرة البحار الأربعة» و«الممرات التسعة» لتمثل سوريا الشريان البديل والآمن الذي يربط آسيا الوسطى والخليج بقلب القارة الأوروبية.

وقال الشرع، في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع غير الرسمي للاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين في نيقوسيا: «الوقوف على ضفة المتوسط المشترك يؤكد حقيقة راسخة، وهي أن أمن القارة الأوروبية واستقرار المنطقة يمثلان توازناً جيوسياسياً، لا يقبل التجزئة، ويفرض العمل بروح الشراكة والمسؤولية الجماعية».

أضاف قائلاً: «إن ثقل هذه المسؤولية يتجلى اليوم وسط التحديات القاسية التي تمس أمن مواطني المنطقة ومجتمعاتهم، وتضرب عصب التجارة العالمية؛ حيث يشكل إغلاق مضيق هرمز خطراً كبيراً؛ ما يضعنا أمام استحقاق تاريخي يفرض ابتكار استراتيجية من قلب منطقتنا».

وأشار إلى أن أوروبا تحتاج إلى سوريا بقدر ما تحتاج سوريا إلى أوروبا، مضيفاً: «إن الشراكة الأوروبية العربية المتوسطية غدت المسار الحتمي والملاذ الآمن لاستدامة تدفقات الطاقة، وضمان أمن الإمدادات العالمية».

الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس يتحدث مع الرئيس السوري أحمد الشرع قبل التقاط الصورة التذكارية لقمة الاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين في نيقوسيا الجمعة (إ.ب.أ)

وشدد الشرع على ضرورة وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته إزاء الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة بحق السيادة السورية، من توغلات برية وغارات جوية وخروقات شبه يومية تطول الأراضي والأجواء السورية، في مخالفة صريحة لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، ولأبسط قواعد القانون الدولي، مؤكداً أن هذه الاعتداءات لا تستهدف الأمن السوري فحسب، بل تستهدف في جوارها مسار التعافي وإعادة الإعمار، وتضرب الاستقرار الإقليمي الذي يشكل الأساس الذي تقوم عليه الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

ورأى أن «التزام الشركاء الأوروبيين بأمن سوريا واستقرارها يقتضي موقفاً حازماً يلزم إسرائيل بوقف الاعتداءات فوراً؛ لأن حماية المسار الذي انطلق اليوم تبدأ من حماية الأرض التي ينهض عليها».

ولفت إلى أن «سوريا التي كانت ساحة لصراعات الآخرين تختار اليوم بإرادة شعبها ومؤسساتها أن تكون جسراً للأمان، وركيزة أساسية للحل»، مؤكداً أن «الجغرافيا قدرنا والشراكة قرارنا، ومن هذا المنطلق نضع بتصرف شركائنا في المتوسط والخليج العربي مبادرة البحار الأربعة وممراتها التسعة لتمثل سوريا الشريان البديل والآمن الذي يربط آسيا الوسطى والخليج بقلب القارة الأوروبية».

وقال الرئيس السوري: «إن ما أنجزناه اليوم هو البداية الواثقة التي تمهد الطريق لحدثنا الأكبر في بروكسل، يوم الحادي عشر من مايو (أيار) المقبل؛ حيث سندشن الحوار السياسي السوري الأوروبي رفيع المستوى... إن أمامنا سبعة عشر يوماً من العمل المكثف نمضي فيها بعزيمة صلبة لترسيخ دور سوريا الشريك الاستراتيجي الذي يسهم في بناء مستقبل القارة الأوروبية، وضمان استقرار منطقتنا».

وشارك الرئيس الشرع في أعمال الاجتماع غير الرسمي للاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين في مركز فيلوكسينيا في نيقوسيا، بدعوة من الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، حيث ألقى كلمة أكد فيها ضرورة تعزيز الاستقرار الإقليمي وتكثيف التنسيق الدولي لمواجهة التحديات المشتركة.