سجن «غوانتانامو إسرائيلي» في الضفة الغربية

موظف فلسطيني من ضحايا المعتقل الأميركي يروي تجربته القاسية في السجن الإسرائيلي

سجن عوفر الإسرائيلي (أ.ف.ب)
سجن عوفر الإسرائيلي (أ.ف.ب)
TT

سجن «غوانتانامو إسرائيلي» في الضفة الغربية

سجن عوفر الإسرائيلي (أ.ف.ب)
سجن عوفر الإسرائيلي (أ.ف.ب)

وصفت صحيفة «هآرتس» العبرية سجن عوفر المقام في محيط القدس في الضفة الغربية بأنه مثل سجن «غوانتانامو» الأميركي سيئ الصيت في كوبا، نتيجة ما يحدث فيه من تنكيل وتعذيب للمعتقلين الفلسطينيين منذ اندلاع الحرب على غزة.

وقال معدا التقرير في «هآرتس»، جدعون ليفي وأليكس ليباك، إنهما التقيا منذر عميرة، وهو فلسطيني كان قد اعتُقل في غوانتانامو، ثم اعتُقل مرات عدة في إسرائيل فقال إن ما مرّ به في سجن عوفر وما شهده من إهانة، وتعرية، وبرد، وتكبيل مدة طويلة، وطعام غير قابل للأكل، ونوم على الأرض، وغرف ليس فيها أي شيء، لا يشبه أي شيء آخر عرفه سابقاً.

وجاء في التقرير الذي نُشر، الجمعة: «أحد أصدقاء منذر قال له إن الأشهر الثلاثة الأخيرة التي كان معتقلاً فيها تساوي 10 سنوات في السجن. الشهادة المفصلة التي قدمها لنا عميرة في هذا الأسبوع في بيته في مخيم عايدة للاجئين في بيت لحم، كانت صادمة. لقد تطرق إلى أدق التفاصيل دون أي حساسية، إلى أن رغبنا في أن ينهي أقواله. لم يكن بالإمكان تحمّل هذه الأمور، لكن يبدو أن عميرة انتظر الفرصة من أجل التحدث عما مر به. لقد حدثنا عن قصة جهنم التي مر بها بلغة إنجليزية طليقة دمج فيها بين حين وآخر لغة السجن بالعبرية. الأوصاف انطلقت منه واحداً تلو آخر، ورعباً تلو رعب، وإهانة تلو إهانة. وقد عبّر عنها بواسطة لغة الجسد وهو يركع على الأرض مرة تلو أخرى، وفي أشهر فقد 33 كيلوغراماً من وزنه. في هذا الأسبوع كان يبدو قوياً، جسدياً ونفسياً».

حارسان إسرائيليان في سجن عوفر العسكري قرب القدس (إ.ب.أ)

وتابع معدا التقرير: «صورتان كبيرتان معلقتان في بيت عميرة. الصورة الأولى لناصر أبو سرور، صديقه الذي يوجد في السجن منذ 32 سنة بتهمة قتل عميل لـ«الشاباك» (جهاز الأمن العام)، والصورة الثانية له نفسه في يوم إطلاق سراحه قبل أسبوعين. تصعب ملاحظة التشابه بين محدثنا وبين مظهره في الصورة. عميرة عمره 53 سنة، متزوج وأب لـ5 أولاد، وُلد وترعرع في مخيم اللاجئين هذا الذي يعيش فيه أحفاد 27 قرية فلسطينية مدمرة. وهو أيضاً الذي رسم مفتاح العودة الكبير المعلق على بوابة المخيم والذي كتب عليه «ليس للبيع». عميرة هو ناشط سياسي يؤمن بالنضال غير العنيف، حتى بعد القتل في غزة، كما أكد لنا. هو ابن حركة «فتح»، ويعمل في وزارة الاستيطان والجدار في السلطة الفلسطينية، وهو خريج كلية علم الاجتماع في جامعة بيت لحم».

ويصف الكاتبان قصة اعتقاله فيكتبان: «في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2023، الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. ضجة كبيرة، عميرة نظر من النافذة، وشاهد الجنود وهم يضربون شقيقه الأصغر كريم (40 سنة)، وهو المدير الإداري لقسم القلب في مستشفى «الجمعية العربية» في بيت لحم. الجنود قاموا بجر كريم إلى الطابق الثاني، إلى شقة منذر، هناك رموه في وسط الصالون. عميرة قال إن شقيقه فقد وعيه، فهو غير معتاد على مثل هذا العنف. جنود كثيرون كانوا في الغرفة، ربما 10. ابنة عميرة، يمنى، وقفت خلفه. الضابط قال: «خذوها»، قلب عميرة ارتعب. هل جاؤوا من أجل اعتقال ابنته الطالبة ابنة الـ18؟ ما ذنبها؟ بعد ذلك قام الجنود بتكبيل ابنه محمد (13 سنة) وابنه غسان (22 سنة). محمد كان يرتدي قميصاً عليه خريطة فلسطين، الجنود قاموا بتمزيق القميص. الأب لا يعرف ما الذي يحدث. الجنود قاموا بتصوير عميرة، وأرسلوا الصورة إلى جهة معينة. «هذا كل شيء»، قالوا بعد ذلك. قاموا بتقييد عميرة، وأخذوه إلى موقع عسكري. هناك رُمِي على الأرض والجنود ركلوه حسب قوله. بعد ساعة أعادوه إلى البيت. عيناه كانتا معصوبتين، لكن من وراء عصابة العين سمع يمنى وهي تصرخ: «أحبك». هذه اللحظة سترافقه في الأشهر الثلاثة المقبلة في السجن. بعد أن أخذه الجنود في السيارة رموه على أرضية السيارة، وركلوه وداسوا عليه من دون توقف. بعد نصف ساعة وصلوا إلى قاعدة عسكرية وتُرك في الخارج في ليلة من ليالي ديسمبر. تحدث الجنود عن غزة. أحدهم قال له: «اليوم سنحقق حلمك. هل ترغب في أن تكون شهيداً؟ سنرسلك إلى غزة». عميرة كان يرتجف، فقد خاف من أن ينفذ الجنود غايتهم، وتخيل موته في غزة. «أنا أريد العيش وليس الموت»، قال وهو يصف بكلامه سير الأحداث».

جنود يسيرون داخل معتقل غوانتانامو (أ.ب)

ويواصلان: «في الصباح وجد نفسه في معسكر عصيون. «العرض بدأ»، قال الجنود. قاموا بإدخاله إلى مكتب، وفكوا القيود التي تركت آثاراً زرقاء على يديه، وبعد ذلك طلبوا منه خلع ملابسه، وعندما وصل إلى الملابس الداخلية رفض خلعها. قام الجنود بركله فسقط على الأرض. «فجأة أدركت ماذا يعني الاغتصاب، وماذا يعني التحرش الجنسي. هم أرادوا تعريتي وتصويري». وقف عارياً والجنود أمروه بفتح رجله، وشعر بالإهانة كما لم يشعر بذلك من قبل. شعر بأنهم سينشرون الأفلام التي صوروها، وفي النهاية أخذوه إلى الزنزانة.

وجبة المساء تضمنت قطعة جبن بيضاء وقطعة خبز. ووجبة الغداء في اليوم التالي أزعجته تماماً. الجنود قاموا بوضع 4 صحون في زوايا الغرفة الأربع، والمعتقلون الثمانية طلب منهم الركوع والأكل من هذه الصحون بأيديهم. المشهد كان يشبه قطط الشوارع. الأكل كان يشمل العصيدة غير الواضحة وغير القابلة للأكل. وفق قوله ربما هذا كان خليطاً من بقايا طعام الجنود. سأل ما هذا الشيء الأبيض. قالوا له هذه بيضة. عميرة لم يأكل. في اليوم التالي نُقل إلى سجن عوفر، وهناك جرى التحقيق معه حول المنشورات التي قال الجنود إنه رفعها، لكنه نفى ذلك. «لا يوجد على صفحتي في (فيسبوك) أي شيء يؤيد العنف»، قال. المنشورات تضمنت التماهي مع مصير سكان غزة. «مبروك، قال لي المحقق. أنت ستذهب إلى الاعتقال الإداري»، هكذا حكم عليه مدة 4 أشهر سجن من دون محاكمة. ووفق معرفته من دون أدلة أيضاً. «كنت في عوفر في السابق، لكن الأمر لم يكن هكذا في أي يوم». خليط بين أيام حرب مسموح فيها بالتنكيل بالفلسطينيين في كل مكان، وبين يدي مصلحة سجون تابعة لإيتمار بن غفير (وزير الأمن القومي). عميرة قرر عدم معارضة أي شيء بعد ذلك كي يبقى على قيد الحياة».

وقد نقلت الصحيفة تعليق المتحدث بلسان مصلحة السجون فقال: «نحن لا نعرف عن الادعاءات التي جرى ذكرها. ووفق معرفتنا هي غير صحيحة. في حالة تقديم شكوى منظمة فإنه سيجري فحصها من قبل الضباط المناسبين». وقال متحدث بلسان الجيش الإسرائيلي: «المشبوه اعتُقل بتهمة التحريض والنشاط في منظمة معادية في 18 ديسمبر. في جلسة المحكمة العسكرية التي ناقشت طلب النيابة العسكرية تمديد اعتقاله، طرح المشبوه ادعاءات ضد سلوك الجنود معه أثناء الاعتقال. الادعاءات ما زالت قيد الفحص».


مقالات ذات صلة

هل أوقف هجوم «حماس» خطط إعادة توطين سجناء غوانتانامو؟

الولايات المتحدة​ سجين في مركز احتجاز المعسكر السادس في خليج غوانتانامو في عام 2019... لم يتم اتهام أي من السجناء الذين كان من المقرر نقلهم في أكتوبر بارتكاب جرائم (نيويورك تايمز)

هل أوقف هجوم «حماس» خطط إعادة توطين سجناء غوانتانامو؟

كان البيت الأبيض قد علّق مهمةً سريةً لنقل المعتقلين إلى سلطنة عمان في أكتوبر الماضي، بعد أن أعرب أعضاء في الكونغرس عن قلقهم إزاء عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

كارول روزنبرغ (واشنطن)
الولايات المتحدة​ غوانتانامو: المدعون المدنيون يرفضون أدلةً في قضية هجمات سبتمبر يعدّها الجيش حاسمةً

غوانتانامو: المدعون المدنيون يرفضون أدلةً في قضية هجمات سبتمبر

لسنوات طويلة، سيطر سؤال شائك على جلسات استماع ما قبل المحاكمة في قضية المحاكم العسكرية لهجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001: هل اعترف المتهمون بالتخطيط لها طواعية؟

كارول روزنبرغ (واشنطن) إيريك تشارلي سافاج (واشنطن)
الولايات المتحدة​ سمحت بليز لماجد خان بالاستقرار هناك بعد إطلاق سراحه من غوانتانامو في بادرة إنسانية (نيويورك تايمز)

حياة جديدة لسجين سابق في «غوانتانامو»

في ليلة الخامس عشر من رمضان، في إحدى ضواحي مدينة بليز (شمال أميركا الوسطى)، جلس ماجد خان خريج غوانتانامو رفقة عائلته المكونة من 4 أفراد لتناول وجبة إفطار.

كارول روزنبرغ (واشنطن )
الولايات المتحدة​ مدخل محكمة العدالة في معسكر غوانتانامو التي تنظر قضية المتهمين بـ«هجمات سبتمبر» (نيويورك تايمز)

مفاوضات الإقرار بالذنب في «محاكمات سبتمبر» لا تزال جارية في غوانتانامو

حرصَ المدعي العام الرئيسي على إطلاع القاضي على تفاصيل المحادثات، في محاولةٍ منه لدحض الادعاء بأن أعضاء الكونغرس تدخلوا بشكل غير قانوني في المفاوضات.

كارول روزنبرغ (واشنطن*)
الولايات المتحدة​ خالد شيخ محمد (غوانتانامو)

غوانتانامو: قاضٍ يقترب أكثر من المواقع السوداء التي عُذب فيها المتهمون

قام العقيد ماثيو ماكول بجولة في قسم من معتقل «خليج غوانتانامو» حصل فيه عملاء فيدراليون على اعترافات تحت التعذيب، صارت محل خلاف الآن، من مشتبه بهم في الإرهاب.

كارول روزنبرغ (واشنطن * )

إسرائيل تعلن سيطرتها على حدود غزة مع مصر

صورتان مركبتان للميناء العائم الذي بنته الولايات المتحدة على ساحل غزة، تظهر الأولى (أعلى) الجزء المتبقي منه أمس، بينما تظهر الثانية الرصيف قبل العاصفة والأمواج التي تسببت بتلفه... وقال البنتاغون إنه علق تسليم المساعدات بحراً بعد تضرر الرصيف بسبب الأحوال الجوية (أ.ف.ب)
صورتان مركبتان للميناء العائم الذي بنته الولايات المتحدة على ساحل غزة، تظهر الأولى (أعلى) الجزء المتبقي منه أمس، بينما تظهر الثانية الرصيف قبل العاصفة والأمواج التي تسببت بتلفه... وقال البنتاغون إنه علق تسليم المساعدات بحراً بعد تضرر الرصيف بسبب الأحوال الجوية (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تعلن سيطرتها على حدود غزة مع مصر

صورتان مركبتان للميناء العائم الذي بنته الولايات المتحدة على ساحل غزة، تظهر الأولى (أعلى) الجزء المتبقي منه أمس، بينما تظهر الثانية الرصيف قبل العاصفة والأمواج التي تسببت بتلفه... وقال البنتاغون إنه علق تسليم المساعدات بحراً بعد تضرر الرصيف بسبب الأحوال الجوية (أ.ف.ب)
صورتان مركبتان للميناء العائم الذي بنته الولايات المتحدة على ساحل غزة، تظهر الأولى (أعلى) الجزء المتبقي منه أمس، بينما تظهر الثانية الرصيف قبل العاصفة والأمواج التي تسببت بتلفه... وقال البنتاغون إنه علق تسليم المساعدات بحراً بعد تضرر الرصيف بسبب الأحوال الجوية (أ.ف.ب)

في ظل خلافات متصاعدة داخل حكومة بنيامين نتنياهو، واصل الجيش الإسرائيلي توغله في رفح بأقصى جنوب قطاع غزة، معلناً سيطرته بشكل كامل على الحدود بين غزة ومصر.

وأفاد راديو الجيش الإسرائيلي مساء أمس بأن قوات الجيش حققت السيطرة العملياتية الكاملة على محور فيلادلفيا (محور صلاح الدين) الذي يمتد على حدود جنوب القطاع مع مصر. وجاء هذا الإعلان بعد ساعات من تصريحات لمستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي قال فيها إن الجيش يسيطر على 75 في المائة من محور فيلادلفيا، وإنه «لا بد لنا، بالتعاون مع المصريين، أن نضمن منع تهريب السلاح»، متوقعاً أن تستمر الحرب سبعة أشهر أخرى على الأقل.

وتزامن ذلك مع تصاعد خلافات تهدد حكومة نتنياهو، إذ قال الوزير في حكومة الحرب غادي آيزنكوت، إن رئيس الوزراء يبيع الوهم للإسرائيليين ولن يحقق أي نصر كامل في قطاع غزة. وأضاف: «من يقول إننا سنحل كتائب رفح (التابعة لحماس) ثم نعيد المختطفين، يزرع الوهم الكاذب. هذا موضوع أكثر تعقيداً».

إلى ذلك، عززت المعارضة الإسرائيلية اتصالاتها لإطاحة حكومة نتنياهو. وعقدت قيادات معارضة لقاءً أمس بادر إليه رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، وضم كلاً من رئيس المعارضة، يئير لبيد، ورئيس حزب «اليمين الرسمي»، جدعون ساعر، حيث تم وضع خطة طموح لإسقاط الحكومة، لكنها تواجه أموراً كثيرة تهدد بفشلها، أهمها التناقضات في صفوف المعارضة نفسها.

بدورها، واصلت السعودية الدفع باتجاه «حل الدولتين» أمس، وذلك خلال لقاء اللجنة الوزارية العربية الإسلامية بشأن غزة برئاسة الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز. وأشاد الوزير بن فرحان، في مؤتمر صحافي بمدريد، بقرار دول أوروبية الاعتراف بدولة فلسطين (إسبانيا بينها)، مشدداً على ضرورة الدفع نحو حل الدولتين ووقف النار في غزة.