جهد أميركي جدي لإبقاء الوضع بين لبنان وإسرائيل «قيد السيطرة»

واشنطن تحذر من «الخطأ في الحسابات»... ومخاوف أممية من «عسكرة» المخيمات الفلسطينية

الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على بلدة علما الشعب بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على بلدة علما الشعب بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

جهد أميركي جدي لإبقاء الوضع بين لبنان وإسرائيل «قيد السيطرة»

الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على بلدة علما الشعب بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على بلدة علما الشعب بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يعبّر المسؤولون الكبار في إدارة الرئيس جو بايدن وغيرهم، ضمن مجالس خاصة، عن اعتقادهم بأن «لا مصلحة» لكل من حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو و«حزب الله» بقيادة أمينه العام حسن نصر الله، المحسوب على إيران، في حرب واسعة النطاق عبر الخط الأزرق، على الرغم من أن العمليات الحربية الحالية ترفع إلى حد كبير احتمالات «الخطأ في الحسابات».

وعلى الرغم من الشكاوى العديدة التي تقدم بها الجانبان، اللبناني والإسرائيلي، منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فإن مجلس الأمن لم يعقد أي جلسة طارئة لمناقشة الوضع المتوتر على الأرض أو رداً على هذه الشكاوى. ويعزو الناطق باسم الأمم المتحدة، فرحان حق، عدم انعقاد جلسات طارئة لمجلس الأمن إلى أن الطرفين المعنيّين لا يطلبان ذلك من الدول الأعضاء في المجلس، فضلاً عن أن هناك جلسات يعقدها المجلس دورياً للنظر في تنفيذ قراراته، لا سيما القرارين 1559 و1701، ومناقشة التقارير الذي يصدرها الأمين العام للمنظمة الدولية، أنطونيو غوتيريش، طبقاً لما قاله لـ«الشرق الأوسط». تعكس الشكاوى المتبادلة بين لبنان وإسرائيل أجواء التوتر المتزايدة على طرفَي الحدود، والمخاوف من تداعيات حرب غزة على لبنان، حيث يواصل «حزب الله» سياسة «العمليات التذكيرية»، والضربات المدروسة ضد المواقع العسكرية الإسرائيلية؛ مما أدى إلى مقتل نحو 20 من الجنود والمدنيين الإسرائيليين، في حين تنفّذ إسرائيل عمليات استهدافية أدت حتى الآن إلى مقتل أكثر من 200 من ناشطي «حزب الله» ومسؤوليه، بالإضافة إلى عدد من قادة «حماس» عبر كل المناطق اللبنانية، بالإضافة إلى عشرات الضحايا من المدنيين اللبنانيين.

مقاتلون من «حزب الله» وأنصارهم في جنازة العنصر في الحزب حسن حسين وزوجته رويدا مصطفى وابنهما علي في بلدة حولا بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

الشكوى اللبنانية

وللتعامل مع الغارات التي تنفّذها إسرائيل في عمق أراضي بلاده، قدّم القائم بأعمال البعثة اللبنانية لدى الأمم المتحدة هادي هاشم، شكوى جديدة هذا الأسبوع في شأن «اعتداءات إسرائيل على مناطق سكنية آمنة في بعلبك وكسروان»، محذراً من «رغبة إسرائيلية في توسيع الصراع وجرّ المنطقة كلها إلى حرب، قد تبدأ شرارتها من أعمال عدوانية مثل هذه، وتتحوّل إلى حرب إقليمية تسعى وراءها الحكومة الإسرائيلية بوصفها حبل نجاة من مأزقها الداخلي»، ليحضّ المجتمع الدولي على «الضغط على إسرائيل للجم اعتداءاتها المستمرة بوتيرة تصاعدية»، مطالباً «بضرورة إدانة أعضاء مجلس الأمن مجتمعين الاعتداءات الإسرائيلية ضد لبنان، والحؤول دون تدهور الوضع وتوسيع الحرب».

وتلتقي العبارة الأخيرة «الحؤول دون تدهور الوضع وتوسيع الحرب» تماماً مع ما يعمل عليه آموس هوكستين، المنسق الرئاسي الخاص للبنية التحتية العالمية وأمن الطاقة لدى إدارة الرئيس جو بايدن، بهدوء على حلحلة العقد المتعلقة بترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل بعدما تمكّن في أكتوبر 2022 من التوصل إلى ما تعدّه الأمم المتحدة والإدارة الأميركية «اتفاقاً تاريخياً» بينهما على ترسيم الحدود البحرية، ساعياً في الوقت ذاته مع منسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بريت ماكغورك، ومساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط باربرا ليف، وكذلك السفيرة الأميركية في بيروت ليزا جونسون، والسفيرة السابقة دوروثي شيا، إلى مواصلة جهود واشنطن الدبلوماسية الناجحة حتى الآن لمنع امتداد حرب غزة إلى جانبَي الخط الأزرق.

المنسق الرئاسي الأميركي الخاص للبنية التحتية العالمية وأمن الطاقة آموس هوكستين (رويترز)

التهديد الإسرائيلي

وعلى الرغم من أن الشكاوى التي تأتي من الجانب الإسرائيلي لمجلس الأمن (عددها 6 منذ 7 أكتوبر الماضي) تحمل طابعاً تهديدياً، فإن أعضاء المجلس لم يذهبوا إلى طلب اجتماع طارئ لهذه الغاية، في ظل ضغوط أميركية متواصلة لمنع خروج الأمور عن نطاق السيطرة.

ويؤكد أحد المسؤولين الأميركيين في مجالسه، وفقاً لمعلومات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة منع توسيع نطاق الحرب بوصفها هدفاً رئيسياً في استراتيجية إدارة بايدن، ليس فقط في اتجاه لبنان، بل أيضاً في اليمن والبحر الأحمر، وفي منطقة الشرق الأوسط على نطاق أوسع، مؤكداً أن «ثمة جهداً جدياً من جانب الإدارة لإبقاء الوضع بين لبنان وإسرائيل قيد السيطرة»، علماً بأن «المسؤولين الإسرائيليين يؤكدون عبر القنوات الخاصة لنظرائهم الأميركيين أن لا رغبة لديهم في شنّ حرب مع لبنان، لكنهم يصرون على ضرورة عودة مئات الآلاف من النازحين الإسرائيليين إلى منازلهم في الشمال».

سلاح «حزب الله»

غير أن هذه الجهود الأميركية لم تخفف كثيراً من مخاوف الأمين العام أنطونيو غوتيريش حيال الوضع المتوتر عبر الخط الأزرق. وهذا ما يبرزه في التقرير الجديد الذي أعدّه حول تنفيذ القرار 1701 الذي سيناقشه أعضاء مجلس الأمن الثلاثاء المقبل. ويعبّر غوتيريش في هذا التقرير عن «القلق البالغ» حيال الانتهاكات المستمرة لوقف الأعمال العدائية منذ 8 أكتوبر، في ظل تبادل إطلاق النار المتكرر بين «حزب الله» والجماعات المسلحة الأخرى غير الحكومية في لبنان من جهة وإسرائيل من الجهة الأخرى، مما «يشكل تهديداً خطيراً لاستقرار لبنان وإسرائيل والمنطقة»، مطالباً بـ«عملية سياسية لمعالجة الأسباب الجذرية للصراع» انطلاقاً من التنفيذ الكامل للقرار 1701. وحض الطرفين على «الاستفادة الكاملة من آليات الاتصال والتنسيق» التابعة للقوة الموقتة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل). وكرر التعبير عن «المخاوف الجدية في شأن حيازة أسلحة غير مرخصة خارج سلطة الدولة في المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني والخط الأزرق»، مسمياً «حزب الله» وغيره من الجماعات المسلحة من غير الدول.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)

«عسكرة المخيمات»

وإذ كرر غوتيريش تنديده بكل الانتهاكات للسيادة اللبنانية من جانب إسرائيل، مطالباً الأخيرة بـ«وقف كل عمليات التحليق فوق الأراضي اللبنانية»، ندد أيضاً بـ«أي انتهاك لسيادة إسرائيل من لبنان». ونبه إلى مضي أكثر من عام على خلو منصب رئاسة الجمهورية، واستمرار حكومة تصريف الأعمال، داعياً ما سمّاه «لبنان السياسي» إلى «اتخاذ خطوات حازمة نحو انتخاب رئيس لمعالجة القضايا السياسية الضاغطة، والمقتضيات الاقتصادية والأمنية التي تواجه البلاد».

وفي ظل الغضب الدولي من طبيعة هجوم «حماس» على إسرائيل، ورد الأخيرة بسياسة العقاب الجماعي للفلسطينيين في غزة، والتوتر المتصاعد على الحدود مع لبنان، يشعر المسؤولون الأمميون بـ«قلق بالغ» من «عسكرة» المخيمات الفلسطينية في لبنان. ويقول غوتيريش إنه «يجب ألا تغتصب الجماعات المسلحة أبداً المؤسسات التعليمية وغيرها من منشآت الأمم المتحدة لأغراض عسكرية»، غداة نداء التعبئة الذي أطلقته «حماس» في مخيمات اللاجئين في لبنان.


مقالات ذات صلة

الحرب الإسرائيلية تعيد تسمية الأماكن والمناطق في لبنان

المشرق العربي شاب يحمل ألعابا من أحد المواقع التي استهدفت في منطقة صور في جنوب لبنان (رويترز)

الحرب الإسرائيلية تعيد تسمية الأماكن والمناطق في لبنان

تعيد الحرب رسم الجغرافيا على الأرض وفي الذاكرة. ففي الجنوب، لم تعد أسماء الأماكن تعريفات جغرافية، بل مفردات ترتبط بالخوف والنزوح والحدود.

صبحي أمهز (بيروت)
خاص مبنى جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)

خاص لا انقطاع بصرف الحصص الدولارية للمودعين في بنوك لبنان

بدَّد مصرف لبنان المركزي الهواجس المتداولة في الأسواق بشأن وقف العمل بدفع حصص شهرية بالدولار النقدي لصالح المودعين في البنوك.

علي زين الدين (بيروت)
تحليل إخباري طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)

تحليل إخباري «حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

فعّل «حزب الله»، في الأيام الأخيرة، استهدافاته لمنصات القبة الحديدية للدفاع الجوي داخل الأراضي الإسرائيلية، فيما بدا أنه محاولة لرفع كلفة الخسائر المادية

نذير رضا (بيروت)
خاص جنود من الجيش اللبناني يديرون نقطة تفتيش في بيروت يوم 14 مايو 2026 (إ.ب.أ)

خاص لبنان يحاصر النفوذ الإيراني ويستوضح من واشنطن دوافع عقوباتها

يقف لبنان على بعد أيام من اجتماع المسار الأمني-العسكري بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في 29 مايو (أيار) الجاري في البنتاغون، استعداداً لاستئناف المفاوضات

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي آثار دمار في مدينة صور جنوب لبنان بعد استهداف بغارة إسرائيلية (د.ب.أ)

لبنانيون تحت الإنذار... الغارات تُحوّل الهواتف إلى مصدر خوف يومي

تسبق اليد العين إلى الهاتف لدى كثير من اللبنانيين، لا بحثاً عن الرسائل أو تصفحاً لمواقع التواصل الاجتماعي، بل لمعرفة ما إذا كانت ساعات النوم حملت غارات جديدة.

صبحي أمهز (بيروت)

واشنطن تحذر «حزب الله» بعد تهديده بإسقاط الحكومة

الدخان يتصاعد من مدينة النبطية في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من مدينة النبطية في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)
TT

واشنطن تحذر «حزب الله» بعد تهديده بإسقاط الحكومة

الدخان يتصاعد من مدينة النبطية في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من مدينة النبطية في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)

مع استمرار التصعيد الإسرائيلي الدامي في جنوب لبنان، تحاول إسرائيل «سلخ» لبنان من الاتفاق المزمع بين الولايات المتحدة وإيران.

وكشف مصدر سياسي إسرائيلي رفيع، الأحد، أن مذكرة التفاهمات المبدئية بين واشنطن وطهران، التي تنص على وقف إطلاق النار أيضاً في لبنان، تعطي إسرائيل «الحق في الدفاع عن نفسها في وجه هجمات (حزب الله)، ولهذا الغرض سيبقى الجيش الإسرائيلي في المناطق التي احتلها في الجنوب اللبناني».

وبحسب هيئة البث الإسرائيلية، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عبّر خلال محادثات مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ليل السبت، عن مخاوفه من «الربط بين اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان والتفاهمات مع إيران»، لكن ترمب طمـأنه بأنه سيعمل على إنجاح المفاوضات، وأنه يحرص بشدة على حماية مصالح إسرائيل.

في المقابل، جدّد أمين عام «حزب الله»، نعيم قاسم، رفضه المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، قائلاً إنها «كسب خالص لإسرائيل». وأضاف في كلمة عشية «عيد المقاومة والتحرير»: «لن نركع، وسنبقى في الميدان، وسنخرج من الحرب ورؤوسنا مرفوعة».


وفد عراقي مشترك إلى طهران لبحث الهجمات على كردستان


من لقاء بارزاني والأعرجي في بغداد أمس (وكالة الأنباء العراقية)
من لقاء بارزاني والأعرجي في بغداد أمس (وكالة الأنباء العراقية)
TT

وفد عراقي مشترك إلى طهران لبحث الهجمات على كردستان


من لقاء بارزاني والأعرجي في بغداد أمس (وكالة الأنباء العراقية)
من لقاء بارزاني والأعرجي في بغداد أمس (وكالة الأنباء العراقية)

أجرى رئيس حكومة إقليم كردستان، مسرور بارزاني، مباحثات موسعة في بغداد مع رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي، إلى جانب مختلف القوى السياسية، بشأن الملفات العالقة بين بغداد وأربيل، فيما أعلن أن وفداً مشتركاً يضم مسؤولين من الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم سيزور طهران قريباً، لبحث الهجمات التي استهدفت كردستان.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي، في تصريح صحافي مشترك مع بارزاني بعد لقاء جمعهما أمس: «هذا الوفد سيمثل بغداد في اللجنة الأمنية العليا العراقية ـ الإيرانية المشكلة سابقاً». وأشار إلى أن اللجنة «ستجتمع للتباحث بالتفصيل بشأن الهجمات التي استهدفت كردستان والعراق بأسره خلال النزاع العسكري الذي شهدته المنطقة».

من جهته، أفاد بارزاني بأن «الأعرجي أكد له خلال اللقاء رفضه تلك الهجمات، لا على كردستان فحسب، بل على كل مناطق العراق».


8 يونيو موعداً لانعقاد أولى جلسات البرلمان السوري

مبنى مجلس الشعب في دمشق ينتظر عقد جلسته الأولى (أ.ف.ب)
مبنى مجلس الشعب في دمشق ينتظر عقد جلسته الأولى (أ.ف.ب)
TT

8 يونيو موعداً لانعقاد أولى جلسات البرلمان السوري

مبنى مجلس الشعب في دمشق ينتظر عقد جلسته الأولى (أ.ف.ب)
مبنى مجلس الشعب في دمشق ينتظر عقد جلسته الأولى (أ.ف.ب)

أقرت الإدارة السورية 8 يونيو (حزيران) المقبل موعداً أوليّاً (شبه رسمي) لانعقاد أولى جلسات البرلمان، بعد الإعلان عن حصة الرئيس والمصادقة على جميع الأعضاء المنتخبين عبر الهيئات المناطقية.

وأفادت مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» باكتمال القائمة النهائية للثلث المتبقي من حصة الرئيس أحمد الشرع وتشغل 70 مقعداً، مع إمكانية إجراء تعديلات بسيطة عليها خلال الأيام القليلة المقبلة.

وتضم القائمة شخصيات من مختلف المكونات السورية، مراعية سد بعض الفراغات الناتجة عن الانتخابات، مع رفع مستوى التمثيل لكبرى المدن والبلدات السورية ذات الحضور والثقل الشعبيين، كما أنها راعت ضعف التمثيل النسائي، وعزّزت حضور المكونات والطوائف السورية للمشاركة في العملية السياسية. ولفتت المصادر المقربة من الحكومة السورية إلى خضوع حصة الرئيس للتفاوض مع «قوات سوريا الديمقراطية»، وكشفت عن «تقديم الحكومة وعود ترضية برفع حصة المنطقة الشرقية من التمثيل البرلماني».