سياسة «سوريا أولاً»... «براغماتية» أميركية سمحت باحتلال لبنان

ديفيد هيل عن إميل لحود: لم يشهد لبنان مطلقاً مثل هذا الرئيس المعادي لأميركا... كان الأسد سيّده و«حزب الله» حليفه الوحيد

الخط الأزرق ... الأمم المتحدة تفصل بين لبنان وإسرائيل عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب عام 2000 (أ.ف.ب)
الخط الأزرق ... الأمم المتحدة تفصل بين لبنان وإسرائيل عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب عام 2000 (أ.ف.ب)
TT

سياسة «سوريا أولاً»... «براغماتية» أميركية سمحت باحتلال لبنان

الخط الأزرق ... الأمم المتحدة تفصل بين لبنان وإسرائيل عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب عام 2000 (أ.ف.ب)
الخط الأزرق ... الأمم المتحدة تفصل بين لبنان وإسرائيل عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب عام 2000 (أ.ف.ب)

تنشر «الشرق الأوسط» حلقة ثالثة وأخيرة من كتاب «الدبلوماسية الأميركية تجاه لبنان: ست محطّات وأمثولاتها» لوكيل وزارة الخارجية الأميركية السابق للشؤون السياسية ديفيد هيل، وهي تتناول كيف سمحت سياسة «سوريا أولاً» الأميركية بوضع لبنان تحت «الاحتلال السوري»، وكيف وافقت أميركا على وصول قائد الجيش العماد إميل لحود إلى موقع الرئاسة، قائلاً: «لم يشهد لبنان أبداً مثل هذا الرّئيس المعادي لأميركا. لم تكن السّياسات الأميركية تعجبه، ولا الشّعب، ولا الدّبلوماسيون الموفدون للتعامل معه».

سياسة سوريا أولاً

كانت سياسة الرّئيس كلينتون تجاه لبنان مُلحَقة باستراتيجيّته إزاء سوريا. فقد اعتبرها المفتاح الجيوسياسي لتحقيق السّلام العربي الشامل مع إسرائيل، ولتقليص النّفوذ الإيراني في المنطقة. ووضع لبنان جائزة لها، فيما لو أعادت توجيه سياستها، خلال العملية، نحو الغرب. وبما أنّ المحتلّين السّوريين هم من يحدّدون السّياسة الخارجية اللبنانية، لم يكن هناك سبب وجيه لواشنطن للتّعامل مع القادة اللبنانيين، الذين كان عليهم استشارة دمشق بأي حال. فإذا أقامت سوريا صلحاً مع إسرائيل؛ فإنّ لبنان حتماً سيتبعها، أو هكذا بدا منحى الأمور، الذي تعزّزه تأكيدات الأسد وبعض تصرّفاته.

قبل اجتماعه برئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في نيويورك في سبتمبر (أيلول) 1993، سأل كلينتون مساعد وزير خارجيّته إدوارد دجيرجيان عمّا يجدر قوله، فنصحه بِوُجوب التأكيد على دعم الولايات المتحدة لاستقلال لبنان وسيادته، وسلامة أراضيه. عملاً بالنصيحة، أكد كلينتون أنه لا اتّفاق لسلام إسرائيلي - سوري بوساطة أميركية سيأتي على حساب لبنان. كتب دجيرجيان، الذي ربّما كان صادقاً، لاحقاً: «إنّ هذا التأكيد عزّز من قوّة الرّئيس الحريري لكنّ الرسالة لم تعكس واقع السّياسة الأميركية كما تبيّن». كما كتب مارتن إنديك، مستشار كلينتون لشؤون الشّرق الأوسط آنذاك في وقتٍ لاحق: «إنّ الإدارة لم تضغط مطلقاً على الأسد لِسَحب قوّاته من لبنان، لأنّها قد تشكّل حاجة في حال التوصّل إلى اتّفاق سلام». وممّا كتبه: «في صفقة السّلام التي تصوّرها كلينتون، ستكون القوّات السورية في لبنان مسؤولة عن نزع سلاح (حزب الله)». لقد قدّرنا أنّ طردهم سيتحقّق مع مرور الوقت باعتبار أنّ السلام سيمكّن اللبنانيين من التفلّت من قبضة سوريا». هنا تكمن مشكلة العلاقات الأميركية مع لبنان خلال سنوات كلينتون، فقد كان الخطاب الأميركي صادقاً فيما خص التزامنا بالسّيادة اللبنانية، لكنّ سلوك الولايات المتحدة كان يعكس اعتماداً براغماتياً على الاحتلال السوري. وبينما كان يفترض ألا تأتي صفقة السّلام على حساب لبنان، شكّل هذا البلد الضحية الأولى لفشل التوصّل إليها.

الرئيس الراحل حافظ الأسد أبلغ الأميركيين أنّه إذا استجيبت شروطه في صفقة السلام مع إسرائيل، فإنّه سيهتمّ بإيران و«حزب الله»

أكّد الأسد للمسؤولين الأميركيين أنّه إذا استجيبت شروطه في صفقة السلام مع إسرائيل، فإنّه سيهتمّ بإيران و«حزب الله» (مسؤول أميركي). وازدادت ثقة المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين بتعهداته، عندما ساعد فعلياً في تهدئة لبنان بعد حربَي 1993 و1996، على الرّغم من الشّكوك بأن ثمّة يداً له في تحفيز الهجمات على إسرائيل سنة 1996. أخذت واشنطن بكلامه، علماً بأنّه لم يكن هناك صفقة سلام لاختباره. ووضع المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون ثقتهم برغبته، أو قدرته على تأمين حدود إسرائيل من ناحية جنوب لبنان، الحدود الإسرائيلية الوحيدة المفتوحة على التّهديدات المستمرّة منذ عام 1973. وافترضوا أنّ سوريا سوف تعتني بلبنان ثمناً ضرورياً للسّلام مع إسرائيل؛ لأنّ الأسد قال ذلك، إنّما لم يُحدّد معنى «العناية» أو الثمن الذي قد تدفعه سوريا، على الرّغم من الاعتقاد بأنّ الأسد يعرف جيّداً ما هي الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية.

يجدر بنا التوقف عند اهتمام واشنطن المحدود، خلال فترات التفاوض بين إسرائيل وسوريا، بما يمكن أن يحدث في لبنان، فيما لو تحقّق السلام بين سوريا وإسرائيل. لم يسبق للبنان وإسرائيل أن رسّما الحدود بينهما التي خطّتها فرنسا وبريطانيا، ما تسبّب بالكثير من الغموض واحتمالات وقوع نزاعات. علاوة على ذلك، كادت هجمات «حزب الله» من لبنان تُخرج السياسات الأميركية والإسرائيلية عن مسارها عامَي 1993 و1996. كان سلوك الأسد في تسهيل أمر التوصّل إلى وقف إطلاق النّار علامة مشجّعة. لكن إن كان يمتلك قدرة السّيطرة على لبنان، فلماذا وقعت بالأساس حلقات العنف هذه؟ ليس معروفاً إلى أيّ مدى كانت سوريا راغبة أو قادرة على المضي في نزع سلاح «حزب الله» في سياق السّلام مع إسرائيل، لكنّ الأسد كان مدركاً لمتطلّبات إسرائيل الأمنيّة لحماية شمالها، وانسحاب إسرائيل من الأراضي السّورية كان مشروطاً بتلبيتها. هل كانت سوريا ستحاول التحايل تجنّباً لمواجهة مع إيران، أو لخسارة ورقة ضغط على إسرائيل، يوفّرها «حزب الله» لها داخل لبنان؟ لا أحد يستطيع أن يعرف بالضّبط. لكن ما يبدو مرجّحاً أنّ سوريا كانت ستسعى إلى الاحتفاظ بنفوذها في لبنان، فقد تحمّلت ما يكفي من التهديدات الآتية من صوبه، بما في ذلك التحالف الإسرائيلي - الماروني، كيلا تترك ثغرة تعرّضها للخطر مرّة جديدة. ومن دون «حزب الله»، كيف لها أن تتأكد من عدم تكرار ذلك؟ في أيّة حال، لم يكن أمام المسؤولين الأميركيين الراغبين في السّلام سوى خيار الاعتماد على وعد الأسد بشأن لبنان، إذا أرادوا الوصول إلى نتيجة، ومن خلال تأجيل مناقشة ترتيبات ما بعد السلام المتعلّقة بلبنان بالتفصيل، والتقييم الصّادق للنتائج المحتملة، ربّما كان المسؤولون الأميركيون يحولون فقط دون وقوع أزمة حول لبنان يمكن أن تعرقل التوصّل إلى اتّفاق إسرائيلي - سوري. لم يحظ هؤلاء المسؤولون بالوقت الكافي لاكتشاف ذلك مطلقاً.

ديفيد هيل في بيروت في 13 أغسطس 2020 (رويترز)

الواضح أنّ سياسة واشنطن التي راعت الأسد وغضّت الطّرف عن سلاح «حزب الله» في لبنان على مدى ثماني سنوات في التّسعينات، مكّنت النّظام السوري من تشديد قبضته على البلد. واستغلّها «حزب الله» لتشديد قبضته وشرعيّته في أوساط العديد من اللبنانيين، فتحوّل من حالة إرهابية خطيرة إلى قوّة وطنيّة وإقليميّة كبيرة في الألفية الثّانية. كما ساهمت سياسة إدارة كلينتون تجاه إيران، عن غير قصد، في تعزيز المعسكر السوري - الإيراني في لبنان، مع التحوّل المفاجئ في السياسة الأميركية سنة 1997 من الضّغط والاحتواء إلى المغازلة العلنية لما سُمّي بالمُعسكَر المعتدل، مع انتخاب محمّد خاتمي رئيساً لإيران في ذلك العام. وإن استمرّت المغازلة حتّى نهاية إدارة كلينتون، فإنّها قوبِلَت بالرّفض من حكّام إيران. أمّا اللبنانيون السّاعون إلى التخلّص من هيمنة سوريا والوكيل الإيراني - السوري، «حزب الله»، فلم يتلقّوا أيّ التفاتة من واشنطن في التسعينات.

غلاف الكتاب

الطائف

بدأ الخلاف بين عون وسوريا بحَذَر وبالتدرّج. كان أثر عون تقسيمياً ليس فقط بين اللبنانيين بل داخل المجتمع المسيحي. ارتقى - وهو الآتي من خلفية فقيرة - إلى منصب القيادة عبر الرتب العسكرية بالإصرار والعناد. بفضل الدّعم المادّي من العراق، الخصم العربي الرئيسي لسوريا؛ أخذ عون يبالغ في تقدير قوّته. في مارس (آذار) 1989، أعلن الحرب على سوريا، واستمرّ تبادل القصف المدفعي والحصار شهوراً عدّة. تمكّنت سوريا بالاتّفاق مع الرياض من الحصول على دعم جامعة الدول العربية التي شكّلت اللّجنة الثّلاثية المؤلّفة من الجزائر والمغرب والمملكة العربية السعودية لمتابعة شأن الإصلاحات الدستورية اللبنانية. أصبح عون وأتباعه أكثر عدوانية حتّى ضدّ الأميركيين، وسيطروا على الطرقات المؤدّية إلى السّفارة الأميركية في عوكر. وخلقت الاحتجاجات والتحرّش بمواكب السيارات المسلّحة الأميركية، بيئة أمنية أرغمت السّفارة على إقفال أبوابها، وإجلاء كامل الموظّفين الأميركيين في سبتمبر 1989. وللمرّة الأولى منذ عام 1919، لم يكن للولايات المتحدة وجود دبلوماسي في بيروت.

أبصر اتفاق الطائف النّور في لحظةٍ نادرة، حين أنتج النظام العربي حلاً دبلوماسيّاً لمشكلة. ساهمت في إنتاجه أربع شخصّيات بارزة: الرئيس حسين الحسيني (...) والمبعوث الخاص للجامعة العربية الأخضر الإبراهيمي (...) ورفيق الحريري (...) وأخيراً، وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل.

لم تشارك الولايات المتحدة مباشرةً في بلوَرة الاتّفاق؛ لكنّها كانت موافقة عليه من منظور سياسي. عندما أُغلقت السّفارة في عوكر، انتقل المستشار السّياسي ديفيد ساترفيلد إلى الجزائر، حيث كان يلتقي بانتظام مع الإبراهيمي، ليأخذ علماً بالمستجدات بشكلٍ مقتضب. وكانت التعليمات الواردة إليه بالاكتفاء بالإصغاء، وعدم تقديم أفكار، وعدم التعبير عن دعم أو معارضة. وعندما وصل النوّاب اللبنانيون إلى الطائف في السّعودية، انضمّ إليهم ساترفيلد بتعليمات مماثلة، إلا أنّ السعوديين طلبوا منه المغادرة، بعد أن علموا بوجوده على اعتبار أنّ ذلك شأن عربي بالكامل.

في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 1989، وقّع ثمانية وخمسون نائباً على اتّفاق الطائف. لم تكن مفاهيمه جديدة، لكنّ لم يسبق أن قَبِلَت بها كافّة الأطراف اللبنانية الرّئيسية ورعاتها الخارجيين، وخلاصتها: إضعاف الرئاسة، وإناطة السلطة التنفيذية بمجلس الوزراء المتوازن طائفياً، بقيادة سنّي، وتعزيز نفوذ رئيس البرلمان الشيعي، ولامركزية السلطة، ومعالجة الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، وخسارة المسيحيين لمعادلة 6 مقابل 5 للمسلمين في البرلمان، واعتماد معادلة 5 مقابل 5. (...)

رفض عون الطّائف، لكنّ السوريين والسعوديين نقلوا النوّاب اللبنانيين المتعاونين إلى قاعدة جوّية في شمال لبنان، حيث انتخبوا رينيه معوّض رئيساً في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989. كان معوّض صديقاً لفرنجية، لكنّه انفصل عنه سياسياً. تميّز بشخصية توفيقية وسجلٍّ طويل بالخدمة العامة. وقد فُسّر اختياره على أنّه إشارة سورية محتملة لتسليف المعارضة المارونية. اغتيل معوّض في بيروت الغربية بعد ثمانية عشر يوماً من انتخابه (...)، ونُقل النواب إلى البقاع لانتخاب رئيس آخر هو إلياس الهراوي، وبقيَ عون محتلّاً القصر الرّئاسي في بعبدا.

في يناير (كانون الثاني) 1990، اندلعت الحرب بين عون والقوّات اللبنانية بزعامة سمير جعجع، وتسبّبت هذه المرحلة الأخيرة من الحرب الأهلية بدمار هائل. تمكّن عون من الصمود، إلا أنّ التحوّل الجيوستراتيجي النّاجم عن غزو صدّام للكويت في أغسطس (آب) 1990 هو ما سمح لسوريا بتضييق الخناق عليه. جرى لقاء بين وزير الخارجية بيكر والأسد في دمشق في 13 سبتمبر (أيلول)، انضمّ على أثره الأخير إلى التّحالف المناهض لصدّام، ووافق على السّعي للحصول على حياد إيران في الحملة المقبلة لإخراج القوات العراقية من الكويت. ويزعم بعض المراقبين أنّ بيكر أعطى الأسد الضّوء الأخضر لإنهاء الأزمة مع عون، ما دامت السلطات اللبنانية قد دعت إلى التدخّل السوري خطيّاً. في الواقع، أخبر المسؤولون الأميركيون السوريين أنّ الولايات المتحدة ليست في وارد تأييد العنف، ولكنّها ترغب برؤية عون يرحل. لا بدّ أنّ القادة السوريين قد قدّروا بناء على ذلك أنّ الولايات المتحدة لن تمنع الهجوم السوري على عون، ولن تعاقبهم عليه. في غضون أربعة عشر عاماً، انتقلت السياسة الأميركية تجاه سوريا في لبنان من تنسيق غير معلن كما في سنة 1976، إلى اشتباكات عسكرية مباشرة عام 1984، ثمّ إلى انفراج إبان حرب الخليج الأولى. التساهل الأميركي حيال الموقف السوري في لبنان ستكون له تداعيات طويلة الأمد.

في 13 أكتوبر، استولت القوات السورية على القصر الرئاسي في بعبدا، وفرّ عون إلى فرنسا حيث مكث في المنفى خمسة عشر عاماً. تسبّب سوء التقدير والانقسام الماروني بسلسلة من الأحداث التي عزّزت السيطرة السورية على لبنان. وقادت الهواجس الأميركية بشأن العراق واشنطن إلى قبول الخطوة السورية، وتبيّن لعون أن اعتماده على صدّام قد أطاح به.

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري متوسطاً الرئيس إميل لحود ورئيس الوزراء رفيق الحريري عام 2001 (أ.ف.ب)

لحود

إن للتحوُّل السّريع في السّياسة الأميركية تجاه إيران، من العداء إلى غزلٍ من طرف واحد، تأثيره على لبنان، فها هُم الدبلوماسيون الأميركيون؛ يكرّرون تعابير ممجوجة متعلّقة بالطّائف، مطالبين بتجريد الميليشيات من سلاحها (المقصود حزب الله) وبانسحاب القوّات الأجنبية (والمقصود إسرائيل وسوريا). إلا أن خواء هذه الأقوال كان واضحاً للجميع تقريباً في لبنان؛ إذ لم يكن فقط مجرَّداً من أيّ دعم جِدّيّ، بل أيضاً متناقضاً مع الدبلوماسية التّرقيعية المتمثّلة بفريق الرّصد الإسرائيلي - اللّبناني، الذي شَرْعَن الأمر الواقع حينها. رأى المسؤولون الأميركيون مصلحة أكبر في تأمين اتّفاق سلام سوري - إسرائيلي، وتوقّعوا أن تكون له مفاعيل إيجابية ثانوية على مستوى إرساء الاستقرار في لبنان، وإلزام «حزب الله» بوقف العنف، بالتالي تقليص النفوذ الإيراني في الشرق، وصولاً إلى إلغائه. وبالنّظر إلى عدم رغبتهم في تنفير الأسد، انتحى المسؤولون الأميركيون جانباً، فيما كانت سوريا تعزّز مصالحها في لبنان. كان تلاقي الانتهازية السورية والبراغماتية اللبنانية، والتساهل الأميركي مع الأسد، إيذاناً ببدء حقبة ضخّمت دور سوريا وحلفائها اللّبنانيين، وهمّشت خصومهم.

شكّل انتخاب إميل لحّود عام 1998، محطة مفصليّة في استراتيجية سوريا تجاه لبنان؛ (...) درس المسؤولون الأميركيون خياراتهم في صيف 1998، وكان أغلبهم مقتنعاً بأنّه ليس أمام الولايات المتحدة خيار سوى الموافقة على اختيار سوريا لِلحّود. (...) على أي حال استنتج المسؤولون الأميركيون أن ليس بإمكان الولايات المتّحدة أن تأتي بمن هو أفضل من لحّود، مرتكزين على عوامل سطحيّة. لقد كان يتكلّم الإنجليزية بشكلٍ جيّد، وهي ميزة اختلطت على الزوار فظنّوها دلالة على أنّه مؤيّد للغرب. درس في الكلّية الحربية البحرية الأميركية في نيوبورت، إذن فهو قادر على الانسجام مع نظرائه العسكريين الأميركيين. استعاد الجيش اللّبناني حرفيّته ووحدته تحت قيادته، إذن بدا كأنّه شخص وطني قادر على إنجاز الأمور. ليس لديه سجل سياسي، وما كان الأميركيون يعلمون شيئاً عن آرائه في السياسة، فمما يشكو هذا الشخص؟

علّق لحّود بنفسه لكاتب سيرته كريم بقرادوني على الدّعم الأميركي غير المبرَّر له، «أوضح لحّود أنّ الولايات المتحدة المقتنعة بأنّه سيتبع بِشكلٍ تلقائيّ السّياسة الأميركية، ساعدت الجيش اللّبناني عبر تزويده بالأسلحة والعتاد بأسعار رمزية ودون شروط سياسية. لم يأخذ الأميركيون الوقت الكافي لِفهم شخصيّتي وأفكاري وخياراتي». كان محقاً بأنّ الولايات المتحدة أساءت فهمه، لكنّه خلط بين أدبيات الدّعم الأميركي للجيش، ( ) والدّعم لشخصه. كان سوء فهم لحّود مبرَّراً لأنّه كان يتلقّى إطراءات شخصية سخيّة من زوّار عسكريين أميركيين عازمين على «بناء علاقات». عكس موقف لحّود خبثه. فقد انتقد اللّبنانيين الآخرين لتقديم أنفسهم على الدّولة، في حين لم يستطع التّمييز بين الدعم الأميركي للجيش والدّعم الشخصي له. مهما يكن، فإنّ سياسة الولايات المتحدة كانت بالتّساهل مع سوريا في لبنان. وخيار سوريا للرئيس عام 1998 كان مقبولاً من واشنطن.

سرعان ما ظهرت عيوب التقييم الأميركي للحّود. لم يشهد لبنان أبداً مثل هذا الرّئيس المعادي لأميركا. لم تكن السّياسات الأميركية تعجبه، ولا الشّعب ولا الدّبلوماسيون الموفدون للتعامل معه. فبينما سعى الهراوي للظّهور مستقلاً، وأظهر مودّة شخصية تجاه أميركا، تخلّى لحّود عن هذه الإشارات. كان الأسد سيّده، و«حزب الله» حليفه الوحيد بين الأحزاب المنظَّمة. نظر إلى أميركا على أنّها عدوّته، سواء عن اقتناع أو لحاجته الشخصية لتعزيز علاقته مع دمشق. كان يزدري معظم السّياسيين اللّبنانيين، ويشعر بشكلٍ خاصّ بالغيرة من سهولة وصول الحريري إلى القادة الأميركيين والدوليين.


مقالات ذات صلة

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

المشرق العربي سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

يتسارع التصعيد الإسرائيلي في لبنان متجاوزاً «الخروق» إلى عمليات أوسع تطول الجنوب وتمتد إلى البقاع.

صبحي أمهز (بيروت)
خاص علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)

خاص اقتصاد لبنان «يتوغّل» في حال عدم اليقين... والتضخم يستعيد زخم الارتفاع

حسم مصرف لبنان المركزي جدليّات التباين الصريح في التقديرات الرقمية لتحديثات حجم الناتج المحلي، ليستقر عند مستوى 33 مليار دولار مطلع العام الحالي.

علي زين الدين (بيروت)
المشرق العربي جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

لا تبدأ الحكاية هنا من غارة، ولا تنتهي عند وقف إطلاق نار. في جنوب لبنان، تُقاس الحرب بقدرتها على التكرار، لا بمدّتها.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)

خروقات كبيرة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)

اتصالات لخفض التصعيد في جنوب لبنان ونتنياهو يتهم «حزب الله» بتقويض الهدنة

تكثفت الاتصالات الدبلوماسية، الأحد، لتطويق التصعيد الكبير في جنوب لبنان، على وقع اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لـ«حزب الله» بـ«تقويض الهدنة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

حراك مرتقب في القاهرة بشأن غزة... وتصعيد ميداني إسرائيلي

عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
TT

حراك مرتقب في القاهرة بشأن غزة... وتصعيد ميداني إسرائيلي

عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)

تشهد العاصمة المصرية، خلال الأيام المقبلة، حراكاً سياسياً جديداً بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وترجح مصادر وصول الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف إلى القاهرة، الثلاثاء، بالتزامن مع وفد من حركة «حماس» لينضم إلى بقية أعضائها الموجودين بالفعل هناك مع ممثلين عن الفصائل الفلسطينية منذ أسابيع.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن ميلادينوف سيزور إسرائيل لعدة ساعات قبل وصوله للقاهرة، ظهر الثلاثاء، كما هو متفق عليه في جدول الأعمال، حيث سيبحث مع مسؤولين إسرائيليين تطورات المحادثات التي جرت مع «حماس» مؤخراً، إلى جانب الاستماع لأي ملاحظات إسرائيلية على المقترحات الجديدة التي تمت صياغتها بالتنسيق مع الوسطاء خصوصاً المصري.

فلسطينيون يسيرون بين أنقاض المباني السكنية التي دمرتها إسرائيل في خان يونس جنوب غزة (رويترز)

وسيلتقي ميلادينوف خلال زيارته إلى القاهرة مع قيادة حركة «حماس» والوسطاء، في إطار التشاور واستكمال المحادثات للتوصل إلى صياغة تجمع عليها كل الأطراف لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بما يضمن الانتقال للمرحلة الثانية التي تشمل نزع سلاح غزة. بينما سيلتقي وفد الحركة الفلسطينية مع ممثلي الفصائل، وكذلك مع الوسطاء لإجراء مناقشات موسعة.

وتتعرقل المفاوضات راهناً بشأن اتفاق غزة، وفي حين تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار المتعلقة بالأعمال الإغاثية، وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

وقال مصدر قيادي من «حماس» في الخارج لـ«الشرق الأوسط»، إن حركته منفتحة على «التعامل بإيجابية مع جميع ما يُطرح، لكنها مصرة على إلزام إسرائيل بتنفيذ كل ما يقع على عاتقها بشأن المرحلة الأولى، خصوصاً وقف الانتهاكات والخروق المستمرة، إلى جانب إدخال المواد الإغاثية، وبدء إعمار البنية التحتية للمستشفيات والمدارس، وفتح المعابر بشكل أوسع بما في ذلك معبر رفح».

وبحسب المصدر، فإن الحركة «لا تمانع أن تكون هناك مناقشات بشأن سلاحها، ولكن ربط ذلك بقضايا إنسانية محدودة من دون أفق واضح لملف الإعمار، وحكم القطاع، ومستقبل المسار السياسي، سيفضي إلى مصير مجهول». وزاد: «في ظل محاولة فرض إملاءات ترفضها الحركة وكل فصائل غزة، ستبقى الأوضاع تراوح مكانها من دون تحرك واضح يلزم إسرائيل بكل ما تم الاتفاق عليه».

وبيّن المصدر أن حركته «وافقت خلال المباحثات التي جرت مؤخراً على أن يكون هناك تنفيذ لما تبقى من شروط المرحلة الأولى من قبل إسرائيل، وأن تجري بالتزامن مناقشات بشأن المرحلة الثانية»، لافتاً إلى أن «حركته وافقت كذلك على بعض المقترحات من الوسطاء بإمكانية تنفيذ بعض شروط المرحلة الثانية بالتزامن والتناقش حول القضايا العالقة، ومنها قضية السلاح».

وكان المصدر نفسه ومصادر أخرى من «حماس» قد ذكرت في التاسع عشر من الشهر الحالي أن «وفد الحركة اشترط في إطار تنفيذ المرحلة الأولى أن يتم السماح بدخول لجنة إدارة غزة للقطاع لمباشرة مهامها، وتسلُّم الحكم، كما أنها شددت على وجود ضمانات حقيقية وواضحة ضمن جدول زمني متفق عليه بشأن إلزام إسرائيل بتنفيذ ما عليها من التزامات في المرحلتين الأولى والثانية في حال تم التوصل لاتفاق في المفاوضات التي ستجري بشأنها».

تصعيد ميداني

ويأتي هذا الحراك السياسي على وقع تصعيد إسرائيلي مستمر في قطاع غزة أدى لسقوط مزيد من الفلسطينيين، وسط تركيز على استهداف عناصر شرطة حكومة «حماس».

وأفادت مصادر ميدانية وسكان بأنه «تم تقديم الخط الأصفر (الافتراضي الفاصل بين مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي غرباً و/حماس شرقاً) مجدداً في المنطقة الواقعة ما بين حي الزيتون وحتى وادي غزة جنوب مدينة غزة، ليصبح أقرب إلى طريق صلاح الدين الرئيسي».

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

وشرح أحد السكان في المنطقة أن «تقديم الخط الأصفر بات يشكل خطراً على حرية التنقل من الشمال إلى وسط وجنوب القطاع و العكس، بينما قُتل 3 مواطنين في قصف وإطلاق نيران في تلك المناطق خلال عملية تقديم الخط».

وقتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي طفلاً فلسطينياً، الاثنين، في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، بينما أصيب آخر في جباليا، وأصيب شابان جنوب خان يونس.

وبحسب وزارة الصحة بغزة، فإنه خلال آخر 24 ساعة (من ظهيرة الأحد إلى الاثنين)، قُتل 7 فلسطينيين؛ ما يرفع عدد الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إلى أكثر من 817 قتيلاً، وإصابة أكثر من 2296، بينما بلغ العدد التراكمي للضحايا، منذ السابع من أكتوبر 2023، إلى 72593 قتيلاً، وأكثر من 172 ألف مصاب.

مقتل 31 من عناصر شرطة «حماس»

وقتلت القوات الإسرائيلية، يوم الجمعة، في غضون ساعتين ما لا يقل عن 6 من ضباط وعناصر الشرطة التي تتبع حركة «حماس»، في غارتين منفصلتين بمدينتي غزة وخان يونس، بينما أصابت 3 آخرين، يوم السبت، في غارة أخرى أدت لمقتل مدني فلسطيني كان بالمكان في حي الشيخ رضوان شمال المدينة.

فلسطينيون وسط غزة يفحصون موقع غارة إسرائيلية استهدفت سيارة شرطة مارس الماضي (رويترز)

وبحسب إحصائية لشرطة «حماس»، فإن 31 ضابطاً وعنصراً قُتلوا منذ بدء وقف إطلاق النار، جميعهم تمت تصفيتهم خلال القيام بمهامهم الأمنية لضبط الحالة الأمنية والانتشار عند الحواجز، أو حل الإشكاليات التي تحصل بين السكان.

ونددت وزارة الداخلية التابعة لحركة «حماس» بهذه الهجمات، ورأت أن الهدف منها إحداث حالة من الفوضى داخل قطاع غزة.


لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
TT

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)

يتسارع التصعيد الإسرائيلي في لبنان، متجاوزاً «الخروق» إلى عمليات أوسع تطول الجنوب وتمتد إلى البقاع. فللمرة الأولى منذ سريان الهدنة يعلن الجيش الإسرائيلي استهداف «بنى تحتية لحزب الله» شرق لبنان، بالتوازي مع تشدد سياسي إسرائيلي، إذ عدّ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن وقف إطلاق النار «هش ولا يمكن التعويل عليه».

وفي تطور لافت، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارتين على البقاع للمرة الأولى منذ إعلان «وقف إطلاق النار»، مستهدفاً منطقة الشعرة والتلال المحيطة ببلدة جنتا، في خطوة تعكس اتساعاً جغرافياً جديداً في مسرح العمليات، وتطرح تساؤلات حول حدود التصعيد، وإمكان انتقاله من الجنوب إلى العمق اللبناني.

من هنا يبدو أن التصعيد يتدحرج بما يقرّب الهدنة من الانهيار، فيما يبدو وقف النار شبه معطّل، مع استثناء هش لبيروت والضاحية رغم التحليق الكثيف للطيران، ما يبقي الاستقرار معلقاً على حافة الانفجار.

تصعيد متدرّج... من دون كسر السقف

في الميدان، يتّسع نطاق العمليات الإسرائيلية شمال الليطاني، مع ارتفاع وتيرة القصف وتنوع الأهداف، من غارات بالطيران المسيّر إلى قصف مدفعي شمل قرى القطاع الغربي وأطراف بلدات عدة. وقد أدى استهداف بلدة القليلة إلى سقوط قتيل، فيما انفجرت مسيّرة عند مفرق السماعية، وتعرّضت مناطق مثل زبقين ويحمر الشقيف ووادي زبقين لغارات متكررة، بالتوازي مع غارة على مدخل بلدة كفرا أدت إلى قطع الطريق إليها.

آلية عسكرية إسرائيلية تسير بين منازل مدمّرة في جنوب لبنان قرب الحدود (أ.ف.ب)

هذا الاتساع الجغرافي، رغم دلالاته التصعيدية، لا يزال محكوماً بسقف واضح، إذ لم يمتد إلى العمق اللبناني، ولم يشمل مراكز حيوية كبرى خارج نطاق الجنوب، ما يعكس توجهاً لرفع الضغط العسكري من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة. بمعنى آخر، يجري توسيع «مساحة النار» لكن من دون كسر قواعد اللعبة الكبرى.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف تجمع لآليات وجنود إسرائيليين في تل النحاس بصاروخ موجّه، مؤكداً تحقيق إصابة مباشرة، فيما استمرت عمليات إطلاق الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل، مع ما رافقها من إجراءات احترازية في الجليل الأعلى، حيث فُرضت قيود على التجمعات في عدد من البلدات الحدودية.

وفي موازاة ذلك، أفادت الإذاعة الإسرائيلية بأن بنيامين نتنياهو أجرى مشاورات هاتفية مع وزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة عسكريين، على خلفية ما وصفته بالخروق، في مؤشر إلى رفع مستوى الجهوزية والتقييم الميداني داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اتخاذ قرار بتوسيع الحرب.

نزوح وقلق... والهدنة تفقد معناها

في الداخل، بدأت انعكاسات هذا التصعيد تظهر بوضوح على الحركة السكانية وعلى المزاج العام. فقد أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن مناطق خارج «الخط الأصفر»، لا سيما في نطاق النبطية، تشهد نزوحاً كثيفاً باتجاه بيروت، في مشهد يعكس تراجع الثقة بأي استقرار قريب.

وأشارت إلى أن عائلات كانت قد عادت مؤقتاً خلال عطلة نهاية الأسبوع، وكانت تنوي العودة إلى الضاحية الجنوبية مساء الأحد وصباح الاثنين، «تريّثت في قرارها وعادت إلى أماكن نزوحها السابقة، بعدما بدت مؤشرات التصعيد غير مطمئنة». ويعكس هذا السلوك تحوّلاً لافتاً، إذ لم تعد الهدنة تُقرأ بوصفها فرصة للعودة، بل بوصفها فترة انتظار مشوبة بالخوف من الانفجار.

دخان يتصاعد إثر غارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

على خط التماس: القصف يلامس البيوت

وتعكس الشهادات الميدانية حجم التحوّل وخطورته. إذ قال أحد أبناء بلدة زوطر الجنوبية لـ«الشرق الأوسط» إنّ التصعيد الأخير «كان الأعنف منذ فترة، إذ اقترب القصف هذه المرة بشكل مباشر من المنازل والأحياء السكنية»، مشيراً إلى أنّ «القذائف وصلت إلى الحارات ولم تترك مكاناً إلا ووصلت إليه».

وأوضح أنّ «نهر الليطاني تحوّل عملياً إلى خط تماس ميداني، مع قرب جغرافي شديد بين القرى الشمالية والقرى الأمامية جنوبه»، ما يجعل بلدات مثل زوطر «عُرضة دائمة لأي تصعيد»، خصوصاً مع نزوح شبه كامل للقرى الواقعة جنوب النهر.

وأضاف أنّ «الناس خرجت تحت القصف من دون أن تتمكن من حمل أي من مقتنياتها، حتى الحاجيات الأساسية»، لافتاً إلى حالة «ضياع في صفوف العائلات بين العودة والنزوح، في ظل غياب أي وضوح في مسار الأحداث، ووسط ضغط نفسي كبير ناتج عن استمرار القصف ليلاً ونهاراً».

حرب مستمرة... و«ستاتيكو» قابل للانفجار

في قراءة أوسع، يرى العميد المتقاعد سعيد قزح أن ما يجري «ليس بداية حرب جديدة بقدر ما هو امتداد مباشر لحالة حرب قائمة لم تتوقف فعلياً»، عادّاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «ما نعيشه اليوم هو هدنة هشة قابلة للانهيار في أي لحظة، سواء بفعل قرار ميداني موضعي أو نتيجة تطورات إقليمية أوسع، لا سيما في حال تجدّد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران».

ويؤكد أنّ وتيرة الضربات اليومية «تعكس هشاشة هذا الواقع، وتؤكد أن أي احتكاك أو خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى انهيار الهدنة وعودة القتال بشكل واسع»، مشيراً إلى أنّ «المنطقة الجنوبية تبقى في حالة ترقّب دائم لاحتمال الانفجار في أي لحظة».

جنود إسرائيليون أمام آلية عسكرية عند الحدود (د.ب.أ)

وفيما يتصل بانعكاس التصعيد على الداخل اللبناني، يوضح قزح أنّ «بيروت ستبقى، في المدى المنظور، خارج دائرة الاستهداف المباشر، ما دام أنّ المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل لا يزال قائماً»، لافتاً إلى أنّ «الضوء الأخضر الأميركي الممنوح لإسرائيل يندرج ضمن إطار ما يُسمّى (حق الدفاع القريب أو الآني)، أي تنفيذ عمليات ضمن نطاق جغرافي محدد مرتبط بمصدر التهديد، وليس توسيع الحرب نحو العمق اللبناني، إلا في حال حدوث تصعيد كبير».

ويضيف أنّ «هذا الواقع يعيد إلى حدّ كبير نموذج ما قبل عام 2000، حيث تبقى العمليات العسكرية محصورة ضمن نطاق جغرافي معيّن، يُعرف بالمنطقة العازلة أو خط التماس، مع تبادل ضربات محدود لا يتجاوز هذا الإطار إلا في حالات استثنائية».

وفي تقييمه للمرحلة المقبلة، يرجّح أنّ «التصعيد لن يكون شاملاً لكل الجنوب، بل سيبقى محصوراً في المناطق المتاخمة للخط الفاصل أو تلك التي تُستخدم كأنها نقاط انطلاق للعمليات». لافتاً إلى أنّ «الإجراءات الإسرائيلية، مثل تعطيل المدارس في شمال إسرائيل، تعكس قلقاً حقيقياً من استمرار إطلاق الصواريخ من لبنان، ما يدل على أنّ الجبهة لا تزال مفتوحة عملياً، حتى في ظل الهدنة»، مؤكداً أنّ «الواقع الحالي يبقى مضبوطاً بإيقاع دقيق بين التصعيد والاحتواء، لكنه قابل للانفجار في أي لحظة».


إسرائيل تحجب أموال المقاصة عن الفلسطينيين... وأزمة السلطة تتعمق

الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)
الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تحجب أموال المقاصة عن الفلسطينيين... وأزمة السلطة تتعمق

الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)
الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)

قرر وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، عدم تحويل أي أموال من العوائد الضريبية «المقاصة» التابعة للسلطة الفلسطينية لهذا الشهر، على الرغم من وصول السلطة إلى مرحلة أصبحت فيها شبه عاجزة عن دفع رواتب موظفيها وتأمين مصاريفها التشغيلية، وهو ما يعمق أزمتها إلى حد غير مسبوق.

وقالت «القناة 7» الإسرائيلية، الاثنين، إن سموتريتش قرر عدم تحويل أي مبالغ هذا الشهر للسلطة، مواصلاً نهجه السياسي والاقتصادي المتشدد ضدها.

وحسب قرار سموتريتش، فإنه «من إجمالي مبلغ يزيد عن 740 مليون شيقل (الدولار يساوي 3 شيقلات) تم جمعها هذا الشهر، جرى تخصيص نحو 590 مليون شيقل منه لتسديد ديون مترتبة على السلطة الفلسطينية لصالح شركات الكهرباء والمياه والهيئات البيئية.

مبنى سلطة النقد الفلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (موقع سلطة النقد)

إضافةً إلى ذلك، قال الوزير الإسرائيلي إنه جرى تعويض الأموال التي خصصتها السلطة لتحويلها إلى الجماعات (الإرهابية) وعائلات (الإرهابيين) في إشارة إلى ما تدفعه السلطة رواتب لأسر «الشهداء والأسرى».

ونص القرار الإسرائيلي كذلك على «تجميد المبلغ المتبقي وعدم تحويله» كجزء من سياسة مستمرة منذ عام تقريباً، احتجاجاً على ما يقول سموتريتش إنه «نشاط السلطة الفلسطينية ضد إسرائيل في المؤسسات الدولية (مثل محكمة لاهاي) وتشجيعها للإرهاب»، وفق زعمه.

ودفعت السلطة هذا الشهر مبلغاً مقطوعاً لجميع الموظفين (2000 شيقل)، وكانت دفعت الشهر الذي سبقه (50 في المائة من الراتب) فيما كانت تدفع عادة 70 في المائة من الراتب، ما يؤكد تراجع قدرتها على تأمين الرواتب شهراً بعد شهر.

وتعتمد السلطة الفلسطينية بشكل أساسي على عائدات الضرائب في تغطية رواتب موظفيها ونفقاتها التشغيلية بالإضافة إلى الدعم الدولي.

ومنذ 2019 تقتطع إسرائيل أموالاً من العوائد الضريبية التابعة للسلطة الفلسطينية، وتحجبها منذ حوالي عام بشكل كامل.

وبموجب «اتفاق أوسلو» الموقع عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، تجمع وزارة المالية الإسرائيلية الضرائب نيابةً عن الفلسطينيين عند استيراد السلع من الخارج إلى السلطة الفلسطينية، وتقوم بتحويلات شهرية إلى السلطة الفلسطينية مقابل عمولة 3 في المائة، وتشكل هذه الأموال عادة ما نسبته 75 في المائة من إيرادات السلطة.

ما قيمة المحتجز؟

تقدر السلطة الفلسطينية أموالها التي تحتجزها إسرائيل بأكثر من 14 مليار شيقل (4.5 مليار دولار أميركي).

ومع استمرار الأزمة لوقت طويل أصبحت السلطة مديونة للقطاعين العام والخاص، إضافة إلى جهات خارجية محتملة، وقد قفزت الميدونية العامة العام الماضي إلى 15.4 مليار دولار.

وتمثل فاتورة الراتب العبء الأكبر على الخزينة، إذ تصل إلى مليار و50 مليون شيقل سنوياً (340 مليون دولار).

وفي مواجهة هذا الوضع، قررت الحكومة الفلسطينية اعتماد سياسة صفر توظيف ضمن مشروع موازنة طواريء لعام 2026، وتبني نهج تقشفي صارم لإدارة الموارد وضبط الإنفاق، ثم وجه رئيس الوزراء محمد مصطفى هذا الشهر بخصم رسوم ترخيص المركبات والرخص الشخصية للموظفين العموميين لعام 2026 من رصيد مستحقاتهم.

وتدرس الحكومة إمكانية إطلاق محفظة مالية إلكترونية، للموظفين، تمكنهم من تسديد التزاماتهم لمزودي الخدمات الأساسية إذا ما انخفضت أكثر نسبة الراتب.

والأسبوع الماضي التقى مصطفى، على هامش اجتماعات المانحين والتحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين، في بروكسل، عدداً من المسؤولين الأوروبيين والدوليين، بحضور وزير المالية والتخطيط اسطفان سلامة، وشرح خطورة الوضع الذي تمر به السلطة، وطلب مساعدات طارئة وشبكة أمان مالية.

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس خلال اجتماع للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين في بروكسل (إ.ب.أ)

وقال مصطفى، الأحد، إن «حصار الاحتلال الإسرائيلي لا يقتصر على قطاع غزة، بل يمتد إلى الضفة الغربية بما فيها القدس، عبر أدوات سياسية وأمنية واستعمارية، إضافة إلى استمرار اقتطاع أموال المقاصة الفلسطينية».

وأضاف: «هذه الاقتطاعات تصاعدت خلال الأشهر الـ12 الأخيرة، حيث لم تحول إسرائيل أياً من عائدات الضرائب والجمارك إلى خزينة دولة فلسطين»، وأضاف: «لم نتسلم قرشاً واحداً».

واعتبر مصطفى أن هذه الإجراءات تمثل «احتلالاً آخر»، مؤكداً أن الحكومة لم تكن في فترات قادرة على تأمين حتى ألف شيقل للموظفين. وحذر من أن الأشهر الستة المقبلة ستكون «صعبة جداً».