الصليب الأحمر لـ«الشرق الأوسط»: إسرائيل و«حماس» لا تسمحان لنا بزيارة المحتجزين

المدير الإقليمي فابريزيو قال إن الدعم السعودي «سمح لنا بالعمل في مناطق معقدة حول العالم»

TT

الصليب الأحمر لـ«الشرق الأوسط»: إسرائيل و«حماس» لا تسمحان لنا بزيارة المحتجزين

عناصر من «الصليب الأحمر» في قطاع غزة (الصليب الأحمر)
عناصر من «الصليب الأحمر» في قطاع غزة (الصليب الأحمر)

قالت اللجنة الدولية لـ«الصليب الأحمر» الدولي إن السلطات الإسرائيلية علّقت منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الزيارات للمعتقلين الفلسطينيين في سجونها، وبالقدر نفسه لم تسمح حركة «حماس» بزيارة الرهائن المحتجزين لديها حتى الآن، وهو ما يعد أمراً غير مقبول، وفق فابريزيو كاربوني المدير الإقليمي لـ«الصليب الأحمر» في الشرقين الأوسط والأدنى.

ووصف كاربوني الوضع في غزة بعد نحو 4 أشهر من بدء الحرب بأنه «كارثي»، في ظل انهيار النظام الصحي، وكل منظومة الطاقة وإمداداتها الكاملة عن السكان.

وحذر كاربوني في حديث مع «الشرق الأوسط»، من أن التأثير النفسي للحرب على سكان غزة، خصوصاً الأطفال يعد أحد أكثر الأبعاد قسوة لهذا الصراع، وسيتعين عليهم حمله للسنوات المقبلة ويؤثر على أجيال من الفلسطينيين الذين مروا بهذه اللحظة الكارثية، على حد تعبيره.

ونوه فابريزيو كاربوني بالتعاون الذي وصفه بـ«المتميز» بين «الصليب الأحمر» الدولي والمملكة العربية السعودية، مبيناً أن الدعم المالي والسياسي الذي تقدمه المملكة سمح لـ«الصليب الأحمر» بالعمل في مناطق معقدة حول العالم.

فابريزيو كاربوني المدير الإقليمي للجنة الدولية لـ«الصليب الأحمر» في الشرقين الأوسط والأدنى (الصليب الأحمر)

وأكد المدير الإقليمي للجنة الدولية لـ«الصليب الأحمر» أن الضفة الغربية وغزة أراضٍ محتلة، وأن الفلسطينيين الذي يعيشون فيها محميون بموجب اتفاقيات جنيف، وبالتالي يحق لهم التمتع بالحقوق والضمانات الأساسية دون تمييز.

وتحدث كاربوني في المقابلة أيضاً عن التحديات التي تواجه فرق «الصليب الأحمر» في غزة، وموقف اللجنة من الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا في محكمة العدل الدولية، وغيرها من الملفات.

قسوة الصراع وأبعاده النفسية

قال كاربوني، في مقابلته مع «الشرق الأوسط»، إن «الوضع في غزة بعد 4 أشهر من العنف المكثف والحصار والوصول المحدود إلى المساعدات الإنسانية يعد كارثياً، لأن الناس لا يستطيعون الوصول إلى الخدمات الأساسية».

وأضاف: «كثير من الناس مصابون، بخلاف أولئك الذين قتلوا. علاوة على ذلك، هناك أمر يصعب التقاطه وهو التأثير النفسي لهذا العنف، الخوف والقلق والحزن من الاضطرار إلى العيش في منزلك لرؤية الأصدقاء وأفراد الأسرة القتلى والجرحى. هذا يمثّل حالة عبء على جميع الناس في غزة (...) تخيل أن تعيش في مخاوف مستمرة من أن تكون في الوقت أو المكان الخطأ وتتعرض للأذى أو الإصابة أو القتل».

وأعرب كاربوني عن اعتقاده بأن «الجانب الأكثر تدميراً من التأثير النفسي للحرب هو خشية الناس على أطفالهم، وهذا ربما يكون أحد أكثر الأبعاد قسوة لهذا الصراع، وخوف الآباء وعدم قدرتهم على حماية أبنائهم، وهذا الأمر سيتعين علينا حمله للسنوات المقبلة، وسيكون له تأثير على أجيال من الشعب الفلسطيني الذين مروا بهذه اللحظة الكارثية».

انهيار النظام الصحي وكل منظومة الطاقة

قال فابريزيو إنه بالرغم من الدمار الذي لحق بالبنية التحتية، فإن انعدام الأمن والسلامة منع الناس من الوصول إلى المستشفيات والمدارس والملاجئ المحمية.

وتحدث المسؤول الدولي عن ضرر بالغ تعرضت له البنية التحتية في قطاع غزة، وقال: «ليس النظام الصحي هو الذي ينهار، بل كل منظومة الطاقة وإمدادات الطاقة الكاملة وتوفير المياه للناس. كل هذا تضرر. الوضع مقلق ولا يطاق حقاً، وعندما ننظر إلى حالة البنية التحتية، من الصعب تخيّل كيف يمكن لهذا الصراع مع مثل هذا المستوى من الشدة والعنف أن يستمر دون الأخذ بالاعتبار بجدية أكبر وضع السكان المدنيين في غزة. وعليه، أدعو كل الأطراف لاحترام السكان وتجنيبهم هذا المستوى غير المقبول من العنف».

وأشاد كاربوني بشجاعة ومرونة موظفي الصحة في غزة والذين «يعملون منذ 4 أشهر في وضع صعب للغاية، ويقومون بعمل حقيقي ويدفعون ثمناً باهظاً جراء ذلك».

شراكة متميزة مع السعودية

وأوضح المدير الإقليمي لـ«الصليب الأحمر» في الشرق الأوسط، أن اللجنة الدولية لديها شراكة متميزة مع السعودية التي مولت عبر مركز الملك سلمان للإغاثة جزءاً من أعمالهم في غزة، إلى جانب الشراكة في السودان وكثير من المناطق الأخرى.

وسلط فابريزيو الضوء على التعاون مع السعودية بشأن تكوين فهم مشترك لكيفية الاستجابة اللازمة للأوضاع الإنسانية حول العالم. وقال: «لدينا حوار متميز مع السعودية خلال السنوات الماضية، وتلقينا دعماً سياسياً ملموساً للغاية في الصراعات والقضايا الإنسانية بما سمح لنا بالعمل في مناطق معقدة».

وتابع: «عندما نواجه مصاعب في بعض الدول نعلم أنه يمكننا دائماً إشراك السعودية وكل ممثليها في الرياض وجنيف ونيويورك للتعامل مع هذه المواضيع. لدينا شراكة مالية مهمة، لكن أيضاً الشراكة السياسية أكثر أهمية من وجهة نظري».

«موظفونا ضحايا للنزاع في غزة»

وفي حديثه عن التحديات التي تواجه فرق «الصليب الأحمر» الدولي في غزة، أشار كاربوني إلى أن التحدي الأول يتمثل في أن مدينة غزة تعد ميدان معركة كبيرة لا يمكن تغطيتها بسهولة، موضحاً أن «موظفينا عالقون في مكان لا ينبغي أن نكون فيه بسبب العنف، وهو ما يهدد سلامتهم وأمنهم». أما التحدي الثاني في غزة، بحسب فابريزيو، فهو أن «موظفينا ضحية للنزاع، ومشردون ويتعرضون للقصف ونقص الوقود والمياه والطعام».

وأضاف: «غزة بيئة صعبة للغاية، ولو بذلنا قصارى جهدنا، وزدنا بشكل كبير ما يمكننا القيام به في غزة، فلن يكون ذلك كافياً أبداً بسبب حجم الأزمة الإنسانية».

فلسطينيون نازحون بسبب القصف الإسرائيلي على غزة يطبخون في مخيم الخيام المؤقت بمنطقة المواصي (أ.ب)

جرائم حرب

في رده على سؤال حول ما إذا كانت عمليات قتل المدنيين في غزة تعد جرائم حرب إسرائيلية، أجاب المدير الإقليمي لـ«الصليب الأحمر» في الشرق الأوسط بقوله: «المدنيون الذين يقتلون ويصابون ويهجرون في غزة، وكل العنف المتعمد والنشط، الذي يستهدف المدنيين، سواء في غزة أو إسرائيل، وفي كل مكان، يعد أمراً غير مقبول، ونتوقع اتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة لتجنب الخسائر المدنية».

ولفت إلى أنه «ليس من دورنا إطلاق مصطلحات مثل جرائم الحرب، بل ذلك يعود للمؤسسات الدولية، وبقدر ما نشعر بالقلق، فإننا نجري حواراً ثنائياً وسرياً مع جميع أطراف النزاع، وندعوهم لاحترام المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني».

وفي تعليقه على مجريات المرافعات في محكمة العدل الدولية بشأن الجرائم الإسرائيلية بغزة، جدد فابريزيو التأكيد على أنه ليس من دور «الصليب الأحمر» التعليق على مثل هذه الأسئلة، وقال: «نركز على انتهاك القانوني الدولي، والعواقب على الناس، ونثير هذه المواضيع في حوارنا السري مع أطراف النزاع، ونكرر التأكيد على أن الضفة الغربية وغزة تقعان ضمن الأراضي المحتلة. الفلسطينيون الذي يعيشون في هذه المناطق محميون بموجب اتفاقيات جنيف، وبالتالي يحق لهم التمتع بالحقوق والضمانات الأساسية دون تمييز».

في الوقت ذاته، أكد كاربوني أن «القانون الدولي يمنع أي شكل من أشكال التمييز على أساس اللون، العرق، اللغة، الجنسية، الدين، الرأي السياسي، أو غيره من الآراء أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو كليهما أو أي معايير أخرى مماثلة».

وحذر من أنه «مهما كان السبب الذي تقاتل من أجله، فإن الحدود التي تقاتل من أجلها لا تسمح لك أو تسمح لأطراف الصراع بفعل ما يريدون».

جهود تبادل الرهائن

وحول آخر الجهود لتبادل الأسرى والمحتجزين بين «حماس» وإسرائيل، قال فابريزيو: «لسنا جزءاً من أي حوار بين الطرفين للتوصل إلى اتفاق والسماح بالإفراج عن الرهائن والمحتجزين، هذه مفاوضات سياسية لا نشارك فيها، نحن ننخرط في الأبعاد الإنسانية لما بعد الاتفاق، والتأكد من تنفيذ المتفق عليه، وهذا ما فعلناه في الماضي، ونحن مستعدون للقيام به في المستقبل، ولكن اليوم بقدر ما أشعر بالقلق، ليس لدي أي معلومات للأسف من أي شخص، ونأمل في أن تصل الأطراف قريباً إلى اتفاق».

فتيات يحملن أواني طعام من مخيم مؤقت في رفح قرب الحدود مع مصر بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

منع «الصليب الأحمر» من زيارة المحتجزين

تحدث فابريزيو كاربوني عن تاريخ طويل لدى اللجنة في زيارة الفلسطينيين المحتجزين لدى إسرائيل، وقال: «نحن لا نزور فقط، بل أيضاً نسهّل الزيارات العائلية، وإذا أخذنا الأشهر الستة الأولى من عام 2023 تم تسهيل أكثر من 29.000 زيارة من أفراد الأسر، ونقلنا أولئك الذين يمكنهم زيارة الأسرة وهو عمل مهم».

لكنه استدرك بقوله: «بدءاً من 7 أكتوبر، اتخذت السلطات الإسرائيلية قراراً بتعليق الزيارة عن طريق (الصليب الأحمر) الدولي، ونأسف لذلك ونواصل الحديث مع المعنيين لاستئناف هذه الزيارات، ومن المحزن أيضاً أن (حماس) لم تسمح لنا بزيارة الرهائن لديها، وفي كلتا الحالتين الأمر غير مقبول إطلاقاً، ونأمل في أن نتمكن من الوصول في أقرب وقت ممكن إلى أولئك الأشخاص».


مقالات ذات صلة

الصين تحث إسرائيل على وقف «البناء القسري» للمستوطنات بالضفة الغربية

المشرق العربي مزرعة يديرها مستوطنون إسرائيليون بالقرب من قرية دوما الفلسطينية في الضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

الصين تحث إسرائيل على وقف «البناء القسري» للمستوطنات بالضفة الغربية

قالت وزارة الخارجية الصينية، في بيان، إن الوزير وانغ يي أبلغ الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ بضرورة وقف «البناء القسري» للمستوطنات في الضفة الغربية والتراجع عنه.

«الشرق الأوسط» (بكين)
شؤون إقليمية شاحنات مساعدات تنتظر بالقرب من معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة... 19 يناير 2025 (رويترز)

إسرائيل: السلع لم تعد تدخل غزة بعد وقف التجار للتنسيق

قالت إسرائيل إن السلع التجارية لم تعد تدخل قطاع غزة بسبب ما وصفته بنزاع حول الضرائب بين التجار المحليين وحركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ب) p-circle

تقرير: إسرائيل تعرقل بناء قاعدة رئيسية في غزة تابعة لمجلس السلام

ذكر تقرير صحافي أن إسرائيل ترفض السماح بالمضي قدماً في مشروع لإنشاء موقع عسكري متقدم في قطاع غزة لصالح مجلس السلام التابع للرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)

إسرائيل تسمح لشركة أميركية بدخول غزة لتسلُّم سلاح «حماس»

ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن إسرائيل وافقت على دخول شركة أميركية إلى غزة، لبدء خطوات تتعلق بمواقع يفترض أن تسلِّم حركة «حماس» سلاحها فيها.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فتاة فلسطينية تصعد درجاً في مبنى مدمر استُهدف بغارات جوية إسرائيلية بمنطقة الزوايدة وسط قطاع غزة الأحد (أ.ف.ب)

إسرائيل توسّع «الخط الأصفر» مجدداً... وتكثّف الغارات في عمق غزة

وسّعت إسرائيل حدود «الخط الأصفر» الافتراضي الفاصل بين مناطق تحتلها وأخرى تسيطر عليها «حماس»، الأحد، قبالة مدينتَي غزة ودير البلح بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

هل تواجه الفصائل العراقية ضائقة مالية؟

أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي في حالة حراسة خارج مقر قيادة عمليات البصرة 29 يوليو 2026 (رويترز)
أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي في حالة حراسة خارج مقر قيادة عمليات البصرة 29 يوليو 2026 (رويترز)
TT

هل تواجه الفصائل العراقية ضائقة مالية؟

أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي في حالة حراسة خارج مقر قيادة عمليات البصرة 29 يوليو 2026 (رويترز)
أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي في حالة حراسة خارج مقر قيادة عمليات البصرة 29 يوليو 2026 (رويترز)

أكدت مصادر عراقية أن الفصائل المسلحة تواجه «ضائقة مالية» بسبب عقوبات وزارة الخزانة الأميركية ضد قادتها، لكنها استبعدت توقف صرف رواتب مقاتليها المسجلين ضمن لوائح هيئة «الحشد الشعبي» التي تحصل على مواردها من موازنة الدولة.

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، براد كوبر، في تصريحات صحافية، السبت، إن أزمة مالية حادة تضرب «الحرس الثوري» والحكومة الإيرانية نتيجة 9 أشهر من الحصار البحري والعقوبات المشددة، ما أدى إلى حرمان طهران من 25 مليار دولار من عائدات النفط، وتجميد 350 مليون دولار من العملات المشفرة.

وأكد كوبر أن «الخناق الاقتصادي دفع الفصائل والجماعات الموالية لإيران بالمنطقة، بما فيها الفصائل الشيعية العراقية و(حزب الله) و(حماس)، إلى حجب رواتب مقاتليها وتحويل الأموال إلى طهران لتغطية عجز الرواتب والمتقاعدين والقطاع العام».

وكشف كوبر أن الميليشيات الشيعية في العراق، التي تلقت تمويلاً من «الحرس الثوري» لسنوات، باتت الآن مطالبة بإعادة تلك الأموال.

وتحدّث القائد الأميركي عن أن «الضغط المالي على الجيش الإيراني أصبح كبيراً، لدرجة أن هناك تقارير تُفيد بأن الميليشيات المتحالفة مع إيران في جميع أنحاء المنطقة تحجب رواتب مقاتليها، وذلك لتحويل الأموال إلى (الحرس الثوري الإيراني) الذي يعجز بدوره عن دفع رواتب قواته».

وأضاف كوبر أن الحكومة الإيرانية تمتنع عن صرف الرواتب والمعاشات التقاعدية والمزايا للعاملين في القطاع العام، بمن فيهم أفراد قوات الأمن الداخلي و«الحرس الثوري».

ضائقة مالية... ولكن

إلا أن مصادر موثوقة، وبعضها على اطلاع بأجواء الفصائل العراقية، قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعطيات الأميركية عن حجب الفصائل رواتب عناصرها، وتحويلها إلى طهران لمساعدتها على مواجهة الأزمة المالية غير دقيق تماماً».

ومع ذلك، أفادت أحد المصادر بأن «الفصائل بشكل عام تعاني ضائقة مالية حقيقية، ابتدأت منذ أشهر، نتيجة عقوبات الخزانة الأميركية ضد معظم قادتها والمرتبطين بها من مصارف ومؤسسات متهمة بالتعامل مالياً مع طهران»، لكنه أكد أن «جميع عناصر الفصائل، وهم غالباً تحت مظلة (الحشد الشعبي)، يحصلون على رواتبهم بشكل منتظم، ولم تتعرض للقطع».

وبلغت التخصيصات المالية لهيئة «الحشد الشعبي» نحو 3.6 مليار دولار أميركي، وذلك ضمن موازنة عام 2025، وذلك لتمويل قوة يُقدر عدد منتسبيها بنحو 238 ألف عنصر، بالتزامن مع مساعٍ حكومية لإعادة تنظيم الهيكل القانوني والأمني للهيئة، وسط تدقيق محلي وإقليمي.

وأوضحت المصادر أن «العدد الإجمالي للعناصر المرتبطة بالفصائل لا يتجاوز 50 ألف مقاتل أو أكثر بقليل، ومع افتراض صحة تصريحات القائد الأميركي، فإن إجمالي رواتبهم لا يمكن أن تغطي ثغرة مالية لدى إيران».

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (موقع الحشد الشعبي)

تمويل عراقي لإيران

وقال مصدر، رفض الكشف عن هويته أو وظيفته، إن إيران ودوائر «الحرس الثوري» ترتبط بمصالح مالية واسعة داخل العراق، تشمل قطاعات الطاقة والإنشاءات والتجارة، فضلاً عن سيطرتها على عقود مرتبطة بالدولة تدرّ عليها إيرادات تفوق بكثير ما تنفقه على رواتب عناصر الفصائل.

ولم يستبعد المصدر «وجود مؤسسات أو مصارف ظل مرتبطة بالفصائل، يمكن أن تواصل تعاملاتها المالية السرية مع إيران، على غرار ما كُشف عنه في قضية أحد المصارف مؤخراً».

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أدرجت «المصرف الدولي للتنمية والاستثمار العراقي»، الخميس الماضي، على قائمة العقوبات، بتهمة تسهيل وصول الدولار إلى إيران ومساعدتها في الحصول على العملة الأميركية، والتحايل على العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.

واتهمت واشنطن المصرف بالارتباط بشركات إيرانية أسهمت في تأسيسه منذ البداية، وبالعمل على تحويل الأرباح وإيصالها إلى طهران، فضلاً عن ارتباطه بكيانات حكومية ومصرفية إيرانية، من بينها «مصرف ملي».


لبنان: انتقادات سياسية وإجراءات أمنية رداً على مطالب «حزب الله» بتنسيق رسمي معه

دورية للجيش اللبناني على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت (المركزية)
دورية للجيش اللبناني على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت (المركزية)
TT

لبنان: انتقادات سياسية وإجراءات أمنية رداً على مطالب «حزب الله» بتنسيق رسمي معه

دورية للجيش اللبناني على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت (المركزية)
دورية للجيش اللبناني على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت (المركزية)

أثارت مطالبة «حزب الله» بتنسيق القوى الأمنية معه قبل دخولها ضاحية بيروت الجنوبية انتقادات سياسية بلغت حدّ توجيه أسئلة إلى الحكومة عن حقيقة هذه التفاهمات إذا وجدت، في وقت كثف الجيش اللبناني إجراءاته الأمنية، ونفذ انتشاراً في الضاحية وعلى مداخلها، بعد مسيّرات نظمها مناصرون للحزب على دراجات نارية إلى شوارع العاصمة بيروت.

وكان شبان يستقلون دراجات نارية، حاولوا، مساء الجمعة، اعتراض دورية تابعة لقوى الأمن الداخلي في أثناء مداهمة مستودع للأدوية في منطقة «غاليري سمعان» في الضاحية الجنوبية، وسرعان ما تدخل الجيش؛ ما سمح للدورية بتنفيذ مهمتها وإقفال المستودع بالشمع الأحمر.

دراجات نارية أمام مبنى شركة الأدوية خلال مداهمة القوى الأمنية في الضاحية الجنوبية لبيروت (متداول)

وبعد مداهمة الشركة، سُجّل ليلاً انتشارٌ لعناصر من «حزب الله» في عدد من شوارع بيروت، ومسيرات بعشرات الدراجات النارية وسط هتافات بشعارات حزبيّة، حسبما أفادت وسائل إعلام محلية.

بيان «حزب الله»

ورغم نفي «حزب الله» علاقته بالشركة التي جرت مداهمتها بناءً على استنابة قضائية، تنفيذاً لطلب وزير الصحة راكان ناصر الدين المحسوب على الحزب نفسه، أشار الحزب في بيان، إلى «قيام دورية من القوى الأمنية بمداهمة في منطقة ذات حساسية أمنية، دون اعتماد الآلية المتفق عليها بين «حزب الله» والجهات الأمنية، والتي تراعي حساسية الوضع الأمني في الضاحية الجنوبية لبيروت، في ظلّ استمرار التهديدات والمخاطر الأمنية الإسرائيلية، وما تفرضه من محاذير يدركها الطرفان، ويحرصان على التعامل معها بمسؤولية».

مناصرون لـ«حزب الله» في مسيرة على دراجات نارية في منطقة بشارة الخوري في بيروت (المركزية)

ويشير البيان إلى أن الحزب «يطالب الدولة اللبنانية بالتنسيق معه لدى تنفيذ أي مهام في الضاحية»، حسبما تقول مصادر لبنانية مواكبة للملف، مشيرة إلى أن «ترتيبات أمنية كانت قائمة في السنوات الماضية، ويريد الحزب الحفاظ عليها مع الدولة، متجاهلاً التغييرات التي حدثت بعد انتخاب الرئيس جوزيف عون رئيساً للجمهورية وبعد تشكيل حكومة الرئيس نواف سلام التي اتخذت قراراً بحصرية السلاح بيد الأجهزة الأمنية اللبنانية حصراً، وتعهدت ببسط سلطة الدولة على كامل أراضيها».

ردّ الدولة...

وسرعان ما جاء الرد من الدولة اللبنانية على بيان «حزب الله»، أمنياً؛ إذ نفّذ الجيش اللبناني انتشاراً واسعاً في الضاحية الجنوبية منذ ساعات صباح السبت، مع تسيير دوريات ودخول آليات من جهة الشويفات وسط انتشار عند دوار الكفاءات وتحت جسر المشرفية في الضاحية.

أما سياسياً، فلم يمر البيان دون انتقادات؛ إذ توجه النائب غسان حاصباني (القوات اللبنانية) عبر حسابه على منصة «إكس»، بسؤال إلى الحكومة اللبنانية، قائلاً: «ما المقصود بمناطق ذات حساسية أمنية؟ ومن يحددها؟ وما طبيعة الآلية المتفق عليها، ومن أعطى الموافقة عليها؟».

وتابع: «هل باتت هناك مناطق في لبنان لا تستطيع القوى الأمنية دخولها أو تنفيذ مداهمات فيها إلا بعد التنسيق المسبق مع جهة حزبية؟ وهل يتطلب تطبيق القانون إذناً مسبقاً من أي جهة غير السلطات القضائية والأمنية المختصة؟».

وقال حاصباني: «هذه الأسئلة برسم الحكومة اللبنانية التي يُنتظر منها توضيح حقيقة هذه التفاهمات - إذا وُجدت - ومدى انسجامها مع مبدأ حصرية السلطة الأمنية بيد الدولة، وسيادة القانون على كامل الأراضي اللبنانية دون استثناء».

من جانبه، قال النائب فؤاد مخزومي: «بعد كل ما مرّ به لبنان، بات واضحاً أنّ لا دولة حقيقية ولا إصلاح ولا استقرار ما دام السلاح خارج سلطة الدولة. إنّ حصر السلاح بيد الجيش اللبناني والمؤسسات الشرعية، وإنهاء السلاح غير الشرعي، وفي مقدّمته سلاح (حزب الله)، وإعادة قرار الحرب والسلم إلى الدولة وحدها، هي الأولوية التي لا تحتمل المزيد من التأجيل».

بدوره، رأى النائب وضاح صادق أن «ما حصل، ليل الجمعة، لم يكن مسيرة دراجات نارية، بل بروفة لـ7 أيار (حادثة سيطرة / حزب الله / العسكرية على بيروت في عام 2008)، من خلال مئات العناصر المنظمة التي أقفلت مداخل بيروت، في إعادة لمشهد القمصان السود وإسقاط حكومة سعد الحريري عام 2011، أو لأحداث 7 أيار 2008». وأضاف: «حماية بيروت وأهلها مسؤولية الجيش اللبناني والقوى الأمنية، وأي تساهل سيأخذ البلاد إلى تدهور خطير يريده (حزب الله)، ومن خلفه إيران، في هذه المرحلة».

تراكم ملفات

وتتراكم ملفات صدام «حزب الله» مع الدولة اللبنانية، وكان آخرها ملف ضبط شاحنة متفجرات كان ينقلها من البقاع (شرق لبنان) إلى الضاحية الجنوبية، وقال الحزب إنها «معدة لقتال إسرائيل»، بينما أكد وزير العدل عادل نصّار في تصريح إذاعي، أن نقل وتخزين متفجرات بهذا الحجم يشكّلان خطراً على المجتمع وأمن الدولة اللبنانية، وأن مجرد وجود هذه المتفجرات خارج الدولة اللبنانية هو عامل خطير جداً».

عائدون إلى الجنوب يرفعون على «حزب الله» بعد إعلان وقف إطلاق النار في أبريل 2026 (أرشيفية - د.ب.أ)

وأوضح نصّار «أن التحقيق مستمرّ وجدّي، ولا شيء يعرقله، ونحن نلجأ إلى طرح إحالة الملف إلى المجلس العدلي، ليس لأننا نرى أن هناك تقصيراً في التحقيق، بل نظراً لحجم هذه القضية حيث إن القيام بأنشطة خارج قرار الدولة يصنع تهديداً لأمن اللبنانيين وسلامة لبنان».

وقال: «لا تهاون، ولا أحد فوق القانون، والمطلوب الاستمرار بهذه التحقيقات والذهاب حتى النهاية دون أي تردد؛ لأنه متصل بأمن البلد واللبنانيين، وهذا الأمر يخدم مصلحة جميع اللبنانيين، فبناء الدولة ليس على حساب أي فئة من المجتمع».

من جانبه، ‏رأى وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكّي أن «مُطالبة الحزب بشاحنة متفجّرات ضهر البيدر لا تعني أنه سيحصل عليها، وهذا الموضوع يجب أن يُعالج بالشق السياسي والقانوني».


مبادرة عراقية لربط الطاقة والاتصالات والنقل إقليمياً

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ووزير الخارجية فؤاد حسين والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال افتتاح الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد يوم 17 أكتوبر 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ووزير الخارجية فؤاد حسين والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال افتتاح الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد يوم 17 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

مبادرة عراقية لربط الطاقة والاتصالات والنقل إقليمياً

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ووزير الخارجية فؤاد حسين والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال افتتاح الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد يوم 17 أكتوبر 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ووزير الخارجية فؤاد حسين والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال افتتاح الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد يوم 17 أكتوبر 2026 (رويترز)

أطلق رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مبادرة لربط شبكات الطاقة والنقل والاتصالات بين دول المنطقة، محذراً في الوقت نفسه من «تحديات متزايدة تواجه العالم الإسلامي تختبر قدرته على التعايش».

وجاءت تصريحات الزيدي، السبت، خلال افتتاح أعمال الدورة الـ52 لمجلس وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي التي تستضيفها العاصمة بغداد.

ودعا الزيدي إلى «حرية التجارة وحماية طرقها وضمان انسيابية النقل في الممرات الدولية»، مشيراً إلى أن المبادرة التي يطرحها العراق تشمل أيضاً «تطوير أنظمة الدفع الرقمي والمنصات التجارية، وتحقيق التكامل بين المناطق الصناعية».

وشدد رئيس الحكومة على أن «منظمة التعاون الإسلامي تمثّل ركيزة لتوثيق روابط الأخوة والتكامل بين شعوبنا التي يجمعها الإسلام ديناً وثقافةً وحضارةً»، مؤكداً موقف العراق المبدئي من القضية الفلسطينية بوصفها جوهر الصراع في المنطقة، وأن إنصاف الشعب الفلسطيني وضمان حقوقه أساس لأمن المنطقة واستقرارها.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتحدث مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال التقاط الصورة الجماعية في الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد 17 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وأوضح الزيدي أن «العالم الإسلامي يواجه تحديات متزايدة تختبر قدرته على التعايش ومواكبة التحولات الاقتصادية والثقافية والإعلامية»، داعياً إلى أن «التعاون وقبول الاختلاف هما مفتاح التفاهم والحد من الخلافات ووحدة الأمة الإسلامية».

واعتبر الزيدي «ما تشهده المنطقة من أزمات يدعونا إلى مزيد من العمل المشترك لحماية مصالح شعوبنا وخدمة قضايا أمتنا وضمان مستقبل أجيالنا»، مضيفاً أن المبادرة العراقية تهدف إلى «إرساء الأمن والاستقرار والازدهار، وتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات والتحديات».

وفي ختام كلمته، تقدم الزيدي بالشكر إلى «باكستان لجهودها في السعي لنزع فتيل الأزمة»، داعياً الدول المنضوية تحت منظمة التعاون الإسلامي إلى «بذل المزيد من الجهود من أجل تحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة».

من جهته، قال الناطق باسم اجتماعات مجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، حسنين كامل، في بيان، إن «أعمال الدورة الـ52 انطلقت في بغداد تحت شعار (الحوار والتضامن ركيزتان أساسيتان لتعزيز السلم والتنمية المستدامة)».

وأوضح كامل أن الدورة ستناقش عدداً من القضايا ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والتطورات في قطاع غزة، فضلاً عن المستجدات الإقليمية والدولية الراهنة، والنظر في مشروعات القرارات المقدمة التي تتناول ملفات سياسية واقتصادية واجتماعية وإنسانية وتنموية للمرحلة المقبلة، وإقرارها.

وشهد الاجتماع مشاركة وزراء خارجية دول المنظمة، من بينهم التركي هاكان فيدان، والإيراني عباس عراقجي، والسوري سعد الشيباني.

(من اليسار إلى اليمين) وزيرة الخارجية الفلسطينية فارسين أغابكيان والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ووزير الخارجية العراقي فؤاد حسين ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى جانب وفود أخرى لالتقاط صورة جماعية خلال الدورة الثانية والخمسين للمنظمة في بغداد يوم 17 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

«توافق إسلامي»

وعدّ الرئيس العراقي نزار آميدي انعقاد أعمال مجلس وزراء خارجية المنظمة في بغداد «فرصة لبلورة الرؤى المشتركة إزاء القضايا المصيرية التي تواجه العالم الإسلامي».

وأكد آميدي، خلال استقباله الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد، «أهمية احتضان بغداد أعمال الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في المنظمة، لبلورة الرؤى المشتركة إزاء القضايا المصيرية التي تواجه العالم الإسلامي، بما يُسهم في دعم جهود إحلال السلام وحماية مصالح الشعوب الإسلامية».

من جانبه، أشار ولد الشيخ أحمد إلى أن «استضافة العراق لمؤتمر وزراء خارجية الدول الأعضاء في دورته الحالية، تعكس مكانته ودوره في تعزيز التضامن الإسلامي وترسيخ الحوار والتفاهم بين الدول الأعضاء»، معرباً عن «تقديره للجهود المبذولة من أجل إنجاح أعمال المؤتمر وتحقيق أهدافه المنشودة».