بعد مضي أكثر من 3 شهور على دخوله الحكومة، بات الوزير في مجلس قيادة الحرب، بيني غانتس، يشعر بأنه يتلوى داخل مصيدة في حكومة نتنياهو. ومع أنه أعلن يوم الأربعاء أن أولوية الحرب، التي اندلعت في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تتمثل بإعادة الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى حركة «حماس»، وأن هذه القضية باتت «الأمر الأكثر إلحاحاً ولها الأسبقية على أي عملية قتالية»، فإنه يتردد في التقدم خطوة أخرى نحو هذا الهدف.
هناك مقرَّبون منه ينصحونه علناً بالتهديد بالخروج من الحكومة في حال رفضت وضع قضية الأسرى على رأس سلم اهتمامها، ويقولون له إن هذه هي فرصته للتخلص من هذه الحكومة والظهور بموقف مسؤول تجاه المخطوفين، الذين يحظون بتعاطف واسع. لكنه ما زال يخشى أن يستغل نتنياهو الموضوع ضده، ويحمله مسؤولية وقف الحرب من دون تحقيق أهدافها. وبالفعل، قام نتنياهو بتسريب أنباء تقول إنه يفكر في إقالة غانتس من الحكومة واستبدال به أفيغدور ليبرمان، المعروف بتأييده لتصفية «حماس» أولاً، وتحرير الرهائن بالقوة وليس بالمفاوضات، ولكنه يُعدّ من أشد المعادين لنتنياهو.
والاتجاه عند غانتس السير في الموضوع رويداً رويداً، وبلا خطوات درامية، لكنه في هذه الأثناء يعزز الانطباع عنه بأنه متردّد ولا يقدر على اتخاذ قرارات حازمة. وقال نائب في حزب غانتس (رفض الإفصاح عن هويته) إن «الحديث عن 136 أسيراً لدى (حماس)، ليس لأنهم مهملون وليس لأنهم جنود فاشلون، بل لأنهم كانوا نائمين ومطمئنين إلى أن الدولة تحميهم، ولكن هذه الدولة خانتهم، وهم يعيشون اليوم في ظروف غير إنسانية في الأنفاق، تحت القصف الذي يهدد حياتهم، وبين أيدي عناصر (حماس) و(الجهاد) الذين ينكلون بهم، وفقاً لشهادات بعض الأسرى الذين تم تحريرهم. ولذلك، ولكي تعلم كل أم يهودية أن ابنها في أيد أمينة، وأن الجيش يعمل كل ما في وسعه لأجل إعادته فيما لو وقع في الأسر، يستطيع الإعلان أن تصفية الحساب مع (حماس) يمكن تأجيلها، والمهم الآن إطلاق سراحهم مهما يكن الثمن».

قائد شجاع
لكن مثل هذا الإعلان يحتاج إلى قائد شجاع وذي كاريزما. وغانتس، الذي كسب مصداقية عالية لدى الجمهور، وهو الوحيد بين السياسيين الذي تفوق على نتنياهو في استطلاعات الرأي، لا يزال يمشي في هذه الطريق بخطوة إلى الأمام واثنتين إلى الوراء. وإزاء زيادة الانتقادات عليه بسبب هذا التردد، عقد غانتس مؤتمراً صحافياً قبيل دخوله جلسة قيادة الحرب، ليلة الأربعاء - الخميس، شدد فيه على موضوع الأسرى بوضوح، وأكد أن هناك تبايناً في وجهات النظر بين أعضاء كابينيت الحرب بشأن ترتيب أولويات الحرب والثمن الذي قد تكون إسرائيل مستعدة لدفعه مقابل التوصل إلى صفقة تبادل أسرى مع حركة «حماس»، في ظل الحديث عن استئناف جهود الوساطة القطرية والمصرية.
وقال إنه سيسعى لحسم هذه المسألة في الكابينيت، الذي اجتمع وعلى أجندته «إمكانية التوصل إلى صفقة تبادل»، بحسب ما أفاد موقع «واينت»، والتداول في التصور الإسرائيلي لمستقبل قطاع غزة وما بات يُعرف في الخطاب الإسرائيلي بـ«اليوم التالي» للحرب على قطاع غزة.

تدريب على الانسحاب
وبدا خطاب غانتس كما لو أنه تدريب على إلقاء خطاب الانسحاب من الحكومة، فقال إنه «في جزء كبير من قطاع غزة لم تعد هناك سلطة لـ(حماس). تم تدمير المؤسسات العامة، فهي لا تقدم خدمات تعليمية أو طبية إلا من خلال المنظمات الدولية. المواطن الغزاوي ليس لديه عنوان رسمي حقيقي». وأضاف أنه «حتى في الجوانب العسكرية، تم تفكيك العديد من كتائب (حماس)، والجيش الإسرائيلي أنهى مرحلة السيطرة العملياتية على معظم مناطق قطاع غزة، وهو الآن في عمق مرحلة تفكيك البنية التحتية الإرهابية، الأمر الذي سيؤدي إلى نزع السلاح في قطاع غزة».
وتابع: «تضررت قدرات الحركة على إطلاق الصواريخ، وكذلك سيطرتها الفعلية في الميدان، مع التركيز على شمال قطاع غزة. مدينة غزة - غير موجودة»، وشدد على ضرورة مواصلة الحرب، عادّاً أنه «علينا أن نواصل. إذا توقفنا الآن فإن (حماس) ستستعيد السيطرة».
وهنا قلب غانتس سلم الأولويات، وقال: «أهداف الحرب لم تتغير، وهي إعادة الرهائن أحياء وإزالة تهديد (حماس)»، وأضاف: «نحن ننفذ عملياتنا في القطاع من خلال الجمع بين الدفاع والهجوم وتفكيك البنية التحتية. كل منطقة لها تحدياتها الخاصة، وكل عملية تضعف (حماس). ولكن الأمر الأكثر إلحاحاً هو إعادة الرهائن؛ فهذا الأمر له الأولوية على أي عملية قتالية «لا توجد قناة إلا ونعمل من خلالها، ولا توجد طريق إلا نسير فيها لكي يحدث هذا».
ونفى غانتس أن يكون ينوي الانسحاب من الحكومة «ما دام يوجد جنود يحاربون وأسرى يعانون»، ولكنه في الوقت نفسه قال إنه «ليس من السهل أن يكون المرء جزءاً من حكومة فيها تلك الشخصيات الهدامة التي لا تضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية والحزبية». وعدّ خطابه تمهيداً للانسحاب من الحكومة.






