هل ساعد الغرب في تحويل البحار إلى أداة ابتزاز لفرض النفوذ الإيراني؟!

محللون: التهديد الحوثي للأمن والاستقرار سيستمر بأشكال مختلفة

زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (تسنيم)
زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (تسنيم)
TT

هل ساعد الغرب في تحويل البحار إلى أداة ابتزاز لفرض النفوذ الإيراني؟!

زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (تسنيم)
زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (تسنيم)

في يونيو (حزيران) 2018 كانت قوات الحكومة اليمنية بمساندة التحالف العربي على بُعد نحو أربعة كيلومترات عن ميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر الذي تسيطر عليه ميليشيا الحوثي التي سيطرت على العاصمة صنعاء في سبتمبر (أيلول) 2014.

عملية تحرير المدينة الساحلية ومينائها الحيوي اصطدمت بضغوط غربية شديدة مارستها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، تحت ذارئع إنسانية في ذلك الوقت، وهو الأمر الذي مكَّن الحوثيين من تعزيز قدراتهم وسيطرتهم، وكانت له نتائج كارثية في السنوات اللاحقة.

وفيما يبدو تطبيقاً للمثل العربي «حصد ما زرع»، أصبحت محافظة الحديدة وميناؤها الحيوي اليوم قاعدة رئيسية لضرب السفن التجارية وناقلات النفط الغربية في البحر الأحمر وخليج عدن، في عملية أربكت خطوط الملاحة الدولية.

وكان المنسق العام لوحدات «الحرس الثوري»، محمد رضا نقدي، قد قال إن البحر المتوسط ومضيق جبل طارق وممرات مائية أخرى ​​قد تُغلَق إذا واصلت الولايات المتحدة وحلفاؤها ارتكاب «جرائم» في غزة، دون أن يوضح كيف سيحدث ذلك.

كما وصف وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون، إيران، بأنها تشكل «تأثيراً خبيثاً كلياً في المنطقة والعالم (...) ليس هناك شك في ذلك». وأضاف في تصريحات صحافية: «لديك الحوثيون و(حزب الله) والميليشيات المدعومة من إيران في العراق التي تهاجم القواعد والقوات البريطانية والأميركية. وأيضاً بالطبع (حماس)».

سفينة حربية إيرانية مزوّدة بمُسيرات في المحيط الهندي يوليو 2022 (أ.ف.ب)

ومنذ اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) نفّذ الحوثيون أكثر من 100 هجوم بصواريخ وطائرات مُسيرة ضد سفن تجارية وناقلات نفط في البحر الأحمر وأهداف أخرى، زعماً أن ذلك لدعم قطاع غزة.

لكنَّ مسؤولين ومحللين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أفادوا بأن استهداف جماعة الحوثي للملاحة في البحر الأحمر لا علاقة له بأحداث غزة، إذ استهدفت الجماعة عدة سفن وناقلات نفط قبل سنوات من صراع غزة، وهو ما يدحض هذه الادعاءات وأنها مجرد شعارات لتضليل أتباعها في الداخل لعدم اكتشاف أنها مجرد بيدق للنفوذ الإيراني.

 

تحويل البحار لأداة ابتزاز إيرانية

يؤكد الدكتور نجيب غلاب وكيل وزارة الإعلام اليمنية، أن الصراع الجيوستراتيجي بين الدول الأكثر تأثيراً، إلى جانب غموض الأهداف الأميركية، يُضعف المجتمع الدولي في مواجهة المخاطر التي فرضتها إيران من خلال الحوثي في البحر الأحمر.

ويشير غلاب في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «التحالف البحري الذي شكلته الولايات المتحدة (حارس الازدهار) عاجز عن الردع وربط عمله بالحماية لا بالضغط الفاعل المتعدد وبحزمة إجراءات عملية لمواجهة التهديد الحوثي».

وأضاف: «استغلت إيران مأساة غزة لفرض نفوذها على البحر الأحمر وأصبحت الحوثية عملياً أهم مرتكزات أمنها القومي في صراعها مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي والإقليمي، وهذا العجز ستكون له ارتدادات كبيرة على أمن القوس البحري الممتد من الكويت وصولاً إلى قناة السويس، وستتحول البحار إلى أهم الأدوات الضاغطة لإيران وغيرها من الحركات الإرهابية وآخرين لابتزاز المجتمع الدولي».

من جانبه، يشير الدكتور عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، إلى وجود تعقيدات في التعامل مع مشكلة تهديد حرية الملاحة الدولية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، ويفنّد ذلك بقوله: «جماعة الحوثي لا تمثل حكومة أو دولة معترفاً بها يمكن توليد الضغوط عليها، والدولة التي تقف خلف هذه الانتهاكات، هي إيران التي تسيطر على القرار الاستراتيجي للجماعة الحوثية وتورِّد السلاح والدعم اللوجيستي للجماعة، ولكنها تنكر وجود أي علاقة لها بالقرار الحوثي وتتنصل من المسؤولية».

ويرى بن صقر في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «عامل الردع الدولي فشل في منع الجماعة الحوثية من ارتكاب الانتهاكات وتهديد الملاحة الدولية، وهناك خيارات محدودة أمام المجتمع الدولي لإجبار الجماعة الحوثية على إيقاف التهديدات والاعتداءات، وهي اللجوء إلى وسائل القوة العسكرية، ليس فقط بأسلوب دفاعي، أي التعامل مع هجمات الحوثي ومحاوله صدها أو إفشالها، بل هناك وجوب الذهاب إلى مصادر التهديد داخل مناطق السيطرة الحوثية والتعامل مع منصات إطلاق الصواريخ والمسيرات، ومراكز السيطرة والقيادة البحرية، وتدميرها بعمل استباقي ووقائي لمنع هذه الهجمات».

 

أخطاء غربية وحجج واهية

يعتقد الدكتور نجيب غلاب أن الأخطاء المتراكمة التي اقترفتها الإدارات الديمقراطية الأميركية منذ عهد أوباما حتى اللحظة، في تدليل الحوثية وشرعنة وجودها، والضغط لتخفيف الضغوط عليها وإضعافها هي «السبب الرئيسي فيما يحدث اليوم في جنوب البحر الأحمر».

ويشير غلاب هنا إلى «الوقوف الحاسم والضغط المكثف للأميركان وبريطانيا في تحرير الساحل اليمني بل تقوية الحوثية باتفاق «أستوكهولم»، مما أدى إلى توظيف الحوثية من إيران في أي أزمات، بمعنى أن القرصنة الحوثية في ظل العجز الراهن ستكون عصا غليظة قائمة ومستخدَمة، وهذه هي رسالة إيران التي أوصلتها للمجتمع الدولي».

ويحذّر وكيل وزارة الإعلام اليمنية من أنه في حال تطورت الأحداث ونشب نزاع مسلح «سيتأثر اليمن كثيراً وتبلغ المأساة ذروتها (...) أخطاء أميركا المتراكمة في الملف اليمني لعبت دوراً كبيراً وما زالت مستمرة وعاجزة من اتخاذ إجراءات فاعلة وضاغطة على الحوثي».

بدوره، يرى رئيس مركز الخليج للأبحاث عبد العزيز بن صقر، أن «الغرب الآن يحصد ما زرع»، وقال: «الموقف الغربي هو الذي وفَّر الحماية للجماعة الحوثية لفرض سيطرتها على سواحل اليمن خصوصاً ميناء الحديدة ومنطقة مضيق باب المندب».

وتابع: «الموقف الغربي أيضاً هو الذي منع قوات التحالف من فرض سيطرتها التي كانت وشيكة ومؤكدة على ميناء الحديدة، وذهبت الدول الغربية، خصوصاً بريطانيا والولايات المتحدة، إلى حد التهديد بالذهاب إلى مجلس الأمن الدولي لإيقاف تقدم قوات التحالف نحو ميناء الحديدة، كانت هناك استماتة غربية في حماية وضمان استمرار سيطرة الجماعة الحوثية على سواحل اليمن لأسباب وحجج واهية».

وينتقد الدكتور عبد العزيز الموقف الغربي اليوم بعد تطور التهديد الحوثي إلى مرحلة تهديد مصالحهم وحليفتهم إسرائيل، إذ يطالبون الدول العربية بمساعدتهم للتعامل مع هذا التهديد الذي كان أساساً من صُنع سياستهم.

وأضاف: «الموقف السعودي – الخليجي – العربي الرافض للسلوك الحوثي لا يهدف بأي وسيلة لحماية إسرائيل أو عدوانها القائم على شعبنا الفلسطيني في غزة، يجب التذكير بأن تهديدات واعتداءات الجماعة الحوثية على حرية الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر سبقت أزمة غزة بسنوات وكان ضحيتها السفن التجارية وناقلات النفط السعودية والخليجية، ولكنّ دول العالم الغربي غضّت الطرف عن هذه الاعتداءات لكونها لا تمس مصالحها أو مصالح إسرائيل».

مدمرة أميركية تستجيب لنداءات سفن الشحن في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

سياسة الاحتواء فاشلة

يعتقد الدكتور غلاب أن ترك الأمور للاحتواء سيزيد من الكارثة، ومن شأن هذه السياسة أن تتحول إلى مصدر قوة وتنامي الإرهاب والقرصنة وأداة لأطراف كثيرة في البحر الأحمر وغيره، مشيراً إلى أن من «يتابع التهديدات الإيرانية يلاحظ أنها تسعى لعمليات قرصنة وإرهاب في البحار المحيطة بالعرب التي تحوي مصالح العالم ناهيك بأن الضعف والعجز يشجع الإرهابيين وغيرهم على تهديد أمن الملاحة الدولة».

ويسوق وكيل وزارة الإعلام اليمنية بعض الحلول للتعامل مع التهديد الحوثي منها «اتخاذ سياسات متكاملة وضاغطة بحزمة إجراءات داعمة للشرعية وضرب مكامن قوة الحوثية، وتصنيف الحوثية جماعة إرهابية، وملاحقة أنشطتها وقياداتها وشبكاتها، وهذا كفيل بجعل تحرير الساحل الغربي أحد الخيارات التي لا بد منها».

ويشدد الدكتور عبد العزيز بن صقر على أن «إنهاء سيطرة الجماعة الحوثية على كامل أراضي اليمن هو الحل الأمثل». وقال: «جماعة الحوثي ميليشيات مسلحة عقائدية وطائفية متطرفة، وجزء من الاستراتيجية الإقليمية والدولية الإيرانية، وسيتم دوماً توظيف هذه الجماعة، كما هو الحال مع أذرع (الحرس الثوري) الإيراني الأخرى في لبنان والعراق وسوريا، لإقلاق وزعزعة الأمن والاستقرار الإقليمي كلما برزت المصالح والحاجة السياسية الإيرانية».

الهجمات الحوثية في البحر الأحمر تؤثر بشكل مباشر على قناة السويس (أرشيفية - رويترز)

وأفاد رئيس مركز الخليج للأبحاث بأن «التعامل مع تهديدات الحوثي الراهنة لحرية الملاحة الدولية لن يكون نهاية الموضوع، وهو مجرد حل وقتي قد لا يطول». مبيناً أن «استمرار سيطرة الجماعة الحوثية على اليمن هو التهديد الحقيقي والمستمر، الذي سيفرز صيغاً وأشكالاً أخرى من المخاطر والتهديدات للأمن والاستقرار الإقليمي».

وتابع: «إذا كانت هناك حاجة آنيّة لنزع ميناء الحديدة من السيطرة الحوثية لتأمين سلامة الملاحة الدولية، فإن الدول الغربية التي تمتلك القدرات العسكرية عليها القيام بهذه المهمة، والتكفير عن أخطائها السابقة في توفير الحماية للجماعة الحوثية».


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

المفوضية الأممية للاجئين تحذر من «كارثة إنسانية» في لبنان بسبب الحرب

نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)
نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)
TT

المفوضية الأممية للاجئين تحذر من «كارثة إنسانية» في لبنان بسبب الحرب

نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)
نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)

حذرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، الجمعة، من أن لبنان يواجه أزمة إنسانية متفاقمة تنذر بالتحول إلى كارثة، وذلك بعد نحو شهر من اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.

وأفادت المفوضية بأن أكثر من مليون شخص في هذا البلد أُجبروا على الفرار من منازلهم، أي واحد من كلّ خمسة سكان، منذ الثاني من مارس (آذار)، حين اندلعت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» الموالي لإيران.

وقالت كارولينا ليندهولم بيلينغ، ممثلة المفوضية في لبنان، للصحافيين في جنيف متحدثة من بيروت: «لا يزال الوضع مقلقاً للغاية، وهناك خطر فعلي لوقوع كارثة إنسانية». وأشارت: «نلحظ هنا في لبنان أزمة اقتصادية تتفاقم على نحو مقلق».

واستطردت: «أكثر من 136 ألف نازح يعيشون في 660 ملجأ جماعياً، أغلبيتها مدارس مكتظّة. وحتّى لو نزحوا، هم لا يشعرون بالأمان»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وصرّحت كارولينا ليندهولم بيلينغ: «تعيش عائلات في خوف دائم ولا شكّ في أن التداعيات النفسية، لا سيّما على الأطفال، ستستمرّ إلى ما بعد النزاع الراهن».

اندلعت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» في لبنان في 2 مارس حين هاجم الحزب الدولة العبرية بصواريخ رداً على مقتل المرشد الإيراني في ضربات إسرائيلية أميركية.

وترد إسرائيل بغارات كثيفة في أنحاء لبنان وتوغل بري في الجنوب، ما أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص.

وفي جنوب لبنان، تسبّب تدمير إسرائيل لجسور استراتيجية في عزل أكثر من 150 ألف شخص، معطلاً بشدّة وصول المساعدات الإنسانية، حسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

«مفجع»

ووجّهت المفوّضية نداء لجمع أكثر من 60 مليون دولار بغية توسيع استجابتها، محذّرة من أن الحاجات تتزايد بوتيرة أسرع من الموارد.

وقالت كارولينا ليندهولم بيلينغ: «كان لبنان يواجه أصلاً أزمات متعدّدة، وهذا النزوح الكبير يحدث ضغوطات شديدة على الأسر والخدمات». وصرّحت: «يقول لي الناس مراراً إن جلّ ما يريدونه هو العودة إلى منازلهم».

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، التي يواجه مركزها اللوجيستي للمساعدات الطارئة في دبي صعوبات على مستوى النقل البحري والجوّي، عن إرسال أوّل دفعة من المساعدات الإنسانية برّاً إلى لبنان.

وأفاد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من جانبه بأن الصليب الأحمر اللبناني يوزّع المساعدات، وخصوصاً البطانيات والفرش والوجبات الغذائية والخبز ومياه الشرب.

وأشار الناطق باسم الاتحاد تومازو ديلا لونغا إلى أن الصليب الأحمر اللبناني هو أكبر مزوّد لخدمات الإسعاف في البلد، ووضع خطّة طارئة لنقل الدم بغية تزويد المستشفيات به بلا انقطاع.

وقال: «بين 2 و23 مارس، نفّذت فرق الصليب الأحمر اللبناني 2754 مهمّة إسعاف و11 عملية بحث وإنقاذ في مواقع حضرية»، مشيراً إلى مقتل متطوّع وإصابة عدّة متعاونين آخرين خلال أداء مهامهم.

وأضاف: «يعمل المتعاونون والمتطوّعون تحت ضغوطات هائلة لضمان سلامتهم وسلامة المصابين الذين يقومون بإجلائهم على السواء».

وأشارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة من جانبها إلى أن النساء الحوامل يواجهن الولادة في ملاجئ مؤقتة لا نفاذ فيها لخدمات الرعاية مثل قاعات المدارس.

وقالت ممثّلة الهيئة في لبنان جيلان المسيري: «تواجه النساء خوفاً دائماً وليالي بلا نوم وإنهاكاً كاملاً، فيما يضطررن لطمأنة أطفال مرعوبين».

وبين النازحين أكثر من 370 ألف طفل «لا مكان آمناً لهم»، حسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).

وقال ممثّل «اليونيسف» في لبنان، ماركولويجي كورسي: «هو نزوح كبير ومباغت وفوضوي يمزّق العائلات ويفرغ بلدات بكاملها مع تداعيات ستبقى بعد توقّف العنف»، مشيراً إلى أن «إنهاك الأطفال اللبنانيين النفسي والمعنوي مفجع».


لبنان يتجه لمعالجة أزمة السفير الإيراني بمساعٍ لـ«تنفيس الاحتقان»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يتجه لمعالجة أزمة السفير الإيراني بمساعٍ لـ«تنفيس الاحتقان»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)

تتجه السلطات اللبنانية إلى «تبريد» الأزمة السياسية الداخلية التي ترتبت على قرار وزارة الخارجية بإبعاد السفير الإيراني لدى لبنان، محمد رضا شيباني، بشكلٍ لا تتراجع فيها «الخارجية» عن القرار، ولا تتخذ إجراءات بحقّه في حال بقي في لبنان بعد المهلة المُعطاة له لمغادرة البلاد يوم الأحد المقبل، وفق ما قالت مصادر وزارية، لـ«الشرق الأوسط».

وقاطع أربعة وزراء شيعة، من أصل خمسة، يمثلون ثنائي «حزب الله» و«حركة أمل»، جلسة مجلس الوزراء، الخميس؛ اعتراضاً على قرار «الخارجية» باعتبار شيباني «شخصاً غير مرغوب به».

وقالت المصادر الوزارية إن الجلسة الحكومية، الخميس، «لم تناقش ملف شيباني، وكان رئيس الحكومة نواف سلام يغلق أي نقاش حول هذا الملف، طالباً التركيز على الملفات الحياتية للتعامل مع أزمة النزوح، وتداعياتها، والاتصالات مع الجهات الدولية والجهات المانحة لمساعدة لبنان». وأكدت أن معالجة ملف شيباني تجري وفق مساعٍ لـ«تنفيس الاحتقان».

الوزير مكي

وكان وزير التنمية الإدارية فادي مكي، وهو الوزير الشيعي الخامس، قد شارك في الجلسة الوزارية، الخميس، مما عرَّضه لانتقادات. وقال مكي، بعد لقائه بالرئيس اللبناني جوزيف عون، الجمعة: «إننا استعرضنا آخِر المستجدات في ضوء مشاركتي في جلسة مجلس الوزراء، وكانت مناسبة لتأكيد أن المرحلة تفرض التضامن الداخلي وتعزيز حضور الدولة وتغليب المسؤولية الوطنية». وتابع: «الأولوية، اليوم، هي لمواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر، واحتضان النازحين، وتكثيف كل الجهود لوقف الحرب، مع تأكيد السلم الأهلي والحوار الداخلي».

وأضاف: «أكّدتُ أن لا خيار لنا إلا الدولة ومؤسساتها الشرعية، وأن لبنان، اليوم، بأمسّ الحاجة إلى قرارات تُوحِّد لا تُفرِّق. وأعبّر عن كامل ثقتي بما يقوم به فخامة الرئيس، بالتنسيق مع دولة رئيس مجلس النواب ودولة رئيس مجلس الوزراء».

مبادرة «التيار الوطني الحر»

في غضون ذلك، يستكمل «التيار الوطني الحر» زياراته على الفعاليات السياسية، لشرح مقترح لحماية لبنان. وقال رئيسه النائب جبران باسيل، بعد زيارته رئيس البرلمان نبيه بري، إن أهم ما في المقترح هو «موضوع الوحدة الوطنية؛ لأنها أساس كل شيء وأساس هذا الوطن وأساس بقائه والأساس الذي من خلاله يستطيع لبنان أن يخرج سالماً من هذه الحرب التي نحن فيها».

وتابع: «للأسف، هناك منطقان يتواجهان: منطقنا الذي يقول 100 يوم حرب من الخارج على لبنان ولا يوم واحد من الحرب بين اللبنانيين، والمنطق الثاني يعلن رسمياً أنه فلتكن حرب داخلية في لبنان، المهم أن ننتهي من الحرب الخارجية». وأضاف: «نحن لا نريد حرباً داخلية ولا خارجية، نحن في بعض الأحيان ليست لدينا القدرة لمنع الحرب الخارجية، للأسف، للأسباب التي نتفق أو نختلف عليها نحن اللبنانيين، لكن نحن بالتأكيد لدينا القدرة على أن نمنع الحرب الداخلية، وهذه مسؤوليتنا ومهمتنا في المرحلة المقبلة، لذا في كل يوم سنعود ونذكر وننبه، خاصة المغرَّر بهم والذين ينجرّون وراء غرائز طائفية لا مكان لها».

وأضاف: «اليوم، معركتنا ليست طائفية، نحن بمواجهة أخطار يجب إبعادها عنا بأن نتكلم كلاماً وطنياً وليس كلاماً طائفياً، فالناس الذي ينجرّون وراء هذا الكلام يجب ألا يتذوقوا، لا هم ولا أولادهم ولا أي أحد، طعم الحرب الداخلية؛ لأن الجميع ذاق مرارتها بما يكفي، ويجب أن نمنع تكرارها، هذه مسؤوليتنا، وهذا خطابنا، وهذا كلامنا الجامع بين بعضنا البعض، هكذا تنتهي الأزمة أكيد، وهكذا ينجو لبنان، وبعدها نتطلع مع خلافاتنا السياسية كيف سنبنيه، لكن الأهم أن يبقى لبنان، ويبقى لبنان بوحدتنا الوطنية».

إغاثة النازحين

وبينما تتجه أزمة السفير الإيراني للاحتواء، ينصبّ التركيز اللبناني على إغاثة النازحين. وأطلع وفد من الصليب الأحمر الدولي، برئاسة المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأدنى والأوسط نيكولاس فون آركس، الرئيس عون على عمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر في ضوء استمرار التصعيد العسكري في عدد من البلدات والقرى اللبنانية والعمليات الإنسانية التي تقوم بها اللجنة بالتعاون مع الصليب الأحمر اللبناني والتنسيق مع الجيش اللبناني والقوات الدولية العاملة في الجنوب. وعرَض فون آركس لتدهور الوضع الإنساني ونزوح الآلاف من القرى والبلدات المستهدَفة دون أن يتمكنوا من العودة بسبب تدهور الأوضاع، مشيراً إلى الصعوبات التي تواجه الفرق في أثناء عملها ومؤكداً استمراريتها في العمل وتأمين المستلزمات للمستشفيات والمراكز الصحية وإيصال المساعدات.

وقال: «أسهمنا في تأمين الوصول إلى المياه لأكثر من 800000 شخص من خلال ضمان استمرارية تشغيل محطّات الضخ. إضافةً إلى ذلك، نجحنا في إيصال المساعدات الأساسية إلى نحو 10000 شخص في مختلف القرى، فضلاً عن دعمنا للمستشفيات لضمان استمرارها في تقديم العلاج للجرحى والمرضى».

من جهته، طلب الرئيس عون الاهتمام بأبناء الجنوب الموجودين في قراهم وبلداتهم وتأمين المساعدات الضرورية لتعزيز صمودهم.

وكان مدير الصليب الأحمر قد أكد، بعد زيارته رئيس البرلمان نبيه بري، استمرار حضور اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الميدان، ولا سيما في المناطق الأكثر تضرراً، وتلك التي يصعب الوصول إليها، حيث تُواصل فِرق اللجنة تقديم الدعم للمتضررين، بالتوازي مع جهود الجهات الأخرى في دعم النازحين بمراكز الإيواء.

وأشار الوفد إلى استمرار وجود فِرق اللجنة في جنوب لبنان، خصوصاً في تبنين ومرجعيون؛ لتأمين وصول المساعدات والخدمات الصحية، في ظل ازدياد عزلة هذه المناطق عن باقي البلاد، كما شدد الوفد على أهمية احترام القانون الدولي الإنساني بما يشمل حماية المدنيين والبنى التحتية والخدمات الأساسية والمُسعفين والطواقم الطبية.


السفير البابوي ينفذ جولة تضامنية في القرى المسيحية جنوبي لبنان

السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
TT

السفير البابوي ينفذ جولة تضامنية في القرى المسيحية جنوبي لبنان

السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)

جال السفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا في عدد من القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان، شملت بلدات كوكبا ومرجعيون والقليعة، في زيارة حملت رسائل تضامن مباشرة مع السكان المسيحيين الصامدين في بلداتهم، في ظل تصاعد التوترات الأمنية وتفاقم الضغوط المعيشية.

وقال بورجيا خلال الجولة إن «الواجب يفرض أن نكون حاضرين ومتضامنين، وأن نتشارك الأفراح والآلام حيثما تدعو الحاجة»، في إشارة إلى البعد الإنساني للزيارة. والتقى، برفقة رئيس «كاريتاس لبنان»، عدداً من الأهالي، مطّلعاً على أوضاعهم المعيشية وشهاداتهم حول تداعيات الوضع الأمني على حياتهم اليومية.

مساعدات دولية لدعم السكان

بالتوازي، وصلت إلى قضاء مرجعيون قافلة مساعدات مؤلفة من 15 شاحنة محمّلة بمواد إغاثية، جرى تفريغها في بلدة القليعة بإشراف رئيس البلدية حنا ضاهر.

ونُظّمت القافلة بإشراف برنامج الغذاء العالمي، وبمساهمة منظمات دولية، في إطار الاستجابة الإنسانية للأوضاع الناجمة عن التصعيد العسكري.

وشملت المساعدات مواد غذائية، ومستلزمات للنظافة الشخصية، ومياه شرب، إضافة إلى بطانيات وفرش وأدوات مطبخ أساسية، بهدف دعم قدرة الأهالي على الصمود في مناطقهم.

وأكد المنظمون أن هذه القافلة تشكل الدفعة الأولى ضمن خطة طوارئ، على أن تتبعها شحنات إضافية خلال الأيام المقبلة لتوسيع نطاق الاستجابة.

السفير البابوي خلال وصوله إلى الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)

قرى حدودية بين الصمود والهشاشة

وتُعد القرى المسيحية في قضاء مرجعيون، ومنها القليعة وكوكبا، من أبرز البلدات الواقعة على تماس مباشر مع الحدود الجنوبية، وقد شكّلت تاريخياً نموذجاً للتنوع الديني في المنطقة، حيث تتداخل مع محيط ذي غالبية مسلمة.

وعاشت هذه القرى على مدى عقود تحت وطأة التحولات الأمنية، من الاحتلال الإسرائيلي الذي انتهى عام 2000، إلى تداعيات حرب يوليو (تموز) 2006، وصولاً إلى جولات التصعيد المتكررة منذ عام 2023 حتى اليوم، ما جعلها في موقع هش بين الاستقرار والانكشاف.

ورغم ذلك، حافظت هذه البلدات على حضورها السكاني، مدفوعة بعوامل التمسك بالأرض والروابط الاجتماعية، غير أن الأزمات الاقتصادية الأخيرة، إلى جانب التوترات الأمنية، دفعت بعض العائلات إلى النزوح المؤقت، وسط مخاوف من اتساع ظاهرة الفراغ السكاني.

ويؤكد أبناء المنطقة أن التحدي لم يعد أمنياً فقط، بل بات مرتبطاً بقدرتهم على الاستمرار في ظل الضغوط الاقتصادية وتراجع الخدمات، ما يضفي أهمية إضافية على المبادرات الإغاثية والزيارات التضامنية.

رسائل دينية سابقة

وكان بورجيا قد زار قبل أيام مدينة صور، حيث شارك في قداس ترأسه المطران جورج إسكندر. وفي كلمته، شدد على أن زيارته تهدف إلى «حمل المحبة إلى بيوت اللبنانيين»، مستحضراً دعوات البابا ليو الرابع عشر إلى التمسك بالأمل والسير في طريق السلام.

وقال: «لبنان بلد مميز بتنوعه، وما يجمع أبناءه أكبر مما يفرقهم»، داعياً إلى «رفع الصلاة من أجل السلام وعدم الانجرار إلى منطق الحرب»، ومؤكداً أن «البابا يتابع ما يجري في لبنان عن كثب ويقف إلى جانب شعبه».