هل ساعد الغرب في تحويل البحار إلى أداة ابتزاز لفرض النفوذ الإيراني؟!

محللون: التهديد الحوثي للأمن والاستقرار سيستمر بأشكال مختلفة

زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (تسنيم)
زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (تسنيم)
TT

هل ساعد الغرب في تحويل البحار إلى أداة ابتزاز لفرض النفوذ الإيراني؟!

زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (تسنيم)
زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (تسنيم)

في يونيو (حزيران) 2018 كانت قوات الحكومة اليمنية بمساندة التحالف العربي على بُعد نحو أربعة كيلومترات عن ميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر الذي تسيطر عليه ميليشيا الحوثي التي سيطرت على العاصمة صنعاء في سبتمبر (أيلول) 2014.

عملية تحرير المدينة الساحلية ومينائها الحيوي اصطدمت بضغوط غربية شديدة مارستها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، تحت ذارئع إنسانية في ذلك الوقت، وهو الأمر الذي مكَّن الحوثيين من تعزيز قدراتهم وسيطرتهم، وكانت له نتائج كارثية في السنوات اللاحقة.

وفيما يبدو تطبيقاً للمثل العربي «حصد ما زرع»، أصبحت محافظة الحديدة وميناؤها الحيوي اليوم قاعدة رئيسية لضرب السفن التجارية وناقلات النفط الغربية في البحر الأحمر وخليج عدن، في عملية أربكت خطوط الملاحة الدولية.

وكان المنسق العام لوحدات «الحرس الثوري»، محمد رضا نقدي، قد قال إن البحر المتوسط ومضيق جبل طارق وممرات مائية أخرى ​​قد تُغلَق إذا واصلت الولايات المتحدة وحلفاؤها ارتكاب «جرائم» في غزة، دون أن يوضح كيف سيحدث ذلك.

كما وصف وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون، إيران، بأنها تشكل «تأثيراً خبيثاً كلياً في المنطقة والعالم (...) ليس هناك شك في ذلك». وأضاف في تصريحات صحافية: «لديك الحوثيون و(حزب الله) والميليشيات المدعومة من إيران في العراق التي تهاجم القواعد والقوات البريطانية والأميركية. وأيضاً بالطبع (حماس)».

سفينة حربية إيرانية مزوّدة بمُسيرات في المحيط الهندي يوليو 2022 (أ.ف.ب)

ومنذ اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) نفّذ الحوثيون أكثر من 100 هجوم بصواريخ وطائرات مُسيرة ضد سفن تجارية وناقلات نفط في البحر الأحمر وأهداف أخرى، زعماً أن ذلك لدعم قطاع غزة.

لكنَّ مسؤولين ومحللين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أفادوا بأن استهداف جماعة الحوثي للملاحة في البحر الأحمر لا علاقة له بأحداث غزة، إذ استهدفت الجماعة عدة سفن وناقلات نفط قبل سنوات من صراع غزة، وهو ما يدحض هذه الادعاءات وأنها مجرد شعارات لتضليل أتباعها في الداخل لعدم اكتشاف أنها مجرد بيدق للنفوذ الإيراني.

 

تحويل البحار لأداة ابتزاز إيرانية

يؤكد الدكتور نجيب غلاب وكيل وزارة الإعلام اليمنية، أن الصراع الجيوستراتيجي بين الدول الأكثر تأثيراً، إلى جانب غموض الأهداف الأميركية، يُضعف المجتمع الدولي في مواجهة المخاطر التي فرضتها إيران من خلال الحوثي في البحر الأحمر.

ويشير غلاب في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «التحالف البحري الذي شكلته الولايات المتحدة (حارس الازدهار) عاجز عن الردع وربط عمله بالحماية لا بالضغط الفاعل المتعدد وبحزمة إجراءات عملية لمواجهة التهديد الحوثي».

وأضاف: «استغلت إيران مأساة غزة لفرض نفوذها على البحر الأحمر وأصبحت الحوثية عملياً أهم مرتكزات أمنها القومي في صراعها مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي والإقليمي، وهذا العجز ستكون له ارتدادات كبيرة على أمن القوس البحري الممتد من الكويت وصولاً إلى قناة السويس، وستتحول البحار إلى أهم الأدوات الضاغطة لإيران وغيرها من الحركات الإرهابية وآخرين لابتزاز المجتمع الدولي».

من جانبه، يشير الدكتور عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، إلى وجود تعقيدات في التعامل مع مشكلة تهديد حرية الملاحة الدولية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، ويفنّد ذلك بقوله: «جماعة الحوثي لا تمثل حكومة أو دولة معترفاً بها يمكن توليد الضغوط عليها، والدولة التي تقف خلف هذه الانتهاكات، هي إيران التي تسيطر على القرار الاستراتيجي للجماعة الحوثية وتورِّد السلاح والدعم اللوجيستي للجماعة، ولكنها تنكر وجود أي علاقة لها بالقرار الحوثي وتتنصل من المسؤولية».

ويرى بن صقر في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «عامل الردع الدولي فشل في منع الجماعة الحوثية من ارتكاب الانتهاكات وتهديد الملاحة الدولية، وهناك خيارات محدودة أمام المجتمع الدولي لإجبار الجماعة الحوثية على إيقاف التهديدات والاعتداءات، وهي اللجوء إلى وسائل القوة العسكرية، ليس فقط بأسلوب دفاعي، أي التعامل مع هجمات الحوثي ومحاوله صدها أو إفشالها، بل هناك وجوب الذهاب إلى مصادر التهديد داخل مناطق السيطرة الحوثية والتعامل مع منصات إطلاق الصواريخ والمسيرات، ومراكز السيطرة والقيادة البحرية، وتدميرها بعمل استباقي ووقائي لمنع هذه الهجمات».

 

أخطاء غربية وحجج واهية

يعتقد الدكتور نجيب غلاب أن الأخطاء المتراكمة التي اقترفتها الإدارات الديمقراطية الأميركية منذ عهد أوباما حتى اللحظة، في تدليل الحوثية وشرعنة وجودها، والضغط لتخفيف الضغوط عليها وإضعافها هي «السبب الرئيسي فيما يحدث اليوم في جنوب البحر الأحمر».

ويشير غلاب هنا إلى «الوقوف الحاسم والضغط المكثف للأميركان وبريطانيا في تحرير الساحل اليمني بل تقوية الحوثية باتفاق «أستوكهولم»، مما أدى إلى توظيف الحوثية من إيران في أي أزمات، بمعنى أن القرصنة الحوثية في ظل العجز الراهن ستكون عصا غليظة قائمة ومستخدَمة، وهذه هي رسالة إيران التي أوصلتها للمجتمع الدولي».

ويحذّر وكيل وزارة الإعلام اليمنية من أنه في حال تطورت الأحداث ونشب نزاع مسلح «سيتأثر اليمن كثيراً وتبلغ المأساة ذروتها (...) أخطاء أميركا المتراكمة في الملف اليمني لعبت دوراً كبيراً وما زالت مستمرة وعاجزة من اتخاذ إجراءات فاعلة وضاغطة على الحوثي».

بدوره، يرى رئيس مركز الخليج للأبحاث عبد العزيز بن صقر، أن «الغرب الآن يحصد ما زرع»، وقال: «الموقف الغربي هو الذي وفَّر الحماية للجماعة الحوثية لفرض سيطرتها على سواحل اليمن خصوصاً ميناء الحديدة ومنطقة مضيق باب المندب».

وتابع: «الموقف الغربي أيضاً هو الذي منع قوات التحالف من فرض سيطرتها التي كانت وشيكة ومؤكدة على ميناء الحديدة، وذهبت الدول الغربية، خصوصاً بريطانيا والولايات المتحدة، إلى حد التهديد بالذهاب إلى مجلس الأمن الدولي لإيقاف تقدم قوات التحالف نحو ميناء الحديدة، كانت هناك استماتة غربية في حماية وضمان استمرار سيطرة الجماعة الحوثية على سواحل اليمن لأسباب وحجج واهية».

وينتقد الدكتور عبد العزيز الموقف الغربي اليوم بعد تطور التهديد الحوثي إلى مرحلة تهديد مصالحهم وحليفتهم إسرائيل، إذ يطالبون الدول العربية بمساعدتهم للتعامل مع هذا التهديد الذي كان أساساً من صُنع سياستهم.

وأضاف: «الموقف السعودي – الخليجي – العربي الرافض للسلوك الحوثي لا يهدف بأي وسيلة لحماية إسرائيل أو عدوانها القائم على شعبنا الفلسطيني في غزة، يجب التذكير بأن تهديدات واعتداءات الجماعة الحوثية على حرية الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر سبقت أزمة غزة بسنوات وكان ضحيتها السفن التجارية وناقلات النفط السعودية والخليجية، ولكنّ دول العالم الغربي غضّت الطرف عن هذه الاعتداءات لكونها لا تمس مصالحها أو مصالح إسرائيل».

مدمرة أميركية تستجيب لنداءات سفن الشحن في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

سياسة الاحتواء فاشلة

يعتقد الدكتور غلاب أن ترك الأمور للاحتواء سيزيد من الكارثة، ومن شأن هذه السياسة أن تتحول إلى مصدر قوة وتنامي الإرهاب والقرصنة وأداة لأطراف كثيرة في البحر الأحمر وغيره، مشيراً إلى أن من «يتابع التهديدات الإيرانية يلاحظ أنها تسعى لعمليات قرصنة وإرهاب في البحار المحيطة بالعرب التي تحوي مصالح العالم ناهيك بأن الضعف والعجز يشجع الإرهابيين وغيرهم على تهديد أمن الملاحة الدولة».

ويسوق وكيل وزارة الإعلام اليمنية بعض الحلول للتعامل مع التهديد الحوثي منها «اتخاذ سياسات متكاملة وضاغطة بحزمة إجراءات داعمة للشرعية وضرب مكامن قوة الحوثية، وتصنيف الحوثية جماعة إرهابية، وملاحقة أنشطتها وقياداتها وشبكاتها، وهذا كفيل بجعل تحرير الساحل الغربي أحد الخيارات التي لا بد منها».

ويشدد الدكتور عبد العزيز بن صقر على أن «إنهاء سيطرة الجماعة الحوثية على كامل أراضي اليمن هو الحل الأمثل». وقال: «جماعة الحوثي ميليشيات مسلحة عقائدية وطائفية متطرفة، وجزء من الاستراتيجية الإقليمية والدولية الإيرانية، وسيتم دوماً توظيف هذه الجماعة، كما هو الحال مع أذرع (الحرس الثوري) الإيراني الأخرى في لبنان والعراق وسوريا، لإقلاق وزعزعة الأمن والاستقرار الإقليمي كلما برزت المصالح والحاجة السياسية الإيرانية».

الهجمات الحوثية في البحر الأحمر تؤثر بشكل مباشر على قناة السويس (أرشيفية - رويترز)

وأفاد رئيس مركز الخليج للأبحاث بأن «التعامل مع تهديدات الحوثي الراهنة لحرية الملاحة الدولية لن يكون نهاية الموضوع، وهو مجرد حل وقتي قد لا يطول». مبيناً أن «استمرار سيطرة الجماعة الحوثية على اليمن هو التهديد الحقيقي والمستمر، الذي سيفرز صيغاً وأشكالاً أخرى من المخاطر والتهديدات للأمن والاستقرار الإقليمي».

وتابع: «إذا كانت هناك حاجة آنيّة لنزع ميناء الحديدة من السيطرة الحوثية لتأمين سلامة الملاحة الدولية، فإن الدول الغربية التي تمتلك القدرات العسكرية عليها القيام بهذه المهمة، والتكفير عن أخطائها السابقة في توفير الحماية للجماعة الحوثية».


مقالات ذات صلة

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.