العراق: تصعيد «متبادل» يقترب من «الفوضى»

واشنطن ترد بعنف على استهداف الفصائل قاعدة «حرير»... ومسؤول يتحدث بـ«إحباط» عن التهدئة

العشرات من أنصار «الحشد الشعبي» شيعوا عنصراً قتل في غارة أميركية جنوب البلاد الثلاثاء (أ.ف.ب)
العشرات من أنصار «الحشد الشعبي» شيعوا عنصراً قتل في غارة أميركية جنوب البلاد الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

العراق: تصعيد «متبادل» يقترب من «الفوضى»

العشرات من أنصار «الحشد الشعبي» شيعوا عنصراً قتل في غارة أميركية جنوب البلاد الثلاثاء (أ.ف.ب)
العشرات من أنصار «الحشد الشعبي» شيعوا عنصراً قتل في غارة أميركية جنوب البلاد الثلاثاء (أ.ف.ب)

كشف مسؤول عراقي بارز أن اتصالات «مكثفة» بدأت، الثلاثاء، لوقف التصعيد المتزايد، بعد قصف فصائل مسلحة قاعدة «حرير» في أربيل (شمال)، والرد الأميركي بضرب منشآت تابعة للحشد الشعبي جنوب بغداد، فيما تتحدث مصادر عراقية عن «إحباط يخيم على مكاتب الحكومة العراقية من أن جهودها النشطة الآن لن تحقق تهدئة صلبة ومستدامة».

وقتل عنصر تابع لفصيل عراقي مسلح وأصيب 24 آخرون بجروح، بينهم 8 من أفراد الأمن والدفاع المدني، في قصف أميركي طال مواقع لفصائل عراقية موالية لإيران في محافظتي واسط وبابل، وسط وجنوب العراق.

وفي وقت لاحق، شيّع العشرات المقاتل الذي قضى في هذا القصف، رافعين أعلام «الحشد الشعبي»، وصور نائب رئيس الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس والجنرال الإيراني قاسم سليماني اللذين قضيا بضربة أميركية في مطار بغداد قبل نحو أربع سنوات، وفقاً لما ذكره مصور في «وكالة الصحافة الفرنسية».

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقية يشيعون العنصر الذي قتل في الغارة الأميركية الثلاثاء (أ.ف.ب)

وجاء القصف الأميركي رداً على هجوم شنته الفصائل استهدف القوات الأميركية، ليل الاثنين وفجر الثلاثاء، في سوريا والعراق، أسفر عن إصابة ثلاثة جنود أميركيين.

وقالت مصادر ميدانية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «طائرة مسيرة ملغمة ضربت نقطة عسكرية تابعة للقوات الأميركية قرب مطار أربيل الدولي»، فيما قال شهود عيان، إن «حركة الطائرات توقفت لبضع ساعات، إثر الهجوم»، الذي تبنته لاحقاً المجموعة التي تسمي نفسها «المقاومة الإسلامية في العراق».

وتزعم هذه الجماعة، وفقاً لبيان أصدرته، الثلاثاء، أنها تنفذ هجمات ضد الأميركيين في المنطقة للرد على «المجازر الإسرائيلية في غزة».

وقال الناطق الرسمي باسم القائد العام للقوات المسلحة يحيى رسول، إن «استهداف مطار أربيل عمل إرهابي»، مؤكداً أن «القوات العراقية ستصل للفاعلين».

وقالت مصادر مطلعة، إن الهجوم الذي جاء بكتلة نارية أقوى هذه المرة، ربما كان رداً على مقتل رضا موسوي، مسؤول التسليح في الحرس الثوري الإيراني.

ونقلت «رويترز»، الثلاثاء، عن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، أن بلاده في حرب متعددة الجبهات، و«نتعرض للهجوم من 7 مناطق، من بينها العراق، وقد قامت بالرد بالفعل واتخذت إجراءات في 6 من هذه المناطق».

عنصر من «كتائب حزب الله» العراقية يعاين موقع الغارة الأميركية في الحلة جنوب بغداد الثلاثاء (أ.ف.ب)

وقالت المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أدريين واتسون، في بيان صحافي، إن الهجوم على قاعدة أربيل الجوية أدّى لإصابة ثلاثة عسكريين أميركيين بجروح، أحدهم حالته خطرة.

واطلع الرئيس الأميركي جو بايدن «على الفور» على الهجوم، وأمر وزارة الدفاع بإعداد خيارات الرد ضد المسؤولين عن الهجوم، ثم عُرضت هذه الخيارات خلال اتصال هاتفي بعد الظهر مع وزير الدفاع أوستن وأعضاء فريق الأمن القومي للرئيس، وخلال تلك المكالمة، وجه الرئيس بشن ضربات على ثلاثة مواقع تستخدمها «كتائب حزب الله» والجماعات التابعة لها، والتي تركز بشكل خاص على أنشطة الطائرات المسيرة، وفقاً لما ذكرته واتسون.

ويعتقد المسؤول العراقي، الذي طلب عدم كشف اسمه، أن «حجم الخسائر في الهجوم الأخير دفع واشنطن إلى رد سريع وعنيف في بابل وواسط».

وأصدر مكتب رئيس الحكومة محمد شياع السوداني بياناً صحافياً تضمن «إدانة لاستهداف الفصائل لمطار أربيل وقصف الأميركيين لمنشآت عسكرية عراقية وسط البلاد»، مشيراً إلى أن «هذه الأعمال تعيق التفاهمات على إنهاء وجود قوات التحالف الدولي في العراق».

وقال السوداني: «تنظيم (داعش) الإرهابي لم يعد يشكل تهديداً للأمن الوطني العراقي، وبالتالي فإن المحافظة على ثمار هذا الانتصار من صلب أولوياتنا الأمنية والاستراتيجية، ولن نسمح لأي طرف بالمساس بما تحقق وترسّخ عبر آلاف التضحيات».

قلق من «منزلق الفوضى»

وأكد المسؤول العراقي أن السلطات العراقية بدأت «اتصالات مكثفة» مع سياسيين عراقيين وقنوات دبلوماسية؛ للتأكد من أن «التصعيد المتبادل يمكنه أن يتوقف بأسرع وقت ممكن».

وقال المسؤول: «ليس من الواضح أن تمتثل الجماعات المسلحة العراقية لدعوات وقف التصعيد؛ لأنها سبق أن رفضت محاولات مماثلة»، كما أن الأميركيين «لن يترددوا في الرد على هجمات عنيفة ضد مواطنيهم ومصالحهم».

ووفقاً للمسؤول الذي أكد أنه على اطلاع بجهود التهدئة، فإن «حالة من الإحباط تسود مكاتب الفاعلين في الحكومة والإطار التنسيقي؛ لأنهم قد يصلون إلى مرحلة الفلتان».

وحذر تحالف «قوى الدولة» الذي يتزعمه عمار الحكيم ورئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، من أن يؤدي التصعيد العسكري والأمني المتبادل بين أميركا وأطراف عراقية إلى منزلق الفوضى والاضطراب.

لكن السفيرة الأميركية، التي لم تشر في بيانها المباشرة، الثلاثاء، إلى موقف رئيس الحكومة كما جرت العادة، شددت على أن «هجمات الإرهابيين يجب أن تتوقف»، وقالت إن الرئيس الأميركي يضع أولوية في حماية الأفراد الأميركيين على حساب أي شيء آخر».

ويبدو أن القلق السياسي والحكومي من التصعيد له ما يبرره، بعدما شنت فصائل موالية لإيران هجوماً حاداً على الحكومة العراقية، على خلفية بيانها الأخير.

وقال المتحدث باسم «كتائب حزب الله» العراقية، الذي يحمل اسم «أبو علي العسكري»، في منشور عبر منصة «إكس»، إن بيان الحكومة الأخير «يبرر للأميركيين أفعالهم في العراق، وتنفيذ هجمات جديدة ضد الحشد الشعبي»، مشيراً إلى أن «من يدخل السفارة الأميركية من بابها الخلفي بأسماء مستعارة خارج عن القانون».


مقالات ذات صلة

العراق يتنفس الصعداء... والفصائل ترفض نزع السلاح

المشرق العربي صبيّ يقود دراجة هوائية ويمرّ بجانب بقع دم في موقعٍ تعرّض فيه منزل لدمارٍ جزئي نتيجة مقذوف سقط فجر 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

العراق يتنفس الصعداء... والفصائل ترفض نزع السلاح

تنفّس العراقيون الصعداء بعد ليلة مليئة بالأحداث الأمنية الخطيرة التي سبقت إعلان الهدنة بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي إحدى جلسات البرلمان العراقي (أرشيفية - إ.ب.أ)

جمود سياسي في بغداد رغم وقف إطلاق النار الإقليمي

وسط استمرار الانقسامات داخل القوى السياسية الرئيسة في العراق، تظل استحقاقات انتخاب رئيس الجمهورية، وتكليف رئيس الوزراء عالقة.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي مدرّعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)

الفصائل العراقية المسلحة تُعلق عملياتها لمدة أسبوعين

أعلنت الفصائل العراقية المسلحة، فجر اليوم الأربعاء، تعليق عملياتها في العراق والمنطقة.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مشيّعون خلال عزاء لأفراد من عائلة كردية قُتلوا بعد تحطم مسيَّرة في منزل بقرية شمال أربيل في إقليم كردستان 7 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«التحالف الحاكم» في العراق يتجاهل هجمات ضد كردستان

يراوح التحالف الحاكم في العراق مكانه، ويظهِر عجزاً أمام التحديات الأمنية التي تواجه البلاد جراء الهجمات المتبادلة بين أطراف الصراع.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي الجانب العراقي من المعبر الحدودي بين القائم في العراق والبوكمال في سوريا (أ.ف.ب)

4 مُسيَّرات مصدرها العراق استهدفت قاعدة قسرك شمال شرقي سوريا

أفاد مصدر عسكري سوري، الثلاثاء، بأن طائرات مُسيَّرة مصدرها العراق استهدفت منطقة قاعدة قسرك، التي كانت تستضيف قوات أميركية في محافظة الحسكة، شمال شرقي البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق – بغداد)

عباس يرحب بوقف النار ويطالب بأن يشمل الضفة وغزة

فلسطيني يلتقط صورة سيلفي مع المسجد الأقصى يوم الأربعاء الذي ظل مغلقاً منذ بدء الحرب (أ.ف.ب)
فلسطيني يلتقط صورة سيلفي مع المسجد الأقصى يوم الأربعاء الذي ظل مغلقاً منذ بدء الحرب (أ.ف.ب)
TT

عباس يرحب بوقف النار ويطالب بأن يشمل الضفة وغزة

فلسطيني يلتقط صورة سيلفي مع المسجد الأقصى يوم الأربعاء الذي ظل مغلقاً منذ بدء الحرب (أ.ف.ب)
فلسطيني يلتقط صورة سيلفي مع المسجد الأقصى يوم الأربعاء الذي ظل مغلقاً منذ بدء الحرب (أ.ف.ب)

دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى وقف النار أيضاً في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ بالضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، قائلاً إن «وقف النار الذي حدث بين الولايات المتحدة وإيران يجب أن يشمل كذلك الأراضي الفلسطينية التي تتعرض لاعتداءات قوات الاحتلال ومستوطنيه بشكل مستمر».

ورحّب عباس بوقف النار بين الولايات المتحدة وإيران وعدَّه «خطوة مهمة وإيجابية نحو تحقيق الاستقرار في المنطقة».

وحسب بيان أصدرته الرئاسة الفلسطينية، طالب عباس ببذل الجهود لتحقيق وقف دائم لحالة الحرب في المنطقة، مثمناً الجهود التي بذلتها باكستان وجميع الأطراف الداعية إلى وقف الحرب.

وتضررت السلطة الفلسطينية بشدة من الحرب على إيران مع تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وتصعيد إسرائيل ضد السلطة والفلسطينيين. وقال مصدر فلسطيني مطَّلع لـ«الشرق الأوسط» إن «السلطة تأمل أن يعمل الرئيس (الأميركي دونالد) ترمب على إنهاء الصراع في المنطقة كلها، وليس فقط وقف النار أو حرب هنا أو هناك، والذي لن ينتهي إلا بحل القضية الفلسطينية، واقامة الدولة».

ولم تُدِن السلطة الهجوم الأميركي على إيران، وأدانت الهجمات الإيرانية على دول المنطقة، في محاولة للتموضع أكثر في المحور العربي.

وتوالت التصريحات المرحِّبة بالاتفاق من حسين الشيخ، نائب الرئيس الفلسطيني، ومسؤولين آخرين، ووزارة الخارجية التي قالت إن «هذه الحرب أثّرت في الأمن والسلم في منطقة الشرق الأوسط، إذ استغلتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي للإمعان في جرائمها بحق شعبنا وحقوقه، والأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية».

ودعت، إلى ضرورة أن يشمل وقف إطلاق النار أرض دولة فلسطين المحتلة، ووقف الإبادة في قطاع غزة، وجرائم قوات الاحتلال واعتداءاتها وإرهاب المستعمرين في الضفة الغربية بما فيها القدس.

صورة أرشيفية للرئيس الفلسطيني محمود عباس ونائبه حسين الشيخ (موقع حركة «فتح»)

ولم تكبح الحرب الهجمات الإسرائيلية في الضفة وغزة، على الرغم من أن إسرائيل كانت منخرطة فيها على جبهتين كبيرتين؛ إيران ولبنان. وخلال الحرب، قتل الجيش الإسرائيلي فلسطينيين واعتقل الكثيرين، في سلسلة من الهجمات والاقتحامات والمداهمات، فيما استغل المستوطنون انشغال العالم في الحرب، وشنوا سلسلة من الهجمات الدامية في الضفة وقتلوا كذلك فلسطينيين وأحرقوا منازل وممتلكات ومركبات واستولوا على مزيد من الأراضي.

ومع وقف الحرب اقتحم الجيش الإسرائيلي مناطق متعددة في الضفة في بيت لحم وأبو ديس والخليل وطوباس، وشن حملات دهم واعتقالات. كما اقتحمت قوات الاحتلال قرية اللبن الشرقية جنوب نابلس، برفقة مستوطنين، واعتدت على فلسطينيين هناك.

وأوضح «مركز فلسطين لدراسات الأسرى» أن حملات الاعتقال تصاعدت في الربع الأول من عام 2026، مسجلةً 1750 حالة اعتقال بينها 54 امرأة و121 قاصراً.

وعلى الرغم من وقف الحرب، لم تخفف إسرائيل قيودها على الضفة الغربية والقدس.

فلسطينيون قرب مركبة أحرقها مستوطنون إسرائيليون على مشارف قرية اللبان الشرقية جنوب نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

وواصلت إسرائيل، الأربعاء، إغلاق المسجد الأقصى، وكنيسة القيامة لليوم الـ40 على التوالي، بذريعة «حالة الطوارئ»، و «الأوضاع الأمنية».

ومنذ بداية الحرب، تفرض قوات الاحتلال إجراءات عسكرية مشددة في محيط المسجد الأقصى، وتغلق بوابات البلدة القديمة في القدس، وسط تصعيد ملحوظ.

ويخشى الفلسطينيون أن تحوّل السلطات الإسرائيلية هذا الوضع إلى وضع دائم.

وحذر عضو لجنة أمناء المسجد الأقصى، فخري أبو دياب، من مقترحاتٍ لوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، بالسماح بدخول نحو 150 مصلياً مسلماً يومياً إلى الأقصى فقط، مقابل إدخال نحو 50 يهودياً في الجولات المعروفة.

وقال أبو دياب إن المخططات بتقليص أعداد المسلمين رسمياً، مقابل إدخال اليهود بصورة منظمة، يعني إلغاء الوضع القائم في الأقصى وتقسيمه زمانياً ثم مكانياً.

واقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، الأقصى مساء الاثنين، فيما كان لا يزال مغلقاً أمام المسلمين.

وأكدت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، أن بن غفير اقتحم باحات المسجد 15 مرة منذ توليه منصبه عام 2023

وأدانت السلطة ودول عربية اقتحامات بن غفير للأقصى ووصفتها بأنها اعتداء سافر على المقدسات الإسلامية»، و «انتهاك جسيم للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني». وأدانت المملكة العربية السعودية، اقتحام بن غفير باحات المسجد الأقصى.

وأعربت وزارة الخارجية السعودية في بيان، «عن إدانة المملكة بأشد العبارات واستنكارها الاقتحام السافر الذي قام به وزير في حكومة الاحتلال الإسرائيلي بحماية من قوات الاحتلال لباحات المسجد الأقصى الشريف»، مؤكدةً «رفضها التام لاستمرار الانتهاكات الإسرائيلية للقوانين الدولية والتعدي على حرمة المقدسات الإسلامية واستفزاز مشاعر المسلمين حول العالم».

وأضافت: «تشدد المملكة على أهمية اضطلاع المجتمع الدولي بمسؤوليته تجاه وقف كل الانتهاكات والتعديات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني، والمواقع المقدسة والتاريخية في فلسطين المحتلة، واحترام الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى، ومحاسبة الاحتلال جراء هذه الممارسات المتكررة والشنيعة».


عودة على إيقاع القلق: لبنانيون بين وهْم التهدئة وواقع الميدان

أطفال نازحون يلعبون قرب خيامهم المؤقتة في بيروت (رويترز)
أطفال نازحون يلعبون قرب خيامهم المؤقتة في بيروت (رويترز)
TT

عودة على إيقاع القلق: لبنانيون بين وهْم التهدئة وواقع الميدان

أطفال نازحون يلعبون قرب خيامهم المؤقتة في بيروت (رويترز)
أطفال نازحون يلعبون قرب خيامهم المؤقتة في بيروت (رويترز)

عند أول خيط أمل، حمل كثير من اللبنانيين حقائبهم... لم ينتظروا بياناً رسمياً عن شمول لبنان بالهدنة التي جرى التوصل إليها بين إيران وأميركا، ولم يسألوا كثيراً عن التفاصيل. يكفي أن تُهمَس كلمات «وقف إطلاق النار» ليبدأ الحنين في التحوّل إلى أمل بالعودة. سيارات تتجه جنوباً... عائلات توضّب على عجل، وقلوب تسبق الطريق إلى البيوت. لكن، على بعد كيلومترات قليلة، كان الواقع يكتب رواية أخرى. طائرات لا تغادر السماء، وطرق تعود منها السيارات أدراجها، وقرى تبدو كأنها لم تغادر زمن الحرب بعد.

في هذا المشهد المتقلّب، تتكرّر الحكاية نفسها من الجنوب إلى الضاحية: عودة تبدأ ولا تكتمل، وقرار فردي يصطدم سريعاً بحقائق الميدان.

أنصار: الطريق إلى البلدة ينتهي بالخوف

في بلدة أنصار الجنوبية، لم تكتمل رحلة أحمد. منذ اندلاع الحرب في 2 مارس (آذار) الماضي، اضطر إلى مغادرة بلدته والاستقرار مع عائلته بشقة مستأجرة في الجية، حيث عاش، كغيره من النازحين، ضغط النزوح وتبعاته اليومية، بين القلق على المنزل، ومحاولة التأقلم مع واقع مؤقت طال أكثر مما كان متوقعاً.

يقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الأحاديث التي سرت أخيراً عن وقف إطلاق النار دفعته إلى اتخاذ قرار محفوف بالقلق»، فقرر صباح الأربعاء التوجّه مع ابنه، البالغ 14 عاماً، إلى بلدته، في محاولة لاختبار الواقع ميدانياً.

رجل يتفقد مبنى متضرراً بعد غارة إسرائيلية بمنطقة المنارة في بيروت (رويترز)

لكنّ المشهد عند أطراف بلدة أنصار في قضاء النبطية كان كفيلاً بحسم التردد. يقول: «الطيران الحربي لا يزال في الأجواء. البلدة شبه خالية، ولا حركة توحي بعودة السكان. الصمت كان مخيفاً في حد ذاته»، مضيفاً أنّ «غياب أي مؤشر على استقرار الأوضاع جعله يقتنع بأنّ العودة لا تزال سابقة لأوانها».

لم تطل الزيارة... عاد أدراجه سريعاً إلى الجية، حاملاً معه قناعة واضحة: «كل شيء كان يوحي بأنّ الحرب لم تتوقف فعلياً، رغم الكلام المتداول».

القاسمية: دقائق تعيد النازحين من صور إلى نقطة الصفر

المشهد نفسه عاشته روان، المتحدّرة من مدينة صور والمقيمة لدى ابنتها في عرمون بجبل لبنان. صباحٌ بدا مختلفاً، وهدوء نسبي أعطى انطباعاً بأنّ العودة باتت ممكنة.

تقول لـ«الشرق الأوسط» إنّها قررت مع زوجها التوجه جنوباً، خصوصاً بعدما لاحظت حركة خفيفة لسيارات تسلك الطريق ذاتها... «كان هناك شعور بأن الناس تحاول العودة تدريجياً». وتلفت إلى أنّه عند منطقة القاسمية «تبدّل كل شيء. السيارات التي سبقتنا بدأت تعود، والوجوه بدت متوترة. سرعان ما تبيّن أنّ قصفاً استهدف المنطقة... لم نحتج إلى وقت طويل للتفكير»؛ تقول روان، «نظر بعضنا إلى بعض، وعدنا فوراً». تلك اللحظة، رغم قصرها، كانت كفيلة بإعادة تثبيت واقع النزوح... «كنا نظن أننا على وشك العودة إلى منزلنا، لكن القصف أعادنا إلى نقطة الصفر».

النبطية: قرار العودة مؤجل رغم الجاهزية

في بيروت، يروي محمد من «عين الرمانة» في شرق بيروت، تجربة مختلفة، عنوانها الانتظار الحذر. منزله تحوّل منذ بداية الحرب ملجأً لعائلته النازحة من النبطية، حيث اجتمع أفراد الأسرة في مساحة واحدة، وسط قلق دائم على مصير المنزل والأرزاق في الجنوب.

مع تداول أنباء وقف إطلاق النار، تحوّل الأمل إلى خطوات عملية. العائلة باشرت توضيب أمتعتها، واستعدت للعودة، في مشهد يعكس حجم الشوق لإنهاء النزوح.

أطفال نازحون في مدرسة تحولت مركزاً للإيواء في بيروت (رويترز)

لكنّ هذا الاندفاع اصطدم بواقع غير محسوم. يقول محمد إنّ «المعلومات المتوفرة لم تكن كافية لتأكيد دخول التهدئة حيّز التنفيذ، فيما بقيت الأخبار متضاربة».

ويستعيد تجربة الحرب السابقة، حين أعلن وقف إطلاق النار عند الـ5 فجراً، كاشفاً عن أنه في الحرب الماضية «غادرت العائلة بيروت وانتظرت في صيدا حتى حلول الموعد، قبل أن تتوجه بثقة نحو النبطية». ويرى أنه في الحرب الماضية «كان هناك وضوح والتزام، وهذا ما أعطانا شعوراً بالأمان».

ويرى أنّ اليوم «الصورة مختلفة تماماً. لا شيء واضحاً. لا نعرف إن كانت التهدئة ستصمد، أو ما إن كانت الطرق آمنة». قائلاً إنّه «رغم الجاهزية الكاملة، فإن العائلة قررت التريث؛ لأن أي خطوة متسرعة قد تعيدنا إلى الخطر».

الضاحية: حضور خجول وانسحاب سريع

في الضاحية الجنوبية لبيروت، تبدو العودة أكبر هشاشة وتقلباً. فؤاد، أحد سكانها، يصف مشهداً يعكس حالة ترقّب مستمرة، كاشفاً لـ«الشرق الأوسط» عن أنه توجّه صباحاً لتفقد منزله، لكنه فوجئ بشوارع شبه فارغة. ويقول: «لم أجد أحداً، وبصراحة شعرت بالخوف».

ويشرح أنّ «بعض الأهالي حاولوا في ساعات الصباح اختبار الوضع، فظهرت حركة خجول في الشوارع، لكنّها لم تستمر طويلاً. مع تجدد الإنذارات، عاد الخوف سريعاً، وانسحب الناس من جديد».

ويرى أنّ «الضاحية لم تحتمل المغامرة»، عادّاً أنّ «المزاج العام تغيّر، وأصبح أعلى حذراً حتى لدى من اعتادوا المجازفة في مراحل سابقة»، واصفاً المشهد بأن «الناس تظهر وتختفي، كأنها تعيش على إيقاع القلق».

دعوات إلى التريث

هذا التردد الشعبي لم يكن معزولاً عن مواقف وتحذيرات واضحة، فقد دعا «حزب الله» الأهالي إلى «عدم التوجه إلى القرى والبلدات قبل صدور الإعلان الرسمي النهائي لوقف إطلاق النار»، محذراً من مخاطر أي خطوات متسرعة.

كما عمّمت «حركة أمل» عبر «هيئة التواصل الإلكتروني» مناشدة دعت فيها النازحين إلى البقاء في أماكن آمنة إلى حين صدور إعلان رسمي يشمل لبنان.

وفي السياق نفسه، تمنّت بلدية كفررمان في قضاء النبطية من الأهالي «عدم التوجه إلى البلدة، وذلك حرصاً على سلامتكم، وبانتظار صدور بيان رسمي»، في إشارة واضحة إلى استمرار المخاطر الميدانية.

ولم تُبقِِ الوقائع هذه التحذيرات في إطارها النظري؛ إذ كشف نائب رئيس بلدية المنصوري في حديث لقناة «الجديد» المحلّية عن أنّ بعض سكان البلدة تعرّضوا لقصف مدفعي بعد عودتهم إليها، مشيراً إلى أنّ الاتصال مفقود معهم، في تطور يعكس خطورة التسرّع في العودة.

أطفال نازحون

تباين سياسي يكثّف الضبابية

في المقابل، زاد التباين السياسي من حالة الغموض... فبينما أشارت تصريحات إلى شمول الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لبنانَ، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قد سارع إلى نفي ذلك، مؤكداً أنّ الاتفاق لا يشمل الساحة اللبنانية.

هذا التناقض، المتزامن مع استمرار الضربات الإسرائيلية، جعل الهدنة تبدو غير مكتملة، أو أقرب إلى إعلان سياسي لا ينعكس فعلياً على الأرض؛ مما زاد من الإرباك والخوف في صفوف اللبنانيين عموماً، والنازحين الذين ينتظرون العودة إلى منازلهم خصوصاً.

خيام في وسط بيروت للنازحين الهاربين من الحرب (رويترز)


لبنان يتحول نقطة خلاف رئيسية حول وقف النار

لبنان يتحول نقطة خلاف رئيسية حول وقف النار
TT

لبنان يتحول نقطة خلاف رئيسية حول وقف النار

لبنان يتحول نقطة خلاف رئيسية حول وقف النار

بعد ساعات الغموض حيال موقف إدارته من استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية على رغم وقف النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، تحوّل لبنان نقطة خلاف رئيسية بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن لبنان ليس ضمن الاتفاق بسبب «حزب الله»، فأعطى بذلك ضوءاً أخضر ليواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سياسته ضد التنظيم الموالي لطهران، التي توعدت بالرد.

وخلافاً لما أكده رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وعدد من المسؤولين الإيرانيين، صرح الرئيس ترمب عبر شبكة «بي بي إس» أن لبنان لم يُدرج في اتفاق وقف النار مع إيران بسبب «حزب الله»، معتبراً أن «هذه مناوشة منفصلة» سيجري التعامل معها لاحقاً. وأضاف أن «إيران تعلم أن لبنان ليس ضمن الاتفاق».

وبُعيد هذا التصريح، نقل موقع «أكسيوس» ‌عن ​الناطقة ⁠​باسم ⁠البيت الأبيض كارولاين ‌ليفيت ‌أن ‌«لبنان ​ليس ‌جزءاً من ‌اتفاق وقف النار بين الولايات ⁠المتحدة ⁠وإيران».

سحب دخان فوق العاصمة اللبنانية بعد الهجمات الإسرائيلية الأربعاء (إ.ب.أ)

وقبل ذلك، تجنب البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية تقديم توضيحات حول موقف الإدارة من التصعيد الإسرائيلي الكبير، الأربعاء، عقب التوصل إلى الهدنة الأميركية - الإيرانية. وأحدث ذلك لغطاً في واشنطن وعبر العواصم بعدما أعلن نتنياهو موافقته على قرار ترمب وقف النار مع إيران، مستثنياً «حزب الله»، مما حوّل الأمر إلى قضية حساسة ومثيرة للجدل يمكن أن تؤدي إلى انهيار الاتفاق إذا أطلقت إيران صواريخ باليستية على إسرائيل أو أعادت إغلاق مضيق هرمز كرد على استمرار الهجمات الإسرائيلية في لبنان.

ولم يشر ترمب في بيانه الأصلي حول وقف النار إلى لبنان. ووصف نائب الرئيس جي دي فانس إلى الاتفاق بوصفه «هدنة هشة» من دون التطرق تحديداً إلى لبنان. وكذلك فعل وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي اكتفى بأن القوات الأميركية «مستعدة للدفاع، ومستعدة للهجوم، ومستعدة لاستئناف القتال في أي لحظة».

باكستان ولبنان

غير أن الوسيط الباكستاني، الذي ساهم في التوصل إلى اتفاق وقف النار، أعلن صراحة أن وقف النار سيشمل وقف القتال بين إسرائيل و«حزب الله» في لبنان.

وكتب شريف في حسابه على منصة «إكس»: «بكل تواضع، يسرني أن أعلن أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة، إلى جانب حلفائهما، اتفقتا على وقف فوري لإطلاق النار في كل مكان بما في ذلك لبنان وأماكن أخرى، على أن يسري هذا الاتفاق فوراً».

وسارعت إسرائيل إلى تسجيل رفضها القاطع لشمول لبنان. وأعلن مكتب نتنياهو أنه فيما تؤيد إسرائيل قرار ترمب تعليق الضربات على إيران، فإن وقف النار لمدة أسبوعين «لا يشمل لبنان».

ورد رئيس الوزراء الباكستاني بعد التصعيد الإسرائيلي. فكتب: «وردت تقارير عن انتهاكات لوقف النار في بعض المناطق المتفرقة من منطقة النزاع، مما يقوض روح عملية السلام». وأضاف: «لذا، أناشد كل الأطراف بصدق وإخلاص ضبط النفس واحترام وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، كما تم الاتفاق عليه، حتى تتمكن الدبلوماسية من أخذ زمام المبادرة نحو تسوية سلمية للنزاع».

المطالب الإيرانية

وكانت إيران طالبت بإدراج لبنان ضمن بنود الاتفاق، رابطة موافقتها بإنهاء الحرب والهجمات على «حزب الله»، وجعلت ذلك جزءاً من مطالبها في المفاوضات حول النقاط العشر التي تضمنتها الاقتراحات الإيرانية لوقف الحرب.

ولم تنشر النقاط العشر بصورة رسمية من أي من الجانبين الأميركي أو الإيراني. غير أن وسائل الإعلام الإيرانية تداولت أنها تنص على «التزام الولايات المتحدة (وحلفائها) بعدم شن أي هجمات أو أعمال عدوانية أخرى ضد إيران» مع «استمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز»، بالإضافة إلى قبول حق إيران في تخصيب اليورانيوم»، و«رفع كل العقوبات الأميركية الأساسية المفروضة على إيران»، فضلاً عن «دفع تعويضات عن أضرار الحرب التي لحقت بإيران».

وتنص أيضاً على «وقف الهجمات ضد حلفاء إيران في محور المقاومة»، بما في ذلك «وقف الضربات الإسرائيلية على (حزب الله( في لبنان».