«7 أكتوبر» يرسم ملامح تفكير الإسرائيليين

هجوم «حماس» قوّض إيمان اليسار بمستقبل مشترك مع الفلسطينيين... وقرّب اليهود المتطرفين من جيشهم

يهود أرثوذكس يساعدون جنوداً عائدين من معارك غزة على أداء الصلاة اليهودية يوم 14 ديسمبر الجاري (إ.ب.أ)
يهود أرثوذكس يساعدون جنوداً عائدين من معارك غزة على أداء الصلاة اليهودية يوم 14 ديسمبر الجاري (إ.ب.أ)
TT

«7 أكتوبر» يرسم ملامح تفكير الإسرائيليين

يهود أرثوذكس يساعدون جنوداً عائدين من معارك غزة على أداء الصلاة اليهودية يوم 14 ديسمبر الجاري (إ.ب.أ)
يهود أرثوذكس يساعدون جنوداً عائدين من معارك غزة على أداء الصلاة اليهودية يوم 14 ديسمبر الجاري (إ.ب.أ)

دفع الهجوم الذي تعرضت له إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، اليسار الإسرائيلي نحو إعادة النظر في الذات، مما قوّض الإيمان بفكرة بناء مستقبل مشترك مع الفلسطينيين. في الوقت ذاته، خلق الهجوم أزمة ثقة في اليمين الإسرائيلي، مما أدى إلى إضعاف الدعم لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وكان من شأن هذا الوضع تقريب المسافة بين اليهود الأرثوذكس المتطرفين، الذين غالباً ما يكونون متناقضين حيال علاقتهم بالدولة الإسرائيلية، والتيار الرئيسي.

وعبر مختلف الانقسامات الدينية والسياسية، بدأ الإسرائيليون يستوعبون ما يعنيه هجوم «حماس» لإسرائيل كدولة، وللإسرائيليين كمجتمع، ولمواطنيها كأفراد. ومثلما أدت إخفاقات إسرائيل في الحرب العربية - الإسرائيلية عام 1973 إلى قلب حياتها السياسية والثقافية رأساً على عقب في نهاية المطاف، فمن المتوقع أن يسفر هجوم السابع من أكتوبر وتوابعه عن إعادة تشكيل وجه إسرائيل لسنوات قادمة.

وجراء الهجوم الذي أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص، انهار إحساس الإسرائيليين بالأمن، واهتزت ثقتهم بقادتهم. كما كتب الهجوم نهاية فكرة أن الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة، واحتلال الضفة الغربية، يمكن أن يستمرا إلى أجل غير مسمى، دون تداعيات خطيرة على الإسرائيليين. ومن منظور الأغلبية اليهودية في إسرائيل، فإن ذلك يشكل خرقاً للوعد الرئيسي الذي تقوم عليه البلاد.

عندما تأسست إسرائيل عام 1948، كان الهدف المحدد توفير ملاذ لليهود بعد ألفَي عام من غياب الانتماء إلى دولة تؤويهم. في السابع من أكتوبر، أثبتت هذه الدولة نفسها عجزها عن منع أسوأ يوم من أعمال العنف ضد اليهود منذ المحرقة النازية (الهولوكوست).

يهود أرثوذكس خلال احتفالات بعيد الفصح في القدس يوم 4 أبريل الماضي (أ.ب)

وفي تعبيرها عن هذه الفكرة، قالت الروائية الإسرائيلية دوريت رابينيان: «في تلك اللحظة، شعرت بأن هويتنا الإسرائيلية قد سُحقت تماماً. شعرت كأن 75 عاماً من السيادة الإسرائيلية قد اختفت في طرفة عين». وأضافت: «اعتدنا أن نكون إسرائيليين. الآن، نحن يهود».

إلى جانب ذلك، أسهم الهجوم في توحيد توحيد صفوف المجتمع الإسرائيلي إلى درجة كان من المتعذر تصورها في السادس من أكتوبر، عندما كان الإسرائيليون منقسمين بشدة على أنفسهم جراء الجهود التي بذلها بنيامين نتنياهو للحد من سلطة المحاكم، وكذلك الخلاف حول دور الدين في الحياة العامة، وحول مستقبل نتنياهو السياسي.

وعلى امتداد العام، حذَّر القادة الإسرائيليون من خطر اشتعال حرب أهلية. ومع ذلك، وفي لمح البصر، وجد الإسرائيليون من جميع المشارب، في السابع من أكتوبر قضية مشتركة عدّوها معركة وجودية من أجل مستقبل إسرائيل. ومنذ ذلك الحين، عايش الإسرائيليون صدمة جماعية بسبب الانتقادات الدولية تجاه الهجوم الانتقامي الإسرائيلي في غزة.

وفي أجزاء من المجتمع الأرثوذكسي المتطرف، الذي كان إحجامه عن الخدمة في الجيش الإسرائيلي مصدراً للانقسام قبل الحرب، ظهرت مؤشرات على زيادة التقدير للقوات المسلحة -وفي بعض الحالات، المشاركة فيها.

وترسم بيانات استطلاعات الرأي الأخيرة صورة لمجتمع يعاني تغيّرات عميقة منذ هجوم «حماس».

الآن، يؤيد نحو 30% من الجمهور الأرثوذكسي المتطرف فكرة الخدمة العسكرية، أعلى بـ20 نقطة عن الحال قبل الحرب، تبعاً لاستطلاع رأي أجراه في ديسمبر (كانون الأول) المعهد الحريدي للشؤون العامة (مجموعة بحثية مقرها القدس).

يساريون إسرائيليون يساعدون فلسطينيين في إصلاح خزان مياه بغور الأردن يوم 22 ديسمبر (أ.ف.ب)

ولعل المدهش أن 70 في المائة من العرب في إسرائيل يقولون الآن إنهم يشعرون بأنهم جزء من دولة إسرائيل، وفقاً لاستطلاع رأي أجراه معهد الديمقراطية الإسرائيلي في نوفمبر (تشرين الثاني)، وهو مجموعة بحثية مقرها القدس. وتزيد هذه النسبة بمقدار 22 نقطة عمّا كان عليه الحال في يونيو (حزيران)، إضافةً إلى أنها أعلى نسبة منذ أن بدأ المعهد إجراء استطلاعات حول هذه المسألة قبل عقدين.

كما تخلَّى ما يقرب من ثلث ناخبي حزب «الليكود» اليميني، الذي يتزعمه نتنياهو، عن الحزب منذ السابع من أكتوبر، طبقاً لجميع الاستطلاعات الوطنية التي أُجريت منذ الهجوم.

في هذا السياق، قال يوسي كلاين هاليفي، كاتب وزميل في «معهد شالوم هارتمان» البحثي، ومقره القدس: «ثمة شيء أساسي تغيَّر هنا، ولا نعرف ما هو بعد، لكن ما نعرفه أن هذه الفرصة الأخيرة أمام هذا البلد».

من ناحيته، يجسّد أرييه تسايغر، سائق حافلة من القدس، بعضاً من هذه التحولات.

عام 2000، أصبح تسايغر واحداً من أقلية صغيرة من الإسرائيليين المتشددين الذين عملوا مجندين عسكريين. وفي ذلك الوقت، ساوره شعور بأنه منبوذ من مجتمعه.

وعن ذلك، قال تسايغر: «كان الانضمام إلى الجيش أمراً غير مقبول».

يمينيون إسرائيليون خلال مسيرة في القدس القديمة للمطالبة بزيادة السيطرة اليهودية على المسجد الأقصى يوم 7 ديسمبر الجاري (رويترز)

جدير بالذكر أن اليهود الأرثوذكس المتطرفين، المعروفين باسم الحريديم، ينالون إعفاءً من الخدمة حتى يتمكنوا من دراسة الشريعة اليهودية والكتاب المقدس لليهود، داخل معاهد دينية تدعمها الحكومة. وعلى مدى عقود، ناضل الحريديم للحفاظ على الإعفاء، ما أثار غضب الإسرائيليين العلمانيين، لأنه يسمح للحريديم بالاستفادة من المال العام، بينما لا يفعلون سوى القليل لحماية البلد.

وقال تسايغر إنه بعد السابع من أكتوبر، عندما سارع للانضمام إلى الجيش، شعر بترحيب من جانب الحريديم، فقد هنأه أصدقاؤه، ومنحه حاخام حريدي بركة خاصة، واستفسرت الكثير من المعابد الحريدية حول ما إذا كان بإمكانه حضور صلاة السبت ببندقيته.

قال تسايغر، 45 عاماً: «هذا تغيير هائل. إنهم يريدونني هناك».

وتعكس تجربة تسايغر تغييراً صغيراً، لكنه مهم داخل أوساط من المجتمع الحريدي.

ويعد تسايغر واحداً من بين أكثر من 2000 من الحريديم سعوا للانضمام إلى الجيش خلال الأسابيع العشرة منذ السابع من أكتوبر، وفقاً للإحصاءات العسكرية. وأعلن الجيش في بيان أن هذا الرقم أقل من 1 في المائة من 360 ألف جندي احتياطي جرى استدعاؤهم بعد السابع من أكتوبر، لكنه أعلى مرتين عن المتوسط.

ويرى نيري هورويتز، الخبير في شؤون الحريديم، أن التحول أصغر من أن يكون ذا أهمية، وأن موجة تنامي التضامن الاجتماعي ستنحسر بنفس السرعة التي سبق أن انحسرت بها موجات سابقة بعد تجاوز منعطفات تاريخية من قبل. وبالفعل، ظهر مقطع مصوَّر لحاخام حريدي مؤثر في أثناء تشبيهه الجنود بجامعي القمامة. وأظهر مقطع فيديو آخَر طلابَ مدرسة دينية حريدية وهم يطردون جندياً من مؤسستهم، لغضبهم من محاولاته تجنيد أفراد منهم.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اجتماع لحكومته في قاعدة عسكرية بتل أبيب يوم 24 ديسمبر (إ.ب.أ)

من ناحيته، يخالج تسايغر شعور بأن ثمة تغييراً أطول أمداً يجري في الوقت الراهن.

وأضاف: «نفس الأشخاص الذين قطعوا علاقاتهم بي قبل 20 عاماً، يُبدون الآن فخرهم الشديد بي الآن».

وفيما يتعلق بالأقلية العربية داخل إسرائيل، ألقت بهم هذه الديناميكيات المتطورة في موقف محيِّر ومتناقض.

يُذكر أن نحو خُمس سكان إسرائيل البالغ عددهم أكثر من 9 ملايين نسمة، من العرب. ويرى الكثيرون منهم أنفسهم فلسطينيين، رغم أنهم يحملون الجنسية الإسرائيلية. وكذلك يشعر الكثيرون منهم بالتضامن مع سكان غزة الذين سقطوا قتلى جراء الغارات الإسرائيلية -شعور أصبح أقوى مع ارتفاع أعداد القتلى بغزة إلى نحو 20 ألف شخص.

يُذكر أنه جرى اعتقال الكثير من القيادات العربية الإسرائيلية في نوفمبر، بعد محاولتهم تنظيم احتجاج مناهض للحرب دون الحصول على موافقة. وحققت الشرطة مع آخرين بسبب منشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي عُدَّت داعمة لـ«حماس».

ومع ذلك، ثمة مشاعر متضاربة تخالج بعض عرب إسرائيل: شعور أكبر بالانتماء إلى إسرائيل.

جدير بالذكر هنا أن العشرات من العرب قُتلوا أو اختُطفوا على يد «حماس» في السابع من أكتوبر، ما أضفى على مجتمعاتهم شعوراً أكبر بالتضامن مع اليهود الإسرائيليين.

عن ذلك، قال بشير زيادنة، طالب حقوق من عرب إسرائيل: «إذا كنا أمام خيارين: حماس أو إسرائيل، فسوف أختار إسرائيل دون تردد».

تجدر الإشارة إلى أن الكثير من أفراد عائلته قُتلوا وخُطفوا خلال الهجوم.

وقد أصبح زيادنة فيما بعد متحدثاً باسم عائلته التي ضغطت على الحكومة لبذل المزيد من الجهد لإنقاذ أقاربهم. وخلال هذه العملية، شرع زيادنة، 26 عاماً، في الانخراط بشكل أكبر داخل المجتمع اليهودي، وتكوين روابط مع عائلات الرهائن الآخرين والتعرف على السياسيين والقادة الإسرائيليين.

فلسطينيون يشاركون في تشييع رجلين قُتلا في عملية توغل إسرائيلي في مخيم الفوارة جنوب الخليل بالضفة الغربية اليوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وفي الوقت الذي لا يزال يشعر بأنه فلسطيني، ولديه مشكلات عميقة مع أسلوب معاملة الحكومة للفلسطينيين، فإن الرعب الذي حمله السابع من أكتوبر، والشعور بأنه كان يمكن أن يسقط قتيلاً هو الآخر، جعلا زيادنة يشعر بأنه إسرائيلي أكثر، ويسعى جاهداً للعب دور أكبر داخل الحياة العامة في إسرائيل.

وعن ذلك، قال: «لا أريد أن أساعد مجتمعي من خلال انتقاد النظام، وإنما أودّ، الآن، أن أكون جزءاً من النظام لجعله أفضل».

وقد نشأ هذا الإجماع المجتمعي الآخذ في الازدياد رغم وجود نتنياهو.

والتفّ الإسرائيليون بعضهم حول بعض، من خلال الإيمان المشترك بأهمية الحملة العسكرية التي يقودها نتنياهو، ومع ذلك لم يلتفوا حول رئيس الوزراء.

ويعود جزء من شعور اليمين الإسرائيلي بالإحباط تجاه نتنياهو إلى الطريقة التي عززت بها حكومته فيما مضى الشعور بالرضا عن النفس بخصوص غزة. لقد تحدث المسؤولون بانتظام وعلى نحو يخالف الحقيقة عن كيفية ردع «حماس»، وأن أكبر التهديدات المباشرة لإسرائيل تكمن في إيران ولبنان.

وينبع الغضب كذلك من حقيقة أن نتنياهو يقف خلف اتساع الانقسامات العميقة داخل نسيج المجتمع الإسرائيلي، واتّباعه خطاباً عاماً مسموماً.

وفي خضمّ مثل هذه الفوضى، قال نتانيل إلياشيف، الحاخام والناشر الذي يعيش في مستوطنة بالضفة الغربية، إنه في وقت يعجّ بالاضطرابات على هذا النحو، يودّ بعض الإسرائيليين اليمينيين خطاباً عاماً أكثر توازناً.

اللافت أنه بغضّ النظر عن مصير نتنياهو الشخصي، فإن نهجه في التعامل مع الفلسطينيين -بما في ذلك معارضة قيام دولة فلسطينية، ودعم المستوطنات في الضفة الغربية- ما زال يحظى بشعبية كبيرة.

وطبقاً لنتائج استطلاع للرأي أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أواخر نوفمبر، يعارض أكثر من نصف اليهود الإسرائيليين استئناف المفاوضات لإقامة دولة فلسطينية.

ويشعر مستوطنون بالضفة الغربية بأنهم فازوا بشكل حاسم بالحجة حول ضرورة الحفاظ على الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي الفلسطينية.

وحسب إلياشيف، فإن هجوم السابع من أكتوبر لم يكن ليحدث لو بقي الجنود والمستوطنون الإسرائيليون في غزة.

وقال عن ذلك، مستعيناً بمصطلح توراتي للضفة الغربية: «وجود المستوطنات السبب وراء عدم حدوث ذلك في يهودا والسامرة. من المنظور الأمني، نحن بحاجة إلى أن نكون هنا».

وأضاف: «أينما انسحبنا، يتحول الوضع إلى كابوس».

على الجانب المقابل، ما زال بعض الإسرائيليين يقولون إن الصراع يمكن حله من خلال إقامة دولة فلسطينية فاعلة في غزة والضفة الغربية.

عام 2018، ألَّف المؤلف كلاين هاليفي كتاباً موجهاً إلى شخصية فلسطينية متخيَّلة بعنوان «رسائل إلى جاري الفلسطيني»، حاول فيه وضع رؤية لمستقبل مشترك بين العرب واليهود في الشرق الأوسط.

إلا أنه منذ السابع من أكتوبر، قال هاليفي إنه وجد صعوبة في التفكير في شكل هذا المستقبل، مضيفاً أنه يهودي ملتزم، وما زال يصلي من أجل الفلسطينيين، لكن من باب الشعور بالواجب أكثر من التعاطف.

وتحسَّر هاليفي قائلاً: «قضيتُ سنوات في شرح الخطاب الإسرائيلي واستيعاب الخطاب الفلسطيني، وحاولتُ العثور على مساحة يمكن أن يعيش فيها كلاهما معاً، لكن ليست لديّ هذه اللغة في الوقت الحالي. لم تعد متاحة لي عاطفياً».

* خدمة نيويورك تايمز


مقالات ذات صلة

اجتماع في باريس يحشد لـ «حل الدولتين»

المشرق العربي مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)

اجتماع في باريس يحشد لـ «حل الدولتين»

منذ «إعلان نيويورك»، الذي صدر قبل عام وحظي بتبنّي 142 دولة وطرح خطة طريق متكاملة لتنفيذ «حل الدولتين»، شهدت جهود تأسيس دولة فلسطينية جموداً جرّاء التطورات

ميشال أبونجم ( باريس)
المشرق العربي اهتمام عالمي بطفل فلسطيني يعاني من ضعف البصر بكى حزناً على نظارته المكسورة

اهتمام عالمي بطفل فلسطيني يعاني من ضعف البصر بكى حزناً على نظارته المكسورة

أثار مقطع فيديو لطفل فلسطيني في غزة يبلغ من العمر سبع سنوات، ويعاني من ضعف شديد في البصر، اهتماماً واسعاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الدولية

«الشرق الأوسط» (لندن )
رياضة سعودية رند الحلواني (الاتحاد الفلسطيني)

الشرطة الإسرائيلية تفرج عن لاعبة في المنتخب الفلسطيني لكرة القدم

أفرجت السلطات الإسرائيلية عن رند الحلواني اللاعبة في المنتخب الفلسطيني للسيدات لكرة القدم بعد احتجازها منذ الثلاثاء الماضي، حسب ما أفادت والدتها.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي صورة لأسرى فلسطينيين معصوبي الأعين في قاعدة «سدي تيمان» العسكرية نشرتها منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية (أ.ب)

محكمة إسرائيلية تلغي حظر زيارات «الصليب الأحمر» للمعتقلين الفلسطينيين

ألغت المحكمةُ العليا الإسرائيلية قراراً كان يحظر على ممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر زيارة المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطينيون معظمهم من النساء والأطفال في طريقهم للخروج من منازلهم بقرية الطنطورة في مايو 1948 بعد جرائم «تطهير عرقي» ارتكبتها عصابات صهيونية بحق رجال القرية (موقع فلسطين في الذاكرة)

حملة لوقف مخطط إسرائيلي لإقامة مشروع سياحي فوق «مقابر جماعية» للفلسطينيين

أطلق نشطاء فلسطينيون حملة ضد تجاهل إسرائيل أدلة متعلقة بمقابر جماعية في قرية الطنطورة، التي احتلتها عصابات صهيونية عام 1948، وارتكبت جرائم بحقّ سكانها.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

«الأزمات الدولية»: المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس

القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)
القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)
TT

«الأزمات الدولية»: المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس

القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)
القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)

حذّر تقرير أصدرته مجموعة «الأزمات الدولية» من تنامي الضغوط والعقوبات الإسرائيلية على الضفة الغربية، مشيراً إلى أن المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس بسبب وقف الإيرادات، وفرض القيود على العلاقات المصرفية، وفقدان العمال الفلسطينيين وظائفهم في إسرائيل.

ونبه التقرير الذي أعدته «الأزمات الدولية» بعنوان «مواجهة القبضة الإسرائيلية الخانقة على اقتصاد الضفة»، وأتاحته للنشر، الاثنين، إلى أنه «منذ هجوم (حماس) على إسرائيل أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فرضت الحكومة الإسرائيلية عقوبات اقتصادية جديدة على الضفة الغربية»، موضحة أن هذه العقوبات «أدت إلى منع وصول السلطة الفلسطينية إلى المال، وخنقت حرية حركة السكان الفلسطينيين».

وجاء في التقرير أن «اقتصاد الضفة الغربية، الذي حرصت إسرائيل منذ وقت طويل على بقائه مترنحاً، يواجه ضغوطاً تزداد حدة»، ولفتت إلى أن المجتمع الفلسطيني حافظ على بقائه، لكن في حالة من الفقر المدقع؛ وفي حال عدم معالجة ذلك، من المرجح أن يفضي إلى فقدان الأمن وارتفاع مخاطر عدم الاستقرار وازدياد حدة العنف.

عمال فلسطينيون ينتظرون للعبور إلى إسرائيل من الضفة في فبراير 2022 (أ.ب)

كما دعا إلى دعم دولي للضفة الغربية وقطاع غزة «لتجاوز اعتمادهما على إسرائيل واكتساب سيادة حقيقية». لكنه شدد أولاً على أنه «يتعين على الجهات الفاعلة الخارجية الضغط على إسرائيل لاتخاذ خطوات لتيسير الدفعات النقدية إلى الأسر والمؤسسات الفلسطينية، وذلك برفع القيود المفرطة على حرية الحركة وإلغاء الإجراءات المالية العقابية».

إحكام القيود على الضفة

وفق تقرير «الأزمات الدولية» فإنه «على مدى العامين ونصف العام الماضيين، ومع تركُّز أنظار العالم أولاً على غزة والآن على الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أحكمت إسرائيل القيود التي تفرضها على وصول فلسطينيي الضفة الغربية إلى التمويل وقدرتهم على الحركة، متذرعةً بمبررات أمنية مبالغ بها». واستشهد بقطع وزير المالية اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، جميع مصادر الإيرادات الرئيسية للسلطة الفلسطينية تقريباً. ومن ثم، فقد تقلّص اقتصاد الضفة الغربية، شديد الاعتماد على إسرائيل، إلى حد أنه لم يعد قادراً على توفير الخدمات العامة الأساسية.

جندي إسرائيلي بسوق البلدة القديمة في نابلس شمال الضفة الغربية أثناء مداهمات أبريل الماضي (أ.ف.ب)

وقدّر أنه «من أجل تفادي حدوث انهيار اقتصادي، ينبغي على إسرائيل التحرك على نحو عاجل للسماح للعمال الفلسطينيين بالعودة إلى تلك الوظائف، وتحويل الإيرادات المستحقة للسلطة الفلسطينية. ولا بد من القيام بفعل دولي لإجبار إسرائيل على اتخاذ هذه الخطوات وغيرها بحيث يتمكن الاقتصاد الفلسطيني من الشروع بالتعافي، ويتمكن بمرور الوقت من الوقوف على قدميه».

حسب التقرير، فإن الاقتصاد الفلسطيني بات «أكثر اعتماداً على القوة المحتلة القوية اقتصادياً؛ وعلى الشيقل الإسرائيلي الذي لا تتمتع السلطة الفلسطينية بأي تأثير عليه من حيث السياسة النقدية، الذي تعكس قوته الأوضاع الاقتصادية الإسرائيلية لا الفلسطينية، وعلى المصارف المراسلة الإسرائيلية، التي تشكل القناة الوحيدة لربط النظام المالي الفلسطيني بالأسواق الدولية، وعلى التجارة التي تمر من خلال الموانئ الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. من خلال نقاط التفتيش ووسائل أخرى، قسمت إسرائيل الضفة الغربية أيضاً إلى جيوب منفصلة تقريباً، فأوجدت بذلك اقتصادات صغرى تجد صعوبة في التعامل بعضها مع بعض، ناهيك عن التعامل مع العالم. وقد عقَّد ذلك دور السلطة الفلسطينية في إدارة الاقتصاد».

إجبار على الاقتراض

وخلص التقرير إلى أن «الأثر التراكمي للسياسات الاقتصادية التي تبنتها إسرائيل منذ عام 1967، لا سيما خلال السنتين الماضيتين، كان مدمراً على الأُسر، والمؤسسات، والبلديات الفلسطينية، وعلى السلطة الفلسطينية أيضاً»، منبهاً إلى أن السلطة الفلسطينية تُجبر على «الاقتراض بشكل كبير من المصارف، وعلى مراكمة الديون متأخرة السداد لموظفي القطاع العام، والمقاولين والمزودين، الأمر الذي يفرض ضغوطاً على النظام المالي الذي تعتمد عليه، وفي الوقت نفسه حرمان القطاع الخاص من الاقتراض».

واتهم التقرير القادة الإسرائيليين بأنهم «وضعوا حتى الآن مجموعة من السياسات التي تبدو مصممة لإضعاف الاقتصاد الفلسطيني إلى حد الاعتماد الكامل على إسرائيل»، متسائلاً حول «ما إذا كانت إدارة ترمب ستضغط على إسرائيل، كجزء من خطتها ذات العشرين نقطة لقطاع غزة، أو كجزء من أي خطة أخرى، لتخفيف حدة حملتها على اقتصاد الضفة الغربية».

مبنى سلطة النقد الفلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (موقع سلطة النقد)

وأشار تقرير «الأزمات الدولية» إلى من شبه المؤكد أن الضغوط الخارجية ستكون ضرورية لإقناع إسرائيل بالتحرك بشأن الأولوية الاقتصادية القصوى بالنسبة للضفة الغربية التي أُضعفت على نحو قسري، والتي تتمثل بتيسير التدفقات النقدية من جديد إلى الأسر والمجتمعات المحلية.

على الجانب الآخر، دعا التقرير السلطة الفلسطينية إلى ضرورة أن «تُجري إصلاحات، بما فيها تحسين الشفافية في إنفاق موازنتها، والتعاون الكامل مع المراجعات المالية الخارجية المستقلة، وإعادة بناء شرعيتها الداخلية من خلال تحسين حوكمتها».

وجدد التأكيد على أهمية مساعدة الجهات الفاعلة الخارجية الملتزمة بالوصول إلى حصيلة سلمية للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني باعتبارها «جوهرية»، خصوصاً وأن «البديل القاتم لا يمكن أن يكون سوى المزيد من العنف مع استمرار الحوكمة الفلسطينية والاقتصاد الفلسطيني بالتردي حتى الوصول إلى الانهيار الكامل».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


سوريا... رفض عودة «الشبيحة» يتحول إلى حراك

سوريا... رفض عودة «الشبيحة» يتحول إلى حراك
TT

سوريا... رفض عودة «الشبيحة» يتحول إلى حراك

سوريا... رفض عودة «الشبيحة» يتحول إلى حراك

مع استمرار خروج مظاهرات في عدد من المحافظات السورية وتصاعدها احتجاجاً على عودة من يتم وصفهم في الأوساط الشعبية بـ«شبيحة» النظام السابق والمطالبة بمحاسبتهم، وتطورها إلى «حراك» يومي، دعت وزارة الداخلية السوريين إلى عدم الانجرار إلى أي أعمال انتقامية أو اعتداءات خارج إطار القانون، بينما أصدرت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بياناً، الاثنين، قالت فيه إن العدالة الانتقالية لا تقوم على مبدأ الانتقام والثأرية، واستيفاء الحق بالذات خارج إطار القانون.

وركزت وسائل الإعلام الرسمية، الاثنين، على تصريحات للرئيس أحمد الشرع كان قد أدلى بها خلال اجتماع مع وجهاء من ريف دمشق، الخميس الماضي، دعا فيها إلى عدم استخدام العدالة الانتقالية عنواناً للانتقام أو وسيلةً للتسلط؛ «لأننا عندها نكون قد واجهنا ظلماً بظلمٍ آخر» على حد تعبيره.

تجدر الإشارة إلى أن محافظات سورية مختلفة تشهد احتجاجات شعبية، مثل دير الزور، وحلب، وإدلب، وريف دمشق، رفضاً لإعادة تعويم وتدوير المرتبطين بالنظام السابق، مشددة على أن عودتهم تمثل إهانة لدماء الشهداء. وقد أظهر مقطع فيديو نشره نشطاء، بعض الأهالي وهم ينتقمون من أفراد تسببوا لهم بالضرر في ظل النظام البائد.

مظاهرات ليلية في حلب وإدلب مطالبة بملاحقة «الشبيحة» وأعوان نظام الأسد (متداولة)

بعد انطلاق الاحتجاجات، يوم الجمعة، في حيّ السكري بمدينة حلب، اتسع الحراك منذ مساء السبت، حيث شهدت أحياء كانت ضد النظام السابق، مظاهرات ليلية شارك فيها المئات.

ونقل «تلفزيون سوريا» أن محتجين خرجوا عقب صلاة المغرب من مساجد تلك الأحياء، رافعين شعارات تطالب بإخراج «فلول وشبيحة» نظام الأسد، وتدعو إلى تسريع مسار العدالة الانتقالية، ومحاسبة مرتكبي الجرائم بحق السوريين

وبينما خرجت مظاهرات مماثلة في محافظة حلب، شهدت تل رفعت توتراً أمنياً جرت السيطرة عليه من قبل قوى الأمن الداخلي، وذلك على إثر انتشار شعارات مؤيدة للنظام السابق على جدران المدارس والمساجد؛ ما اضطر الأمن العام في مدينة تل رفعت، الأحد، إلى الانتشار داخلها بعد هجوم نفذه عدد من الأهالي على منازل بتهمة أنها سكن «شبيحة» مع محاولة طردهم خارج المدينة، ونشرت على مواقع التواصل أنباء عن تنفيذ حملة اعتقالات طالت أشخاصاً متورطين في تأجيج الرأي العام.

وبالاضافة لمظاهرات مناطق مختلفة من محافظة إدلب في الشمال السوري، شهدت مناطق مثل كفر تخاريم تعرّضاً لمواطن من قبل عدد من الأهالي، قاموا بضربه قبل أن يفارق الحياة، على خلفية اتهامات تتعلق بتعاونه مع النظام السابق في حادثة أثارت تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل. وفي حادثة مشابهة في كفرعويد تعرّض شاب للاعتداء؛ ما أدى إلى إصابته بجروح خطيرة، وسط اتهامات تتعلق بالتعاون مع النظام السابق، بحسب ما أورد موقع «سوريا ألترا».

خيمة اعتصام الكرامة في دير الزور (فيس بوك)

عودة رموز «الحرس الثوري»

تشهد دير الزور في الشرق السوري، مظاهرات حاشدة يومية أبرزها وسط المدينة؛ حيث نصب الأهالي «خيمة اعتصام الكرامة» للتعبير عن تمسكهم برفض عودة شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، وطالبوا بتسريع مسار العدالة الانتقالية والمحاسبة.

الناشط السياسي «راغب التاية» المشارك في المظاهرات والاعتصام، بيّن أن الأهالي في المنطقة الشرقية، خصوصاً في دير الزور، لديهم احتقان كبير جداً جراء رؤية «شبيحة» نظام بشار الأسد القتلة يتحركون بشكل طبيعي في الشوارع.

وأوضح التاية لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذا الأمر أدى إلى «انفجار المخزون القهري داخل كل مواطن ضحى في مواجهة نظام الأسد، ولم نكن نتمنى أن تٌوضع حكومتنا في هذا الموقف المحرج بمواجهة أهالي الشهداء والضحايا والفقراء، الذين يرون كرامتهم منتهكة».

وذكر أن من بين المعتصمين في الخيمة أمهات فقدن أبناءهن في سجن صيدنايا أو قٌتلوا برصاص جيش و«شبيحة» الأسد، وأبناء معاقين جراء كل ذلك.

ومن مطالب الاحتجاجات توظيف أبناء الثورة وعدم تهميشهم، وفي هذا الصدد قال التاية: «هناك شباب ناضلوا ضد نظام الأسد، وتُطلب منهم الآن شروط تعجيزية لتوظيفهم، من ذلك أن تكون أجسامهم سليمة!».

وكانت دير الزور قد شهدت مؤخراً عودة شيخ عشيرة «البقارة»، نواف البشير، المرتبط سابقاً بنظام الأسد والميليشيات المدعومة من إيران؛ ما أثار غضباً شعبياً واسعاً، كذلك الإفراج عن مدلول العزيز مؤسس ميليشيا بدعم إيراني، ويواجه اتهامات بأنه كان واجهة اقتصادية للمشروع الإيراني. وسبق ذلك تسوية وضع، فرحان المرسومي، المتهم بتهريب السلاح والمخدرات والعمل مع «الحرس الثوري» الإيراني.

الصحافي داود السيد من أبناء مدينة دير الزور، لفت إلى أن الاستقبالات التي جرت لهؤلاء رغم تاريخهم الدموي وعودة آخرين من «آل شويش» الذين كانت لهم علاقة مباشرة مع قيادة «فيلق القدس» الإيراني، شكلتا «استفزازاً للأهالي». وأوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «شبيحة» النظام السابق ومخبريه، لم يغيبوا عن المشهد، ولم تجر ملاحقتهم ومحاسبتهم، علماً أن «لواء الباقر» الذي كان يتزعمه نجل نواف البشير نكّل بالأهالي.

حقوق الضحايا لن تضيع

وفي سعي الحكومة إلى تخفيف الاحتقان الشعبي، التقى نائب محافظ دير الزور بدري المصلوخ وقائد الأمن الداخلي العميد حذيفة الصوا، عدداً من المشاركين في خيمة الاعتصام، يوم الأحد.

ووفق ما أعلنت المحافظة، فإنه تم الاطلاع على مطالب الأهالي ومقترحاتهم، وجرى التأكيد على متابعة القضايا المطروحة، والبدء باتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة ما أمكن منها بما يحقق المصلحة العامة، ويستجيب لاحتياجات المواطنين».

وفي تصريح له أكد الصوا أن «قوى الأمن الداخلي مستمرة في أداء واجبها بملاحقة المجرمين والخارجين عن القانون، وفق الأصول القانونية».

وفي بيان لها حول التوترات في إدلب، شددت وزارة الداخلية على أن تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات مسؤولية تتولاها الدولة عبر مؤسساتها المختصة، كما حثت كل من يمتلك معلومات أو أدلة موثقة عن أشخاص متورطين في جرائم أو انتهاكات، على المبادرة بتقديمها إلى الجهات المختصة عبر القنوات الرسمية المعتمدة مشددة على أن حقوق الضحايا لن تضيع.

امتداد لريف دمشق

الحراك الشعبي الغاضب من رموز النظام البائد امتد إلى ريف دمشق، وأظهر مقطع فيديو نشرته تنسيقية مدينة التل مجموعة من الشبان يطاردون «شبيحاً» في المنطقة المحيطة بالجامع الكبير، في وقت تحدث فيه نشطاء ومنصات إخبارية عن انتشار قصاصات ورقية في مدينة قارة تطالب «الشبيحة» بمغادرة الأحياء السكنية، أو الالتزام بالمنازل وانتظار الحساب.

ولا توجد أرقام دقيقة لعدد الذين جندتهم إيران والنظام السابق لقمع المظاهرات والقتال إلى جانبه، لكن تقارير تشير إلى أنهم بين 50 - 100 ألف عنصر في ذروة نشاطهم خلال سنوات الصراع.

حقوق للضحايا والمتهمين

الخبير القانوني السوري، المعتصم الكيلاني، يرى أن خروج هذه الاحتجاجات في هذا التوقيت ليس أمراً مستغرباً، إذ إن المجتمعات الخارجة من النزاعات أو من الأنظمة السلطوية تمر عادةً بمرحلة تُعرف بالعدالة الانتقالية، حيث يسعى الضحايا وذووهم إلى كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان عدم تكرارها.

وأوضح الكيلاني لـ«الشرق الأوسط»، أن المطالب قد تكون مؤجلة لسنوات بسبب الخوف أو غياب البيئة السياسية المناسبة، ثم تظهر بقوة عندما تتغير موازين السلطة، وتصبح إمكانية المساءلة أكثر واقعية.

ورأى أن التعامل مع هذه المطالب يجب أن يتم ضمن إطار سيادة القانون، وليس عبر الانتقام أو العقوبات الجماعية أو الاتهامات غير المستندة إلى أدلة؛ فالمبدأ القانوني الأساسي يقضي بأن المسؤولية شخصية، وأن أي شخص تُوجَّه إليه اتهامات بارتكاب جرائم أو انتهاكات يجب أن يخضع لتحقيقات مستقلة وإجراءات قضائية عادلة تكفل حقوق الضحايا وحقوق المتهمين في آن واحد.

ويرجح الكيلاني أن تدرك السلطات السورية الجديدة أن ملف المساءلة يمثل أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على الاستقرار الداخلي؛ لذلك فإن نجاحها سيقاس بقدرتها على إيجاد آليات قانونية ومؤسساتية لمعالجة الانتهاكات السابقة. وفي المقابل، فإن تجاهل هذه المطالب أو تأجيلها لفترات طويلة قد يؤدي إلى تصعيد الاحتقان الشعبي وفقدان الثقة بمؤسسات الدولة.

ويرى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين العدالة والاستقرار، بل في تحقيق عدالة قانونية منظمة تسهم في ترسيخ الاستقرار والمصالحة الوطنية، بدلاً من فتح الباب أمام أشكال جديدة من الثأر أو الاستقطاب المجتمعي.

اقرأ أيضاً


عباس يفتح مساراً للانتخابات التشريعية الفلسطينية... ويعد بالرئاسية

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
TT

عباس يفتح مساراً للانتخابات التشريعية الفلسطينية... ويعد بالرئاسية

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)

مهّد الرئيس الفلسطيني محمود عباس لإجراء أول انتخابات تشريعية منذ 20 عاماً في الأراضي الفلسطينية، عبر تعديلات على قانون الانتخابات العامة، التي تجرى هذا العام بالتزامن مع انتخابات «المجلس الوطني» التابع لمنظمة التحرير، وقبل إجراء الانتخابات الرئاسية التي وعد عباس أيضاً بتنظيمها في عام 2027.

ولم تشهد الأراضي الواقعة تحت إدارة السلطة الفلسطينية انتخابات تشريعية منذ عام 2006، حين فازت «حماس» بأغلبيتها، وأعقبتها سنوات من الانقسام والاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني، وانتهت بسيطرة الحركة على القطاع.

وأكد عباس، خلال اتصال هاتفي مع رئيس إندونيسيا برابوو سوبيانتو، على المضي في «برنامج الإصلاح الوطني الشامل وتعزيز المسار الديمقراطي»، مشيراً إلى «الذهاب إلى الانتخابات البرلمانية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ويتبعها في العام المقبل الانتخابات الرئاسية».

وقالت وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) إنه من المقرر أن يصدر عباس مرسوماً بالدعوة لانتخابات المجلس التشريعي بالتزامن مع انتخابات «المجلس الوطني» (التابع لمنظمة التحرير)، التي كان قد حدد الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل موعداً لإجرائها.

ويتشكل أعضاء المجلس الوطني (350 عضواً) من الداخل والخارج، ويمثل أعضاء المجلس التشريعي نسبة الثلثين تقريباً من أعضاء «المجلس الوطني».

ما التعديلات الجديدة؟

ونصت التعديلات الجديدة على زيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني إلى 200 عضو (من 132)، وخفض نسبة الحسم اللازمة للفوز بالمقاعد إلى 1 في المائة بدلاً من 2 في المائة، ورفع الحد الأدنى لعدد المرشحين ضمن كل قائمة انتخابية إلى 20 مرشحاً بدلاً من 16 مرشحاً.

فلسطينية تدلي بصوتها في الانتخابات المحلية ببلدة بيرزيت الفلسطينية شمال رام الله بالضفة الغربية أبريل الماضي (أ.ف.ب)

وتضمن القرار تعزيز مشاركة المرأة في القوائم الانتخابية، واشتراط وجود سيدة واحدة على الأقل بين كل ثلاثة مرشحين في القائمة، إضافة إلى خفض سن الترشح لانتخابات المجلس التشريعي إلى 23 عاماً بدلاً من 28 عاماً.

وقرار إجراء انتخابات تشريعية جاء في وقت حساس، يعمل فيه عباس على ترتيب وضع السلطة الفلسطينية وضمان انتقال سلس لقيادتها، وهو ما قاده حتى الآن لإجراء انتخابات محلية وانتخابات لقيادة حركة «فتح»، على أن تجري لاحقاً انتخابات «التشريعي» و«الوطني» ثم الانتخابات الرئاسية.

«تعهدات... وضغوط لم تتوقف»

وقال مصدر فلسطيني مطلع لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يجري جزء من تعهدات فلسطينية رسمية للدول العربية والأوروبية وللأميركيين، بتجديد السلطة»، وأضاف: «الضغوط منذ حرب غزة لم تتوقف، وكلها تصب باتجاه أنه يجب تجديد السلطة عبر إجراء كل الانتخابات المطلوبة، وإدخال الإصلاحات اللازمة. كان هذا جزءاً من شروط التعامل مع السلطة وإبقائها ودعمها نحو مسار سياسي متعلق بالدولة، بما في ذلك اليوم التالي في قطاع غزة».

والعام الماضي، تعهد عباس بإعادة هيكلة الأطر القيادية للدولة، وضخ دماء جديدة في المنظمة وفتح وأجهزة الدولة، وأثناء ذلك دفع حسين الشيخ إلى منصب نائب الرئيس، وأجرى تغييرات على الأجهزة الأمنية وبدأ إصلاحات مالية وأخرى في المناهج الدراسية، ولاحقاً جرت انتخابات محلية وانتخابات في قيادة حركة «فتح».

وأكد المصدر من السلطة أن «التوجه هو إجراء الانتخابات التشريعية، لكن الظروف السياسية المتعلقة بإسرائيل والوضع في غزة، يمكن أن تُلقي بظلالها بلا شك».

«حماس تهاجم»

على الرغم من أن إجراء انتخابات عامة كان مطلباً رئيسياً لحركة «حماس» في أي محادثات مصالحة مع «فتح»، لكنها هاجمت بشدة مرسوم عباس.

وقال الناطق باسم «حماس» حازم قاسم، إن «القرارات التي يصدرها عباس حول الانتخابات هي استمرار لمنطق الاستفراد»، عاداً أنها «محاولة لتكييف كل الخطوات لتناسب فقط القيادة التي تحكم السلطة».

غير أن «حماس» تواجه معضلة انتخابية غير مسبوقة، إذ تعرقل التعديلات المتتالية التي أدخلها عباس على نظام الانتخابات مشاركة أعضائها السياسية وترشحهم في الانتخابات.

فلسطينيون بمدينة دير البلح وسط غزة قرب مركز تصويت في الانتخابات المحلية في أبريل الماضي (أ.ب)

وكان عباس قد أصدر مراسيم سابقة اشترطت على المرشّحين للانتخابات المحلية والوطني الالتزام بـ«منظمة التحرير الفلسطينية» والتزاماتها، التي من بينها الاعتراف بإسرائيل، وهو بند ترفضه «حماس». وقال المصدر إن ذلك «سيسري على الانتخابات التشريعية».

وأضاف: «السلطة لن تأتي بـ(حماس) في مواقع ممثلة للشعب الفلسطيني، قبل أن تنخرط وتكون جزءاً من النظام السياسي الفلسطيني أولاً».

وطالبت السلطة قبل ذلك «حماس» بتسليم غزة والسلاح والتحول إلى حزب سياسي والاعتراف بـ«منظمة التحرير» والتزاماتها، لكن «حماس» لم تستجب حتى الآن.

ولم تشارك «حماس» في الانتخابات الرئاسية التي جاءت بعباس عام 2005، لكنها سيطرت على الانتخابات التشريعية عام 2006، قبل أن تنقلب على السلطة وتستولي على غزة، ما أدى إلى تعليق عمل «المجلس التشريعي» حتى قرر عباس حله عام 2018.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended