«7 أكتوبر» يرسم ملامح تفكير الإسرائيليين

هجوم «حماس» قوّض إيمان اليسار بمستقبل مشترك مع الفلسطينيين... وقرّب اليهود المتطرفين من جيشهم

يهود أرثوذكس يساعدون جنوداً عائدين من معارك غزة على أداء الصلاة اليهودية يوم 14 ديسمبر الجاري (إ.ب.أ)
يهود أرثوذكس يساعدون جنوداً عائدين من معارك غزة على أداء الصلاة اليهودية يوم 14 ديسمبر الجاري (إ.ب.أ)
TT

«7 أكتوبر» يرسم ملامح تفكير الإسرائيليين

يهود أرثوذكس يساعدون جنوداً عائدين من معارك غزة على أداء الصلاة اليهودية يوم 14 ديسمبر الجاري (إ.ب.أ)
يهود أرثوذكس يساعدون جنوداً عائدين من معارك غزة على أداء الصلاة اليهودية يوم 14 ديسمبر الجاري (إ.ب.أ)

دفع الهجوم الذي تعرضت له إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، اليسار الإسرائيلي نحو إعادة النظر في الذات، مما قوّض الإيمان بفكرة بناء مستقبل مشترك مع الفلسطينيين. في الوقت ذاته، خلق الهجوم أزمة ثقة في اليمين الإسرائيلي، مما أدى إلى إضعاف الدعم لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وكان من شأن هذا الوضع تقريب المسافة بين اليهود الأرثوذكس المتطرفين، الذين غالباً ما يكونون متناقضين حيال علاقتهم بالدولة الإسرائيلية، والتيار الرئيسي.

وعبر مختلف الانقسامات الدينية والسياسية، بدأ الإسرائيليون يستوعبون ما يعنيه هجوم «حماس» لإسرائيل كدولة، وللإسرائيليين كمجتمع، ولمواطنيها كأفراد. ومثلما أدت إخفاقات إسرائيل في الحرب العربية - الإسرائيلية عام 1973 إلى قلب حياتها السياسية والثقافية رأساً على عقب في نهاية المطاف، فمن المتوقع أن يسفر هجوم السابع من أكتوبر وتوابعه عن إعادة تشكيل وجه إسرائيل لسنوات قادمة.

وجراء الهجوم الذي أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص، انهار إحساس الإسرائيليين بالأمن، واهتزت ثقتهم بقادتهم. كما كتب الهجوم نهاية فكرة أن الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة، واحتلال الضفة الغربية، يمكن أن يستمرا إلى أجل غير مسمى، دون تداعيات خطيرة على الإسرائيليين. ومن منظور الأغلبية اليهودية في إسرائيل، فإن ذلك يشكل خرقاً للوعد الرئيسي الذي تقوم عليه البلاد.

عندما تأسست إسرائيل عام 1948، كان الهدف المحدد توفير ملاذ لليهود بعد ألفَي عام من غياب الانتماء إلى دولة تؤويهم. في السابع من أكتوبر، أثبتت هذه الدولة نفسها عجزها عن منع أسوأ يوم من أعمال العنف ضد اليهود منذ المحرقة النازية (الهولوكوست).

يهود أرثوذكس خلال احتفالات بعيد الفصح في القدس يوم 4 أبريل الماضي (أ.ب)

وفي تعبيرها عن هذه الفكرة، قالت الروائية الإسرائيلية دوريت رابينيان: «في تلك اللحظة، شعرت بأن هويتنا الإسرائيلية قد سُحقت تماماً. شعرت كأن 75 عاماً من السيادة الإسرائيلية قد اختفت في طرفة عين». وأضافت: «اعتدنا أن نكون إسرائيليين. الآن، نحن يهود».

إلى جانب ذلك، أسهم الهجوم في توحيد توحيد صفوف المجتمع الإسرائيلي إلى درجة كان من المتعذر تصورها في السادس من أكتوبر، عندما كان الإسرائيليون منقسمين بشدة على أنفسهم جراء الجهود التي بذلها بنيامين نتنياهو للحد من سلطة المحاكم، وكذلك الخلاف حول دور الدين في الحياة العامة، وحول مستقبل نتنياهو السياسي.

وعلى امتداد العام، حذَّر القادة الإسرائيليون من خطر اشتعال حرب أهلية. ومع ذلك، وفي لمح البصر، وجد الإسرائيليون من جميع المشارب، في السابع من أكتوبر قضية مشتركة عدّوها معركة وجودية من أجل مستقبل إسرائيل. ومنذ ذلك الحين، عايش الإسرائيليون صدمة جماعية بسبب الانتقادات الدولية تجاه الهجوم الانتقامي الإسرائيلي في غزة.

وفي أجزاء من المجتمع الأرثوذكسي المتطرف، الذي كان إحجامه عن الخدمة في الجيش الإسرائيلي مصدراً للانقسام قبل الحرب، ظهرت مؤشرات على زيادة التقدير للقوات المسلحة -وفي بعض الحالات، المشاركة فيها.

وترسم بيانات استطلاعات الرأي الأخيرة صورة لمجتمع يعاني تغيّرات عميقة منذ هجوم «حماس».

الآن، يؤيد نحو 30% من الجمهور الأرثوذكسي المتطرف فكرة الخدمة العسكرية، أعلى بـ20 نقطة عن الحال قبل الحرب، تبعاً لاستطلاع رأي أجراه في ديسمبر (كانون الأول) المعهد الحريدي للشؤون العامة (مجموعة بحثية مقرها القدس).

يساريون إسرائيليون يساعدون فلسطينيين في إصلاح خزان مياه بغور الأردن يوم 22 ديسمبر (أ.ف.ب)

ولعل المدهش أن 70 في المائة من العرب في إسرائيل يقولون الآن إنهم يشعرون بأنهم جزء من دولة إسرائيل، وفقاً لاستطلاع رأي أجراه معهد الديمقراطية الإسرائيلي في نوفمبر (تشرين الثاني)، وهو مجموعة بحثية مقرها القدس. وتزيد هذه النسبة بمقدار 22 نقطة عمّا كان عليه الحال في يونيو (حزيران)، إضافةً إلى أنها أعلى نسبة منذ أن بدأ المعهد إجراء استطلاعات حول هذه المسألة قبل عقدين.

كما تخلَّى ما يقرب من ثلث ناخبي حزب «الليكود» اليميني، الذي يتزعمه نتنياهو، عن الحزب منذ السابع من أكتوبر، طبقاً لجميع الاستطلاعات الوطنية التي أُجريت منذ الهجوم.

في هذا السياق، قال يوسي كلاين هاليفي، كاتب وزميل في «معهد شالوم هارتمان» البحثي، ومقره القدس: «ثمة شيء أساسي تغيَّر هنا، ولا نعرف ما هو بعد، لكن ما نعرفه أن هذه الفرصة الأخيرة أمام هذا البلد».

من ناحيته، يجسّد أرييه تسايغر، سائق حافلة من القدس، بعضاً من هذه التحولات.

عام 2000، أصبح تسايغر واحداً من أقلية صغيرة من الإسرائيليين المتشددين الذين عملوا مجندين عسكريين. وفي ذلك الوقت، ساوره شعور بأنه منبوذ من مجتمعه.

وعن ذلك، قال تسايغر: «كان الانضمام إلى الجيش أمراً غير مقبول».

يمينيون إسرائيليون خلال مسيرة في القدس القديمة للمطالبة بزيادة السيطرة اليهودية على المسجد الأقصى يوم 7 ديسمبر الجاري (رويترز)

جدير بالذكر أن اليهود الأرثوذكس المتطرفين، المعروفين باسم الحريديم، ينالون إعفاءً من الخدمة حتى يتمكنوا من دراسة الشريعة اليهودية والكتاب المقدس لليهود، داخل معاهد دينية تدعمها الحكومة. وعلى مدى عقود، ناضل الحريديم للحفاظ على الإعفاء، ما أثار غضب الإسرائيليين العلمانيين، لأنه يسمح للحريديم بالاستفادة من المال العام، بينما لا يفعلون سوى القليل لحماية البلد.

وقال تسايغر إنه بعد السابع من أكتوبر، عندما سارع للانضمام إلى الجيش، شعر بترحيب من جانب الحريديم، فقد هنأه أصدقاؤه، ومنحه حاخام حريدي بركة خاصة، واستفسرت الكثير من المعابد الحريدية حول ما إذا كان بإمكانه حضور صلاة السبت ببندقيته.

قال تسايغر، 45 عاماً: «هذا تغيير هائل. إنهم يريدونني هناك».

وتعكس تجربة تسايغر تغييراً صغيراً، لكنه مهم داخل أوساط من المجتمع الحريدي.

ويعد تسايغر واحداً من بين أكثر من 2000 من الحريديم سعوا للانضمام إلى الجيش خلال الأسابيع العشرة منذ السابع من أكتوبر، وفقاً للإحصاءات العسكرية. وأعلن الجيش في بيان أن هذا الرقم أقل من 1 في المائة من 360 ألف جندي احتياطي جرى استدعاؤهم بعد السابع من أكتوبر، لكنه أعلى مرتين عن المتوسط.

ويرى نيري هورويتز، الخبير في شؤون الحريديم، أن التحول أصغر من أن يكون ذا أهمية، وأن موجة تنامي التضامن الاجتماعي ستنحسر بنفس السرعة التي سبق أن انحسرت بها موجات سابقة بعد تجاوز منعطفات تاريخية من قبل. وبالفعل، ظهر مقطع مصوَّر لحاخام حريدي مؤثر في أثناء تشبيهه الجنود بجامعي القمامة. وأظهر مقطع فيديو آخَر طلابَ مدرسة دينية حريدية وهم يطردون جندياً من مؤسستهم، لغضبهم من محاولاته تجنيد أفراد منهم.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اجتماع لحكومته في قاعدة عسكرية بتل أبيب يوم 24 ديسمبر (إ.ب.أ)

من ناحيته، يخالج تسايغر شعور بأن ثمة تغييراً أطول أمداً يجري في الوقت الراهن.

وأضاف: «نفس الأشخاص الذين قطعوا علاقاتهم بي قبل 20 عاماً، يُبدون الآن فخرهم الشديد بي الآن».

وفيما يتعلق بالأقلية العربية داخل إسرائيل، ألقت بهم هذه الديناميكيات المتطورة في موقف محيِّر ومتناقض.

يُذكر أن نحو خُمس سكان إسرائيل البالغ عددهم أكثر من 9 ملايين نسمة، من العرب. ويرى الكثيرون منهم أنفسهم فلسطينيين، رغم أنهم يحملون الجنسية الإسرائيلية. وكذلك يشعر الكثيرون منهم بالتضامن مع سكان غزة الذين سقطوا قتلى جراء الغارات الإسرائيلية -شعور أصبح أقوى مع ارتفاع أعداد القتلى بغزة إلى نحو 20 ألف شخص.

يُذكر أنه جرى اعتقال الكثير من القيادات العربية الإسرائيلية في نوفمبر، بعد محاولتهم تنظيم احتجاج مناهض للحرب دون الحصول على موافقة. وحققت الشرطة مع آخرين بسبب منشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي عُدَّت داعمة لـ«حماس».

ومع ذلك، ثمة مشاعر متضاربة تخالج بعض عرب إسرائيل: شعور أكبر بالانتماء إلى إسرائيل.

جدير بالذكر هنا أن العشرات من العرب قُتلوا أو اختُطفوا على يد «حماس» في السابع من أكتوبر، ما أضفى على مجتمعاتهم شعوراً أكبر بالتضامن مع اليهود الإسرائيليين.

عن ذلك، قال بشير زيادنة، طالب حقوق من عرب إسرائيل: «إذا كنا أمام خيارين: حماس أو إسرائيل، فسوف أختار إسرائيل دون تردد».

تجدر الإشارة إلى أن الكثير من أفراد عائلته قُتلوا وخُطفوا خلال الهجوم.

وقد أصبح زيادنة فيما بعد متحدثاً باسم عائلته التي ضغطت على الحكومة لبذل المزيد من الجهد لإنقاذ أقاربهم. وخلال هذه العملية، شرع زيادنة، 26 عاماً، في الانخراط بشكل أكبر داخل المجتمع اليهودي، وتكوين روابط مع عائلات الرهائن الآخرين والتعرف على السياسيين والقادة الإسرائيليين.

فلسطينيون يشاركون في تشييع رجلين قُتلا في عملية توغل إسرائيلي في مخيم الفوارة جنوب الخليل بالضفة الغربية اليوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وفي الوقت الذي لا يزال يشعر بأنه فلسطيني، ولديه مشكلات عميقة مع أسلوب معاملة الحكومة للفلسطينيين، فإن الرعب الذي حمله السابع من أكتوبر، والشعور بأنه كان يمكن أن يسقط قتيلاً هو الآخر، جعلا زيادنة يشعر بأنه إسرائيلي أكثر، ويسعى جاهداً للعب دور أكبر داخل الحياة العامة في إسرائيل.

وعن ذلك، قال: «لا أريد أن أساعد مجتمعي من خلال انتقاد النظام، وإنما أودّ، الآن، أن أكون جزءاً من النظام لجعله أفضل».

وقد نشأ هذا الإجماع المجتمعي الآخذ في الازدياد رغم وجود نتنياهو.

والتفّ الإسرائيليون بعضهم حول بعض، من خلال الإيمان المشترك بأهمية الحملة العسكرية التي يقودها نتنياهو، ومع ذلك لم يلتفوا حول رئيس الوزراء.

ويعود جزء من شعور اليمين الإسرائيلي بالإحباط تجاه نتنياهو إلى الطريقة التي عززت بها حكومته فيما مضى الشعور بالرضا عن النفس بخصوص غزة. لقد تحدث المسؤولون بانتظام وعلى نحو يخالف الحقيقة عن كيفية ردع «حماس»، وأن أكبر التهديدات المباشرة لإسرائيل تكمن في إيران ولبنان.

وينبع الغضب كذلك من حقيقة أن نتنياهو يقف خلف اتساع الانقسامات العميقة داخل نسيج المجتمع الإسرائيلي، واتّباعه خطاباً عاماً مسموماً.

وفي خضمّ مثل هذه الفوضى، قال نتانيل إلياشيف، الحاخام والناشر الذي يعيش في مستوطنة بالضفة الغربية، إنه في وقت يعجّ بالاضطرابات على هذا النحو، يودّ بعض الإسرائيليين اليمينيين خطاباً عاماً أكثر توازناً.

اللافت أنه بغضّ النظر عن مصير نتنياهو الشخصي، فإن نهجه في التعامل مع الفلسطينيين -بما في ذلك معارضة قيام دولة فلسطينية، ودعم المستوطنات في الضفة الغربية- ما زال يحظى بشعبية كبيرة.

وطبقاً لنتائج استطلاع للرأي أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أواخر نوفمبر، يعارض أكثر من نصف اليهود الإسرائيليين استئناف المفاوضات لإقامة دولة فلسطينية.

ويشعر مستوطنون بالضفة الغربية بأنهم فازوا بشكل حاسم بالحجة حول ضرورة الحفاظ على الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي الفلسطينية.

وحسب إلياشيف، فإن هجوم السابع من أكتوبر لم يكن ليحدث لو بقي الجنود والمستوطنون الإسرائيليون في غزة.

وقال عن ذلك، مستعيناً بمصطلح توراتي للضفة الغربية: «وجود المستوطنات السبب وراء عدم حدوث ذلك في يهودا والسامرة. من المنظور الأمني، نحن بحاجة إلى أن نكون هنا».

وأضاف: «أينما انسحبنا، يتحول الوضع إلى كابوس».

على الجانب المقابل، ما زال بعض الإسرائيليين يقولون إن الصراع يمكن حله من خلال إقامة دولة فلسطينية فاعلة في غزة والضفة الغربية.

عام 2018، ألَّف المؤلف كلاين هاليفي كتاباً موجهاً إلى شخصية فلسطينية متخيَّلة بعنوان «رسائل إلى جاري الفلسطيني»، حاول فيه وضع رؤية لمستقبل مشترك بين العرب واليهود في الشرق الأوسط.

إلا أنه منذ السابع من أكتوبر، قال هاليفي إنه وجد صعوبة في التفكير في شكل هذا المستقبل، مضيفاً أنه يهودي ملتزم، وما زال يصلي من أجل الفلسطينيين، لكن من باب الشعور بالواجب أكثر من التعاطف.

وتحسَّر هاليفي قائلاً: «قضيتُ سنوات في شرح الخطاب الإسرائيلي واستيعاب الخطاب الفلسطيني، وحاولتُ العثور على مساحة يمكن أن يعيش فيها كلاهما معاً، لكن ليست لديّ هذه اللغة في الوقت الحالي. لم تعد متاحة لي عاطفياً».

* خدمة نيويورك تايمز


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يعلن انتهاء عمليته في الخليل والانسحاب من المدينة

المشرق العربي تُظهر هذه الصورة الجوية منطقة «دير بحة» في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة بتاريخ 2 نوفمبر 2026 حيث يعود الفلسطينيون إلى منازلهم بعد أن نزحوا عنها جراء عملية عسكرية إسرائيلية جرت الأسبوع الماضي (أ.ف.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي يعلن انتهاء عمليته في الخليل والانسحاب من المدينة

أعلن الجيش الإسرائيلي اليوم (الاثنين) الانسحاب من الخليل في جنوب الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (الخليل (الأراضي الفلسطينية))
المشرق العربي سحابة من الغبار تتصاعد بينما يهدم الجيش الإسرائيلي منزل فلسطيني في مدينة الخليل بالضفة الغربية (رويترز)

إصابة فلسطيني إثر هجوم مستوطنين في شمال الضفة الغربية

أصيب فلسطيني بجروح، اليوم (السبت)، جراء تعرضه للضرب من قبل مستوطنين في قرية دوما جنوب نابلس بشمال الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي طريق النفق الذي يوصل القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)

كيف تسارع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية؟

شهد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية توسّعاً مستمراً منذ عام 1967 رغم الضغوط الدولية، لكنّ وتيرته تسارعت بشكل ملحوظ منذ عودة نتنياهو إلى السلطة عام 2022.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
الخليج وزراء خارجية المجموعة الرباعية يناقشون في إسطنبول عدداً من القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك (واس) p-circle 00:26

«الرباعية» تدين هجمات الحوثيين على السعودية وتطالب بوقف التصعيد في اليمن

أدانت السعودية وتركيا ومصر وباكستان التصعيد الذي تمارسه الميليشيات الحوثية الإرهابية في اليمن، بما في ذلك هجماتها على المملكة واستهداف المدنيين والبنية التحتية.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle

«الخوف دافعهم الأكبر»... ارتفاع التصويت بين فلسطينيي إسرائيل قد يهدد بقاء نتنياهو

تستعد إسرائيل لتنظيم انتخابات يوم الثلاثاء المقبل، ويبرز دور أصوات فلسطينيي الداخل، الذين يشكّلون نحو 20 في المائة من السكان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«حزب الله» يحول ملف متفجراته إلى مادة تجاذب لبناني

مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)
مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)
TT

«حزب الله» يحول ملف متفجراته إلى مادة تجاذب لبناني

مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)
مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)

تحولت قضية متفجرات «حزب الله» التي ضبطتها السلطات اللبنانية في الشهر الماضي إلى مادة تجاذب سياسي، إثر تكرار الحزب هجومه على الولايات المتحدة، في وقت تتصاعد فيه الدعوات الداخلية لإخراج الملف القضائي من التأثيرات السياسية، وكان آخرها ما صدر عن البطريرك الماروني بشارة الراعي في هذا السياق.

وبدأ القضاء اللبناني، الأسبوع الماضي، إجراءات ملاحقة عناصر في «حزب الله» تورطوا في نقل شحنة المتفجرات؛ إذ مثل العنصران الموقوفان، علي الكردي وهيثم أمهز، أمام قاضي التحقيق العسكري الأول غادة أبو علوان، حيث استجوبتهما في قضية الشاحنة، بالتوازي مع الادعاء على 11 آخرين غيابياً، وإصدار مذكرات بحث وتحرٍّ بحقهم.

مناصرون لـ«حزب الله» بمسيرة على دراجات نارية في منطقة بشارة الخوري في بيروت اعتراضاً على توقيف ضالعيَن بنقل المتفجرات (أرشيفية - المركزية)

وفي ظل رفض «حزب الله» تلك الإجراءات، تدعم قوى داخلية الإجراءات القضائية، وقال البطريرك الراعي في عظة الأحد: «إنّ ملف ضهر البيدر (موقع توقيف شاحنة المتفجرات في شرق لبنان) دخل مرحلة قضائية جديدة؛ ما يقتضي أن يأخذ التحقيق مجراه كاملاً بعيداً عن الاستباق والتجاذب والتوظيف السياسي».

وأضاف: «يبقى السلام فوق كل الحسابات حاجة وطنية وجودية؛ فلبنان يحتاج سلاماً ثابتاً، لا أن يبقى أسير احتمال حرب جديدة كلما اشتعلت المنطقة. وهذا يقتضي دولة تمسك بقرارها، ومرجعية وطنية واحدة في الأمن والسلم، ومؤسسات قادرة على حماية الاستقرار. من هنا، تبرز أهمية تحييد لبنان عن صراعات المحاور والحروب؛ فالحياد ليس انكفاءً عن الحق، ولا ابتعاداً عن محيط لبنان، بل حماية الوطن من أن يتحول إلى ساحة دائمة لصراعات الآخرين، وتأكيداً لدوره بوصفه ساحة لقاء وحوار ورسالةً للسلام».

هجوم «حزب الله»

وتصاعد الانقسام إثر بيان أصدرته سفارات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان وكندا وأستراليا تحت عنوان «أصدقاء لبنان»، الخميس، دعت فيه إلى «مسار قضائي سريع ومستقل، بمنأى عن أي تدخل سياسي، بما يضمن المساءلة الكاملة».

مناصرون لـ«حزب الله» يتجمعون عند ضريح الأمين العام السابق حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت لإحياء الذكرى السنوية الثانية لاغتياله (أرشيفية - أ.ب)

ولم يتوقف «حزب الله» منذ الجمعة، عن مهاجمة البيان الممهور باسم «أصدقاء لبنان». وعد النائب حسين الحاج حسن، الأحد، البيان، «تدخلاً متكرراً في القضاء اللبناني».

ورأى أن «قضية شاحنة متفجرات المقاومة باتت قضية وطنية أميركية، في ظل البيانات المتكررة الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية، واتصالات وزير الخارجية، ومواقف السفير الأميركي لدى لبنان واعتراضاته»، متسائلاً عن «مشروعية تدخل ما يُسمّى أصدقاء لبنان في شؤونه الداخلية، وما إذا كانت تلك الدول تقبل بتدخل الآخرين في شؤونها الوطنية».

ودعا إلى «اتخاذ موقف واضح ورفض الوصاية الخارجية، والتصرف بوصفها سلطة دولة لا سلطة خاضعة أو صامتة أمام تدخلات السفراء».

جعجع ينفي الانصياع للخارج

تلك الاتهامات ينفيها خصوم الحزب الذين يدعمون إجراءات الدولة اللبنانية. وانتقد رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، «استمرار بعض اللبنانيين في التعامل مع القرار السياسي وكأنه يُصنع حصراً في الخارج»، معتبراً أن «هذه الذهنية تعيد البلاد إلى أجواء القرن التاسع عشر، عندما كانت القنصليات الأجنبية تلعب دوراً أساسياً في تحديد المسارات السياسية، في ظل غياب القوى المحلية المنظمة والقادرة على التأثير».

مسار التفاوض

وينسحب التجاذب على مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل الذي تمضي به الدولة اللبنانية برعاية ووساطة أميركيتين. وفي مقابل رفض «حزب الله» لهذا المسار، وهجومه على الدولة وطلبه المتكرر منها التراجع عنه، يلقى هذا الموقف دعماً داخلياً.

وجدّد رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» و«اللقاء الديمقراطي» النائب تيمور جنبلاط، تأييده «للتفاوض الهادف إلى تحرير الأرض، ووقف الاعتداءات، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها»، مذكّراً بأن «التقدمي» كان في طليعة الأحزاب التي بحثت هذا المسار مع الرئيس جوزيف عون في قصر بعبدا، وأعلن آنذاك تأييده خطوات الرئيس عون، ورفض تخوين السلطة اللبنانية؛ لأنّ التفاوض مشروع، والهدف النهائي منه كان ويبقى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.

وشدّد جنبلاط على التزام «التقدمي» بمرجعية اتفاق الطائف وبنوده لا سيما اتفاقية الهدنة، مشدّداً على أن مهمة بناء الدولة ومؤسساتها، وفي مقدّمتها حصر السلاح، وبسط الجيش سلطته على جميع أراضيه هدف يجب أن يُجمع عليه جميع اللبنانيين.


منظمة «بدر» العراقية تطالب بفتح المنافذ مع إيران

تتعرض الحكومة العراقية إلى ضغوط للتراجع عن قرارها بإغلاق منفذ «الشيب» مع إيران (هيئة المنافذ الحدودية)
تتعرض الحكومة العراقية إلى ضغوط للتراجع عن قرارها بإغلاق منفذ «الشيب» مع إيران (هيئة المنافذ الحدودية)
TT

منظمة «بدر» العراقية تطالب بفتح المنافذ مع إيران

تتعرض الحكومة العراقية إلى ضغوط للتراجع عن قرارها بإغلاق منفذ «الشيب» مع إيران (هيئة المنافذ الحدودية)
تتعرض الحكومة العراقية إلى ضغوط للتراجع عن قرارها بإغلاق منفذ «الشيب» مع إيران (هيئة المنافذ الحدودية)

عبَّرت منظمة «بدر» العراقية الحليفة لطهران التي يقودها هادي العامري، الأحد، عن «غضبها» من تصريحات أدلى بها وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين بشأن إغلاق المنافذ البرية مع إيران.

وما زالت قضية إغلاق «منفذ الشيب» الحدودي مع إيران، تثير الكثير من الجدل والاعتراضات التي تصدر عن الجماعات الحليفة لطهران في العراق، كما تثير اعتراض جماعات المصالح الاقتصادية العادية المرتبطة بالمنفذ، وتلك التي تستغل ضعف الرقابة والترتيبات الأمنية والإجرائية لعبور مختلف المواد المحظورة. وما زال بعض أصحاب الشاحنات ينظمون وقفات احتجاجية للمطالبة بفتح المنفذ الذي يقع في محافظة ميسان الجنوبية المحاذية لإيران.

معبر «الشلامجة» الحدودي مع إيران في محافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)

وجاءت التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية فؤاد حسين لقناة «الجزيرة» لتعيد التذكير بالقضية وتطرح الحديث عنها من جديد. حيث قال إن «الولايات المتحدة طلبت رسمياً من العراق إغلاق جميع منافذه الحدودية مع إيران، باستثناء منفذين فقط».

وترجح بعض المصادر السياسية أن الطلب الأميركي قُدم خلال لقاء رئيس الوزراء علي الزيدي مع المبعوث الأميركي توم برَّاك الأسبوع الماضي، أو خلال الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الزيدي والرئيس دونالد ترمب الذي سبق اللقاء.

كان المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء قال عن اتصال الزيدي بترمب، إنه «تناول أهمية التنسيق والتشاور بين البلدين إزاء التحديات الراهنة، والعمل على دعم الاستقرار الإقليمي» وإن الزيدي أكَّد للرئيس الأميركي «موقف العراق الداعي إلى احترام سيادة الدول، وعدم استخدام أراضيه منطلقاً للاعتداء على دول الجوار».

من لقاء الزيدي مع برَّاك (وكالة الأنباء العراقية)

وأغلقت السلطات العراقية «منفذ الشيب» الحدودي في 21 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لأسباب قالت إنها تتعلق بـ«مراجعة الترتيبات والتدابير الأمنية في المنفذ، بالإضافة إلى عدم الجاهزية الفنية والتقنية والتطويرية لرفع مستوى الأجهزة والتقنيات الرقابية».

وقوبل إغلاق المنفذ بجملة من الانتقادات والاعتراضات التي صدرت عن القوى والأحزاب الحليفة والمقربة من إيران التي اعتبرت أن «الإغلاق يندرج ضمن الامتثال للضغوط والحصار الاقتصادي الأميركي المفروض على إيران».

«معبر باشماخ» الحدودي مع إيران في قضاء بنجوين شمال السليمانية بإقليم كردستان العراق (أ.ف.ب)

وأكد مسؤول في هيئة المنافذ الحدودية لـ«الشرق الأوسط»، وجود 4 من أصل 5 منافذ ما زالت مفتوحة مع الجانب الإيراني، و«منفذ الشيب» هو الوحيد الذي ما زال مغلقاً، بينما تشير بعض المصادر الأمنية إلى أن «الإغلاق مرتبط بقضايا أمنية حساسة، خاصة بعد أن تردد أن المنفذ كان الممر لتنفيذ هجمات صاروخية ضد المملكة العربية السعودية في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي».

«منظمة بدر»

وقالت منظمة «بدر» في بيان، إنها «تابعت التطورات الأخيرة، وتحديداً ما جاء في تصريح وزير الخارجية العراقي بوجود طلبات وإملاءات أميركية لإغلاق المنافذ الحدودية مع الجمهورية الإسلامية في إيران».

وأعربت «كتلة بدر النيابية» عن رفضها القاطع «لهذه الإملاءات»، وذكرت أنها «تؤكد على رفض الإملاءات والتمسك بالسيادة الوطنية، وأن ما كشفه تصريح السيد الوزير يناقض المبررات الفنية السابقة ويكشف عن أجندات تستهدف جنوبنا المجاهد وتتدخل في القرار السيادي». في إشارة إلى المبررات التي قدمتها الحكومة سابقاً بشأن أسباب غلق المنفذ الحدودي.

كما أكدت أن «العراق دولة ذات سيادة كاملة، وأن شعبنا وقواه الوطنية لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام أي انتهاك للسيادة أو انصياع لأجندات خارجية تضر بمصالح البلاد».

وأعلنت المنظمة الحليفة لإيران «الرفض القاطع لسياسة الحصار وتجويع الشعوب، وإن العلاقات العراقية الإيرانية عميقة وصاغتها دماء التحرير ومواجهة الإرهاب»، وأضافت: «نعلن رفضنا التام لأن يكون العراق أداةً في مشروع محاصرة الشعب الإيراني المسلم، ونعتبر المساهمة في ذلك تنكراً للمواقف الأخوية وتفريطاً في تضحيات الشهداء».

مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)

ورأت أن «الإغلاق المتواصل لمنافذ رئيسية، وفي مقدمتها منفذ الشيب الحدودي بمحافظة ميسان تسبَّب في أضرار معيشية واقتصادية كبيرة للمواطنين، وإن الاستمرار بالتضييق على منافذ الجنوب دون غيرها، يمثل ازدواجية غير مقبولة تتطلب مراجعة فورية».

وطالبت الحكومة بـ«الثبات على موقف العراق المعلن بالنأي بنفسه عن الصراعات، وعدم الانجرار خلف السياسات الهيمنية والحروب غير القانونية التي تزيد من توتر المنطقة».

ودعت إلى «فتح المنافذ المغلقة فوراً وتقديم مصلحة المواطن والسيادة الوطنية على أية ضغوط خارجية».


الزيدي من «مدينة الصدر»: لن أبقي على حاملي السلاح في العراق

الزيدي في «مدينة الصدر» ليل السبت - الأحد (وكالة الأنباء العراقية)
الزيدي في «مدينة الصدر» ليل السبت - الأحد (وكالة الأنباء العراقية)
TT

الزيدي من «مدينة الصدر»: لن أبقي على حاملي السلاح في العراق

الزيدي في «مدينة الصدر» ليل السبت - الأحد (وكالة الأنباء العراقية)
الزيدي في «مدينة الصدر» ليل السبت - الأحد (وكالة الأنباء العراقية)

فيما ردت كتائب «حزب الله» العراقية، وهي أحد الفصائل المسلحة التي لا تزال ترفض نزع سلاحها، على ما أعلنه رئيس الوزراء علي الزيدي، بشأن امتلاكها استثمارات بمليارات الدنانير وملايين الدولارات، بدأ الأخير، على ما يرى المراقبون السياسيون في بغداد، «معركة مفتوحة» ضد حاملي السلاح، وتعهد بأنه «لن يُبقي عليهم».

وعلى مدى الأيام الأخيرة، ألغى الزيدي عقوداً بملايين الدولارات في مواقع مختلفة، بدءاً من«مطار بغداد» ووزارة النقل، إلى «مطار الموصل». وتداولت مواقع مقربة من الحكومة أسماء الجهات المسلحة التي تولت السيطرة على تلك العقود.

تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» (رويترز)

والزيدي الذي لم يهتم للبيانات التي أصدرتها «كتائب حزب الله» ضده، وضد مقربين منه بمن فيهم شقيقه، اختار مكاناً شعبياً يمثل أكبر حاضنة تتمسك بها كل القوى الشيعية؛ هي «مدينة الصدر» شرق العاصمة بغداد، لإعلان مواقفه الحازمة، حيث زارها في ساعة متأخرة من ليل السبت - الأحد، وعقد لقاءات مباشرة مع المواطنين، واختار مطعماً شعبياً وجه منه رسائل مباشرة إلى الفصائل المسلحة، بدت كأنها إعلان بدء «معركة مفتوحة لا رجعة عنها ولا تسويات».

وفي أخطر رسالة وجهها إلى الفصائل وسط الحاضرين في المطعم، قال إن «حاملي السلاح لن أبقيهم أبداً»، مضيفاً أنه «إذا كان غيري أبقاهم فلأنه كان ينتفع منهم».

وجاء رد الزيدي على الفصائل المسلحة غداة الاتهامات التي وجهتها «كتائب حزب الله» إلى شقيقه، قائلة في بيان لها: «نتوجه بحديث مباشر وصريح إلى حسن الزيدي، المسؤول الإعلامي والأمني في مكتب رئيس الوزراء. إن كل ما تقوله من ادعاءات حول الاستثمارات والشركات وما شابهها - سواء صحت أم افتعلت افتراء - نعدّها بأكملها، مع جميع متعلقاتها، (هدية) لك من الكتائب، لتضاف إلى ممتلكاتكم». كما توجهت إلى «هيئة النزاهة الموقرة؛ إذا كانت عالية نصيف تُساق إلى الحبس بسبب تجاوزات قانونية جُمِع على أثرها مبلغ قدره 4 مليارات دينار، والصيهود يُحبس لأجل 300 مليون دينار، وحسين طالب على 40 ملياراً، فهل تتكرمون بسؤال للزيدي: من أين لك هذا؟».

مطار البصرة الدولي (وكالة الأنباء العراقية)

وكان الزيدي وجّه السبت، بإلغاء عقود 3 شركات في «مطار الموصل» لارتباطها بجهات مسلحة وإحالتها إلى شركات عالمية. وقال مصدر لـ«وكالة الأنباء العراقية» الرسمية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء وجه بإلغاء عقد شركة (سكاي بلس) لتأجير كاونترات مطار الموصل على خلفية ارتباطها بجهات مسلحة، وإحالته إلى شركات عالمية. ووجه أيضاً بإلغاء عقد تأجير المرأب الداخلي غير المسقف في مطار الموصل الدولي مع شركة (سما المطار) على خلفية ارتباطها بجهات مسلحة، وإحالته إلى شركات عالمية، وإلغاء عقد تأجير مكتب التاكسي في مطار الموصل الدولي مع شركة (الفيصل الشامخ) على خلفية ارتباطها بجهات مسلحة، وإحالته إلى شركات عالمية».

وبات واضحاً أن ملف حصر السلاح بيد الدولة يواجه تعثراً متزايداً، بعد إعلان فصائل مسلحة مثل «كتائب حزب الله» و«النجباء» و«كتائب سيد الشهداء»، رفضها تسليم سلاحها مثلما فعلت فصائل أخرى أبرزها «عصائب أهل الحق»، و«كتائب الإمام علي» التي حصلت مقابل موقفها على وزارات وهيئات وسفارات، في حين أن الهدنة الراهنة باتت مرتبطة بالمواجهة المحتملة بين أميركا وإيران وما تسرب عن توجيه الأميركيين تحذيراً إلى الزيدي، بشأن إمكانية توجيه ضربات إلى تلك الفصائل في حال تحركت ضد دول الجوار أو القواعد الأميركية بالمنطقة.

تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)

وساطة..

في موازاة ذلك، بدأت القوى السياسية، لا سيما بعض الأطراف من البيت الشيعي ممثلاً بـ«الإطار التنسيقي»، تتحرك من أجل عدم اتساع نطاق المواجهة بين الحكومة من جهة والفصائل من جهة أخرى، طالما أنها بدأت تمس، طبقاً لسياسي ونائب عراقي مطلع ومقرب من الطرفين، «أحد أهم الجوانب التي كان يحرص الجميع طوال السنوات الماضية على عدم الاقتراب منها؛ وهي اللجان الاقتصادية والاستثمارات».

ويضيف النائب والسياسي العراقي لـ«الشرق الأوسط»، طالباً عدم الإشارة إلى اسمه أو موقعه، أن «بعض قوى الإطار التنسيقي وخلال المفاوضات بين أطراف منها والفصائل المسلحة، بدأت تميل بطريقة ما، إلى الفصائل لجهة عدم نزع السلاح وفق الرؤية التي قدمها الزيدي، لا سيما بعد تفاهماته مع الولايات المتحدة الأميركية والرئيس دونالد ترمب، الذي التقاه مرتين؛ الأولى خلال زيارته إلى واشنطن في شهر يوليو (تموز) الماضي، والثانية في نيويورك أثناء اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث تبين لدى بعض قادة الإطار، أن اتفاق الزيدي - ترمب قد لا يقف عند حدود حاملي السلاح، وإنما يمتد إلى أطراف أخرى في المنظومة الشيعية».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بالبيت الأبيض في يوليو 2026 (أ.ب)

ويرى السياسي العراقي أن «موقف الزيدي، ورغم ردود الكتائب العنيفة ضده، يعني بداية مخيفة لكل القوى والأحزاب السياسية التي تملك لجاناً اقتصادية تتخادم في قسم منها مع حاملي السلاح، بهدف توفير الحماية للطرفين».

وفي هذا السياق، يقول عبد الرحمن الجبوري رئيس «أكاديمية التطوير السياسي والحكم الرشيد» لـ«الشرق الأوسط»، إنه «من حيث المبدأ، وبصفتي مواطناً مهتماً ومتابعاً وأعيش في وسط الخراب والدمار بلا احترام ولا خدمات، من حقي أن أشك في كل من تصدى للسلطة والحكم». وأضاف أن «التراشق بين رئيس الوزراء والفصائل يعمق هذا الانفصال بين المواطن وجميع رجال السلطة».

وعن المطالب الأميركية بشأن نزع السلاح، يقول الجبوري إن «المطالب واضحة تماماً وبشكل رسمي، كما عبر عن ذلك وزير الخارجية فؤاد حسين ورئيس الوزراء... وحتى يحافظ على العلاقة مع أميركا والاستقرار الداخلي، سينفذها (الزيدي) بلا تردد»، مشيراً إلى أن «الفصائل تعدّ هذا التنفيذ تهديداً وجودياً لها، ورئيس الوزراء من وجهة نظرها لم يعد محايداً في حرب إيران وأميركا».