هل تدعم تركيا تمدد «هيئة تحرير الشام» بالشمال السوري؟

يسود الانطباع لدى فصائل موالية أن غض النظر مقصود... ومعلق تركي ينفي

مقاتلان من «هيئة تحرير الشام» خلال احتفال بتخريج دورة عسكرية في محافظة إدلب شمال غربي سوريا أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
مقاتلان من «هيئة تحرير الشام» خلال احتفال بتخريج دورة عسكرية في محافظة إدلب شمال غربي سوريا أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
TT

هل تدعم تركيا تمدد «هيئة تحرير الشام» بالشمال السوري؟

مقاتلان من «هيئة تحرير الشام» خلال احتفال بتخريج دورة عسكرية في محافظة إدلب شمال غربي سوريا أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
مقاتلان من «هيئة تحرير الشام» خلال احتفال بتخريج دورة عسكرية في محافظة إدلب شمال غربي سوريا أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

على وقع حشودات جديدة لفصائل المعارضة العسكرية السورية، المتحالفة مع تركيا، ولقاءات مكوكية بين العديد من قادة هذه الفصائل، في إدلب وشمال حلب، كانت حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، تابعة لجهاد عيسى الشيخ (أبو أحمد زكور)، القيادي السابق في «هيئة تحرير الشام»، الذي نجا من محاولة اختطاف نفذتها «الهيئة» في شمال حلب قبل حوالي أسبوع، تنشط في الحديث عن اعتقالات وتهديدات جديدة يقوم بها التنظيم.

إلى جانب الحديث عن نية «تحرير الشام»، المعروفة بمختصر «هتش»، بشن هجوم جديد على معاقل «الجيش الوطني» المعارض والمرتبط بعلاقات جيدة مع تركيا، فإن هذه الحسابات كثفت نشر أخبار عن حملة اعتقالات داخلية جديدة في منطقة إدلب، ينفذها «جهاز الأمن العام» التابع لـ«الهيئة»، تستهدف كوادر من كتلة «حلب» وكتلة «الشرقية» اللتين فقدتا خلال الأسابيع الأخيرة اثنين من أبرز قادتهما، في تتويج لصراع جديد يعيشه التنظيم الذي يسيطر على أجزاء واسعة من محافظة إدلب ومحيطها، في الشمال الغربي لسوريا.

لا يمكن التأكد من دقة الأخبار التي تنشرها هذه الحسابات، لكن من غير المستبعد أن تكون قيادة «الهيئة» مستمرة في تطهير صفوفها ممن تعتقد بولائهم لكل من القيادي العراقي ميسرة الجبوري (أبو ماريا القحطاني) المحسوب على «كتلة الشرقية»، و«أبو أحمد زكور» القيادي في «كتلة حلب»، المتهمين بتواصلات خارجية مشبوهة، والإعداد لتنفيذ محاولة انقلاب داخلية.

في أكتوبر (تشرين أول) الماضي، أعلنت «تحرير الشام» اكتشاف خلايا استخباراتية ضمن صفوفها، بعضها مرتبط بقوات التحالف الدولي، والأخرى على تواصل مع روسيا، لكن اللافت كان اعتقال القحطاني بسبب هذا الملف، قبل أن يفر «زكور» إلى مناطق سيطرة «الجيش الوطني» المدعوم من تركيا، شمال حلب، في الثاني عشر من الشهر الحالي، بسبب خشيته من الاعتقال.

لماذا «أعزاز»؟

لم يكن اختيار «أبو أحمد زكور»، مدينة أعزاز، الواقعة على الحدود مع تركيا، شمال حلب، من فراغ، بل اعتماداً على العلاقات الواسعة التي تربطه مع عدد من قادة «الفيلق الثالث» وهو أحد تشكيلات «الجيش الوطني»، مثل «أبو العز سراقب»، و«أبو علي سجو»، و«أبو محمد العزيزي»، وغيرهم.

علاقات كوّنها «زكور» على مدار أكثر من عامين، كان خلالها المسؤول في «هيئة تحرير الشام» عن التواصل والعلاقات مع فصائل الشمال، حيث نجح في استقطاب الكثير من المجموعات المحلية والتشكيلات لكي تكون تابعة أو حليفة لـ«الهيئة».

صورة أرشيفية متداولة لجهاد عيسى الشيخ (أبو أحمد زكور) خلال مرحلة انخراطه المبكر في التنظيمات «الجهادية»

لكن «زكور»، وهو «جهادي» قديم، قاتل مع تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق»، وأسس مع «أبو محمد الجولاني» و«أبو ماريا القحطاني» وغيرهما، تنظيم «جبهة النصرة» في سوريا بعد إطلاق النظام السوري سراحه من سجن صيدنايا عام 2011، الذي ينحدر من عشيرة البكارة في حلب، أصيب بخيبة أمل كبيرة كاد أن يدفع ثمنها غالياً الأسبوع الماضي.

فقد هاجمت مجموعة تابعة لـ«هيئة تحرير الشام»، مساء الثلاثاء، 19 ديسمبر (كانون الثاني) الحالي، مقر «أبو أحمد زكور»، شرق مدينة إعزاز، واشتبكت معه هو وأشقائه ومرافقيه لمدة نصف ساعة، دون أن تصله أي مؤازرات كان يعول عليها من قادة «الفيلق الثالث» الذين وعدوه بالحماية، ما اضطره للاستسلام.

نجاة بمحض الصدفة؟

غير أن زكور، ومن معه، «نجوا عن طريق الصدفة»، كما يؤكد مصدر في «الجيش الوطني» لـ«الشرق الأوسط»، حيث اشتبك عناصر «الهيئة» الذين كانوا يقلون المعتقلين، مع عناصر حاجز عسكري تابع لـ«فرقة الحمزة»، أحد مكونات «الفيلق الثاني» في «الجيش الوطني»، خلال طريقهم إلى إدلب عبر ريف مدينة عفرين.

وترتبط قيادة «الفرقة» بعلاقات وثيقة مع قيادة «الهيئة»، لكن وحسب المصدر، فإن عناصر الحاجز لم يكونوا يعرفون الجهة الأخرى التي رفضت أوامرهم بالتوقف فاشتبكوا معها، بينما ظن عناصر «الهيئة» أن أوامر تركية وجهت لـ«الجيش الوطني» بالتدخل وإنقاذ «أبو أحمد زكور» ومن معه، فتركوهم واضطروا للفرار.

تضيف المصادر أن «(زكور) ومن معه احتجزوا لدى عناصر الحاجز لمدة تجاوزت الساعة، قبل أن تأتي قوة من المخابرات التركية لاصطحابهم إلى المربع الأمني التابع لفصائل المعارضة السورية، في بلدة حوار كليس، قرب إعزاز».

كانت وسائل الإعلام قد تحدثت عن تدخل قوة مشتركة من الشرطة العسكرية التابعة لـ«الجيش الوطني» ومن المخابرات التركية في تلك الليلة «لإنقاذ زكور».

لكن مصادر «الشرق الأوسط» تؤكد أن الطرفين لم يكونا معنيين إطلاقاً بإنقاذه، لولا إلحاح مسؤولي الحاجز على تسلمه، ولولا تردد عناصر «الهيئة» في المواجهة، خشية أن تكون تطورات قد حدثت فجأة دون علمهم في تلك اللحظة وجعلت «الجيش الوطني» يتحرك، لما نجا هو وكل من اعتقل معه، ما يطرح تساؤلات جديدة حول طبيعة الموقف التركي من هذه التطورات بشكل خاص، وتوجهات أنقرة بخصوص مناطق نفوذها شمال سوريا، بشكل عام.

تدريبات لمقاتلين في «هيئة تحرير الشام» بمحافظة إدلب أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

مواقف تركية متضاربة

هذه الحادثة كانت بمثابة «قطع الشك باليقين» لدى الكثير من قادة تشكيلات «الجيش الوطني»، الذين يرفضون حتى الآن التعامل أو التحالف مع «هيئة تحرير الشام»، بخصوص جدية تركيا في مساعدتهم على مواجهة تمدد «الهيئة» شمالاً.

هذا ما يؤكده أحد قادة «الجيش» المتحالف مع أنقرة، الذي طلب عدم الكشف عن هويته. وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أنه طيلة العامين الماضيين كانت هناك مواقف متضاربة داخل جهاز المخابرات التركي المسؤول عن شمال سوريا، مضيفاً: «فبينما كان معاون رئيس الجهاز يصر علينا باستمرار للتصدي للهيئة، ويقدم وعوداً بالدعم والمؤازرة، كنا نجد أنفسنا وحيدين في كل مواجهة».

ويشير القيادي، الذي سبق وأصيب في إحدى المواجهات مع «هيئة تحرير الشام» بالشمال السوري، إلى أن «التدخل العسكري التركي كان يحصل بعد انتهاء المعارك، ما يسهم في تثبيت الأمر الواقع الذي تفرضه (الهيئة) على الأرض، بسبب فارق القوة وامتناع غالبية الفصائل عن المشاركة في القتال ضدها، الأمر الذي ولّد قناعة لدى الكثيرين، أن أنقرة غير معنية بكبح جموح (الجولاني) أو التصدي لطموحاته في الشمال، وأن ما حدث مع القيادي المنشق عنه (أبو أحمد زكور) يؤكد ذلك»، حسب المصدر.

ولا يمكن لهذا القيادي الذي تحدث إلينا، أن يجزم، ما إذا كانت تركيا تريد سيطرة كاملة لـ«هيئة تحرير الشام» على مناطق نفوذها بالشمال، أم أنها «لا تعارض ذلك وحسب»، إلا أن المعطيات الميدانية تؤكد أن «الهيئة» باتت تتمتع بنفوذ كبير وواسع هناك، مستفيدة من انقسامات وصراعات قادة وفصائل «الجيش الوطني»، وتراخي أنقرة حيالها.

نفي تركي

ينفي الكاتب والإعلامي التركي المقرب من «حزب العدالة والتنمية» الحاكم، د. يوسف كاتب أوغلو، أن تكون لبلاده أي تحيزات في هذا الصراع، مؤكداً أن هدفها الوحيد في شمال سوريا هو محاربة «التنظيمات الإرهابية»، في مقدمتها «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد).

ويشير كاتب أوغلو، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «هذه الخلافات بين الفصائل التابعة لتركيا أو المتحالفة معها تؤثر على هذا الهدف، ولذلك فإنها تعمل باستمرار على معالجتها، دون الوقوف بجانب طرف على حساب طرف آخر».

صور تداولها ناشطون لحشود عسكرية خلال مواجهات صيف 2022 بين فصائل المعارضة في شمال سوريا

ويحدد كاتب أوغلو سببين أساسيين يسهمان في هذه الخلافات داخل «الجيش الوطني»، ويصعبان من مهمة معالجتها بشكل ناجز حتى الآن، كما يقول. «الأول هو الطموحات والمصالح الشخصية لبعض القادة المتصارعين، والثاني الانتماءات المناطقية والعشائرية التي تدفع بعضهم البعض للتناحر باستمرار، على عكس (هيئة تحرير الشام)، التي تمكنت قيادتها من إرساء قواعد حكم وإدارة داخل التنظيم، وفي مناطق سيطرتها، ما جعلها تتجاوز باستمرار أي مشكلات داخلية، وتفكر بتوسيع نفوذها كما يحدث مؤخراً».

وبينما يعتقد البعض أن أنقرة يئست من إمكانية إصلاح مؤسسة «الجيش الوطني»، لذلك هي تريد بالفعل أن تمد «هيئة تحرير الشام» نفوذها إلى مناطق سيطرة «الجيش» في الشمال، يرى آخرون أنه كان بإمكان تركيا وضع حد لكل هذه المشكلات لو أرادت. لكن، وحسب أصحاب هذا الرأي، فإن أنقرة، «وكما تصرفت حيال مؤسسات المعارضة السياسية، تسعى لإضعاف فصائل المعارضة العسكرية، كي تضمن استمرار هيمنتها عليها وتحكمها بها».

لكن د. يوسف كاتب أوغلو يسجل استغرابه من هذه المقاربة، متسائلاً: «ما هي مصلحة أنقرة في إضعاف حلفائها العسكريين والفصائل التي تعتمد عليها في قتال المجموعات الانفصالية الكردية التي تهدد أمنها القومي؟ في وقت لا يزال تنفيذ عملية خامسة واسعة ضد هذه المجموعات، في شمال شرق سوريا أمراً قائماً وقد يكون قريباً جداً»، حسب تعبيره.


مقالات ذات صلة

برّاك في جلسة لمجلس الأمن: سوريا أنهت «النفوذ الخبيث» لإيران

المشرق العربي حديث بين سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك قبل اجتماع مجلس الأمن بشأن الوضع في الشرق الأوسط الأربعاء (رويترز)

برّاك في جلسة لمجلس الأمن: سوريا أنهت «النفوذ الخبيث» لإيران

أشاد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، في كلمة هي الأولى له خلال اجتماع لمجلس الأمن، بالإنجازات التي حققتها حكومة الرئيس أحمد الشرع حتى الآن

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع مع وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الداخلية السوري أنس حسن خطاب (سانا)

الأمم المتحدة: الرئيس السوري ووزيران كانوا هدفاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة من «داعش»

أفاد الأمين العام للأمم المتحدة، في تقرير حول التهديدات التي يشكلها «داعش»، أن الرئيس السوري ووزير الداخلية ووزير الخارجية كانوا هدفاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص سوريون يحتفلون في الساحات العامة بسقوط نظام الأسد 8 ديسمبر 2025 (الشرق الأوسط)

خاص معارك الظل في سوريا... محاربة «داعش» وإعادة بناء الدولة

بين واجهة احتفالية مصقولة وعمق اجتماعي منهك وتحديات أمنية هائلة تواجه سوريا سؤالاً مفتوحاً حول قدرة الدولة الناشئة على التحول من حالة فصائلية إلى مفهوم الدولة.

بيسان الشيخ (دمشق)
المشرق العربي جانب من عملية تسليم جنود النظام السابق أسلحتهم لقوات الحكومة الجديدة في اللاذقية يوم 16 ديسمبر 2024 (نيويورك تايمز)

بناء الجيش أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة السورية

يتمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة السورية الناشئة في إعادة بناء القوات العسكرية في البلاد.

رجاء عبد الرحيم (حلب، سوريا)
المشرق العربي جندي من وزارة الدفاع السورية خلال جولة داخل ما كانت يوماً قاعدة عسكرية إيرانية جنوب حلب (أ.ف.ب)

خفايا الانسحاب الإيراني من سوريا... أفرغوا المراكز وهربوا عبر «حميميم»

أبلغ قائد إيراني مسؤول عن ضباط وجنود سوريين يخدمون تحت إمرته أنه «بعد اليوم لن يكون هناك (حرس ثوري) إيراني في سوريا».

«الشرق الأوسط» (دمشق)

محاكمة قريبة لعاطف نجيب «جزار أطفال درعا»

صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
TT

محاكمة قريبة لعاطف نجيب «جزار أطفال درعا»

صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)

كشف تقرير إعلامي، الخميس، أن محكمة الجنايات الرابعة ستباشر، الأحد المقبل، جلسات المحاكمة العلنية لرئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب في عهد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

وأوضح المصدر لموقع «تلفزيون سوريا»، أن هذه الخطوة تأتي بعد استكمال الإجراءات القانونية المرتبطة بالقضية، ضمن ملف العدالة الانتقالية، وذلك بحضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام.

وعاطف نجيب، هو ابن خالة بشار الأسد، اعتقل خلال حملة أمنية لملاحقة فلول النظام في محافظة اللاذقية، في يناير (كانون الثاني) 2025، وتتهمه منظمات حقوقية وفصائل الثورة السورية لأنه كان المسؤول المباشر عن قمع الاحتجاجات الشعبية في محافظة درعا الجنوبية، بارتكاب جرائم قتل مروعة بحق الأطفال المشاركين في الحراك السلمي في مدينة درعا، وأبرزهم حمزة الخطيب الذي قضى تحت التعذيب في عام 2011.

وقال المصدر المشار إليه أعلاه، إن المحكمة ستعقد وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية، ريثما يقر مجلس الشعب السوري بعد انعقاده مشروع (قانون العدالة الانتقاليّة)، الذي بُنيت مواده وفقاً للقوانين السوريّة المعمول بها، التي تصل في بعض موادها إلى عقوبة الإعدام، والذي أصبح جاهزاً بانتظار إقراره.

كسر حالة الإفلات من العقاب

ورغم أن قناة «الإخبارية السورية» نقلت، اليوم، عن رئيس «لجنة تقصي الحقائق في أحداث الساحل»، القاضي جمعة الدبيس العنزي، أن جلسة محاكمة علنية لعاطف نجيب بحضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام ستعقد قريباً، فهذا لا يتناقض مع التصريح المنشور في موقع «تلفزيون سوريا»، إذ إنه من الواضح أن المحاكمة لم تعد بعيدة.

عبد الله يرفع صورة شقيقه حمزة الخطيب الذي قضى تحت التعذيب عام 2011

«الشرق الأوسط» سألت المعتصم الكيلاني، وهو خبير قانوني سوري مقيم في باريس ومتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، عن تقييمه لسير المحاكمات وإيقاعها في محاكمة مجرمي الحرب في عهد نظام بشار الأسد، وإن كان مسار العدالة الانتقالية يشوبه بعض البطء، أم أنه من طبيعة الأمور في القضاء عموماً؟

العميد عاطف نجيب الذي شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا (مواقع)

يعتبر الكيلاني، أن الإعلان عن بدء جلسات المحاكمة العلنية لعاطف نجيب يشكّل خطوة مهمة في اتجاه كسر حالة الإفلات من العقاب، خاصة مع حضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام، بما يعزز الشفافية وحق المجتمع في معرفة الحقيقة. هذا التطور، من حيث المبدأ، ينسجم مع أحد أعمدة العدالة الانتقالية، وهو «العلنية والمساءلة».

لكن وبمنظور قانوني أوسع، يقول إنه لا يمكن اعتبار هذه الخطوة كافية بحد ذاتها، فالعدالة الانتقالية ليست محاكمة فردية، بل منظومة متكاملة تتطلب إصلاحاً تشريعياً ومؤسسياً عميقاً.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تعديل قانون العقوبات السوري ليشمل معايير التجريم الدولية، لا سيما جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وفق التعريفات المعتمدة في القانون الدولي. فغياب هذه النصوص يخلق فجوة قانونية خطيرة، ويحدّ من قدرة القضاء الوطني على التعامل مع الانتهاكات الجسيمة بشكل صحيح.

كما أنه من المتطلبات الأساسية أيضاً إلغاء مبدأ «التقادم» على الجرائم الجسيمة، لأن طبيعة هذه الجرائم - بما فيها التعذيب والقتل خارج القانون - تستوجب عدم سقوطها بمرور الزمن، انسجاماً مع المعايير الدولية وضماناً لحقوق الضحايا في الملاحقة والمساءلة مهما طال الزمن.

كتابة على جدار في درعا تسببت بحبس أطفال وتعذيبهم في سجون النظام (متداولة)

ومن جهة أخرى، يقول الحقوقي السوري: «لا يمكن إغفال البعد المؤسسي، إذ يجب تدريب القضاة وأعضاء النيابة العامة وكوادر المحاكم تدريباً تخصصياً على معايير التجريم الدولية، وعلى كيفية التعامل مع الأدلة في قضايا الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك شهادات الضحايا، والأدلة السياقية، وسلاسل المسؤولية. فمن دون هذا التأهيل، تبقى المحاكمات مهددة بالقصور، حتى لو توفرت الإرادة السياسية. الاستفادة من تجارب سابقة، مثل محاكمات الساحل، أمر ضروري هنا. فقد أظهرت تلك التجربة بعض الإيجابيات، مثل العلنية، لكنها كشفت أيضاً ثغرات منها ضعف التأهيل المتخصص أحياناً، والحاجة إلى إطار قانوني أوضح يواكب طبيعة الجرائم».

صورة لبشار الأسد في القامشلي ممزقة بعد الإعلان عن سقوط النظام الحاكم 8 ديسمبر (رويترز)

وفي المحصلة، يؤكد الكيلاني أن لا سلم أهلياً حقيقياً دون عدالة انتقالية شاملة. وأي محاولة لبناء استقرار دون معالجة جذرية للانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها ضمن إطار قانوني سليم، ستبقى هشّة وقابلة للانهيار

من حيث المبدأ، تتسم المحاكمات في القضايا الكبرى المرتبطة بانتهاكات جسيمة بالتعقيد، وهذا يفرض بطئاً نسبياً لضمان دقة الإجراءات واحترام حقوق جميع الأطراف. هذا جانب طبيعي في أي نظام قضائي يحترم الأصول.

لكن في الحالة السورية، لا يمكن الاكتفاء بهذا التبرير. فالتأخير الطويل في إطلاق مسار العدالة أصلاً، إلى جانب استمرار بعض الانتهاكات، يجعل من عامل الزمن عنصراً حساساً للغاية. البطء المفرط هنا قد يُفهم باعتباره استمراراً غير مباشر للإفلات من العقاب، ويؤثر سلباً على ثقة الضحايا بالمؤسسات القضائية.

لذلك، المطلوب ليس تسريعاً على حساب العدالة، بل يجب تحقيق توازن دقيق: قضاء مهني، مستقل، مدرّب، يعمل وفق معايير واضحة، وفي إطار زمني معقول.

ويشدد المعتصم الكيلاني، على أنه إذا جرت المحاكمات (ضد مرتكبي جرائم حرب ضد الإنسانية) ضمن هذا الإطار المتكامل، يمكن اعتبارها خطوة إيجابية. أما إذا بقيت جزئية، أو افتقرت إلى الأساس القانوني المتين، أو لم تُدعَم بإصلاح مؤسسي حقيقي، فإنها قد تتحول إلى مسار محدود الأثر.

وفي جميع الأحوال، يبقى المبدأ الحاكم واضحاً: لا يمكن تحقيق السلم الأهلي في سوريا دون عدالة انتقالية حقيقية، قائمة على المساءلة، وإنصاف الضحايا، وإصلاح المؤسسات، وبناء عقد اجتماعي جديد يحترم كرامة الإنسان وحقوقه.


3 قتلى في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

3 قتلى في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

قُتل ثلاثة أشخاص بغارة إسرائيلية على جنوب لبنان، اليوم الخميس، وفق ما أعلنت وزارة الصحة، في أحدث هجوم رغم الهدنة القائمة منذ عشرة أيام بين إسرائيل و«حزب الله».

وقالت الوزارة، في بيان أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «غارة العدو الإسرائيلي على طريق شوكين قضاء النبطية»، والتي تبعد نحو 30 كيلومتراً من الحدود اللبنانية الجنوبية، «أدت إلى 3 شهداء»، في حين أسفرت غارة أخرى على بلدة ياطر إلى إصابة شخصين؛ بينهما طفل.

تأتي هذه الهجمات قبل ساعات من اجتماعٍ ثان يُعقَد في واشنطن بين سفيريْ لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة، حيث يُتوقع أن يطلب لبنان تمديد وقف إطلاق النار.

في غضون ذلك، أفاد الجيش الإسرائيلي، في بيان، بأن جنوده قتلوا «رجلين مسلّحين في جنوب لبنان، بعد أن اقتربا من جنود».


تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
TT

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)

تواصل القوات الإسرائيلية تصعيدها الميداني في مناطق مختلفة من قطاع غزة عبر استهدافها لنشطاء في الفصائل، متذرعةً باتهامات عن تجديد نشاط الفصائل الفلسطينية وتعافي حركة «حماس».

وقتلت القوات الإسرائيلية، منذ مساء الأربعاء وحتى منتصف نهار الخميس في غزة، 9 فلسطينيين، منهم 5 في غارة بطائرة مسيرة استهدفت خياماً للنازحين في منطقة مشروع بيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وعلمت «الشرق الأوسط»، من مصادر ميدانية، أن المستهدف الرئيسي بالغارة أصيب بجروح خطيرة، وهو قيادي ميداني في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، فيما قُتل اثنان من أطفاله، وطفل ثالث، ومواطنان آخران كانا يجلسان في نفس المكان.

فلسطيني يمرّ بجوار نقالة ملطخة بالدماء بعد غارة جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل عدد من الأشخاص في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وبعد ساعات قليلة، قتلت القوات الإسرائيلية ناشطاً من «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، جنوب خان يونس جنوبي قطاع غزة، بعد أن استهدفته بمسيرة.

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان له عن الحدثين، إنه قضى على عناصر من «حماس» عملوا بمنطقة قريبة من الخط الأصفر شمالي قطاع غزة، فيما هاجم عدداً آخر جنوب القطاع، ما أدى للقضاء على أحدهم خلال نقلهم وسائل قتالية، وفق زعمه.

وتبع ذلك حدث ثالث، بقصف مركبة، ظهر الخميس، في أثناء مرورها على شارع صلاح الدين الرئيس، وتحديداً جنوب مخيم البريج وسط قطاع غزة، ما أدى لمقتل 3 فلسطينيين كانوا على متن المركبة.

فتى فلسطيني يفحص موقع غارة إسرائيلية استهدفت عناصر من جهاز الشرطة التابع لحركة «حماس» وسط غزة مارس الماضي (رويترز)

ووفقاً لمصدر ميداني، فإن المستهدفين في المركبة هم بعض نشطاء في «كتائب القسام»، وبينهم نجل أحد مسؤولي جهاز الدفاع المدني في وسط قطاع غزة، وجميعهم من سكان مخيمي البريج والمغازي.

ووفقاً لإحصائية وزارة الصحة بغزة، فإن عدد الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، ارتفع إلى 975 قتيلاً، وأصيب أكثر من 2235 بجروح متفاوتة بعضها خطيرة، فيما زاد إجمالي الضحايا منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 72568 قتيلاً، وأكثر من 172 ألف مصاب.

مفاوضات في القاهرة

ويأتي التصعيد الإسرائيلي على وقع مطالبات من «حماس» في القاهرة بوقف الخروقات المستمرة داخل القطاع، في إطار الالتزام بالمرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، فيما تتجاهل إسرائيل تلك المطالب بتوسيع هجماتها واستهداف نشطاء الفصائل، وخاصةً حركتي «حماس» و«الجهاد».

واعتبر حازم قاسم، الناطق باسم «حماس»، عمليات الاستهداف المتواصلة بأنها تمثل دليلاً جديداً على استمرار «حرب الإبادة ونشر الموت في مختلف مناطق القطاع دون توقف». كما قال، معتبراً أن هذه «الجرائم تكشف عن عجز متزايد لـ(مجلس السلام) عن إلزام الاحتلال بوقف خروقاته أو تنفيذ التزاماته ضمن أي اتفاقات قائمة».

يشق فتيان فلسطينيان طريقهما عبر أنقاض المباني المُدمَّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأضاف قاسم، في تصريح صحافي له: «هذه الجرائم تعكس بوضوح أن الآلة العسكرية للاحتلال مسؤولة عن ارتكاب أعمال الإبادة وانتهاك القانون الدولي والإنساني»، مطالباً الوسطاء والدول الضامنة والمشاركين في «مجلس السلام» بالوقوف أمام مسؤولياتهم وإلزام الاحتلال بوقف «حرب الإبادة» ضد قطاع غزة. كما قال.

وتقول إسرائيل مؤخراً إنها تعمل على مهاجمة أي محاولات من «حماس» والفصائل الأخرى التي تنشط في داخل القطاع، لإعادة امتلاك السلاح أو تأهيل ما لديها من أسلحة وعتاد وغيره، ومنعها من إقامة تدريبات، كما أنها تعمل على تصفية مشاركين بهجمات سابقة ضدها.

وثيقة استخبارية

وتزامن التصعيد الإسرائيلي مع ما نقلته القناة الـ12 العبرية، مساء الأربعاء، عن وثيقة استخباراتية قدمها الجيش الإسرائيلي لجهات محددة في المستوى السياسي، خلال الأيام الأخيرة، تزعم أن حركة «حماس» تنجح في التعافي مجدداً بشكل ملحوظ، مستغلةً وقف إطلاق النار.

ووفقاً للوثيقة المسربة، فإن «حماس» تكسب الوقت المتعلق بوقف إطلاق النار، وتعمل على تنظيم وتحسين وبناء قوتها في القطاع، وإعادة تأهيل الجناح العسكري، وتسريع تجنيد نشطاء جدد، والسيطرة على البضائع، وإظهار السيادة المدنية والحكومية في المناطق التي تسيطر عليها. ونقلت أن «الحركة لم تنجح بعد في تحقيق قفزة نوعية، لكنها تتعافى تدريجياً».

وتسيطر إسرائيل على نحو 53 في المائة من مساحة قطاع غزة، بينما تسيطر «حماس» على ما تبقى منها.

جانب من الدمار في قطاع غزة جراء الحرب (رويترز - أرشيفية)

ويرى مسؤولون أمنيون إسرائيليون، نقلت عنهم «القناة الـ12»، أن «التطورات في الجبهات المختلفة، وخاصةً الحرب مع إيران ولبنان تخدم (حماس)؛ لأن الانتباه الأميركي موجه إلى مكان آخر، فيما تستغل الحركة ذلك، وتكسب الوقت ببساطة ولا تفي بالتزاماتها كما وردت في خطة السلام التي عرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، وفق قولهم.

وأكدت المصادر ذاتها أن «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ترى أنه في حال لم يكن هناك عملية نزع سلاح، وتفكيك للبنية التحتية لـ(حماس) وفصائل غزة، فإنه سيتم العودة إلى نقطة الصفر، وأن ما يحدث الآن هو تعافٍ مقابل لا شيء»، وفق قولهم.

فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع (صورة من فيديو بثته رويترز)

وما زالت قضية سلاح غزة مثار جدل بين حركة «حماس» والوسطاء والولايات المتحدة و«مجلس السلام»، وتصر إسرائيل على تسليمه كاملاً بلا استثناء، وهو أمر نصت عليه خطة المجلس التي قدمها الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف إلى قيادة الحركة.

وفي المقابل تخوض الفصائل الفلسطينية مباحثات لإجراء تعديلات تتضمن إلزام إسرائيل بتنفيذ بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار التي تركز على الاحتياجات الإنسانية وإدخال المساعدات، قبل الحديث عن المرحلة الثانية التي تركز على نزع السلاح من القطاع. ويسعى الوسطاء إلى تقديم مقاربة جديدة لدمج المرحلتين، أو تنفيذهما بالتزامن.