أميركا مستاءة من الاستخفاف الإسرائيلي بمخططاتها الإقليمية

الخلاف بين بايدن ونتنياهو يظهر إلى العلن

رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال اجتماع لحكومته في القدس يوم الأحد (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال اجتماع لحكومته في القدس يوم الأحد (أ.ب)
TT

أميركا مستاءة من الاستخفاف الإسرائيلي بمخططاتها الإقليمية

رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال اجتماع لحكومته في القدس يوم الأحد (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال اجتماع لحكومته في القدس يوم الأحد (أ.ب)

الصدام المباشر بين الرئيس الأميركي، جو بايدن، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي برز في الساعات الماضية والذي تجري محاولات لتطويقه ومنع تفاقمه، يأتي بعدما أدرك الأميركيون أن الحضن الحميم الذي وفّروه طيلة أيام الحرب على غزة، لا يمنع زعيم اليمين الإسرائيلي من الدخول في تحد سافر لسياستهم والاستخفاف بمخططاتهم الإقليمية وشعورهم بأنه يستغل هذا الدعم لإطلاق معركته الانتخابية وهو في عز الحرب، بحسب ما تقول مصادر سياسية في تل أبيب.

لكن كلمات بايدن، الثلاثاء، في خصوص تركيبة الحكومة الإسرائيلية وعدم رغبة اليمين المتشدد فيها في حل الدولتين، جاءت كما يبدو في إطار محسوب ومحبوك جيداً، عنوانه مصلحة إسرائيل واليهود. فقد كان يتكلم في اجتماع مخصص لجمع التبرعات لحملته الانتخابية. وقد بادر إلى هذا الاجتماع وقاده الرئيس السابق للمنظمة الأميركية اليهودية «آيباك»، لاس روزنبيرغ، وهو أحد أهم جامعي التبرعات للحزب الديمقراطي ومرشحيه. وقد تكلم بايدن بروح إيجابية ليس فقط عن إسرائيل بل حتى عن نتنياهو. فقال: «نتنياهو صديق جيّد، لكنه يواجه وضعاً سيكون عليه أن يحسم. فلديه حكومة هي الأكثر محافظة في التاريخ الإسرائيلي. إنها لا تريد حل الدولتين. وقد بدأت إسرائيل تخسر التأييد العالمي لها. وعلى نتنياهو أن يُحدث تغييراً يجعله يجد حلاً طويل الأمد، للأزمة الإسرائيلية الفلسطينية. مع حكومة كهذه يصعب جداً التقدم».

بنيامين نتنياهو... الخلاف مع بايدن يظهر إلى العلن (أ.ب)

ثم قال الرئيس الأميركي إن كل همّه هو مصلحة إسرائيل والشعب اليهودي. وأضاف «أمن الشعب اليهودي اليوم على المحك. فمن دون إسرائيل لن يكون ليهود العالم مكان آمن». وهنا أضاف أنه وطاقمه كرسوا الأيام الماضية لمحادثات مع قادة قطر ومصر لأجل إطلاق سراح 100 مخطوف إضافيين. وعاد لتكرار دعمه لإسرائيل في تصفية «حماس». وربط بين ذلك وبين «ضرورة إقامة دولة فلسطينية في المستقبل»، ويرى أن نتنياهو لا يستطيع الاستمرار في رفض هذه الدولة في المستقبل.

بكلمات أخرى قال بايدن ما يقوله يهود كثيرون في بلاده، وهو أن حكومة إسرائيل بتركيبتها الحالية هي مشكلة للإسرائيليين ولليهود، تعمّق أزمة الصراع مع الفلسطينيين، وأن هناك ضرورة لمساعدتها حتى تخرج من هذه الأزمة.

نتنياهو، من جهته، سارع في الرد على بايدن بطريقة صدامية. فصدم الإدارة مرة أخرى، إذ إنه ليس فقط رفض إقامة دولة فلسطينية، بل هدد بحرب مباشرة مع السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، ووضع هدفاً لإبقاء قواته في قطاع غزة بعد الحرب.

ويتضح أن كلاً من بايدن ونتنياهو، بهذه التصريحات، إنما كانا يُخرجان إلى العلن ما يُقال في الاجتماعات الداخلية. ففي نهاية الأسبوع الماضي، أجرى كبار المسؤولين في إدارة بايدن نقاشاً معمقاً في مسألة مواصلة توريد الذخائر والمعدات التي تطلبها إسرائيل لغرض الحرب في غزة. وكانت الآراء منقسمة. وبحسب الكاتب السياسي لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، ناحوم بارنياع، (الأربعاء) فإن أبرز ما في تلك النقاشات كان النفور من نتنياهو وحكومته. وقد اختار بايدن، كما يبدو، أن يقول الثلاثاء بصوته ما يقوله رجاله في محادثات مغلقة، وهو أن إسرائيل تفقد تأييد الأسرة الدولية، ما يعني أن الولايات المتحدة ربما لن تلجأ إلى استخدام «الفيتو» لحماية إسرائيل في التصويت التالي بمجلس الأمن، وفق ما تقول مصادر سياسية في تل أبيب.

الرئيس جو بايدن مع بنيامين نتنياهو في تل أبيب يوم 18 أكتوبر الماضي (د.ب.أ)

وفي محيط نتنياهو، ثمة كلام عن عودة بايدن إلى «مؤامرة» لإسقاط حكومة اليمين لكي تحل محلها حكومة يسار بقيادة بيني غانتس توافق على «الدولة الفلسطينية». ومع أن غانتس ترك صفوف المعارضة ودخل إلى حكومة اليمين تحت عنوان «المسؤولية الوطنية»، وأنقذ حكومة نتنياهو خلال الحرب، فإن محيطين بزعيم «ليكود» راحوا يواجهون تصرفه بجحود ويهاجمونه بشدة ويتهمونه بإقامة تحالف داخل مجلس قيادة الحرب مع وزير الدفاع، يوآف غالانت، ضد نتنياهو. ويضع قريبون من الأخير غانتس في «القائمة السوداء للجنرالات»، التي تضم قادة في الجيش والمخابرات، الذين يجب تحميلهم مسؤولية الإخفاق الكبير الذي قاد إلى هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وقد بات غانتس، كما يبدو، كمن وقع في مصيدة. فمن جهة هو مكبّل اليدين والقدمين لا يستطيع الخروج من الحكومة خلال الحرب، ومن جهة ثانية يتلقى الضربات من رفاقه الجاحدين في الائتلاف الحكومي. وهناك من لا ينتظر انتهاء الحرب ويباشر الحملة ضد غانتس من الآن. ونتنياهو شخصياً يضع عنواناً لهذا الهجوم «الدولة الفلسطينية». ويتجه لإدارة معركته الانتخابية القادمة على أنها تدور بين يمين ويسار، بين من يؤيد دولة فلسطينية ومن يعارضها.

عضو حكومة الحرب بيني غانتس (د.ب.أ)

وأكثر من ذلك، فقد تم تسريب تصريحات لنتنياهو من جلسة لجنة الخارجية والأمن البرلمانية، التي عقدت يوم الاثنين، تباهى فيها بأنه القائد الإسرائيلي الوحيد في التاريخ، القادر على قول لا للولايات المتحدة. ووفق الصحافي يوفال كارني، فقد جاءت كلمات نتنياهو كالآتي: «ديفيد بن غوريون كان قائداً علماً لكنه في نهاية المطاف خضع للضغط الأميركي (يقصد في سنة 1956، على أثر العدوان الثلاثي على مصر، حيث سحب القوات الإسرائيلية من سيناء وقطاع غزة). إن رئيس الحكومة الذي لا يستطيع الصمود أمام الضغوط الأميركية، يجب ألا يدخل إلى منصب رئيس حكومة».

وفي الإدارة الأميركية، ثمة شعور بالغضب عندما تصل إليهم مثل هذه الأقوال من نتنياهو ورفاقه في اليمين. وبالتالي فإن مسؤولي الإدارة يوصلون الرسائل، الواحدة تلو الأخرى، بأنهم ليسوا معنيين بكسر القوالب مع إسرائيل، وأنهم يفرّقون ما بين الدولة والشعب وبين القادة الجاحدين «الذين يعضون اليد التي تُمد إليهم». لكن قادة اليمين الإسرائيلي يهتمون بأجندتهم السياسية أكثر. فهم يرون بحكومتهم اليمينية فرصة تاريخية لإجهاض القضية الفلسطينية برمتها. ويقولون إنه بعد 7 أكتوبر يستحق الفلسطينيون مزيداً من الكوارث كما هي الحال في «الحرب المجنونة» على غزة وما لحقها من تدمير وما رافقها من ممارسات ضد الفصائل الفلسطينية في الضفة الغربية، وليس منح الفلسطينيين جائزة بإقامة «دولة».

الحرب الإسرائيلية على غزة مستمرة (أ.ف.ب)

ومن هنا، فإن الصدام بين الطرفين حتمي، بلا شك. ولو كان الأمر متوقفاً على نتنياهو وحده، فإنه قابل للضغط وقابل للتراجع، كما حصل في الماضي. لكنه اليوم يخوض حرب حياة أو موت. فالمعادلة بالنسبة إليه: إما يبقى رئيس حكومة وإما يدخل إلى السجن بسبب قضايا الفساد، وبسبب فشل حكومته في مجالات كثيرة قبل الحرب، والذي توّج بالإخفاق الكبير الذي أتاح لـ«حماس» تحقيق النجاح في هذا الهجوم.

ومع أن بايدن وقف بكل قوته لمناصرة إسرائيل، حكومة وشعباً وجيشاً، إلا أنه غضب على الأرجح من تباهي نتنياهو بخلافاته مع «أقرب الحلفاء».

فراح الرئيس الأميركي يتحدث عن التطرف في الحكومة الإسرائيلية على غرار الوزير إيتمار بن غفير، والعراقيل التي يتم وضعها أمام التسويات السياسية التي يعمل عليها الأميركيون بين إسرائيل ومحيطها. ورغم أن بايدن يؤمن، على الأرجح، بأن غالبية الإسرائيليين سيقفون معه في تصريحاته الأخيرة بخصوص حكومة نتنياهو، فإن هناك أمراً لم يحسبه وهو أن الحرب يمكن أن تأخذ الإسرائيليين أكثر إلى اليمين. وفي الواقع، فإن الشعارات التي يطرحها اليمين على غرار «إبادة حماس» وإنزال «نكبة جديدة بالفلسطينيين» و«عدم السماح بعودة قطاع غزة إلى الحياة»، تلقى رواجاً كبيراً في إسرائيل. وبما أن نتنياهو لا يجد سبيلاً آخر لحماية نفسه، فقد لجأ إلى خطة هجومية بالاستناد إلى حلفائه في اليمين، ما يعني أن الخلاف السياسي مع إدارة بايدن مرشح للتوسع أكثر.


مقالات ذات صلة

بايدن الابن يتحدّى نجلي ترمب لخوض نزال في قفص

الولايات المتحدة​ هانتر بايدن (رويترز)

بايدن الابن يتحدّى نجلي ترمب لخوض نزال في قفص

وجّه نجل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن دعوة مباشرة إلى نجلي الرئيس الحالي دونالد ترمب، دونالد جونيور وإريك، لخوض نزال داخل قفص بأسلوب فنون القتال المختلطة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)
يوميات الشرق بيل ستيفنسون طليق السيدة الأميركية السابقة جيل بايدن (شرطة مقاطعة نيو كاسل- فيسبوك)

في قضية وفاة زوجته... توجيه تهمة القتل إلى طليق جيل بايدن

أعلنت السلطات الأميركية توجيه تهمة القتل العمد إلى طليق السيدة الأولى الأميركية السابقة جيل بايدن، على خلفية وفاة زوجته عقب شجار عائلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي منازل فلسطينية متضررة بشدة خلال العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في بيت لاهيا شمال القطاع 18 ديسمبر 2024 (رويترز) p-circle

سفارة أميركا لدى إسرائيل عرقلت رسائل حذّرت من «أرض خراب كارثية» في غزة

حذّر موظفو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في أوائل 2024 المسؤولين الكبار في إدارة الرئيس السابق جو بايدن من أن شمال غزة مهدد بالتحول إلى أرض خراب كارثية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بايدن ونتنياهو خلال زيارة الرئيس الأميركي لتل أبيب في 18 أكتوبر 2023 (أ.ب) p-circle

«نكران الجميل» عند نتنياهو يصدم بايدن ورجاله

أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإطراء لنفسه والنفاق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، فوجد نفسه يدخل في صدام مع مستشاري الرئيس السابق جو بايدن.

نظير مجلي (تل أبيب)

السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل

قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
TT

السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل

قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)
قنبلة تنفجر في الجانب اللبناني من الحدود مع إسرائيل، ودخانها الأبيض يرجّح كونها فوسفورية (رويترز)

دعت السفارة الأميركية في بيروت إلى انخراط مباشر بين لبنان وإسرائيل، معتبرة أن البلاد تقف عند «مفترق طرق» يتيح لشعبها فرصة تاريخية لاستعادة السيادة وبناء مستقبل مستقل.

وفي بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أشارت السفارة إلى أن التهدئة الممتدة التي تحققت «بناءً على طلب شخصي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، وفّرت للبنان مساحة لطرح مطالبه بدعم كامل من الحكومة الأميركية.

وأضافت أن عقد لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، برعاية ترمب، قد يشكّل للبنان فرصة للحصول على ضمانات تتعلق بالسيادة الكاملة، وسلامة الأراضي، وأمن الحدود، إضافة إلى دعم إنساني وإعادة الإعمار، واستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها.

وختمت السفارة بيانها بالتأكيد أن الولايات المتحدة مستعدة للوقوف بجانب لبنان في هذه المرحلة، داعية إلى اغتنام الفرصة «بثقة وحكمة»، معتبرة أن الوقت لم يعد يحتمل التردد.


ترمب يدعو رئيس الوزراء العراقي المكلّف لزيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة

رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدعو رئيس الوزراء العراقي المكلّف لزيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة

رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي ⁠الزيدي (أ.ف.ب)

​هنّأ الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب، ‌اليوم (​الخميس)، ‌علي ⁠الزيدي ​على ترشيحه ⁠لتولي منصب ⁠رئيس ‌وزراء العراق، ‌قائلاً ​في ‌منشور على ‌منصة «تروث ‌سوشال» إنه يتطلع ⁠إلى علاقة جديدة ⁠مثمرة للغاية.

وأعلن الزيدي أنه تواصل هاتفياً مع ترمب، الذي دعاه إلى زيارة واشنطن بعد تأليف الحكومة في بغداد.

وجاء، في بيان نقلته «رويترز» عن المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء، أن الزيدي تلقى «اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأميركي السيد دونالد ترمب، قدّم خلاله التهنئة لسيادته بمناسبة تكليفه رسمياً لتشكيل الحكومة الجديدة، كما وجّه له دعوة رسمية لزيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة».

وكُلّف الزيدي، الاثنين، بتأليف الحكومة بعدما رشّحه الإطار التنسيقي، المؤلف من أحزاب شيعية مقرّبة من طهران، بدلاً من رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي قوبل ترشيحه بمعارضة من الولايات المتحدة وترمب.


«البحرية الإسرائيلية» حشدت نصف قوتها للتنكيل بـ«أسطول الصمود»

أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
TT

«البحرية الإسرائيلية» حشدت نصف قوتها للتنكيل بـ«أسطول الصمود»

أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)
أعضاء اللجنة التوجيهية لـ«أسطول الصمود العالمي» ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً في حين يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة 12 أبريل الحالي (رويترز)

حشد سلاح البحرية الإسرائيلية أكثر من نصف قوته للسيطرة على «أسطول الصمود العالمي» الذي يضم 60 سفينة وقارباً من التنظيمات المتعاطفة مع القضية الفلسطينية في أوروبا والعالم، واعتقلت - حسب منظمين - 211 ناشطاً كانوا يسعون إلى إيصال مساعدات إلى قطاع غزة.

وأدانت إسبانيا بشدة، الخميس، اعتراض الجيش الإسرائيلي للأسطول وقالت خارجيتها في بيان إنها استدعت القائمة بالأعمال الإسرائيلية لنقل احتجاجها على احتجاز سفن الأسطول.

وطالبت ألمانيا وإيطاليا، إسرائيل باحترام القانون الدولي، على خلفية التوقيف، وجاء في بيان مشترك لحكومتي البلدين أنهما تتابعان بـ«قلق بالغ» اعتراض أسطول «الصمود العالمي» في المياه الدولية قبالة السواحل اليونانية، وأضاف البيان: «نطالب بالاحترام الكامل للقانون الدولي الساري والكف عن التصرفات غير المسؤولة».

وقالت المتحدثة باسم منظمة «الصمود العالمي - فرنسا» هيلين كورون، الخميس، في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت، إن من بين مَن احتُجزوا، 11 مواطناً فرنسيّاً. وأضافت: «ليست لدينا معلومات عن الجنسيات الأخرى، لكن القوارب كانت مختلَطة من حيث الجنسيات، وكان على متنها أفراد من جميع الوفود الـ48».

سيطرة مختلفة لإثبات الجدارة

وقد أكدت مصادر مطلعة في تل أبيب أن طريقة السيطرة على هذا الأسطول «جاءت مختلفة عن طرق التعامل مع الموجات السابقة من (أسطول الحرية)، وضعها القائد الجديد في سلاح البحرية، اللواء ايال هرئيل، الذي بدأ مهامه قبل أربعة أسابيع ويريد إثبات جدارته مع أنها (معركة بلا قتال). وقام بالإشراف شخصياً على العملية التي غلب عليها هدف التنكيل».

والجديد في الهجوم على الأسطول، أنه «تم في منطقة تبعد 1000 كيلومتر عن شاطئ قطاع غزة، ضمن ما يسمى (الضربة الاستباقية المفاجئة)».

سفن ضمن «أسطول الصمود العالمي» تعتزم التوجه إلى غزة تقف في ميناء برشلونة الإسباني منتصف الشهر الحالي (إ.ب.أ)

وتعمدت «البحرية الإسرائيلية» ألا تجر السفن التي تتم السيطرة عليها - كما حدث سابقاً - بل تم إحضار فريق من الميكانيكيين، الذين قاموا بتفكيك المحركات من السفن التي تم اعتقال ركابها، وبدلاً من مصادرتها وجرها إلى إسرائيل تم إبقاؤها عائمة وعرضة للغرق.

مُعتقَل عائم... وقوة كوماندوز

وفي الوقت نفسه، تم إعداد سفينة خصيصاً لتتحول مُعتقَلاً عائماً يتم فيه حبس النشطاء، وقد اختارت المخابرات الإسرائيلية 170 ناشطاً من مجموع المشاركين تعدّهم «قيادات أساسية»، فاعتقلتهم ونقلتهم إلى إسرائيل ليس بوصفهم نشطاء احتجاج بل عدّتهم «معتدين ارتكبوا عملاً جنائياً ضد إسرائيل»، لذلك؛ تم إذلالهم أيضاً.

وأمرت القوات البحرية المهاجمة النشطاء بالركوع على الأرض بركبهم وأيديهم، كما تفعل عادة مع المعتقلين الفلسطينيين، وقد تم وضع هذه السفينة تحت قيادة قوة الكوماندوز، الخاص بمصلحة السجون الإسرائيلية (متسادا)، المعروفة بشراسة اعتداءاتها على الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

تُظهِر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم في حين اعترض الجيش الإسرائيلي السفينة (رويترز)

وضمت القوة الإسرائيلية سفنها الحربية الصاروخية وقوة من الكوماندوز البحرية التي تولت مهمة السيطرة على «سفن القيادة» في هذا الأسطول، وقوة من سلاح الجو، لكنها لم تكن في حاجة إلى استخدام هذه القوة؛ فالنشطاء أعلنوا أنهم قوة سلمية تعمل بوسائل سلمية، وعندما أمرتهم القوات الإسرائيلية بالاستسلام، لم يقاوموا.

وحسب مصادر عسكرية اعتمدتها صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الخميس، فإن سفن سلاح البحرية الإسرائيلية فاجأت سفن الأسطول بهجومها، وأبلغتهم أن رحلتهم إلى غزة غير قانونية. وأنهم في حال رغبتهم في إرسال مساعدات إلى أهل غزة، فإنها ترحب بهم إذا توجهوا إلى ميناء أسدود الإسرائيلي وتتولى هي التوصيل، ولكنهم رفضوا هذا العرض وقالوا إن إسرائيل دولة احتلال لا يريدون التعاون معها، وما يريدونه هو وقف الحصار على القطاع، المستمر منذ 18 سنة.

السيطرة على 21 سفينة

وادعت السلطات الإسرائيلية أن سفن الأسطول أحاطت بسفينة إسرائيلية كانت في طريق عودتها إلى البلاد، وفرضوا عليها حصاراً. عندها، أعطيت الإشارة بتنفيذ المخطط المعد سلفاً للهجوم. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، إن الخطة الأصلية كانت الاكتفاء بالسيطرة على 10 سفن من الأسطول، لكنها اضطرت إلى السيطرة على 21 سفينة، تضم الشخصيات القيادية. واعتقلتهم جميعاً.

ورافق القوات، فريق من دائرة الناطق بلسان الجيش، والذي عمل فوراً على نشر فيديوهات وبيانات وهم في عرض البحر لصد الدعاية المنظمة لقادة الأسطول، وركز على تشويه المشاركين.

وقال الناطق العسكري الإسرائيلي، في بياناته، إن الجيش خيَّر النشطاء بين العودة إلى برشلونة، التي انطلقوا منها وبين الاعتقال والترحيل.

يذكر أن هذا الأسطول، الذي حمل اسم «مهمة ربيع 2026»، يعد أضخم حراك لرحلات كسر الحصار على غزة، التي بدأت في سنة 2010 بسفينة مرمرة التركية، والتي هاجمتها إسرائيل وقتلت عشرة من ركابها.

قطعة عسكرية تابعة لـ«البحرية الإسرائيلية» ترافق إحدى سفن «أسطول الصمود» إلى ميناء أشدود بعد اعتراضها أكتوبر الماضي (رويترز)

وانطلق الأسطول الضخم، من مدينة برشلونة الإسبانية في 12 أبريل (نيسان)، ومرّ في جزيرة صقلية الإيطالية في 23 أبريل، لتنضم إليها لاحقاً سفن ونشطاء من إيطاليا عبر مدينتي سيراكوزا وأوغوستا.

وارتفع عدد القوارب المشاركة في الأسطول بميناء أوغستا لليخوت إلى 65 قارباً، قبل أن تُستكمل الإجراءات اللازمة لمغادرة الميناء، الأحد؛ ليبحر المشاركون تدريجياً وفق نظام محدد باتجاه البحر الأبيض المتوسط في ساعات العصر من اليوم نفسه. واستقبلت السفن في عرض البحر سفينة تابعة لمنظمة «غرينبيس» (السلام الأخضر) الداعمة للأسطول.

وخلال مغادرة القوارب للميناء، ردد عدد من الناشطين هتافات «فلسطين حرة» وأشعلوا المشاعل، في حين ودّع النشطاء بعضهم بعضاً بعبارة «نلتقي في غزة».

وتحاصر إسرائيل قطاع غزة منذ عام 2007، وبات نحو 1.5 مليون فلسطيني من أصل نحو 2.4 مليون بالقطاع بلا مأوى بعد أن دمرت حرب الإبادة مساكنهم.

وجرى التوصل لاتفاق وقف النار عقب عامين من الحرب، التي قتل فيها ما يزيد على 72 ألف قتيل وأكثر من 172 ألف جريح فلسطينيين.

ويؤكد الفلسطينيون أن القطاع يعيش أزمة إنسانية وصحية مخيفة، إذ إن الحرب أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية. كما تعاني غزة قيوداً إسرائيلية مشددة على إدخال الوقود والمستلزمات الطبية، إلى جانب نقص حاد في الأدوية والمعدات.