رمزية مناطق القتال في غزة... من جباليا «مهد الانتفاضة» إلى «بورسعيد الفلسطينية»

«الشرق الأوسط» ترصد خريطة الحرب في القطاع

خان يونس... معارك طاحنة تدور حالياً في معقل "حماس" (أ.ف.ب)
خان يونس... معارك طاحنة تدور حالياً في معقل "حماس" (أ.ف.ب)
TT

رمزية مناطق القتال في غزة... من جباليا «مهد الانتفاضة» إلى «بورسعيد الفلسطينية»

خان يونس... معارك طاحنة تدور حالياً في معقل "حماس" (أ.ف.ب)
خان يونس... معارك طاحنة تدور حالياً في معقل "حماس" (أ.ف.ب)

تصطدم القوات الإسرائيلية بمقاومة شرسة في قطاع غزة منذ بدئها الاجتياح البري في 27 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وهي مقاومة لا تنتهي في أي مكان، وتبدو مستمرة ومتصاعدة، حتى بعد إعلان الجيش الإسرائيلي سيطرته على مناطق عدة.

ويطلق الإسرائيليون أسماء وتوصيفات للمناطق المستهدفة في القتال في محاولة لإظهار تعقيدات المشهد العسكري، على غرار كلامهم عن «مركز حكم حماس» و«وادي صواريخ الغراد» و«معقل حماس» و«الحي العسكري»، بينما تسمي «كتائب القسام» (الجناح العسكري لـ«حماس») مناطق القتال بأسمائها العادية التي يعرفها الفلسطينيون.

ومنذ الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005 لم ير سكان قطاع غزة الدبابات والآليات الإسرائيلية تقتحم بهذا الشكل عمق المدن والمخيمات التي يجري فيها قتال شرس.

«الشرق الأوسط»، في هذا التقرير، ترسم خريطة لأبرز المناطق التي توغلت بها القوات الإسرائيلية في قطاع غزة:

* حي الكرامة (يُعرف أيضاً بحي الموظفين)

يقع شمال غربي مدينة غزة، ويعد من أول المناطق التي تعرضت لأحزمة نارية مكثفة مع بداية الحرب الإسرائيلية.

كان يقطن في الحي قبل بدء الحرب الحالية نحو 30 ألف نسمة، ويعد من الأحياء الراقية نسبياً، وتوجد به أبراج الكرامة التي بنتها السلطة الفلسطينية عام 1996، وقد تضررت بشكل كبير بفعل الهجمات الإسرائيلية، كما يقطن فيه غالبية من موظفي السلطة الفلسطينية.

وهذه المرة الثانية التي يشهد فيها هذا الحي عملية برية عسكرية إسرائيلية، بعد أن دخلته قوات الاحتلال في حرب 2008 - 2009، وتسببت بأضرار كبيرة فيه. لكن هذه العملية الجارية هي الأكبر من حيث عدد القتلى والجرحى والأضرار البالغة في المنازل والممتلكات.

وعلى الرغم من سياسة التدمير التي انتهجتها القوات الإسرائيلية، إلا أن الحي شهد مقاومة عنيفة قُتل فيها العديد من الجنود الإسرائيليين، قبل أن تبسط قوات الاحتلال بعد نحو 20 يوماً من القتال الدامي سيطرتها الكاملة على الحي.

مخيم الشاطئ... ترعرع فيه مؤسس "حماس" الشيخ أحمد ياسين ومساعده آنذاك إسماعيل هنية (د.ب.أ)

*مخيم الشاطئ (يُعرف كذلك بمخيم ياسين ومخيم هنية وبدايات «حماس»)

يقع المخيم غرب مدينة غزة، ويعد من أكثر الأماكن اكتظاظاً بالسكان، ويضم نحو 103 آلاف لاجئ هُجّر أجدادهم إليه إبان نكبة عام 1948.

سُمّي بهذا الاسم لأنه يقع على شاطئ البحر المتوسط.

آخر مرة شاهد فيها أبناء المخيم الإسرائيليين كان في عام 1993.

وتتهم القوات الإسرائيلية «كتيبة الشاطئ» التابعة لـ«القسام» بأنها كانت تقف خلف العديد من الهجمات في محاور مختلفة بغلاف غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي خلال عملية «طوفان الأقصى».

يعدُّ المخيم «مخيم قادة حماس»، إذ ترعرع فيه مؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين، ومساعده آنذاك إسماعيل هنية الذي أصبح اليوم رئيس المكتب السياسي لـ«حماس».

كان المخيم مركزاً مهماً لهذه الحركة الإسلامية مع بدايات تأسيسها عام 1987، إذ شكّل ساحة لجذب الكثير من الشباب إلى صفوفها وتأطيرهم تنظيمياً.

خلال العملية العسكرية المستمرة في قطاع غزة، قضى العشرات من سكان المخيم وهجّر جميع سكانه، فيما دمرت وتضررت آلاف الوحدات السكنية. وانسحبت قوات الاحتلال منه مع بدء الهدنة الإنسانية التي دامت سبعة أيام، لكنها بقيت متمركزة على أطرافه وأطراف حيي النصر والشيخ رضوان المجاورين، حيث تقع في الحي الأول مستشفيات الرنتيسي، والأطفال، والعيون، والصحة النفسية، وهي منشآت طبية حاصرتها القوات الإسرائيلية وفتشتها وأخلتها بالقوة من المرضى والطواقم الطبية.

*حي الزيتون (حي الكمائن)

يقع هذا الحي جنوب مدينة غزة، ويقطنه أكثر من 120 ألف نسمة، وكان خلال حرب 2008 - 2009، وحرب 2014، مسرحاً لعمليات برية إسرائيلية، كما كان مسرحاً دائماً لعمليات اقتحام مماثلة إبان وجود المستوطنات داخل القطاع.

سُمّي الحي بهذا الاسم نسبة لكثرة أشجار الزيتون التي ما زالت تغطي معظم أراضيه الجنوبية حتى اليوم. فالحي القديم كان يمثّل الجزء المكمل لحي الدرج تجارياً وسكنياً قبل الحرب العالمية الأولى.

يُعد حي الزيتون معقلاً لحركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، حيث يوصف مقاتلو الحي بأنهم من أكثر المقاتلين خبرةً وشراسةً، وقد اغتالت إسرائيل عدداً من القيادات السياسية والعسكرية للحركتين في الحي على مدار سنوات طويلة من الصراع.

وقد تكبدت القوات الإسرائيلية حالياً خسائر كبيرة في الحي الذي اشتهر سابقاً بالكمائن التي نُصبت فيها للجيش الإسرائيلي، مثل «كمين الدبابة» عام 2004 عندما قُتل 6 من الجنود في عملية تفجير، وأيضاً «كمين منطقة السموني» خلال حرب غزة الأولى (2008 - 2009)، بالإضافة إلى كمائن عدة نُصبت في حرب عام 2014 وتم فيها قتل وسحب جنود عبر الأنفاق.

قطاع غزة... مناطق ومخيمات تحمل دلالات رمزية للفلسطينيين (الشرق الأوسط)

* حي تل الهوى (حي رجالات السلطة الفلسطينية ورجال الأعمال)

يُعد هذا الحي من الأحياء الراقية جنوب غربي مدينة غزة، ويقطن فيه نحو 75 ألف نسمة، وكان يعد معقلاً لحركة «فتح» والسلطة الفلسطينية التي بنت فيه الكثير من الأبراج السكنية عام 1996، ويقطنه غالبية من كبار موظفي السلطة والعاملين في أجهزتها الأمنية، والكثير من رجال الأعمال والتجار وغيرهم. كما يوجد فيه منزل الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي سيطرت عليه «حماس» في أعقاب سيطرتها على قطاع غزة عام 2006.

تعرضت أطراف الحي في حرب 2008 - 2009 لعملية توغل بري وصلت فيها القوات الإسرائيلية إلى ما يُعرف بـ«أبراج منطقة برشلونة»، منها دخلت إلى أطراف حي الصبرة ومنطقة الصناعة.

وخلال العملية الحالية، نجحت القوات الإسرائيلية بالسيطرة عليه كاملاً، بعد غارات جوية مهولة وقصف مدفعي عنيف. وخلال تقدم الجيش الإسرائيلي في الحي نجح في السيطرة على مجمع أنصار الحكومي، ومبنى الأمن، ومقرات لوزارات حكومية تابعة لحكومة «حماس»، كما التفّ من خلاله في اتجاه مستشفى الشفاء.

ولا يزال الحي يشهد هجمات متفرقة على الرغم من السيطرة الإسرائيلية عليه.

*حي الرمال («العاصمة» و«مركز حكم حماس»)

أرقى الأحياء في مدينة غزة، ويعد قلبها النابض حياتياً واقتصادياً حتى أن بعضهم يطلق عليه «العاصمة» بسبب وجود حركة تجارية دائمة فيه. وتوجد فيه الكثير من المؤسسات الاقتصادية، وحتى الحكومية، ومقر المجلس التشريعي الذي تم تفجيره.

يضم ساحة الجندي المجهول، وهي متنزه عام يؤمه الكثير من الغزيين في مختلف المناسبات، ومنها احتفالات رأس السنة وغيرها.

تقول إسرائيل إنه «مركز حكم حماس»، وقد حوّلته إلى كومة من الركام.

* بيت حانون

تقع على الحدود الشرقية والشمالية من شمال قطاع غزة، وتوغلت القوات الإسرائيلية في هذه البلدة انطلاقاً من حاجز إيرز، الذي سيطر عليه مقاتلو «حماس» خلال هجومهم المفاجئ على غلاف غزة في السابع من أكتوبر الماضي.

تعرضت البلدة التي يقطنها أكثر من 62 ألف نسمة لقصف عنيف واقتحام بري واسع، لكن المقاومة فيها عنيفة ومستمرة.

*بيت لاهيا

تقع البلدة شمال قطاع غزة. وجزء منها يطل على الحدود الشمالية للقطاع. تشهد البلدة التي يصل عدد سكانها إلى نحو 98 ألف نسمة اشتباكات عنيفة ما زالت مستمرة على الرغم من تمكن القوات الإسرائيلية من السيطرة على أجزاء كبيرة منها.

جباليا المدمرة... مهد الانتفاضة الأولى (رويترز)

*جباليا («معقل حماس» في شمال القطاع ومهد الانتفاضة الأولى)

تضم جباليا، جبالبا البلد، ومخيم جباليا، وكذلك المنطقة المعروفة بتل الزعتر، إلى جانب منطقة الفالوجا. وكل هذا المناطق، الواقعة شمال قطاع غزة، من أهم معاقل حركة «حماس»، وفيها العديد من القيادات البارزة، منهم من اغتيلوا منذ سنوات طويلة، وحتى خلال الأحداث الجارية.

تقدمت القوات البرية الإسرائيلية إلى عدة مناطق فيها مثل تل الزعتر، والفالوجا، وبعض مناطق مخيمة جباليا، وسط اشتباكات عنيفة وغير مسبوقة.

واغتالت إسرائيل في جباليا، خلال الحرب الحالية، قائد لواء شمال القطاع في «كتائب القسام»، أحمد الغندور، بالإضافة إلى عدد من القادة من مساعديه المسؤولين عن جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون.

ولمخيم جباليا تاريخ طويل من النضال، ومنه تفجّرت الانتفاضة الأولى عام 1987، كما أنه شهد عام 2004 معركة شهيرة عام سُميت باسم أيام الغضب.

ويبلغ عدد سكان جباليا بمختلف أقسامها أكثر من 360 ألف نسمة.

*حي الشجاعية (المكان الأسوأ لإسرائيل)

يقع شرق مدينة غزة، ويقطنه أكثر من 170 ألف نسمة، ويعد معقلاً للقادة العسكريين.

وكان خلال حرب 2008 - 2009، وحرب 2014، مسرحاً لعمليات برية إسرائيلية، كما كان مسرحاً دائماً لعمليات اقتحام مماثلة إبان وجود إسرائيل داخل القطاع قبيل الانسحاب عام 2005.

عاش ويعيش في الحي أبرز القادة العسكريين للفصائل، بينهم أحمد الجعبري الذي كان يوصف بأنه «قائد أركان المقاومة»، وهو الرجل الثاني في «كتائب القسام» بعد محمد الضيف، واغتيل عام 2012، وبهاء أبو العطا القيادي في «الجهاد الإسلامي» الذي اغتيل عام 2018.

يشهد الحي معارك ضارية، وتقول إسرائيل إنه «أسوأ مكان في العالم»، وفيه مقاتلون شرسون.

اشتهر الحي بعدما اختطف من على مشارفه الجندي أورون شاؤول في حرب 2014، واغتالت إسرائيل فيه قبل أيام قليلة وسام فرحات قائد كتيبة حي الشجاعية الذي كان مسؤولاً عن عملية أسر الجندي. وأصيب في تلك الحرب (2014) غسان عليان الذي كان قائداً لقوات «لواء غولاني»، واشتهرت له صورة بشظايا أصابت وجهه، وهو يعمل حالياً مسؤولاً عما يُعرف بـ«منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية»، وكان ممن يدعمون استمرار الدعم القطري لغزة مقابل الهدوء.

خان يونس... مدينة يحيي السنوار (رويترز)

*خان يونس («بورسعيد الفلسطينية» ومسقط رأس الضيف والسنوار)

أكبر محافظات قطاع غزة، وتقع جنوبه، ويعيش فيها نحو 390 ألف نسمة، وتنقسم لقسمين شرقي وغربي.

كانت أجزاء من أراضيها الغربية والشمالية والشرقية جزءاً من مستوطنات إسرائيلية مقامة داخل القطاع حتى الانسحاب عام 2005. وشهدت تلك المستوطنات سلسلة هجمات فلسطينية قُتل وأصيب فيها العشرات من المستوطنين، خصوصاً إبان الانتفاضة الثانية التي اندلعت لغاية عام 2000.

تشتهر خان يونس (أو خانيونس) بكثرة أنفاقها الهجومية والدفاعية، ولها تاريخ من المقاومة يبدأ منذ منتصف الخمسينات حين كان الناس يغنّون لها «خان يونس يا بورسعيد كفاحك كفاح مجيد».

ولد فيها محمد الضيف القائد العام لـ«القسام»، ويحيى السنوار قائد حركة «حماس» بغزة حالياً، وشقيقه محمد، أحد مساعدي الضيف وكان مسؤولاً عن أسر الجندي جلعاد شاليط، وغيرهم من كبار قادة «حماس» الذين فشلت إسرائيل حتى الآن بالوصول إليهم، رغم أنها تعدّوهم المسؤولين المباشرين عن هجوم السابع من أكتوبر.

وتشهد خان يونس حالياً معارك طاحنة.


مقالات ذات صلة

طواقم طبية: الغارات الإسرائيلية تقتل ستة في غزة

المشرق العربي امرأة تبكي خلال جنازة 6 فلسطينيين قُتلوا في غارات إسرائيلية في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز) p-circle

طواقم طبية: الغارات الإسرائيلية تقتل ستة في غزة

كشف مسؤولون في قطاع الصحة أن غارات إسرائيلية قتلت ما لا يقل عن 6 أشخاص في ​قطاع غزة، الثلاثاء، في أحدث موجة من العنف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو في مايو الماضي (أ.ب)

السيسي وبوتين يشددان على ضرورة احتواء التصعيد الراهن

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «روسيا بما لها من وزن وقدرات على المستوى الدولي قادرة على التأثير في اتجاه وقف الحرب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

خاص مصادر من «حماس» تُقر بـ«تباين» مع الوسطاء حول خطة نزع السلاح

كشفت مصادر فلسطينية أن مصر وقطر وتركيا شاركت في صياغة خطة «مجلس السلام» لنزع السلاح من غزة، بينما أقرت مصادر من «حماس» بوجود «تباين» مع الوسطاء بشأنها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فيليب لازاريني (رويترز) p-circle

«الأونروا» تطالب بالتحقيق في مقتل 390 من موظفيها خلال حرب غزة

أكد فيليب لازاريني، مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، أن مناقشات تدور حالياً لإجراء تحقيق أممي في مقتل عدد من موظفيها خلال حرب غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب) p-circle

إدانات فلسطينية وعربية ودولية لإقرار الكنيست «قانون إعدام الأسرى»

أدانت فصائل فلسطينية ومسؤولون في السلطة الفلسطينية ودولية عربية وألمانيا والاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إقرار الكنيست قانوناً يجيز إعدام الأسرى.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

هل تعاود إسرائيل احتلال مساحات واسعة من جنوب لبنان؟

آلية إسرائيلية بالقرب من الحدود مع لبنان - 30 مارس 2026 (رويترز)
آلية إسرائيلية بالقرب من الحدود مع لبنان - 30 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تعاود إسرائيل احتلال مساحات واسعة من جنوب لبنان؟

آلية إسرائيلية بالقرب من الحدود مع لبنان - 30 مارس 2026 (رويترز)
آلية إسرائيلية بالقرب من الحدود مع لبنان - 30 مارس 2026 (رويترز)

تتقدم القوات الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب مع «حزب الله»، في مناطق لبنانية محاذية لحدودها؛ ما يثير مخاوف من عزمها على احتلال مساحات واسعة من جنوب لبنان، وهو ما سبق أن قامت به لعقدين، قبل انسحابها في عام 2000.

ومنذ بدأت الحرب في الثاني من مارس (آذار)، كرّر مسؤولون إسرائيليون أن الدولة العبرية تعتزم إقامة «منطقة أمنية» داخل لبنان، وصولاً إلى نهر الليطاني (على مسافة نحو 30 كلم من الحدود)، هدفها المعلن هو وضع حد لتهديد «حزب الله» لمناطق شمال إسرائيل، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

في المقابل، يرى لبنان أن ما تقوم به إسرائيل يعكس «نية واضحة لفرض احتلال جديد لأراض لبنانية»، بحسب ما قال وزير الدفاع، ميشال منسى.

وسبق للجيش الإسرائيلي أن اجتاح جنوب لبنان بداية عام 1978، وأتبعه باجتياح أوسع نطاقاً في 1982 وصل حتى بيروت، بهدف معلَن، هو إبعاد منظمة التحرير الفلسطينية. وتراجعت القوات الإسرائيلية تباعاً، خلال الأعوام التالية، إلى أن أقامت ما عُرِف بمنطقة «الحزام الأمني» في جنوب البلاد.

إلى أي مدى يمكن أن يذهب التوغل الإسرائيلي هذه المرة؟

صورة من مدينة صور الساحلية الجنوبية تُظهر دخاناً يتصاعد من موقع غارة إسرائيلية استهدفت قرية المنصوري - 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ما الذي يجري على الأرض؟

تتقدم أربع فرق عسكرية في جنوب لبنان، بحسب مصدر في الجيش الإسرائيلي.

وقال مصدر عسكري غربي في جنوب لبنان إن «الإسرائيليين يتقدمون على محور تلو الآخر، ويدمرون القرى الحدودية أثناء تقدمهم»، مشيراً إلى أن القوات الإسرائيلية سيطرت على بلدة الخيام المحاذية للحدود، في جنوب شرقي البلاد.

في المقابل، يعلن «حزب الله» يومياً تنفيذ هجمات متكررة ضد القوات الإسرائيلية. لكن المصدر الغربي قال إن هذه الهجمات لا تصد تقدم القوات، وإن الحزب يسعى «إلى تحقيق انتصارات رمزية، مثل تدمير دبابات (ميركافا)».

ويشرح الباحث المتخصص بالملف اللبناني في مجموعة الأزمات الدولية، ديفيد وود، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنه كلما مضت إسرائيل أعمق داخل لبنان، فإنها «تدخل نمطاً من الحرب قد يلائم (حزب الله) أكثر، أي حرب العصابات القائمة على الكر والفر».

وفي مقابل التقدُّم الإسرائيلي، أعلن الجيش اللبناني «إعادة تموضع وانتشار» قواته في أجزاء من جنوب لبنان. وأوضح مصدر عسكري لبناني أن الجيش ذا الإمكانيات المحدودة يخشى أن يتعرض للاستهداف أو الحصار، مشيراً إلى أن القوات الإسرائيلية توغلت في بعض الأماكن حتى 10 كيلومترات.

وأسفر القصف الإسرائيلي عن مقتل جندي لبناني في نقطة عسكرية بالجنوب. أما قوات الأمم المتحدة (يونيفيل)، فهي غير قادرة على وقف الاشتباكات، وقد خسرت ثلاثة من جنودها منذ بدء الحرب.

ماذا تريد إسرائيل؟

صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الأسبوع الماضي، أن إسرائيل تريد السيطرة على جنوب نهر الليطاني، محذّراً من أن مئات الآلاف من السكان الذين نزحوا منها لن يعودوا قبل ضمان أمن شمال إسرائيل. كما توعّد بأنه «سيتم هدم كل المنازل في القرى المتاخمة للحدود في لبنان، على غرار نموذج رفح وبيت حانون في غزة».

وحذر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، من أن جنوب لبنان قد يصبح «أرضاً محتلة» أخرى في الشرق الأوسط.

ومنذ بدء الحرب، أصدر الجيش الإسرائيلي إنذارات للسكان بإخلاء مناطق واسعة في جنوب لبنان تتجاوز نهر الليطاني، وتمتد إلى شماله.

يرى الخبير بشؤون لبنان في جامعة تل أبيب، إيال زيسر، أنه ينبغي عدم التعامل مع تصريحات كاتس على أنها مسلّمات.

وقال في تصريحات لمكتب «وكالة الصحافة الفرنسية» في القدس إن كاتس «بارع في إطلاق التصريحات، لكن يجب دائما التحقق أولاً مما إذا كانت تتوافق كلياً» مع موقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

وكان نتنياهو أمر القوات بـ«توسيع نطاق» ما يُسمى «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان «من أجل تحييد خطر التسلل نهائياً (من جانب مقاتلي حزب الله) وإبعاد نيران الصواريخ المضادة للدروع عن الحدود».

ولم يأتِ رئيس الوزراء على ذكر احتلال طويل الأمد لجنوب لبنان، أو تهجير سكانه لفترات ممتدة.

شاحنة عسكرية إسرائيلية تحمل دبابة في منطقة الجليل الأعلى شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان في 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

هل يبدو الاحتلال ممكناً؟

احتلت إسرائيل أنحاء من جنوب لبنان اعتباراً من عام 1978، ووسّعت نطاق ذلك خلال اجتياح 1982، وقد تراجعت تدريجياً، لكنها أبقت على احتلالها لشريط داخل الأراضي اللبنانية بعمق يصل إلى 20 كيلومتراً حتى عام 2000.

وأتى الانسحاب الأخير بعد أعوام طويلة من المواجهات مع مقاتلي «حزب الله» الذي نشأ عقب اجتياح عام 1982، ونفّذ هجمات على مواقع القوات الإسرائيلية والمتعاملين معها في جنوب لبنان.

وقبل الحرب الراهنة، خاضت إسرائيل والحزب مواجهة بدأت في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وانتهت باتفاق لوقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحتى بعد الاتفاق، ألحقت القوات الإسرائيلية أضراراً واسعة بقرى وبلدات حدودية أو دمرتها، عبر القصف والتفجير وتجريف مساحات زراعية. كما أبقت على قواتها في خمس نقاط لبنانية، وواصلت تنفيذ الغارات الجوية في مناطق عدة، مؤكدة أنها لن تسمح للحزب بترميم قدراته.

يشير المحلل وود إلى أن أي احتلال جديد لجنوب لبنان سيخلق «تهديدات أمنية جديدة» للدولة العبرية. ويقول: «إذا حرمت إسرائيل السكان من حق العودة إلى منازلهم وأراضيهم، فستظهر مجموعات مقاومة مسلحة، أو ستواصل مجموعات قائمة بالفعل خوض هذا النضال».


الحرب تفقد لبنان شريان الدولار: التحويلات تتراجع وخسائر بمئات الملايين

المصرف المركزي اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)
المصرف المركزي اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

الحرب تفقد لبنان شريان الدولار: التحويلات تتراجع وخسائر بمئات الملايين

المصرف المركزي اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)
المصرف المركزي اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)

بين 600 دولار كانت تصلها شهرياً، و200 دولار وصلتها في الشهر الأخير، تختصر أمّ لبنانية مسار الانحدار الذي أصاب أحد آخر مصادر دخلها التي توفر لها الاستقرار المالي. تقول: «كان ابني يرسل لي 600 دولار شهرياً، أعيش منها وأؤمّن دوائي وحاجاتي الأساسية. بعد الحرب، صار التحويل لا يتجاوز 200 دولار».

تختصر هذه الأم، أحوال اللبنانيين الذين تراجعت تحويلات ذويهم لهم من الاغتراب، إلى نسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة، وذلك خلال الحرب التي تركت آثارها على دول كثيرة، كما على لبنان، لناحية التضخم والعراقيل التي تضغط على التحويلات. وحضر الملف المالي في اللقاء الذي جمع الرئيس اللبناني جوزيف عون بحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، حيث تم عرض الأوضاع المالية والنقدية الراهنة، ومستوى الاستقرار النقدي، والإجراءات الاحترازية التي يتخذها المصرف المركزي بهدف الحفاظ على الاستقرار وتأمين السيولة في الأسواق.

انكماش متسارع وضغوط متزايدة

وصلت أصداء هذا الملف إلى الحكومة، حيث عرض وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط أمام مجلس الوزراء، الخميس، «تقديرات محدثة وفق معطيات الحرب»، مشيراً إلى «انكماش اقتصادي وتراجع في المداخيل بفعل النزوح الكثيف، مع ارتفاع ملحوظ في معدلات البطالة». وكشف عن «دراسات قطاعية وميدانية تُظهر تدهور المؤشرات، مقدّرة الانكماش بين 7 و10 في المائة، بالتوازي مع تباطؤ تدفق الأموال إلى البلاد».

وأكد أن «الوضع لا يزال مضبوطاً نسبياً، مع استمرار وزارة الاقتصاد في ملاحقة الاحتكار والغش عبر عشرات المحاضر والإحالات القضائية ومصادرة السلع المخالفة». وحذّر «من أن إطالة أمد الحرب سترفع المخاطر الاقتصادية»، لافتاً إلى أن التضخم يشكّل تحدياً حقيقياً، فيما لا يزال ميزان المدفوعات ضمن حدود مقبولة.

تأثير على حياة اللبنانيين

وتقول الأم اللبنانية لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أرتّب حياتي على المبلغ الذي أتقاضاه شهرياً على أنه تحويل من ابني وهو 600 دولار، أدفع ثمن الدواء أولاً، ثم أؤمّن حاجات البيت. اليوم صرت أقنّن المصروف. حتى فاتورة الكهرباء لم أعد قادرة على دفعها بانتظام».

وتضيف: «أصبحت أشتري كميات أقل من كل شيء، وأؤجّل ما يمكن تأجيله. أحياناً أطلب الدواء بالدَّين من الصيدلية، لم أكن أتخيّل أن أصل إلى هنا».

في البقاع، يروي أبو محمد تجربة مشابهة: «ابني كان يرسل 400 دولار شهرياً، اليوم بالكاد تصل 200». ويضيف: «كنت أعتمد على هذا المبلغ لتغطية الإيجار والمصاريف الأساسية. الآن، كل شيء تغيّر. صرنا نعيش على التقسيط اليومي... نشتري بالحد الأدنى، ونؤجل كل شيء، الإيجار، الفواتير، حتى بعض الحاجات الأساسية». ويتابع «أحياناً نجتمع كعائلة لنقرّر ما الذي يمكن دفعه هذا الشهر وما الذي نؤجّله. هذا لم يكن موجوداً سابقاً. اليوم أصبح جزءاً من حياتنا اليومية».

العمود الفقري للاقتصاد يتآكل

ويؤكّد الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان، أنّ التحويلات المالية شكّلت «العمود الفقري للاقتصاد اللبناني منذ أزمة عام 2019»، مشيراً إلى أنّ «الاقتصاد يعتمد عليها بشكل أساسي لتأمين العملات الصعبة، في ظل استيراد لبنان نحو 85 في المائة من حاجاته الاستهلاكية».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أنّ «حجم التحويلات السنوية يُقدّر بنحو 6 مليارات دولار، بينها نحو 3 مليارات من دول الخليج»، لافتاً إلى أنّ هذه التحويلات «بدأت تشهد تراجعاً ملموساً، حيث سُجّل انخفاض لا يقل عن 5 في المائة خلال الشهر الأول من الأزمة». مضيفاً: «تداعيات الأزمات لا تظهر فوراً، بل تبدأ بالتصاعد تدريجياً في الأشهر التالية، ما يعني أنّ الانخفاض مرشّح للتفاقم».

خسائر بمئات الملايين

ويتوقّع أبو سليمان أن «تتراجع التحويلات بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة، أي ما يعادل خسارة سنوية تتراوح بين 450 و500 مليون دولار، وهو ما يوازي نحو 40 مليون دولار شهرياً»، مشيراً إلى أنّ «هذه الخسارة تترافق مع فقدان عدد من اللبنانيين وظائفهم في الخليج، ما يفاقم الضغوط الداخلية مع عودتهم إلى لبنان».

ويشير إلى أنّ الحرب أثّرت أيضاً على موارد العملة الصعبة الأخرى، ولا سيما القطاع السياحي، قائلاً إن «المواسم التي كانت تضخ دولارات إلى السوق، مثل فترة عيد الفصح، غابت هذا العام، ما يزيد من وتيرة نزف العملات الأجنبية». مضيفاً أنّ «ارتفاع أسعار النفط عالمياً يفاقم الأزمة، إذ إن لبنان من أكثر الدول تضرراً من تكلفة الطاقة»، موضحاً أنّ «الخزينة تتحمّل أعباء إضافية تُقدّر بنحو 18 في المائة نتيجة هذه الزيادات».

جمعية مصارف لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

ويشدّد على أنّ التضخم العالمي ينعكس مباشرة على لبنان، قائلاً: «نحن لا نستورد السلع فقط، بل نستورد معها التضخم، في ظل غياب الإنتاج المحلي والاكتفاء الذاتي». محذراً من أنّ «الواقع الاقتصادي مرشح لمزيد من التدهور إذا استمرت الحرب». معتبراً أنّ لبنان «يواجه اليوم مزيجاً من أزمات محلية وإقليمية وعالمية، تشمل تداعيات النزاعات في المنطقة وارتفاع أسعار النفط عالمياً، إضافة إلى عبء النزوح، ما يجعل الوضع الحالي أسوأ من أزمات سابقة شهدها البلد».

تراجع مستمر وأُفق ضبابي

في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة، أنّ «التحويلات المالية إلى لبنان سجّلت تراجعاً ملحوظاً»، مشيراً لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «الانخفاض كان بحدود 5 في المائة في الأسبوع الماضي، لكن مع استمرار التطورات قد نكون اليوم بين 5 و10 في المائة، من دون وجود رقم دقيق بسبب تغيّر المعطيات بشكل مستمر».

ويوضح أنّ «هذا التراجع له تفسير منطقي، إذ إنّ اللبنانيين العاملين في دول الخليج وأوروبا تأثروا بدورهم بتباطؤ الأوضاع الاقتصادية هناك»، لافتاً إلى أنّ «الأزمة لم تعد محصورة ببلد أو منطقة، بل هي أزمة عالمية تطال مختلف الدول، وإن كانت تداعياتها تختلف من مكان إلى آخر».

ويشدّد على أنّ «تحويلات المغتربين تُعدّ عنصراً أساسياً وجوهرياً، إلى جانب السياحة التي يساهم فيها المغتربون بالدرجة الأولى»، مضيفاً أنّ «القطاع السياحي متوقف بالكامل تقريباً، ويمكن القول إن الموسم قد طار، وحتى الموسم الصيفي المقبل ليس مضموناً، إذ إن التعافي لن يكون سريعاً حتى في حال انتهاء الحرب».

ويشير إلى أنّ «إيرادات السياحة كانت تُقدّر بين 4 و4.5 مليار دولار سنوياً، وهي تُعدّ مصدراً مهماً للعملة الصعبة»، لافتاً إلى أنّ «الصادرات أيضاً ستتراجع، مع توقّعات بانخفاضها بنحو 10 في المائة، نتيجة تضرر القطاع الزراعي في الجنوب والبقاع، وارتفاع تكلفة الإنتاج الصناعي بسبب ارتفاع أسعار النفط».

الدولار ينكمش... والمخاطر تتوسع

ويعتبر عجاقة أنّ «تحويلات المغتربين تُشكّل اليوم عنصر الصمود الأخير لكثير من العائلات اللبنانية، إلا أنّ هذا العنصر بدأ يتعرض للضرب مع التراجع الحالي»، محذراً من أنّ «أخطر التداعيات تتمثل في نقص الدولارات في السوق، ما يطرح تساؤلات حول القدرة على تمويل الاستيراد من محروقات ومواد غذائية وأدوية».

ويوضح أنّ «أي حل مرحلي قد يكون عبر تدخل مصرف لبنان وتمويل الاستيراد من احتياطاته بالعملات الأجنبية، لكن ذلك يضع الاقتصاد فيما يشبه إدارة الأزمة، حيث كلما طال أمدها تفاقمت التداعيات». مشيراً إلى أنّ «الضغوط لا تقتصر على العوامل الاقتصادية، بل تشمل أيضاً إجراءات تؤدي إلى الحد من تدفق الدولار إلى الداخل، ما ينعكس مزيداً من التراجع في الكتلة النقدية بالدولار».


لبنان يحتوي أزمة السفير الإيراني: المعالجة بين عون وبري... و«الثنائي» يعود إلى الحكومة

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يتحدث مع وزير الصحة راكان ناصر الدين أحد ممثلي «حزب الله» في الحكومة قبل جلسة مجلس الوزراء (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يتحدث مع وزير الصحة راكان ناصر الدين أحد ممثلي «حزب الله» في الحكومة قبل جلسة مجلس الوزراء (رئاسة الحكومة)
TT

لبنان يحتوي أزمة السفير الإيراني: المعالجة بين عون وبري... و«الثنائي» يعود إلى الحكومة

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يتحدث مع وزير الصحة راكان ناصر الدين أحد ممثلي «حزب الله» في الحكومة قبل جلسة مجلس الوزراء (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يتحدث مع وزير الصحة راكان ناصر الدين أحد ممثلي «حزب الله» في الحكومة قبل جلسة مجلس الوزراء (رئاسة الحكومة)

احتوى لبنان، الخميس، الأزمة المترتبة على إبعاد السفير الإيراني، محمد رضا شيباني، من بيروت، إذ استأنف وزراء الثنائي «حزب الله» و«حركة أمل» المشاركة في جلسات مجلس الوزراء، فيما تُرك أمر معالجة التداعيات لتواصلٍ بين رئيسَي؛ الجمهورية جوزيف عون، والبرلمان نبيه بري، كما أُرجئت أزمة أخرى متصلة بقرار فصل جناحَي «حزب الله»؛ «العسكري» و«السياسي»، إلى ما بعد الحرب، رغم مناقشة ملف متصل به، في جلسة الحكومة الخميس.

جانب من جلسة مجلس الوزراء في السراي الحكومي برئاسة سلام (رئاسة الحكومة)

وترأس رئيس الحكومة، نواف سلام، جلسة لمجلس الوزراء شارك فيها وزراء «الثنائي الشيعي» الذين قاطعوا الجلسة الماضية على خلفية قرار وزارة الخارجية الذي عدّ السفير الإيراني، محمد رضا شيباني، «شخصاً غير مرغوب فيه»؛ مما أثار أزمة سياسية بين «الثنائي الشيعي» وباقي مكونات الحكومة. وأثمرت الاتصالات السياسية في الأسبوع الماضي ما تشبه «تسوية»؛ تقوم على أن وزارة الخارجية لا تتراجع عن قرارها، فيما لا يغادر السفير الإيراني الأراضي اللبنانية.

وقالت مصادر وزارية شاركت في جلسة مجلس الوزراء لـ«الشرق الأوسط»، إن قرار وزارة الخارجية بحق السفير الإيراني «تُرك للمعالجة بالتواصل السياسي بين الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس البرلمان نبيه بري»؛ مما يعني أن هذه الأزمة حُيّدت للمعالجة من خارج مجلس الوزراء، فيما تٌستأنف المشاركة في الجلسات. وجاء هذا المخرج، بعد اتصالات بين القوى السياسي ورئيسَي الجمهورية والحكومة لإيجاد الحل.

وفي حين ناقشت الجلسة الوزارية «بنوداً عادية»، مثل الموافقة على قرضين لمصلحة وزارة المال ووزارة الصحة، طُرح للنقاش ملف إرسال وزارة الخارجية إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة، رسالة مرفقة بنص قرار الحكومة الصادر في 2 مارس (آذار) الماضي، الذي يحظر الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله».

وقالت المصادر الوزارية إن هذا الملف طُرح للنقاش، «وأوضح وزير الخارجية، يوسف رجّي، ورئيس الحكومة أن هذه الرسالة روتينية، لا تبعات قانونية لها، وهي مرتبطة بالقرار (1701)» الصادر عن مجلس الأمن بعد حرب يوليو (تموز) 2006.

من جهته، قال وزير يمثّل «الثنائي الشيعي» لـ«الشرق الأوسط» إن القرار نفسه الذي اتخذته الحكومة في جلسة 2 مارس، لم يُبحث، مضيفاً أن النقاش فيه «لن يكون في ظل الحرب، أما بعدها؛ فلكل حادث حديث».

ويشير ذلك إلى أن القرار المذكور، الذي يفرق بين جناحي «حزب الله»؛ «السياسي» و«العسكري»، هو مادة خلافية، ويُفهم على أنه أزمة مؤجلة إلى ما بعد الحرب، بالنظر إلى أن «حزب لله» يرفض هذا القرار.

لبناني نزح مع عائلته من الضاحية الجنوبية إلى وسط بيروت (رويترز)

وكانت وزارة الخارجية بعد جلسة مجلس الوزراء يوم 2 مارس الماضي، بعثت برسالة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، أبلغتهما فيها أنه «في ضوء الأوضاع المستجدّة بالمنطقة؛ بما في ذلك في لبنان، نودعكم؛ ربطاً، القرار الذي اعتمده مجلس الوزراء بشأن حظر الأنشطة العسكريّة والأمنية لـ(حزب الله)، وإلزامه بتسليم سلاحه». وطالبت وزارة الخارجية اللبنانية الأمم المتحدة بتعميم الرسالة والقرار الحكومي المرفق، بوصفهما «وثيقةً من وثائق الجمعيّة العامّة في إطار (البند الـ34) من جدول الأعمال، ومن وثائق مجلس الأمن».

سلام

وكان رئيس الحكومة قال في مستهل الجلسة: «انقضى شهرٌ على حربٍ مدمّرة، حذّرنا منها، وخشيَ معظم اللبنانيين اندلاعها، ورأوا أنّها فُرضت على بلدنا... لقد مضى شهرٌ على إعلان مجلس الوزراء رفضه التام أي عملٍ عسكري خارج مؤسسات الدولة الشرعية، وتأكيده أنّ قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصراً بيد الدولة». وتابع: «أرى لزاماً عليَّ، وعلى مجلس الوزراء، أن نُجدّد حرصنا على تجنيب لبنان المزيد من المآسي والخسائر جرّاء الاعتداء على سيادته وعلى مدنه وقراه. كما أُجدّد التزامنا العمل بالوسائل المتاحة كافةً من أجل وقف الحرب. لذلك؛ لن نألو جهداً في سبيل حشد الدعم العربي والدولي، بظلّ الأوضاع الإقليمية المتفجّرة التي حوّلت لبنان مرّةً أُخرى ساحةً من ساحات النزاع المحتدم في المنطقة كلّها».

وتابع: «لقد أصبح لبنان ضحيةَ حربٍ لا يمكن أن يجزم أحدٌ بنتائجها أو موعد انتهائها. وهذا ما يدعونا إلى مضاعفة مساعينا السياسية والدبلوماسية لجهة وقف التعديات المتواصلة على سيادتنا وسلامة أراضينا، وإدانة الخروقات الفاضحة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني»، مشدداً على أنّه «لا شيء يكرّس ربط الصراع على أرضنا بحروب الآخرين، التي لا مصلحة وطنية لنا فيها لا من قريبٍ ولا من بعيد، أكثر ممّا يُعلن عنه من أعمالٍ عسكرية كعملياتٍ مشتركة ومتزامنة مع (الحرس الثوري) الإيراني».