معارك عنيفة بين إسرائيل و«حماس» في خان يونس وأنحاء القطاع

دخان يتصاعد أثناء القصف الإسرائيلي على غزة صباح اليوم (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد أثناء القصف الإسرائيلي على غزة صباح اليوم (أ.ف.ب)
TT

معارك عنيفة بين إسرائيل و«حماس» في خان يونس وأنحاء القطاع

دخان يتصاعد أثناء القصف الإسرائيلي على غزة صباح اليوم (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد أثناء القصف الإسرائيلي على غزة صباح اليوم (أ.ف.ب)

تتواصل معارك عنيفة اليوم الخميس في قطاع غزة بين «حماس» والجيش الإسرائيلي الذي سيطر على مدينة خان يونس حيث يطارد زعيم الحركة في القطاع يحيى السنوار المتهم بأنه مهندس هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) على الدولة العبرية.

ومع اشتداد الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية المتزايد، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الأربعاء من «انهيار كامل وشيك للنظام العام» في قطاع غزة، مجدداً دعوته إلى وقف إطلاق نار إنساني، مما أثار تنديداً من إسرائيل، وفقاً لما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية.

غير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن خلال الليل أنّ الدولة العبرية ستسمح بزيادة «بالحدّ الأدنى» لإمدادات الوقود إلى جنوب غزة بما يكفي «لتجنّب انهيار إنساني» وتفشي أوبئة في القطاع.

وبموازاة حملة القصف المدمر التي باشرتها رداً على هجوم «حماس» غير المسبوق، تشن إسرائيل منذ 27 أكتوبر هجوماً برياً في شمال غزة، وسعت نطاقه إلى مجمل القطاع الصغير المحاصر تماماً والمكتظ بالسكان، مما يدفع المدنيين إلى النزوح إلى دائرة تضيق بشكل متزايد في رفح على الحدود مع مصر.

وفي خان يونس، كبرى مدن جنوب قطاع غزة، وصل الجنود بالمدرعات والجرافات إلى وسط المدينة، بحسب ما أفاد شهود.

وأكد الجيش الإسرائيلي مساء الأربعاء «خرق الخطوط الدفاعية» لحماس و«تصفية عدد من الإرهابيين» وتدمير نحو «ثلاثين مدخل نفق».

وتواصل تصاعد أعمدة دخان أسود كثيف وألسنة نيران فوق غزة مساء الأربعاء بعد يوم شهد إطلاق صواريخ من رفح على إسرائيل.

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأربعاء أن القوات الإسرائيلية «تحاصر منزل السنوار» في خان يونس.

من جهته، قال المتحدث العسكري دانيال هغاري إن «السنوار يختبئ تحت الأرض»، في إشارة إلى شبكة أنفاق حركة «حماس».

والسنوار (61 عاماً) الذي قضى 23 عاماً في السجون الإسرائيلية، متّهم بالوقوف خلف هجوم «حماس» المباغت الذي يعدُّ الأسوأ ضد المدنيين في تاريخ إسرائيل.

وقتل في إسرائيل 1200 شخص غالبيتهم من المدنيين قضوا في اليوم الأول من هجوم «حماس»، وفق السلطات الإسرائيلية. وقتل 83 جندياً في المعارك في قطاع غزة.

ومن الجانب الفلسطيني، قتل 16 ألف و248 شخصاً منذ بدء الحرب، أكثر من 70 في المائة منهم من النساء والأطفال، وفق حكومة «حماس».

وتفيد إسرائيل أن 138 رهينة اقتيدوا إلى قطاع غزة في يوم الهجوم لا يزالون محتجزين بعد الإفراج خلال الهدنة عن 105 رهائن من بينهم 80 إسرائيلياً أفرج عنهم مقابل إطلاق الدولة العبرية سراح 240 معتقلاً فلسطينياً من سجونها.

وقتل ثلاثة جنود إسرائيليين الأربعاء في المعارك في قطاع غزة، بحسب الجيش.

وأعلن الجيش الإسرائيلي من جهة أخرى أنه اكتشف في شمال القطاع «أحد أكبر مستودعات الأسلحة» في كل غزة، مشيراً إلى أنه يقع «بين المدنيين» قرب عيادة ومدرسة، معتبراً ذلك «دليلاً آخر على استخدام حماس سكان قطاع غزة دروعاً بشرية».

كما أعلن أنه قتل حتى الآن «نصف قادة حماس».

من جهتها، أكدت الحركة عبر تطبيق «تلغرام» أن كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكري لـ«حماس»، تخوض «اشتباكات عنيفة مع قوات الاحتلال في جميع محاور التوغل في قطاع غزة».

وقال حسن القاضي، الذي نزح من خان يونس إلى رفح، متحدثاً لوكالة الصحافة الفرنسية «المدينة برمتها تتعرض للتدمير والقصف المتواصل، يصل الكثيرون من الشمال في ظروف كارثية، بلا ملجأ، يبحثون عن أطفالهم».

وفي ظل تزايد حصيلة القتلى ونقص المواد الغذائية ونزوح الآلاف، استخدم غوتيريش للمرة الأولى منذ توليه الأمانة العامة في 2017 إلى المادة 99 من ميثاق المنظمة الأممية التي تتيح له «لفت انتباه» المجلس إلى ملف «يمكن أن يعرض حفظ السلام والأمن الدوليين للخطر»، في وقت أفاد دبلوماسيون أن مجلس الأمن سيجتمع الجمعة للنظر في هذه الدعوة.

وكتب الأمين العام «مع القصف المستمر للقوات الإسرائيلية، ومع عدم وجود ملاجئ أو حد أدنى للبقاء، أتوقع انهياراً كاملاً وشيكاً للنظام العام بسبب ظروف تدعو إلى اليأس، الأمر الذي يجعل مستحيلاً (تقديم) مساعدة إنسانية حتى لو كانت محدودة».

ورد وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين عبر منصّة «إكس»، معتبراً أنّ «ولاية غوتيريش تمثّل تهديداً للسلام العالمي. إنّ مطالبته بتفعيل المادة 99 (من ميثاق الأمم المتحدة) والدعوة لوقف إطلاق النار في غزة يشكّلان دعماً لمنظمة حماس (الإرهابية)»، حسب قوله.

كذلك دعا قادة دول مجموعة السبع خلال اجتماع عبر الفيديو الأربعاء إلى تحرك عاجل لمواجهة الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، معلنين تأييدهم لهدنات جديدة ومكررين دعمهم قيام دولة فلسطينية.

كما دعت وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا إلى جانب ممثلين لنحو خمسين دولة ومنظمة دولية الأربعاء إلى احترام القانون الدولي في غزة، وإلى «هدنة إنسانية جديدة فورية ودائمة... تؤدي إلى وقف دائم لإطلاق النار»، خلال اجتماع متابعة عبر الفيديو للمؤتمر الإنساني الدولي من أجل المدنيين في قطاع غزة الذي نظمه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 9 نوفمبر (تشرين الثاني).

وقال مكتب نتنياهو في منشور على منصّة «إكس» إنّ الحكومة الأمنية المصغّرة وافقت مساء الأربعاء على إدخال «حدّ أدنى من الوقود (الضروري لمنع حصول انهيار إنساني وتفشّي الأوبئة) إلى جنوب قطاع غزة»، موضحاً أن هذه «الكميّة الدنيا سيتمّ تحديدها بشكل دوري من قبل مجلس الحرب» الإسرائيلي، الذي يدير المعركة ضدّ «حماس»، وذلك تبعاً لتطوّرات الوضع الإنساني في القطاع الفلسطيني.

وصدر هذا الإعلان بعد يومين على دعوة الولايات المتحدة، أكبر حلفاء إسرائيل، إلى السماح بدخول كميات أكبر من الوقود إلى غزة.

وتفيد الأمم المتحدة أن 1.9 مليون شخص أي 85 في المائة من سكان القطاع نزحوا جراء الحرب في قطاع غزة حيث تعرّض أكثر من نصف المساكن للدمار أو لأضرار.

وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق المساعدات الإنسانية (أوتشا) إن مدينة رفح باتت المنطقة الوحيدة في قطاع غزة التي توزّع فيها المساعدات الإنسانية بكميات محدودة، فيما لم تعد تصل بشكل شبه كامل تقريباً إلى خان يونس، والوصول إلى المناطق الواقعة شمالاً غير ممكن.

ويلقي الجيش الإسرائيلي يومياً على خان يونس منشورات تحذّر من قصف وشيك وتطلب من السكان مغادرة مناطق سكنهم. إلا أن الأمم المتحدة التي قدّرت أن 28 في المائة من أراضي قطاع غزة مشمولة بهذه الأوامر، ترى أنه «من المستحيل» إقامة مناطق آمنة لاستقبال المدنيين كما حددتها إسرائيل.

وأقام فلسطينيون فروا من خان يونس على مسافة أقل من عشرة كيلومترات مخيماً بواسطة شوادر وأغطية بلاستيكية وألواح خشب، فيما يهيم بعض النازحين حاملين صفائح بحثاً عن بعض الماء.

قال غسان بكر لوكالة الصحافة الفرنسية: «وصلنا إلى هنا من دون ملجأ، قضينا الليل تحت المطر، لا نملك طعاماً ولا خبزاً ولا طحيناً».

وقالت أمل مهدي، التي نجت من غارة: «إننا منهارون، نحن بحاجة إلى من يدعمنا، إلى من يجد حلاً يخرجنا من هذا الوضع».


مقالات ذات صلة

عصابة مسلحة مدعومة إسرائيلياً تحرق منازل في غزة

المشرق العربي امرأة فلسطينية نازحة تقف على شرفة داخل مبنى مهدم في جامعة الأقصى جنوب غزة يُستخدم كمأوى (رويترز) p-circle

عصابة مسلحة مدعومة إسرائيلياً تحرق منازل في غزة

في تصعيد لافت، أفاد سكان في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، بأن عناصر تابعة لعصابات مسلحة موالية لإسرائيل أحرقت، يوم الخميس، أراضي ومنازل ثابتة، وصوبات زراعية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية ينظر ابن الصحافي محمد وشاح نحو سترة وميكروفون موضوعين على جثمان والده خلال جنازته في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يقول إن صحافي قتله في غزة ينتمي إلى «حماس»

قال الجيش الإسرائيلي إن الصحافي محمد وشاح، مراسل قناة «الجزيرة مباشر» الذي قتله في غارة جوية على غزة الأربعاء، كان عنصراً في حركة «حماس» يعمل بغطاء مراسل صحافي.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص فلسطينيون يتفقدون الأضرار بعد قصف إسرائيلي في مدينة غزة يوم الاثنين (رويترز)

خاص هل تعوِّل «حماس» على مفاوضات إيران لحل أزمة «نزع السلاح»؟

فرضَ وقف النار الذي أعلنته أميركا وإيران لأسبوعين والتفاوض لإبرام اتفاق نهائي، تساؤلات حول تعويل «حماس» على مخرجاته لإرجاء أو تعديل مسار «نزع السلاح» من غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون بجوار جثامين ضحايا غارة جوية إسرائيلية في وسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle 02:23

خاص محاولة لاختطاف نشطاء من «القسام» تنتهي بمجزرة وسط غزة

أسفرت محاولة عناصر عصابة مسلحة موالية لإسرائيل اختطاف نشطاء من «كتائب القسام» الذراع العسكرية لـ«حماس» وسط غزة عن مقتل ما لا يقل عن 10 فلسطينيين وإصابة 15.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا أطفال يبحثون عن مواد قابلة للتدوير في ساحة نفايات بمخيم البريج للاجئين الفلسطينيين بغزة (أ.ف.ب) p-circle

خبراء: رفض «القسام» نزع السلاح «توزيع أدوار»

دخلت «كتائب القسام» الذراع العسكرية لحركة «حماس» للمرة الأولى منذ أشهر في جدل تسليم السلاح، بعد دخول ذلك الملف مراحل متقدمة في النقاشات مع الوسطاء.

محمد محمود (القاهرة )

ستارمر: هجوم إسرائيل على لبنان خطأ

ستارمر
ستارمر
TT

ستارمر: هجوم إسرائيل على لبنان خطأ

ستارمر
ستارمر

أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الخميس، أن ضرب إسرائيل للبنان خطأ، بغضّ النظر عن التفاصيل الدقيقة لأي اتفاق مبرم، وفق ما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

ونقلت الوكالة عن ستارمر قوله، الخميس: «ينبغي ألا يحدث ذلك، ويجب أن يتوقف. هذا هو موقفي الثابت. الأمر ليس مجرد سؤال تقنيّ عما إذا كان ذلك خرقاً للاتفاق أم لا، بل هو بالنسبة لي مسألة مبادئ».

وذكرت وكالة الأنباء البريطانية «بي إيه ميديا» أن ستارمر يزور الدول الحلفاء في المنطقة لإجراء مباحثات بشأن تثبيت وقف إطلاق النار والخطوات اللازمة لإعادة الثقة لاستعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز.


«حزب الله» يعلن استهداف مستوطنة إسرائيلية وثكنة ودبابة

جنود إسرائيليون يقودون سياراتهم في جنوب لبنان كما يُرى من شمال إسرائيل 9 أبريل 2026 (أ.ب)
جنود إسرائيليون يقودون سياراتهم في جنوب لبنان كما يُرى من شمال إسرائيل 9 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

«حزب الله» يعلن استهداف مستوطنة إسرائيلية وثكنة ودبابة

جنود إسرائيليون يقودون سياراتهم في جنوب لبنان كما يُرى من شمال إسرائيل 9 أبريل 2026 (أ.ب)
جنود إسرائيليون يقودون سياراتهم في جنوب لبنان كما يُرى من شمال إسرائيل 9 أبريل 2026 (أ.ب)

أعلن «حزب الله» في 5 بيانات، الخميس، أن عناصره استهدفوا دبابة ميركافا على طريق بلدتي الطيبة دير سريان في جنوب لبنان بمسيّرة انقضاضية. كما استهدفوا مستوطنة مسكاف عام للمرة الثانية وثكنة هونين الإسرائيلية، بصليات صاروخية، ردّاً على خرق إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وكان «حزب الله» قد أعلن في بيانات سابقة، الخميس، أن عناصره استهدفوا مستوطنة المنارة الإسرائيلية بصلية صاروخية، واستهدفوا آلية «نميرا» إسرائيلية بصاروخ موجّه، وقوة إسرائيلية متموضعة داخل منزل بمسيّرة في بلدة الطيبة، جنوب لبنان. واستهدفوا مستوطنتي كريات شمونة والمطلة الإسرائيليتين بصليات صاروخية. كما أعلن «حزب الله» في بيانات سابقة، اليوم (الخميس)، أن عناصره استهدفوا جنوداً إسرائيليين في موقع المرج الإسرائيلي بصليات صاروخية.

كما استهدفوا مستوطنات أفيفيم وشوميرا وشلومي وموقع هضبة العجل الإسرائيلي، بصليات صاروخية.

وكذلك أعلن «حزب الله» في بيانات سابقة، الخميس، أن عناصره استهدفوا بنى تحتية تابعة للجيش الإسرائيلي في مستوطنة يسود همعلاه. وأعلن أن عناصره اشتبكوا مع قوة إسرائيلية حاولت التقدم باتجاه مدينة بنت جبيل، جنوب لبنان، واستهدفوا جرافة «دي 0» إسرائيلية في بلدة الطيبة.


المساعي الفرنسية لوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان تواجه حائطاً أميركياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)
TT

المساعي الفرنسية لوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان تواجه حائطاً أميركياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ب)

جاء الردّ على المساعي التي تبذلها فرنسا لحماية لبنان من الضربات الإسرائيلية القاتلة سريعاً، وذلك على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي أعلن الخميس أن إسرائيل تستهدف «(حزب الله) في كل مكان يكون ذلك ضرورياً». وجاء في تغريدة له على منصة «إكس»، الخميس، ما حرفيته: «رسالتنا واضحة: كل من يستهدف المدنيين الإسرائيليين سيتعرض للضرب. سنواصل ضرب (حزب الله) في كل مكان يكون ذلك ضرورياً، حتى نتمكن من استعادة الأمن بشكل كامل لسكان شمال إسرائيل». مضيفاً: «سنواصل ضرب (حزب الله) بقوة ودقة وعزم».

وجاء كلام نتنياهو بعد الاتصال الذي جرى الأربعاء بين الرئيس إيمانويل ماكرون، ونظيره اللبناني جوزيف عون، الذي كشف أن الأول أبلغه باستعداد باريس لتشغيل أدواتها الدبلوماسية حتى يكون لبنان مشمولاً باتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة باكستانية بالدرجة الأولى.

مساعي ماكرون

ولتنفيذ وعده، اتصل ماكرون الأربعاء بالرئيسين الأميركي دونالد ترمب، والإيراني مسعود بزشكيان، للدفع باتجاه ضم لبنان إلى الاتفاق المذكور، بعد النهار الأسود الذي شهد مقتل ما يزيد عن 200 شخص، وجرح عدة مئات. ولم يكشف قصر الإليزيه أي تفاصيل عن الاتصالين. إلا أنه فُهم من مصادر متابعة في باريس أن الغرض كان مزدوجاً: الأول، التعرف على المضمون «الحقيقي» لاتفاق وقف النار لأسبوعين، والثاني حضّ ترمب على الضغط على إسرائيل لوضع حدّ لهجماتها الأعنف على لبنان، وخصوصاً على العاصمة بيروت.

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس متحدثاً للصحافة قبل مغادرته بودابست العاصمة المجرية وأكد أن لبنان ليس مشمولاً باتفاق وقف القتال مع إيران (أ.ب)

أما اتصال ماكرون ببزشكيان، وهو الوحيد بين القادة الغربيين، الذي لم يقطع التواصل معه، فلاستكناه المقاربة الإيرانية للمرحلة الراهنة، وطلب منه العمل لدى «حزب الله» لتهدئة الوضع. وشدّد بزشكيان، في سياق موازٍ، على أن لبنان جاء مشمولاً بوقف النار، ما يعدّ أحد «الشروط الأساسية لخطة النقاط العشر» التي قدّمتها إيران، وتتمسك بها وبقراءتها لها.

بيد أن التجاوب مع مساعي ماكرون جاء سلبياً، ولم يحمل من الجانب الأميركي أي تشجيع. وجاء الردّ من خلال تصريحات لترمب شخصياً، وأيضاً لنائبه جيه دي فانس، وكلاهما أكد أن الاتفاق مع إيران لا يشمل لبنان، وهو ما شدّدت عليه الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، الأربعاء، في مؤتمرها الصحافي.

ونبّه فانس، من بودابست، التي كان في زيارة لها، أنه «إذا أرادت إيران أن تدع هذه المفاوضات تنهار بسبب لبنان الذي لا علاقة له بها، والذي لم تقل الولايات المتحدة يوماً إنه جزء من وقف إطلاق النار، فهذا في النهاية خيارها». مضيفاً أنه «لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل قالتا إن هذا سيكون جزءاً من وقف إطلاق النار... ما قلناه هو أن وقف إطلاق النار سيركز على إيران وعلى حلفاء أميركا، سواء إسرائيل أو دول الخليج العربية». ومن المرجح أن يترأس فانس الوفد الأميركي إلى المفاوضات في إسلام آباد نهاية الأسبوع الحالي.

خيبة فرنسية من واشنطن

ما سبق يفسر الخيبة الفرنسية من الطرف الأميركي. فباريس تشكو من أن كافة الجهود المضاعفة التي بذلتها لدفع واشنطن حتى تلجم اليد الإسرائيلية في لبنان لم تجدِ نفعاً. وما فهمه دبلوماسيّوها أن ضوءاً أخضر أعطي لإسرائيل لتتابع هجماتها على «حزب الله»، وأنها غير مستعدة للضغط عليها في الوقت الحاضر.

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجينا ميلوني متحدثة إلى النواب في البرلمان في جلسته ليوم الخميس (أ.ب)

لكن مصادر سياسية غير حكومية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن إسرائيل تريد الاستفادة من «الوقت الضائع» لإنزال أكبر الخسائر بـ«حزب الله»، قبل أن تشتد الضغوط عليها، وإن نتنياهو الذي واجه انتقادات عنيفة في إسرائيل بسبب الاتفاق بين واشنطن وطهران يريد «التعويض» عن خيبته الأميركية بمضاعفة استهداف «حزب الله» غير عابئ بمن يسقط من الضحايا. ومن جانب آخر، لا يأمل الجانب الفرنسي، رغم الجهود التي يبذلها لـ«ترطيب» علاقاته بإسرائيل، أن تستجيب تل أبيب لما يطلبه منها. فالاتصالات بين ماكرون ونتنياهو مقطوعة، والزيارة التي قام بها وزير الخارجية جان نويل بارو إلى إسرائيل يوم 20 مارس (آذار) الماضي، عقب حلوله في بيروت، لم تفضِ لأي نتيجة إيجابية بخصوص الترويج لخطة فرنسية مفصلة تفضي إلى إطلاق محادثات سياسية مباشرة ورفيعة المستوى بين لبنان وإسرائيل، هدفها المعلن إنهاء حال الحرب بين البلدين.

ثمة حجة منطقية ورئيسية ترفعها باريس لإقناع الرافضين بضمّ لبنان إلى اتفاق وقف النار، وكتب ماكرون في تغريدة على منصة «إكس»: «أعربت عن أملي في أن تحترم جميع الأطراف المتحاربة وقف إطلاق النار بشكل كامل، على كل جبهات الحرب، بما في ذلك لبنان. وهذا شرط أساسي لكي يكون وقف إطلاق النار مستداماً». وبنظره، فإن هذا الاتفاق «يجب أن يمهد الطريق لمفاوضات شاملة لضمان سلامة الجميع في الشرق الأوسط».

ومن جانب آخر، عاد ماكرون للمطالبة بتفعيل آلية الرقابة على اتفاق وقف النار (الميكانيزم) لخريف عام 2024. داعياً، في كلمة له بمناسبة اجتماع لمجلس الدفاع والأمن في قصر الإليزيه، إلى «تعزيز دعم القوات المسلحة اللبنانية» لتصبح قادرة على «استعادة السيطرة على أراضيها والتصدي لـ(حزب الله) بشكل فاعل».

رئيس الأركان الفرنسي الجنرال فنسنت جيرو سال إلى اجتماع مجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه صباح الأربعاء (أ.ف.ب)

إجماع أوروبي ولكن...

في اليومين الأخيرين، كان لبنان الشغل الشاغل للمسؤولين الفرنسيين الذين يرون أن الوضع في لبنان «خطير للغاية». ونقطة الانطلاق في القراءة الفرنسية أن «حزب الله»، كما قال ماكرون ووزيرا الخارجية والدفاع «ارتكب خطأ استراتيجياً عندما هاجم إسرائيل (في 2 مارس الماضي) وجرّ لبنان إلى أزمة إقليمية».

وقال جان نويل بارو، وزير الخارجية صباحاً في حديث لإذاعة «فرانس أنتير» إنه «ليس من مصلحة إسرائيل قصف لبنان»، معتبراً أن الضربات الإسرائيلية «لا يمكن قبولها»، وأن باريس «تدينها بشدة». ورمى الوزير الفرنسي المسؤولية على «حزب الله» الذي «أشعل فتيل النزاع» في بداية مارس، داعياً إيران لأن «تتوقّف عن ترهيب إسرائيل بواسطة (حزب الله) الذي ينبغي له بصورة ملحّة أن يلقي السلاح ويسلّمه إلى الدولة اللبنانية». وبنظره، فإن لبنان «تحول إلى كبش فداء» في نزاع لم يختره.

ومن جانبها، وصفت كاترن فوتران، وزيرة الدفاع، يوم الأربعاء بـ«المأساوي»، وأن هدف باريس من توفير الدعم العسكري للبنان «مساعدة جيشه للتخلص من (حزب الله)». وقالت أليس روفو، الوزيرة المنتدبة لدى وزارة الدفاع، التي زارت لبنان نهاية مارس، إن باريس «تقوم بما يتوجب القيام به في هذه المرحلة» لجهة الوقوف إلى جانب لبنان، مشيرة إلى أن ما حصل في لبنان مؤخراً «أمر لا يمكن القبول به». ورأى بارو أن «(حزب الله) يتحمل مسؤولية إدخال لبنان إلى النزاع».

ما تدعو إليه باريس تتشارك به مع الدول الأوروبية الأخرى، مع تنويعات بسيطة. فالأوروبيون مجمعون على ضرورة أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان. وكايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، حثّت إسرائيل على وقف غاراتها على لبنان، محذرة من أنها تهدد الاتفاق الأخير. وهو حال جيورجينا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، التي دعت إسرائيل إلى وضع حدّ لعملياتها العسكرية في لبنان. وطالبت إيفيتكوبر، وزيرة الخارجية البريطانية، الخميس، في حديث تلفزيوني، بأن «يمدد وقف إطلاق النار» ليشمل لبنان، معبرة عن «قلق بالغ» إزاء الهجمات الإسرائيلية. وانفردت ألمانيا عن بقية الأوروبيين بدعوتها إسرائيل إلى حصر عملياتها العسكرية «في إطار الدفاع عن النفس... وعدم تجاوز هذا الحدّ».

يقول مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إنه طالما بقي الحراك الأوروبي محصوراً ببيانات المؤاساة والتنديد، ولم يصل أبداً إلى اتخاذ قرارات تنفيذية وجريئة بحقّ إسرائيل، مثل وقف العمل باتفاقية الشراكة التي تربط الطرفين، فإن كلمة أوروبا تبقى بلا وزن وعديمة التأثير، وهو حالها منذ عشرات السنوات.