الغزيون يبتكرون بدائل بدائية من أجل مواصلة حياتهم

العربات المجرورة بدل السيارات وزيت الطهي بدل الوقود والألواح الشمسية لشحن هواتفهم

طابور خارج مخبز في رفح جنوب غزة 22 أكتوبر (أ.ف.ب)
طابور خارج مخبز في رفح جنوب غزة 22 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

الغزيون يبتكرون بدائل بدائية من أجل مواصلة حياتهم

طابور خارج مخبز في رفح جنوب غزة 22 أكتوبر (أ.ف.ب)
طابور خارج مخبز في رفح جنوب غزة 22 أكتوبر (أ.ف.ب)

يبتكر الغزيون أساليب مختلفة في محاولة لمواصلة الحياة التي حولتها إسرائيل إلى بدائية مع استمرار حربها المفتوحة ضد سكان القطاع والتي تسببت إلى جانب الدمار الهائل والموت، إلى نقص حاد في كل المواد الأساسية وغير الأساسية، وتركت الغزيين بلا كهرباء ولا ماء ولا دواء ولا وقود.

ويضطر يوسف مطر (56 عاماً) من سكان حي الشيخ رضوان في مدينة غزة كل يوم للتنقل عبر عربة خشبية يجرها أحد الحيوانات، من أجل جلب مياه نظيفة للشرب. وقال مطر إنه لا تجد كلمات مناسبة ليشرح الوضع الذي أصبح مضطراً للتعايش معه. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه يتذكر أفلاماً وثائقية وقصصاً وحكايات عن حياة الإنسان البدائية، وهو يجلس في العربة ويغامر بحياته في رحلة تهدف إلى تأمين مياه الشرب المحلاة لعائلته التي تضم 28 فرداً، يضاف إليهم ما لا يقل عن 40 نازحاً من أقاربه الذين قدموا من بيت حانون وجباليا.

ويقطع مطر عدة كيلومترات من الشيخ رضوان إلى منطقة الصبرة في غزة من أجل الحصول على بعض المياه للشرب، ولا يجد سوى العربات التي تجرها حيوانات، سبيلاً لذلك في ظل توقف معظم السيارات العمومية.

رجل فلسطيني يبكي وهو يقف وسط الدمار عقب القصف الإسرائيلي في حي الكرامة بمدينة غزة (أ.ف.ب)

عربات مجرورة بأسعار باهظة

ويدفع مطر مبلغ 20 شيقل (نحو 5 دولارات) للعربة المجرورة، مقابل 4 شواقل (نحو دولار واحد) كان يدفعها لسائق سيارة الأجرة في مشوار مماثل قبل الحرب. وكانت هذه العربات تستخدم قبل الحرب لنقل البضائع والخضراوات وأشياء أخرى، لكنها أصبحت اليوم السبيل الوحيدة للغزيين في ظل توقف المركبات عن الحركة بسبب نفاد الوقود من جهة، ونفاد الزيت النباتي من جهة ثانية، والمخاوف من استهدافها عبر الطائرات الإسرائيلية.

وقال محمد أبو فول الذي يستخدم عربة يجرها حمار، إنه بعد توقف معظم السيارات فكر في تشغيل عربته، ووجد الناس يناشدونه من أجل ذلك. وينقل أبو فول العديد من السكان الذين يرغبون في النزوح نحو مناطق الوسط والجنوب، مقابل مبلغ مالي يصل إلى خمسين شيقل (نحو 13 دولاراً). وشرح أبو فول لـ«الشرق الأوسط» كيف أنه مضطر لذلك بغياب المركبات، قائلاً: «أنا أساعد الناس من جهة، وأساعد نفسي كذلك».

ويوصل أبو فول جميع النازحين إلى حي الزيتون الواقع أقصى جنوب مدينة غزة، ثم يضطر الركاب إلى السير على الأقدام عبر طريق صلاح الدين الرئيسية، وصولاً إلى مناطق وسط قطاع غزة، ومنها يتنقلون أيضاً عبر عربات مماثلة إلى وجهاتهم. وتعمل العربات في كل مناطق قطاع غزة السبت، في محاولة لتعويض نقص المركبات.

قصف إسرائيلي على مخبز في وسط قطاع غزة (رويترز)

أمان العربات

وقال إسماعيل اليعقوبي، إنه يفضل العربات في تنقلاته حتى لو وجدت المركبات، بسبب أنها أكثر أماناً. وتقلص إلى حد كبير عدد المركبات القادرة على الحركة في قطاع غزة، لأسباب متنوعة، من بينها أن كثيراً منها دُمر في القصف الإسرائيلي، والبقية إما لا تستطيع السير في الشوارع المدمرة وإما أنها فرغت من الوقود والسولار، أو بسبب مخاوف من قصفها عبر الجو.

وقطعت إسرائيل الوقود عن غزة منذ اليوم الأول للحرب، ما اضطر بعض أصحاب المركبات في قطاع غزة، خصوصاً مدينة غزة وشمال القطاع، إلى استخدام «الزيت النباتي» الذي يستخدم في الطعام أو ما يُعرف بـ«السيرج»، بديلاً عن الوقود لتشغيل مركباتهم.

وقال جميل أبو موسى، صاحب إحدى تلك المركبات، إنه اضطر للتضحية بمركبته لأنه لا يستطيع الاستغناء عنها. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «مثل كثيرين لم أجد سبيلاً سوى تحويل السيارة من سولار للزيت. ما بعرف إذا كان هذا ابتكاراً أو تدميراً، لكن ما في حل. بعرف إني راح أفقد المحرك، وراح تتدمر لكني مضطر. ما بستغني عنها أنا والعائلة».

وعادة تنتج عن استخدام الزيت النباتي في السيارات مضار لا تحصى، تبدأ بمشكلات في محرك السيارة، ولا تنتهي بالروائح الكريهة والمضرة بالصحة. وقال أبو موسى: «ما في وقود وما في سيارات أجرة والوضع إلى أسوأ».

صومعة وقود في محطة كهرباء النصيرات التي تعمل بالغاز الطبيعي وهي المحطة الوحيدة العاملة في غزة (أ.ف.ب)

بطاريات السيارات

وهذه الابتكارات أو البدائل التي يلجأ إليها الغزيون من أجل مواصلة حياتهم، لا تقف عند شيء واحد، بعدما استبدلوا بالمنازل الخيم وبالغاز الخشب، وبالوقود الزيت النباتي وبالكهرباء بطاريات السيارات وألواح الطاقة الشمسية.

ويملك بعض الغزيين المحظوظين ألواح طاقة شمسية فوق منازلهم، لكنهم اضطروا إلى تسخيرها في خدمة الآلاف الذين يسعون إلى شحن هواتفهم.

ورصد مراسلنا، طوابير من الشبان ينتظرون أمام شبكة لا تنتهي من مقابس وكوابل الكهرباء من أجل شحن هواتفهم.

وقالت حنان ماضي إنهم يرسلون هواتفهم إلى أحد الجيران الذي يملك ألواحاً شمسية من أجل شحن هواتفهم في معاناة يومية لا تنتهي. ويلجأ كل سكان غزة لجمع هواتفهم النقالة وإرسالها لبعض المنازل التي يوجد بها طاقة شمسية من أجل شحنها ولو بالحد الأدنى، في ظل انقطاع الكهرباء، وتوقف محطة التوليد الوحيدة للقطاع.

وقال شبان لـ«الشرق الأوسط» إنهم كانوا يقطعون مسافات نحو المستشفيات في البداية من أجل شحم هواتفهم، وكانوا يستخدمون بطاريات بديلة، لكن الآن يضطرون للتنقل بحثاً عمن يملك ألواحاً شمسية، ولا يعرفون ماذا سيفعلون إذا قصفت هذه الألواح أو دخل فصل الشتاء الذي أصبح فعلاً على الأبواب.

وقال أبو المجد: «نبذل جهداً كبيراً للبقاء على قيد الحياة... من أجل حياة لا تشبه أي حياة. من أجل القليل القليل من كل شيء في الحياة الطبيعية».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تُحيي «ذكرى الاستقلال» بمهرجانين متناقضين

المشرق العربي إسرائيليون في مقبرة جبل هرتزل خلال احتفالات بذكرى القتلى العسكريين الثلاثاء (رويترز)

إسرائيل تُحيي «ذكرى الاستقلال» بمهرجانين متناقضين

تشهد إسرائيل مجموعة كبيرة من المهرجانات في ذكرى ما تسميه بـ«يوم الاستقلال»، لكن المناسبة باتت مساحة لخطابين ومهرجانين متناقضين.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مؤتمر صحافي عقده في ختام أعمال «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الأحد (الخارجية التركية)

تركيا لتمديد وقف إطلاق النار في إيران واستئناف المفاوضات

عبّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن تفاؤله بتمديد وقف النار بين إيران وأميركا، واستئناف المفاوضات، متهماً إسرائيل باستغلال الوضع لفرض أمر واقع في لبنان.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس السوري أحمد الشرع خلال جلسة حوارية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا الجمعة (إعلام تركي)

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا تدفع باتجاه استقرار المنطقة وحل المشكلات عبر الحوار والدبلوماسية والابتعاد عن الصراعات والنزاعات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية فيدان متحدثاً خلال مقابلة صحافية الاثنين 13 أبريل (إعلام تركي)

تركيا تستبعد تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا

استبعدت تركيا تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا، محذرة من مخاطر إسرائيلية مؤجلة لما بعد حرب إيران.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية جانب من مباحثات وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والسوري أسعد الشيباني في أنقرة الخميس (الخارجية التركية)

تركيا وسوريا إلى شراكة استراتيجية تدعم إعادة الإعمار والاستقرار

تتحرك تركيا وسوريا باتجاه تحقيق شراكة استراتيجية تغطي جميع مجالات العلاقات بين البلدين، ودعم مرحلة إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

وزير الخارجية اللبناني لـ «الشرق الأوسط» : التفاوض ليس استسلاماً


الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية يوسف رجي فبراير الماضي (رئاسة الجمهورية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية يوسف رجي فبراير الماضي (رئاسة الجمهورية)
TT

وزير الخارجية اللبناني لـ «الشرق الأوسط» : التفاوض ليس استسلاماً


الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية يوسف رجي فبراير الماضي (رئاسة الجمهورية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية يوسف رجي فبراير الماضي (رئاسة الجمهورية)

شدد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي، على أن تفاوض الدولة اللبنانية مع إسرائيل «ليس استسلاماً» وأن «الأولوية الوطنية اليوم هي استعادة السيادة كاملة غير منقوصة».

وقال رجّي في مقابلة مع «الشرق الأوسط»: «لا خجل في أن تفاوض الدولة اللبنانية إسرائيل إذا كان الهدف إنهاء الحرب، واستعادة الأرض». وتابع أن الدولة اللبنانية هي «وحدها صاحبة القرار في التفاوض».

وأبدى وزير الخارجية اللبناني أسفه لكون مساعي الدولة لتأمين الدعم المالي والسياسي لإعادة البناء «تواجه طرفاً داخلياً، هو (حزب الله)، لا يزال يقامر بمصير القرى الجنوبية وسكانها خدمة لأهداف وأجندات لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية ولا بمعاناة أبناء الجنوب».

واستنكر رجّي «ما كُشف من شبكات تخريب متنقلة مرتبطة بـ(حزب الله) في عدد من الدول العربية»، مُديناً في الوقت نفسه استهداف الدول العربية الشقيقة واستهداف أمنها واستقرارها.

في سياق متصل، جدّد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي مع رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، أمس، موقف المملكة الداعم لاستقرار لبنان وتمكين مؤسسات الدولة.

وأفادت وكالة الأنباء السعودية (واس)، بأن الوزير فيصل بن فرحان، بحث خلال اتصاله مع الرئيس بري «التطورات على الأراضي اللبنانية والمساعي المبذولة لوقفٍ كاملٍ للاعتداءات الإسرائيلية عليها».

جاء ذلك تزامناً مع لقاء أجراه مستشار وزير الخارجية السعودية الأمير يزيد بن فرحان مع الرئيس اللبناني جوزيف عون في قصر بعبدا.


جدل في سوريا حول موعد انطلاق البرلمان


اجتماع الرئيس أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب يوليو 2025 (صفحة الرئاسة)
اجتماع الرئيس أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب يوليو 2025 (صفحة الرئاسة)
TT

جدل في سوريا حول موعد انطلاق البرلمان


اجتماع الرئيس أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب يوليو 2025 (صفحة الرئاسة)
اجتماع الرئيس أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب يوليو 2025 (صفحة الرئاسة)

تشهد سوريا جدلاً إزاء موعد انطلاق جلسات البرلمان (مجلس الشعب)، خصوصاً في ظل عدم انتهاء الترتيبات في محافظة الحسكة (شمال شرق)، حيث يشكل أبرز العراقيل. ويأتي هذا الجدل بعد التصريح الذي أدلى به الرئيس السوري أحمد الشرع في مؤتمر أنطاليا الدبلوماسي، قبل أيام، حول انعقاد أولى جلسات «مجلس الشعب» مع نهاية أبريل (نيسان) الحالي.

وقال الباحث سامر الأحمد إن التنوع الثقافي والسياسي في محافظة الحسكة يضفي على انتخاباتها المتأخرة حساسية خاصة؛ ذلك أنها تخضع لتفاهمات 29 يناير (كانون الثاني) بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، و«قد يحدث تعطيل، كما جرى قبل أيام، برفض تسليم المكاتب والقصر العدلي في القامشلي، وهي أمور يجب أخذها في الاعتبار، وتحتاج إلى الوقت الكافي».

واستبعدت مصادر مطلعة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن «تكون السلطات السورية متمسكة بالموعد المعلن عنه، وأنها ستتوافق مع مطالب مهلة أطول»، مرجحة أن يكون موعد انطلاق «مجلس الشعب» نهاية الأسبوع الأول من مايو (أيار) المقبل. (تفاصيل ص 9)

ومن المتوقع أن يعلن مكتب الرئيس الشرع عن أسماء ممثليه الذين يشغلون ثلث مقاعد المجلس، بعد المصادقة على انتخابات الحسكة، ليكتمل بذلك نصاب المجلس، ويكون جاهزاً لأولى الجلسات البرلمانية.


اقتراب الحسم بشأن رئاسة حكومة العراق


من أحد اجتماعات تحالف «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)
من أحد اجتماعات تحالف «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)
TT

اقتراب الحسم بشأن رئاسة حكومة العراق


من أحد اجتماعات تحالف «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)
من أحد اجتماعات تحالف «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

شهدت بغداد أمس اتصالات مكثفة بين قادة تحالف «الإطار التنسيقي» للحسم في الشخصية المرشحة لرئاسة الحكومة عشية انتهاء المهلة الدستورية (غداً) السبت.

وقالت مصادر متقاطعة، لـ«الشرق الأوسط»، إن الاتصالات بين نوري المالكي وقيس الخزعلي وعمار الحكيم وهمام حمودي، وهم من قادة التحالف الشيعي، بحثت إمكانية إزالة الخلافات حول ترشيح باسم البدري.

وكان البدري، وهو رئيس هيئة المساءلة والعدالة، قد حصل على 7 أصوات من أصل 12 صوتاً لقادة «الإطار التنسيقي» الذي كان اتفق على أن يمر المرشح بأغلبية 8 أصوات.

وأوضحت المصادر أن ما كان يؤخر التحالف الشيعي عن حسم قراره بشأن المرشح التوافقي هو الأصوات المتأرجحة، وبعضها يؤيد ترشيح رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن اتصالات الساعات الأخيرة قرّبت «الإطار التنسيقي» من الاتفاق النهائي على مرشح نهائي لرئاسة الحكومة، إلا أن المفاجآت قد تعيد المشهد مجدداً إلى مرشح تسوية آخر من قائمة تضم 6 شخصيات على طاولة «الإطار التنسيقي».