«الشرق الأوسط» تجول على القرى الحدودية بجنوب لبنان: القصف المتبادل يُخلِي 90% من النساء والأطفال

أبناء بلدة مسيحية يرفضون إطلاق الصواريخ من محيطها... وشقيق قتيل في قرية سنية يسأل: لماذا لا يستهدفون القرى الشيعية؟

ساحة بلدة كفركلا المقابلة لمستعمرة المطلة الإسرائيلية (الشرق الأوسط)
ساحة بلدة كفركلا المقابلة لمستعمرة المطلة الإسرائيلية (الشرق الأوسط)
TT

«الشرق الأوسط» تجول على القرى الحدودية بجنوب لبنان: القصف المتبادل يُخلِي 90% من النساء والأطفال

ساحة بلدة كفركلا المقابلة لمستعمرة المطلة الإسرائيلية (الشرق الأوسط)
ساحة بلدة كفركلا المقابلة لمستعمرة المطلة الإسرائيلية (الشرق الأوسط)

نقل بلال، وهو مهندس يعيش في بلدة عيتا الشعب الحدودية في جنوب لبنان، عائلته إلى مدينة صور منذ اليوم الثاني للحرب، ويتنقل يومياً إلى بلدته لاستكمال أعماله. «أتوجه صباحاً من صور إلى عيتا، وأعود في المساء»، يقول لـ«الشرق الأوسط»، مضيفاً أنه «لا مجال للخوف ما دام أن مجريات المعركة لا تزال ضمن قواعد الاشتباك»، لكنه في الوقت نفسه، يقول إنه أنقذ عائلته الصغيرة وطفليه حديثي الولادة من صوت القذائف.

وحال بلال مثل أحوال كثيرين، أجلوا عائلاتهم إلى مناطق آمنة في بيروت وصيدا وصور، ويرتادون قراهم صباحاً؛ ويغادرونها مساءً لاستكمال أعمالهم، وذلك بعد أسبوعين من الحرب واستقرار الأمور على حرب محدودة بتبادل القصف، من دون وجود مؤشرات على توسعها إلى حرب كاملة. يقول سكان المنطقة الحدودية: إن العمال السوريين هم الوحيدون الذين نزحوا بشكل كامل، أما أبناء القرى الحدودية، فقد عاد 20 في المائة منهم، معظمهم يغادر القرى في المساء، لكنهم في الصباح يتابعون أعمالهم في الزراعة وتربية الماشية وغيرها من القطاعات.

 

كفركلا والخيام

أكثرية بيوت كفركلا فارغة تحسباً لتدهور الوضع (الشرق الأوسط)

وجالت «الشرق الأوسط» على عدد من القرى الحدودية في جنوب لبنان. لا تبدو الحركة طبيعية. في كفركلا المقابلة لمستعمرة المطلة، تكاد تكون البلدة شبه خالية من النساء والأطفال، باستثناء ما يقارب العشرين منزلاً الذين لم يستطع سكانها النزوح بسبب الحالة المادية أو لارتباطهم في أعمال في البلدة، «لكن شبان البلدة لم يخلوها تحسباً لأي طارئ، كما أن الوضع لم يصل إلى حد المغادرة نهائياً بعد»، حسب ما يقول محمد الذي يتواجد في البلدة.

على بعد أميال قليلة، ترقّب وحيرة في بلدة الخيام، فبعد نزوح ما يقارب 90 في المائة من أهلها في الأسبوع الماضي نحو القرى المجاورة وبيروت، يعود اليوم إليها 20 في المائة منهم. يقول عباس الذي يملك متجراً لبيع المواد الغذائية: «الموضوع سيطول، ومن الممكن أن يمتد لأكثر من شهر. لا نستطيع البقاء خارج منازلنا في ظل الواقع الاقتصادي خارج الخيام لمدة طويلة. عدنا للعمل ولو بوتيرة أقل، فمن بقي صامداً هنا من الأهالي وغيرهم، يستحق منا تأمين ما يحتاج إليه، ومعنا بعض مَحال الدجاج والملاحم التي يفتقدها سكان البلدات المجاورة، حيث أقفلت جميع المتاجر الكبيرة والملاحم والأفران هناك، واقتصرت على بعض الدكاكين لتأمين حاجيات الناس».

 

القليعة

في القليعة، البلدة المسيحية التي نزح إليها في عام 2006 أهالي المناطق الشيعية التي تعرضت القصف واستقبلهم الأهالي بعد سنوات قليلة من التحرير آنذاك، «لا مجال للنزوح إليها فالوضع مختلف هذه المرة»، كما يقول شربل و«لا يوجد لدينا منازل للإيجار».

تبدو الحياة في القليعة شبه عادية. بعض المزارعين بدأوا موسم قطاف الزيتون، وفتحت أبواب المعاصر لإنتاج زيت الزيتون الذي يطول انتظاره من عام إلى عام.

ولا يخفي شربل أن «هناك نحو أربعين عائلة فقط من أصل عدد سكان البلدة المقيمين بشكل دائم، غادروا نحو بيروت خوفاً من تكرار سيناريو حرب تموز 2006، بانتظار تغيير شروط اللعبة وقوة أو ضعف وتيرتها، فلا أحد يعلم تبعات الأمور، لتبقى أصوات إطلاق النار تسمع، وتخلف الخوف داخل المنازل».

ترفض البلدة التي يتمتع فيها حزب «القوات اللبنانية» بنفوذ واسع، وترفع شعار «زمان أول تحوّل»، إطلاق الصواريخ من ريفها. يرى أهلها «أن أي إطلاق لصاروخ من خراج البلدة تجاه إسرائيل هو زعزعة لاستقرار أهلها الذين يرفضون إدخال بعض القرى الحرب بالقوة».

 

قضاء حاصبيا

شمالاً، نحو مناطق قضاء حاصبيا في القطاع الشرقي، الحال مختلفة تماماً. تتعرض منطقة العرقوب التي تسكنها أغلبية سنية لقصف متواصل منذ اليوم الأول. الحركة شبه مشلولة في قرى العرقوب، حيث يواجه «حزب الله» والجيش الإسرائيلي عمليات كرّ وفرّ، بالقصف والقصف المضاد؛ وهو ما أسفر عن سقوط ضحيتين مدنيتين في شبعا في الأسبوع الماضي.

ويقول يحيى علي هاشم، شقيق خليل هاشم الذي قتل في القصف الإسرائيلي: «لإسرائيل اليوم هدفان، هدف قديم استراتيجي وهو تفريغ المناطق الحدودية من شبعا إلى حاصبيا ومرجعيون حتى الناقورة من أهلها وتهجيرهم ليسهل عليها الزحف داخلياً، والآخر بقصد ضرب العيش المشترك في المنطقة، حيث قامت بالاعتداء على منطقة سنية وهي شبعا، لتقليب أهلها ضد المقاومة وضربها في بيئتها، فلماذا لم يسقط شهداء في مناطق شيعية مواجهة من المدنيين؟».

ويتابع هاشم: «نحن مؤمنون بما قدّر الله لنا، وكان أخي مصمماً على الصمود، وقد استُشهد وهو يتحدث عبر الهاتف مع نجله محمد من بيروت الذي كان يناشد والده إخلاء المكان، ليرد خليل بأنه لن يغادر ويريد البقاء وإن كان الموت مصيره، وهو ما حصل بالفعل، حيث سقطت خمس قذائف ليحترق المنزل، فقضى هو وزوجته رباد».

 

شبعا

داخل شبعا، تجول فلا تسمع سوى صوت آذان الظهر أو طائرات الاستطلاع بعد الظهر، وصوت محرك سيارتك. يصبح المشهد موحشاً بعد العصر؛ وهو ما يؤكده مدير مدرسة شبعا الرسمية حاتم غانم، الذي يقول: «الهدوء حذر، فلا نواحي آمنة في شبعا، البلدة بأكملها مواجهة لمواقع العدو الإسرائيلي. هذا موقع الرادار الإسرائيلي الشهير، الذي يطل على ضهر البيدر في البقاع ايضاً. هو المركز الإسرائيلي في المزارع، وبالمقابل هناك موقع رويسات العلم، وهي المواقع التي تستطيع اصطيادنا في أي لحظة قرر الإسرائيليون استهدافنا».

85 في المائة من أهالي شبعا أصبحوا خارجها، نزحوا باتجاه القرى المجاورة تجاه حاصبيا والفرديس التي تعدّ شبه آمنة؛ كونها خارج عمليات تبادل إطلاق النار، باحثين عن أماكن للإيجاز، تخطت فيها كلفة إيجار بعض البيوت الصغيرة الـ500 دولار شهرياً، وهو مبلغ مبالَغ به في هذه الأزمة التي تعصف بلبنان.

ويتابع: «القصف على شبعا متقطع، هي الواقعة بين جبلين، يصل إليها صوت القذائف مرعباً. ما جعلني أنقل عائلتي نحو صيدا وأعود. لا أستطيع المغادرة نهائياً، خروجي له وقع آخر، لا أستطيع أن احمل مفتاحي وأغادر! أعمل مديراً لمدرسة رسمية بقي من عدد كادرها التعليمي البالغ 70 معلماً ومعلمة، 7 معلمين فقط! أنتظر موسم المدارس وعودة الأهالي والطلاب».

 

كفرشوبا

الأمل عند حاتم يقابله شعور بالخطر عند حسين عبد العال الذي يملك وأهله منزلاً في كفرشوبا، التي تقع على خط النار. يقول حسين: «نسكن وسط هلال المزارع والتلال المحتلة والمواجهة. الخطر حولنا، والقصف المدفعي يطال أطراف البلدة، حيث نسكن بين الحين والآخر؛ فإسرائيل لا يؤمَن لها وهي صاحبة المجازر تاريخياً بضرب المنازل الآمنة والمواطنين والمدنيين العزّل خلال الحروب الأربع الماضية على أطراف البلدة».

وباختصار يصف الحال: «لا نعلم إن كنا فعلاً في حرب! فهل هي مساندة أم مشاركة؟ النزوح يزداد من البلدة وبلغ نحو 90 في المائة نحو حاصبيا وصيدا والبقاع وبيروت. لا مقومات أمان في كفرشوبا، حتى أن التموين ليس بالأمر السهل، فلا أفران للخبز لدينا، وشراء اللحوم لمن استطاع يقتصر على نهارَي الثلاثاء والخميس».

وأثّر التوتر على المحاصيل الزراعية في المنطقة المعروفة بزراعة الزيتون. يقول صاحب معصرة الزيتون نبيه دقماق على مثلث كفرشوبا - كفرحمام - حلتا: إن الموسم انتهى قبل أن يبدأ. يضيف: «الخسائر تبدو كبيرة؛ ففي كفرشوبا نسبة القطاف صفر في المائة حتى اليوم، حيث غادرها عدد كبير من أهلها وبلديتها». أما في كفر حمام فمن استطاعوا البقاء وجني ثمار الزيتون لا يتجاوزون نسبة الـ5 في المائة.

 

انفجارات القبة الحديدية

في قريتي ابل السقي والطيبة في قضاء مرجعيون، ثمة عبارة مشتركة هي «القبة الحديدية». يتناقلها أهالي المنطقتين؛ للتعريف بما يتم رميه فوق ارضهما لاعتراض الصواريخ قصيرة المدى والقذائف المدفعية.

وتقول دانيا من ابل السقي: «لم نستطع النوم منذ يومين بسبب أصوات القذائف ليلاً، وفي اليوم التالي لملمنا شظايا خلّفتها القبة الحديدية التي تطلقها إسرائيل فوق مناطقنا»... وهو ما تؤكده صباح من بلدة الطيبة التي ارتعبت عائلتها من أصوات انفجارات القبة الحديدية، فكان سبب نزوحها وعائلتها نحو بيروت. وتقول: «لقد تعلمنا الدرس إبان حرب تموز 2006 ولن نخاطر بالبقاء، البقاء هنا مجازفة».

 

الماري

وخلافاً للمناطق التي تسكنها أغلبية شيعية، لم ينزح كثيرون من بلدة الماري التي تسكنها أغلبية درزية وتقع تحت تلال كفرشوبا المحتلة مباشرة. يقول رئيس بلديتها يوسف فياض: «نحن مسالمون، ثابتون في أرضنا، لم ينزح منا رغم القصف سوى 10 في المائة من السكان لأسباب صحية»، مضيفاً: «مزارع بلدتنا منتجة وتفيض، ولدينا اكتفاء ذاتي من المواد الطبيعية والتموين»، مشدداً على «أننا لن نغادر أرضنا، وبعض بساتين زيتوننا بعمر 40 سنة يحترق جراء القصف الإسرائيلي، فالمزارع موجوع ينتظر الموسم في هذه الظروف الاقتصادية، ومن زيتوننا نستمد صمودنا».


مقالات ذات صلة

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

شؤون إقليمية الرئيس السوري أحمد الشرع خلال جلسة حوارية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا الجمعة (إعلام تركي)

الشرع: الجولان أرض سورية... وأي وضع غير ذلك باطل

أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا تدفع باتجاه استقرار المنطقة وحل المشكلات عبر الحوار والدبلوماسية والابتعاد عن الصراعات والنزاعات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية فيدان متحدثاً خلال مقابلة صحافية الاثنين 13 أبريل (إعلام تركي)

تركيا تستبعد تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا

استبعدت تركيا تشكيل آلية أمنية ثلاثية مع سوريا وأوكرانيا، محذرة من مخاطر إسرائيلية مؤجلة لما بعد حرب إيران.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية جانب من مباحثات وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والسوري أسعد الشيباني في أنقرة الخميس (الخارجية التركية)

تركيا وسوريا إلى شراكة استراتيجية تدعم إعادة الإعمار والاستقرار

تتحرك تركيا وسوريا باتجاه تحقيق شراكة استراتيجية تغطي جميع مجالات العلاقات بين البلدين، ودعم مرحلة إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مركبات عسكرية إسرائيلية على الجانب الإسرائيلي من الحدود الإسرائيلية - اللبنانية (رويترز)

وزير خارجية إسرائيل: لا نخطط لإجراء محادثات مباشرة مع الحكومة اللبنانية

قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن إسرائيل لا تخطط لإجراء محادثات مباشرة مع الحكومة في لبنان خلال الأيام المقبلة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي سيدة تنتحب بعد مقتل 3 فلسطينيين في رام الله جراء هجمات المستوطنين الإسرائيليين (أرشيفية - رويترز) p-circle

مقتل 4 أفراد من عائلة واحدة في الضفة الغربية بنيران الجيش الإسرائيلي

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أن رجلاً فلسطينياً وزوجته وطفليهما الصغيرين قُتلوا، اليوم (الأحد)، بنيران الجيش الإسرائيلي في شمال الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

نفوق مئات الأطنان من الأسماك في العراق بسبب تلوث المياه

يجمع مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)
يجمع مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)
TT

نفوق مئات الأطنان من الأسماك في العراق بسبب تلوث المياه

يجمع مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)
يجمع مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)

أمام منزله في جنوب شرقي العراق، دفن حيدر كاظم نحو 300 طنّ من الأسماك التي ربّاها أشهراً طويلة، بعدما نفقت خلال ساعتين فقط؛ بسبب مياه ملوثة اختلطت بنهر دجلة.

على ضفاف النهر في قضاء الزبيدية بمحافظة واسط حيث يربي الأسماك منذ 5 أعوام، يقول كاظم (43 عاماً) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أمام أحواض فارغة: «مات خلال ساعتين مشروعي بكامله. 300 طنّ من الأسماك التي أربّيها منذ عام ونصف (...). أعادني ذلك إلى الصفر».

يضيف كاظم، وهو أب لـ8 أبناء: «شعرتُ أن الحياة انتهت بالنسبة إليّ... لم يبلغنا أحد بأن مياهاً ملوثة كانت في طريقها إلينا حتى نحمي أسماكنا».

وبعدما ملأت أمطار غزيرة سدّ حمرين في محافظة ديالى، أطلقت السلطات مطلع أبريل (نيسان) الحالي مياه السدّ باتجاه نهر ديالى. ولدى التقائه مع نهر دجلة في جنوب شرقي بغداد حيث تقع تصريفات لمياه الصرف الصحي غير المعالجة، جرف التيّار ترسّبات كثيرة نحو جنوب شرقي العراق، وفق ما قالت السلطات.

وتُظهر صور ملتقطة بواسطة الأقمار الاصطناعية، في إطار مهمة «سنتينيل2»، بين 28 مارس (آذار) الماضي و12 أبريل الحالي، وحلّلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، خطاً أسود يتمدد جنوباً عند التقاء نهرَي ديالى ودجلة.

تُظهر صورة من بيانات «كوبرنيكوس سينتينل» لعام 2026 التقطها قمر اصطناعي ملتقى نهري ديالى (يمين) ودجلة (يسار) في جنوب شرقي بغداد (أ.ف.ب)

ويشرح الباحث البيئي في المصادر المفتوحة، ويم زفيننبرغ، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن البقع القاتمة تعكس «تشكُّل تيار أقوى في المياه»؛ مما يعني أن تخفيف التلوث كان أقل من المعتاد؛ مما ينعكس بالتالي تأثيراً سلبياً أكبر «على مصائد الأسماك في مصبّ النهر، وربما كذلك على محطات معالجة المياه».

وأدّى تلوث المياه إلى نفوق أكثر من ألف طنّ من الأسماك في واسط، وفق ما يقول مدير مديرية الزراعة بالمحافظة أركان الشمّري.

تتصاعد أنفاس كاظم تعباً مع تنظيفه أحواض الأسماك التي يقول إنها نفقت في 5 أبريل الحالي، وهو يفكّر في ما ألمّ به بين ليلة وضحاها. ويقول إن خسائره تجاوزت 1.1 مليون دولار، مطالباً السلطات بتعويض يمكّنه من تسديد ثمن الأعلاف ومستحقات أقاربه الذين يشاركونه المشروع.

ويقول: «لم يأتِ أي مسؤول ليقف إلى جانبنا»، سائلاً: «كيف سنسدد الديون؟ من أين سنأتي بالأموال؟ ليست لدينا مهنة أخرى ولا إمكانية لإحياء المشروع».

«راح تعب العمر»

ويعاني العراق، الذي بدأ مؤخراً يتعافى من عقود من النزاعات، تهالك بنيته التحتية وانتشار الفساد في مؤسساته الحكومية وسياسات عامّة غير فعّالة، خصوصاً لجهة الحفاظ على البيئة في بلد يُعدّ من الأكبر عرضة لتأثيرات التغيّر المناخي.

يحمل مربي أسماك عراقي أسماكاً نافقة من حوض في مزرعته ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)

وأدّت قلة الأمطار في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات الحرارة وقلّة الإطلاقات المائية من تركيا وإيران، إلى تراجع قياسي في منسوب دجلة والفرات اللذين يشكّلان المصدر الأساسي للمياه في العراق.

وقال وزير البيئة، هه لو العسكري، لـ«وكالة الأنباء العراقية»، الثلاثاء، إن السلطات «استطاعت احتواء ظاهرة» تلوث مياه دجلة، وتعمل على «عدم تكرار تلوث مياه الأنهار في المستقبل».

من جهته، قال المتحدث باسم «أمانة بغداد»، عدي الجنديل، إن السلطات تعمل على أن تدشن قريباً 7 وحدات جديدة لمعالجة مياه الصرف الصحي في جنوب شرقي العاصمة؛ بهدف «تصفية ومعالجة المياه لتصبح صالحة للسقي والأغراض الزراعية قبل طرحها في النهر».

أسماك نافقة تطفو على سطح الماء في مزرعة ببلدة الزبيدية قرب مدينة الكوت جنوب العراق (أ.ف.ب)

وأدى التلوث كذلك إلى تقنين استخدام المياه لأيام في مدن بجنوب شرقي العراق، حيث يستخدم السكان مياه النهر للشرب والاستهلاك المنزلي.

وأوصت السلطات في محافظة واسط، الخميس، بعدم شرب مياه دجلة، مشيرة إلى أن تلوّثها تسبب في أكثر من 20 حالة تسمم وإصابات جلدية أُدخلت المستشفى.

أمام فناء منزله المطلّ على النهر في قضاء النعمانية، يتأمل مازن منصور (51 عاماً) بحسرة أحواضه حيث نفق نحو 38 ألف سمكة كان يستعدّ لبيعها قريباً. ويقول: «عندما شاهدنا الأسماك متعبة، حاولنا إنعاشها بالأكسجين، بينما كانت المياه سوداء». ويضيف: «راح تعب العمر كلّه في يوم وليلة»، داعياً السلطات الى «محاسبة المقصّرين». ويتابع: «ما لم نحصل على تعويضات، فقد لا نتمكن من معاودة العمل أبداً».

Your Premium trial has ended


الجيش الإسرائيلي: مقتل قائد «حزب الله» في بنت جبيل بغارات سبقت وقف النار

صورة عامة للمنطقة المتضررة بشدة في جنوب لبنان عقب الغارات الإسرائيلية (د.ب.أ)
صورة عامة للمنطقة المتضررة بشدة في جنوب لبنان عقب الغارات الإسرائيلية (د.ب.أ)
TT

الجيش الإسرائيلي: مقتل قائد «حزب الله» في بنت جبيل بغارات سبقت وقف النار

صورة عامة للمنطقة المتضررة بشدة في جنوب لبنان عقب الغارات الإسرائيلية (د.ب.أ)
صورة عامة للمنطقة المتضررة بشدة في جنوب لبنان عقب الغارات الإسرائيلية (د.ب.أ)

أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، الأحد، عن تنفيذ سلسلة غارات مكثفة خلال الساعات الأربع والعشرين التي سبقت دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، مؤكداً استهداف مئات العناصر والبنى التحتية التابعة لـJحزب اللهK داخل الأراضي اللبنانية.

وذكر أدرعي في بيان على «إكس» أن الغارات أسفرت عن مقتل أكثر من 150 عنصراً، ما يرفع إجمالي عدد القتلى في صفوف الحزب إلى أكثر من 1800 عنصر وقائد منذ بدء العملية العسكرية.

وأضاف البيان أنه «تم استهداف نحو 300 بنية تحتية عسكرية، بما في ذلك منصات إطلاق، ومقرات قيادة ومستودعات أسلحة في عدة مناطق داخل لبنان».

وبحسب البيان، فإن من بين الذين تم القضاء عليهم، علي رضا عباس، قائد قطاع بنت جبيل في «حزب الله»، إلى جانب قادة آخرين في الحزب.

وأشار المتحدث إلى أن «منطقة بنت جبيل تُعد إحدى أهم مناطق الجبهة في (حزب الله) حيث قاد عباس هذا القطاع خلال القتال ضد قوات الجيش الإسرائيلي. كما عمل على دفع وتنفيذ العديد من المخططات ضد قوات الجيش ودولة إسرائيل على مدار السنوات».

وذكر أن عباس يُعد رابع قائد لهذا القطاع يُقتل منذ بداية العمليات.

فتح طريق وجسر في الجنوب

وأعلن الجيش اللبناني، الأحد، أنه أعاد فتح طريق وجسر في الجنوب أُغلقا جراء غارات إسرائيلية، في وقت لا تزال هدنة الأيام العشرة بين «حزب الله» وإسرائيل قائمة.

وأوضح الجيش في بيان أنه «فتح طريق الخردلي-النبطية بالكامل وجسر برج رحال-صور بشكل جزئي»، بينما «يجري العمل على إعادة تأهيل جسر طيرفلسيه-صور بالتعاون مع المصلحة الوطنية لنهر الليطاني (..) بعد الأضرار التي تسبب فيها العدوان الإسرائيلي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأفاد الجيش اللبناني قبل ساعات من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ منتصف ليل الخميس أن الغارات الإسرائيلية على الجسور فوق نهر الليطاني، على بُعد نحو 30 كيلومتراً شمال إسرائيل، تسبّبت في عزل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني عن بقية أنحاء البلاد، بعدما سبق للدولة العبرية أن دمّرت جسوراً أخرى.

ويعمل الجيش اللبناني والجهات المحلية منذ الساعات الأولى من الهدنة على إعادة فتح الطرق التي أُغلقت جراء الغارات الإسرائيلية.

وأتاح إعادة فتح جسر القاسمية الحيوي صباح الجمعة لعدد من النازحين العودة إلى بلداتهم والاطمئنان على منازلهم في جنوب البلاد. إلا أن كثيرين ما زالوا مترددين في العودة نظراً لعدم ثقتهم بوقف إطلاق النار.

وشاهد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية»، السبت، في صيدا بجنوب لبنان، ازدحاماً مرورياً كثيفاً باتجاه بيروت مع عودة النازحين إلى الملاجئ والمنازل التي يقيمون فيها في العاصمة بعدما قاموا بزيارات قصيرة إلى مناطق الجنوب.

سيارات تعبر مدينة صيدا باتجاه جنوب لبنان في اليوم الأول لدخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (أ.ف.ب)

وفي وقت سابق السبت، حذر المسؤول في «حزب الله»، محمود قماطي، من أن «الغدر الإسرائيلي متوقع في كل وقت وهذه هدنة مؤقتة».

وقال: «لا تتخلوا عن الأماكن التي لجأتم إليها حتى نطمئن تماماً للعودة».

وأفادت وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية، السبت، بأن الجيش الإسرائيلي نفذ مجدداً عمليات هدم في مدينة بنت جبيل بجنوب لبنان.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، في وقت سابق السبت، أنه أقام «خطاً أصفر» فاصلاً في جنوب لبنان على غرار الخط الذي يفصل قواته عن المناطق التي تسيطر عليها حركة «حماس» في غزة، مشيراً إلى قتل عناصر من «حزب الله» على مقربة منه.

ازدحام على أحد الطرقات في صيدا مع عودة النازحين إلى منازلهم (رويترز)

وشدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعيد إعلان وقف إطلاق النار على أن الدولة العبرية ستبقي قواتها في منطقة بعمق 10 كيلومترات.

وأسفرت الحرب خلال أكثر من ستة أسابيع عن مقتل نحو 2300 شخص ونزوح أكثر من مليون، حسب السلطات، خصوصاً من ضاحية بيروت ومن جنوب البلاد، المنطقتين اللتين تعدان من معاقل «حزب الله».


«حزب الله» يندد بـ «التنازلات» ويستعد للعودة إلى القتال

شخصان يجلسان أمس وسط خراب في صور تسببت به ضربة إسرائيلية قبيل سريان هدنة الـ 10  أيام  (رويترز)
شخصان يجلسان أمس وسط خراب في صور تسببت به ضربة إسرائيلية قبيل سريان هدنة الـ 10 أيام (رويترز)
TT

«حزب الله» يندد بـ «التنازلات» ويستعد للعودة إلى القتال

شخصان يجلسان أمس وسط خراب في صور تسببت به ضربة إسرائيلية قبيل سريان هدنة الـ 10  أيام  (رويترز)
شخصان يجلسان أمس وسط خراب في صور تسببت به ضربة إسرائيلية قبيل سريان هدنة الـ 10 أيام (رويترز)

يستعد «حزب الله» للعودة إلى القتال بالتوازي مع الحملة السياسية العنيفة التي شنّها نوابه وقياديوه ضد رئيس الجمهورية جوزيف عون، على خلفية تمسّكه بخيار التفاوض وعدم توجيهه الشكر لإيران و«المقاومة»، وصولاً إلى القول على لسان أحد نواب الحزب إن من يريد أن يكون مثل (قائد ميليشيا جيش لبنان الجنوبي التي أنشأتها إسرائيل) أنطوان لحد، سنقاتله كما قاتلنا الإسرائيلي».

ودعا الحزب صراحة النازحين إلى عدم الاستقرار في بلداتهم وقراهم في الجنوب أو الضاحية الجنوبية، والبقاء في أماكن نزوحهم مع الاكتفاء بتفقد الممتلكات، وهو ما تحدث عنه نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي، متوجهاً إلى جمهور الحزب بالقول: «لا تستقروا في قراكم في الجنوب، ولا حتى في الضاحية، اطمئنوا على أملاككم، ولا تستقروا، ولا تتركوا أماكن نزوحكم».

وانطلاقاً من هذه الأجواء، شهد طريق الجنوب - بيروت، السبت، زحمة خانقة لمواطنين عادوا وغادروا مجدداً بلداتهم الجنوبية التي وصلوا إليها، الجمعة.

وكرر أمين عام الحزب، نعيم قاسم، تهديداته بالرد على «خروقات العدو». وقال في بيان: «لأننا لا نثق بهذا العدو، فسيبقى المقاومون في الميدان وأيديهم على الزناد (...) ولن نقبل بمسار الخمسة عشر شهراً من الصبر على العدوان الإسرائيلي بانتظار الدبلوماسية التي لم تحقق شيئاً». ودعا قاسم إلى عدم «تحميل لبنان هذه الإهانات في التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي للاستماع إلى إملاءاته».

في موازاة ذلك، بات لبنان جاهزاً لإطلاق عملية التفاوض مع إسرائيل بانتظار تحديد الموعد. وعقد، السبت، لقاء بين الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام، تناول موضوع المفاوضات المحتملة. وقالت مصادر وزارية: «إن الورقة اللبنانية باتت جاهزة، وخطوطها العريضة واضحة، وتتمحور حول تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها، وعودة الأسرى».