لبنان يجهد للتصدي إلى موجة هجرة سورية جديدة

عشرات يعبرون الحدود يومياً... و«الشرق الأوسط» ترصد مساراتهم وتحاورهم

أطفال يلعبون في مخيم للنازحين السوريين في بر إلياس بالبقاع اللبناني العام الماضي (أ.ب)
أطفال يلعبون في مخيم للنازحين السوريين في بر إلياس بالبقاع اللبناني العام الماضي (أ.ب)
TT

لبنان يجهد للتصدي إلى موجة هجرة سورية جديدة

أطفال يلعبون في مخيم للنازحين السوريين في بر إلياس بالبقاع اللبناني العام الماضي (أ.ب)
أطفال يلعبون في مخيم للنازحين السوريين في بر إلياس بالبقاع اللبناني العام الماضي (أ.ب)

لم يجد السوري فادي ش. (24 عاماً) بعد وصوله تهريباً إلى بعلبك (شرق لبنان) غير دولار واحد في جيبه، لشراء ما يسد رمقه من السوبرماركت. استنزفت رحلة نزوحه من حمص إلى البقاع اللبناني، كل إمكاناته، وأنهت الـ100 دولار التي أرسلها لها عمه ليدفعها لمهرب، كي ينقله إلى داخل لبنان. يبحث في السوبرماركت عما يأكله بـ«أقل تكلفة ريثما أجد عملاً، بدءاً من صباح الغد»، كما قال لـ«الشرق الأوسط»، حينما التقته الجمعة الماضي.

فادي واحد من عشرات السوريين الذين يعبرون إلى الأراضي اللبنانية يومياً، ضمن موجات النزوح الجديدة، هرباً من الوضع الاقتصادي في بلدهم. ينسق هؤلاء مع مهربين ينقلونهم بالخفاء عبر مسالك غير شرعية إلى داخل الأراضي اللبنانية، وهي قضية استدعت استنفاراً سياسياً وأمنياً في الداخل اللبناني، لمنع هذه الظاهرة التي تفاقمت خلال الأسابيع الأخيرة.

مسلك حدود غير شرعي بين لبنان وسوريا (الشرق الأوسط)

رحلة 13 ساعة

وصل فادي إلى بعلبك بعد رحلة شاقة، امتدت لـ13 ساعة. ويقول إنه انطلق بعد منتصف الليل من حمص عبر آلية، ثم إلى شنشار في ريف حمص بآلية أخرى، ومنها إلى بساتين حيث تمت رحلة العبور سيراً على الأقدام عبر معابر غير شرعية ومسالك وعرة، لكن تم تجاوزها بسهولة «لأن المهربين يعرفون النقاط المخفية عن أعين الأمنين السوري واللبناني».

ويسير العابرون لساعات أحياناً بين الحقول والبساتين للوصول إلى العمق اللبناني. دخل فادي من معبر غير شرعي شمال الهرمل في أقصى شمال شرقي لبنان، مع مجموعة ضمَّت 17 سورياً، معظمهم من الشباب الباحثين عن عمل. توزعوا لدى وصولهم إلى الأراضي اللبنانية؛ إذ لجأ بعضهم إلى مخيمات النزوح السوري في البقاع حيث باتوا عند أقرباء لهم، في حين لجأ آخرون إلى منازل يقطنها أقرباء لهم في قرى بعلبك.

المخيمات باتت مأوى للواصلين عبر التهريب حديثاً إلى لبنان (الشرق الأوسط)

أزمة اقتصادية

والوضع الاقتصادي هو الدافع الوحيد وراء نزوح فادي. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «هربتُ من جحيم الوضع الاقتصادي. من وحش الغلاء في سوريا الذي أصبح لا يُطاق، ولا مقدور لنا للعيش بسبب الغلاء وتراجع قيمة الليرة السورية بشكل كبير، وهو ما يهدد بفقدان الغاز ومحروقات التدفئة على أبواب الشتاء». ويضيف: «الحياة أصبحت قاسية جداً في سوريا بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار الواحد إلى 14 ألف ليرة سورية، بينما لا تتخطى أجرة العامل في الزراعة والبناء في سوريا الثلاثة دولارات يومياً (40 ألف ليرة سورية)»، بينما ارتفعت أسعار الغذاء، حيث «وصل سعر كيلوغرام البندورة والعنب والبطاطا إلى أكثر من 3000 ليرة، وبلغ سعر غالون الزيت 110 آلاف ليرة (8 دولارات)، وارتفع سعر كيلوغرام السكر إلى 13 ألف ليرة (نحو دولار واحد)».

ويقول فادي إن هذه الأوضاع دفعته إلى ترك عمله في حمص. ويوضح أنه لم يستطع تأمين تكلفة الهروب، فاستنجد بعمه المقيم في خارج سوريا الذي أرسل له مائة دولار دفعها لمجموعة تهريب مؤلفة من لبنانيين وسوريين، كي يتمكن من تحسين وضعه الاقتصادي والعمل في لبنان. وبالفعل، وجد ضالته في لبنان، حيث استطاع أن يجد عملاً في اليوم التالي لوصوله، حيث أشار، يوم الأربعاء، إلى أنه بدأ العمل في تلييس البناء، ويتقاضى أجراً بقيمة 8 دولارات يومياً.

صورة من موقع الجيش اللبناني لجندي على الحدود بين لبنان وسوريا

وتؤكد مصادر أمنية لبنانية الرقم الذي دفعه فادي، وتلحظ من خلال التحقيقات مع موقوفين من الهاربين عبر الحدود، أرقاماً أكبر. ويشير مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» في البقاع إلى أن المبالغ التي تتقاضها عصابات التهريب عن كل فرد «تتراوح ما بين مائة دولار و600 دولار، وتتفاوت وفق قوانين الرحلة؛ سواء أكانت في قافلة، أو عمليات نقل أفراد، أو حتى في سيارة المهرب نفسه».

ويشير المصدر الأمني إلى أن بعض الذين يدخلون إلى لبنان خلسة «يستخدمون الأراضي اللبنانية ممراً للترانزيت إلى الدول الأوروبية وتركيا ومصر أو اليونان، عن طريق البحر والمطار، وتتولي أمورهم عصابات تعمل على تأمين السكن لهم في لبنان قبل ترحيلهم إلى الخارج»، لافتاً إلى أن بعضهم «وقع في قبضة الأجهزة الأمنية».

مخيم للنازحين السوريين قرب مدينة زحلة بالبقاع اللبناني عام 2020 (إ.ب.أ)

نزوح ثانٍ

غير أن الوضع الاقتصادي يبقى الدافع الأساس للنزوح إلى لبنان. وتقول سامية (32 عاماً) إنها وصلت الثلاثاء مع ولدها محمد (عامان) إلى مخيم قرب بعلبك عن طريق تهريب غير شرعي، بعدما كانت في وقت سابق قد عادت إلى سوريا لتعيش في كنف عائلتها ظناً منها أن الوضع الاقتصادي في سوريا أفضل من لبنان. وعادت مجدداً إلى لبنان قاصدة سهل البقاع هرباً من «الوضع الاقتصادي الذي يزداد سوءاً في سوريا»، كما تقول، لتسكن مرة أخرى مع زوجها الذي يعمل سائق شاحنة، ويحول لها الأموال من لبنان إلى سوريا.

تقيم سامية اليوم في خيمة كانت قد هجرتها إلى سوريا، لتعود إليها اليوم بعد شهرين عن نفس طريق التهريب ونفس المهربين، وتقول: «عندما غادرت إلى سوريا قبل شهرين عن طريق مهربين كي أعيش هناك مع أهلي وعائلتي، كان الوضع أفضل من اليوم، لكن الوضع الآن أصبح أكثر سوءاً؛ فالحياة أصبحت جحيماً لا يُطاق، وهذا ما دفعني كي أعود مجدداً إلى لبنان».

وتشير سامية إلى أن تكلفة الرحلة بدل الدخول من سوريا إلى لبنان هي 200 دولار أميركي تقاضاها المهربون في رحلة الذهاب كما رحلة الإياب.

معبر تهريب مائي بين لبنان وسوريا (الشرق الأوسط)

تحرك أمني

وتحركت السلطات اللبنانية لإحباط محاولات العبور غير الشرعية. وقالت قيادة الجيش اللبناني في بيان إنه «في إطار مكافحة تهريب الأشخاص والتسلل غير الشرعي عبر الحدود البرية، أحبطت وحدات من الجيش، بتواريخ مختلفة خلال الأسبوع الماضي، محاولة تسلل نحو 1100 سوري عند الحدود اللبنانية - السورية».

وتمتد خطوط التهريب على مساحة كبير، وتبدأ من الصويري جنوباً في البقاع الغربي، إلى أقصى شمال شرقي لبنان، وعلى كامل المنطقة الحدودية في الشمال، حيث يُعدّ التهريب أسهل، بالنظر إلى الغطاء النباتي الذي يخفي المتسللين.

وقال مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» في شرق لبنان إن الجيش اللبناني، ومن خلال فوج الحدود البري، وبمساعدة دوريات من المخابرات، تمكن من ضبط المعابر الشرعية وغير الشرعية، وأقام الحواجز الموازية للطرقات الدولية في البقاع الشمالي منعاً لدخول موجات جديدة من النازحين، بعدما شهد الأسبوع الماضي انفلاتاً أمنياً، لافتاً إلى أن الهاربين إلى لبنان هم مِن جميع المناطق السورية دون استثناء. وقال المصدر إن الأشخاص الذي يضبطهم الجيش يعيد ترحيلهم عبر الحدود مرة أخرى.

مخيم للنازحين السوريين في بر إلياس بالبقاع اللبناني (أ.ب)

ضغوط سياسية

تتصاعد الضغوط السياسية الداخلية لوضع حد لموجة النزوح الجديدة، حيث طالبت «القوات اللبنانية» الحكومة بـ«اتخاذ كل التدابير اللازمة والضرورية والملحَّة وبكل دقة لمنع أي تسلل من سوريا وتحديداً من الجهتين الشمالية والشرقية من الدخول إلى لبنان، خصوصاً أن المطلوب من الحكومة معالجة أزمة اللاجئين القائمة وليس مفاقمة هذه الأزمة».

وقالت في بيان صادر عن دائرتها الإعلامية: «للتذكير، فإننا لم نلمس أي خطوات عملية تترجم من خلال بدء إنهاء أزمة اللجوء السوري في لبنان، بينما المطلوب بالتوازي مع منع التسلل من سوريا باتجاه لبنان، إعادة اللاجئين فوراً من لبنان باتجاه سوريا».

من جهته، أكد النائب سامي الجميل أن اللبنانيين «قدموا كثيراً من التضحيات منذ 12 سنة لتأمين ملاذ للسوريين، وهم يطالبون اليوم بوضع حد لهذه الأزمة وعودتهم إلى بلدهم أو إعادة توزيعهم على دول أخرى تشارك لبنان العبء الذي لم يعد باستطاعته أن يتحمله منفرداً».

بدوره، قال عضو «تكتل الجمهورية القوية»، النائب رازي الحاج: «لا ينفك المهربون السوريون عن الاحتيال وابتداع الوسائل كي يستطيعوا تنفيذ عمليات تهريب الأشخاص كما البضائع»، وأضاف: «لطالما طالبنا الدولة اللبنانية، واليوم أكثر من أي يوم مضى، نطالب بضبط الحدود البرية الشرعية وغير الشرعية».

وتابع الحاج: «آن الأوان لتنفيذ هذه الإجراءات واتخاذ خطوات جدية في هذا المجال. عمليات التهريب واحدة من أبرز علامات تحلل الدولة في القيام بواجبها»، سائلاً: «إلى متى سيستمر هذا التعاطي اللامسؤول مع هذا الملف، ولبنان لم يعد يتحمل هذا التدفق من السوريين، ونحن بأمسّ الحاجة لعودة مئات الآلاف القابعين هنا منذ سنوات».

سوريا... اقتصاد لا يشبه الاقتصاد وحياة لا تشبه الحياة

الرئيس السوري بشار الأسد (إ.ب.أ)

حين سئل الرئيس السوري بشار الأسد عن التحديات التي تواجه عودة اللاجئين السوريين إلى المناطق التي توقفت فيها العمليات العسكرية، رد بسؤال «كيف يمكن للاجئ أن يعود من دون ماء ولا كهرباء ولا مدارس لأبنائه ولا صحة للعلاج؟». بهذه الجملة اختزل الأسد الواقع الاقتصادي والمعيشي في المناطق التي استعادت حكومته السيطرة عليها بدعم الحليفين الروسي والإيراني، والتي تُشكل الجزء الأكبر من مساحة سوريا. فرغم توقف الحرب في هذه المناطق، فإن الحياة فيها ما زالت صعبة، بل أصعب بكثير منها زمن المعارك.

وتحمّل الحكومة السورية المسؤولية عن الانهيار الاقتصادي في البلاد، وعرقلة إعادة إعمارها، للولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية التي تفرض عقوبات اقتصادية خانقة على الحكومة السورية ومن يتعامل معها.

وتوقع البنك الدولي، في مارس (آذار) الماضي، أن يزداد انكماش إجمالي الناتج السوري بمقدار 2.3 نقطة مئوية، ليصل الانكماش إلى 5.5 في المائة في 2023، ما سيؤدي إلى مزيد من انكماش النمو الاقتصادي إذا استمر تباطؤ أعمال إعادة الإعمار.

في المقابل، يحمّل خبراء اقتصاد محليون جزءاً كبيراً من المسؤولية عن التضخم والانهيار الاقتصادي وتدهور قيمة العملة المحلية إلى مستويات غير مسبوقة (14 ألف ليرة مقابل الدولار الأميركي الواحد) للحكومة في دمشق وإلى تخبط سياساتها الاقتصادية في إدارة الأزمات، وكذلك انتعاش اقتصاد الظل الذي تحوّل خلال الحرب إلى «اقتصاد فساد»، وفق وصفهم، أي أنه يقوم على الفساد بمفاصله كافة. وقد نجح هذا الاقتصاد بالقضاء على الزراعة والصناعة والتجارة التقليدية، حين جيّر موارد الدولة لخدمة مصالحه.

ويقول اقتصادي دمشقي لـ«الشرق الأوسط» إن «راتب الموظف بعد الزيادة التي أعلنت في أغسطس (آب) الماضي والتي بلغت 100 في المائة، لا يتجاوز 25 دولاراً، وهو مبلغ لا يغطي مصروف يوم واحد لعائلة صغيرة في ظل ارتفاع الأسعار الناجم عن رفع أسعار الكهرباء والماء والمحروقات... فمن أين يغطّي العامل في الدولة مصاريف بقية أيام الشهر؟ إذن هناك موارد أخرى أبرزها الرشوة، أو العمل الثاني، أو الكسب غير المشروع». ويتابع الاقتصادي: «هذا يحدث في قاعدة الهرم ولا نبالغ بالقول إن الفساد يزداد تغولاً صعوداً، ويتمثل بالاحتكار وتمرير الصفقات الكبرى، ورعاية غير مباشرة للتهريب وعمليات التجارة المشبوهة». ولفت الاقتصادي إلى أن «الفساد والكسب غير المشروع هما ما يجعل الدولة قائمة رغم تهالك كل مفاصلها، وانهيار الاقتصاد»، وهو ما يزيد الفجوة بين طبقة ثرية ضئيلة، وأخرى ضئيلة من بقايا الطبقة الوسطى تتدبر أمورها من المساعدات والحوالات الخارجية، وأغلبية ساحقة مسحوقة يحلم غالبيتها بالهجرة واللجوء إلى أي دولة تستقبلهم.

جانب من الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها مدينة السويداء في جنوب سوريا (إ.ب.أ)

ووفق معطيات «برنامج الأغذية العالمي»، تعد سوريا من ستة بلدان تعاني من أعلى معدلات انعدام الأمن الغذائي في العالم. فهناك حوالي 12.1 مليون شخص في سوريا، أي أكثر من نصف عدد السكان، يعانون من انعدام الأمن الغذائي. كما أن متوسط الأجر الشهري في سوريا يغطي حالياً حوالي ربع الاحتياجات الغذائية للأسرة فقط. كما تشير بيانات «برنامج الأغذية العالمي» إلى أن سوء التغذية آخذ في الارتفاع، مع وصول معدلات التقزم بين الأطفال وسوء التغذية لدى الأمهات إلى مستويات غير مسبوقة. تهدد بحصول مجاعة. ولا تلوح في الأفق أي خطط واضحة للحكومة السورية لمكافحة التضخم، وتحسين الواقع المعيشي، بل إن ما يجري هو العكس، حيث تتعمق مأساة السوريين الذين يفتقدون لأبسط مقومات المعيشة، من مواد طاقة وماء وغذاء ودواء، وهو ما يبدو أحد أسباب اندلاع احتجاجات شعبية تتركز منذ أيام في محافظة السويداء بجنوب سوريا.


مقالات ذات صلة

سوريا: عودة الهدوء إلى مدينة مسيحية بعد أحداث شغب

المشرق العربي سيارة لقوات الأمن أمام كنيسة في السقيلبية اليوم السبت (أ.ب)

سوريا: عودة الهدوء إلى مدينة مسيحية بعد أحداث شغب

عاد الهدوء إلى مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة، بعد ليلة من أعمال الشغب، إلا أن أجواء قلق ما زالت تسود في أوساط المسيحيين قبل «أحد الشعانين».

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي صورة تجمع صالح مسلم وعبد الله أوجلان خلال تشييع عضو الهيئة الرئاسية في حزب الاتحاد الديمقراطي بمدينة القامشلي شمال شرقي سوريا اليوم الجمعة (رويترز)

آلاف يشاركون في تشييع السياسي الكردي البارز صالح مسلم

شارك آلاف المشيعين في مدينة القامشلي، شمال شرقي سوريا، اليوم (الجمعة)، في جنازة السياسي الكردي البارز صالح مسلم.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي حملة أمنية بمحافظة دير الزور استهدفت مواقع تنظيم «داعش» في نوفمبر 2025 (الداخلية السورية)

«داعش» يتبنى قتل جنديين سوريين على طريق حلب

أعلن تنظيم «داعش» تبنيه قتل عنصرين من الجيش السوري على أوتوستراد حلب–الباب (شمالاً)، وسط تصاعد لعمليات التنظيم الإرهابي في البلاد.

سعاد جروس (دمشق)
شؤون إقليمية قوات تركية في منطقة «نبع السلام» شمال شرقي سوريا (الدفاع التركية)

أنقرة: لا انسحاب من منطقة «نبع السلام» في سوريا

نفت مصادر عسكرية تركية ما تردد بشأن الانسحاب من مناطق «عملية نبع السلام» في شمال شرقي سوريا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي رجل يعبئ سيارته بالوقود في محطة بنزين بدمشق كإجراء احترازي وسط الحرب الدائرة في الشرق الأوسط (إ.ف.ب)

في دمشق سكان يراقبون الحرب الإقليمية ويطمئنون على عائلاتهم في الخليج

يشاهد السوريون الحرب عن بعد، بينما تعترض إسرائيل في سماء بلادهم الصواريخ الإيرانية العابرة نحوها، والتي سقطت شظاياها على مناطق في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

زيلينسكي في الأردن «لعقد اجتماعات مهمة»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
TT

زيلينسكي في الأردن «لعقد اجتماعات مهمة»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

قال ​الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأحد، إنه وصل ‌إلى ‌الأردن ​لعقد «اجتماعات مهمة».

وكتب ​زيلينسكي ‌على ‌موقع «إكس»: «اليوم في الأردن. الأمن ‌هو الأولوية القصوى، ومن الضروري أن ⁠يبذل ⁠جميع الشركاء الجهود اللازمة لتحقيقه. أوكرانيا تقوم بدورها. اجتماعات مهمة ​تنتظرنا».

وزار زيلينسكي، خلال الأيام الماضية، السعودية والإمارات وقطر. يأتي ‌هذا ⁠في ​الوقت الذي ⁠تسعى فيه كييف إلى تعزيز ⁠علاقاتها الدفاعية في ‌منطقة ‌الخليج.


إسرائيل تفتتح مسار توغل جديداً من سوريا إلى لبنان عبر جبل الشيخ

دبابة على الحدود بين إسرائيل ولبنان (إ.ب.أ)
دبابة على الحدود بين إسرائيل ولبنان (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تفتتح مسار توغل جديداً من سوريا إلى لبنان عبر جبل الشيخ

دبابة على الحدود بين إسرائيل ولبنان (إ.ب.أ)
دبابة على الحدود بين إسرائيل ولبنان (إ.ب.أ)

يفرض التوغّل الإسرائيلي عبر محور جبل الشيخ إيقاعاً ميدانياً مختلفاً، مع انتقال العمليات من الضغط الناري التقليدي إلى اختبار محاور التفاف مرتفعة، من شأنها إعادة رسم خطوط الاشتباك، وتغيير قواعد المواجهة تدريجياً.

وأعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ عملية عابرة للحدود انطلاقاً من الشق السوري لجبل الشيخ وصولاً إلى منطقة جبل «روس» داخل الأراضي اللبنانية (مزارع شبعا)، في خطوة تعكس توجهاً لتوسيع نطاق العمليات نحو تضاريس أكثر تعقيداً. وبحسب البيان، نفذت وحدة كوماندوز جبلية المهمة عبر تسلّق في ظروف ثلجية، بهدف تمشيط المنطقة، وجمع معلومات استخبارية، إلى جانب كشف بنى تحتية ميدانية.

هذا التطور يتجاوز كونه عملية استطلاع موضعية، ليشير إلى إعادة تفعيل محور استراتيجي يمنح أفضلية جغرافية واضحة؛ إذ يتيح الموقع المرتفع إمكان الإشراف على مساحات واسعة، وفتح مسارات التفاف تتجاوز خطوط التماس التقليدية.

آليات عسكرية إسرائيلية على الجانب اللبناني من الحدود (إ.ب.أ)

أفضلية جغرافية وتطويق للجنوب

قال مصدر مطّلع على مجريات الحرب في الجنوب لـ«الشرق الأوسط» إن «التطور الأبرز ميدانياً يتمثّل في دخول قوة إسرائيلية من محور جبل الشيخ، في خطوة كانت متوقعة ضمن السيناريوهات المطروحة، نظراً للأفضلية الجغرافية التي يوفرها هذا المحور، ما يتيح إمكان التقدّم نحو البقاع الغربي أو الالتفاف نزولاً باتجاه كفرشوبا (السفح الغربي لجبل الشيخ) وتنفيذ عمليات ميدانية من هناك»، لافتاً إلى أن «هذا المسار، في حال تثبيته، قد يتيح عملياً قطع التواصل الجغرافي بين الجنوب والبقاع الغربي خلال وقت قصير نسبياً، وهو ما كان يُطرح نظرياً ضمن التقديرات العسكرية».

بدوره، رأى العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن «السيناريو الأخطر يتمثل في احتمال استخدام محور جبل الشيخ لتطويق الجنوب أو قطع إمداد الجنوب عن البقاع الغربي؛ ما قد يؤثر مباشرة على البنية اللوجيستية لـ(حزب الله)»، مؤكداً أن «المسار الميداني لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، لكن المرحلة المقبلة تنطوي على مخاطر تصعيد كبيرة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «أهمية جبل الشيخ تكمن في كونه أعلى مرتفَع بات بيد إسرائيل؛ ما يمنحها قدرة واسعة على الرصد الاستخباري، سواء للصواريخ أو المسيّرات، إضافة إلى تعزيز منظومات المراقبة المتقدمة»، مشيراً إلى أن «الحديث عن عمليات تسلل عبر المناطق الجبلية، رغم طابعه المحدود، قد يهدف إلى استدراج «حزب الله» للتمركز في هذه النقاط، ومنع أي توغل أوسع لاحقاً، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام جبهة جديدة».

تصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية في ظل تصاعد المواجهات في جنوب لبنان (رويترز)

صعوبات المواجهة البرية

رأى المصدر أن «التطور الأبرز يتمثل في احتمال فتح جبهة باتجاه البقاع عبر تمركزات على الحدود السورية المحاذية لجبل الشيخ، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع نطاق الاشتباك وإشغال (حزب الله) في جبهة إضافية»، محذّراً من أن «أي توغل من الجانب السوري نحو الأراضي اللبنانية، وما قد يستتبعه من رد، قد يضع الجيش السوري أمام معادلة حساسة؛ إذ سيُفسَّر إطلاق النار على أنه يستهدف الأراضي السورية؛ ما يستدعي موقفاً رسمياً حاسماً من دمشق».

وأوضح أن «المؤشرات حتى الآن تدل على أن القيادة السورية تتجه إلى عدم الانخراط في أي مواجهة، وقد أبلغت موقفها بعدم السماح باستخدام أراضيها في نزاعات إقليمية، وهو ما انعكس أيضاً في تعزيز انتشار الجيش السوري على الحدود اللبنانية والعراقية»، لافتاً إلى أن «تفادي توريط سوريا، سواء في الجبهة اللبنانية أو العراقية، يشكل عاملاً أساسياً في منع توسّع النزاع».

وفي قراءة ميدانية، أشار إلى أن «المواجهة البرية في الجنوب لا تزال تواجه صعوبات؛ إذ إن التصدي الحالي أربك الجيش الإسرائيلي، وأوقعه في خسائر بشرية ومادية، ما يدل على أن التقدم لم يحقق أهدافه المعلنة حتى الآن»، لافتاً في المقابل إلى أن «رفع مستوى الجهوزية الإسرائيلية، سواء عبر استدعاء أعداد كبيرة من الاحتياط، أو تدفق كميات ضخمة من الذخائر، يعكس استعداداً لعمليات أوسع قد لا تبقى محصورة في الجنوب».


لماذا تعجز بغداد عن التصدي لأعمال الفصائل المسلحة؟

تصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
تصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

لماذا تعجز بغداد عن التصدي لأعمال الفصائل المسلحة؟

تصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
تصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

يتابع كثير من العراقيين باهتمام وقلق واضحين ارتدادات الحرب الإقليمية المستعرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى على البلاد، وهي ارتدادات، حسب مراقبين، لم تكن لتقع إلا بحدها الأدنى لولا انخراط الفصائل المسلحة الموالية لإيران في تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة بشكل واسع على أهداف مدنية وعسكرية ودبلوماسية واقتصادية في الداخل العراقي، من دون أي تحرك جدّي من حكومة بغداد حيال تلك الهجمات التي تجاوز سقفها نحو 500 هجمة، واكتفت الحكومة خلالها بإصدار بيانات الإدانة والاستنكار، من دون أن تتمكن من إلقاء القبض على عنصر واحد من الجماعات المنفذة لتلك الهجمات.

ويوماً بعد آخر، تنخرط البلاد في الحرب الإقليمية من دون أن يكون للحكومة أو القوى السياسية أي قرار أو تدبير لمواجهة ذلك، نتيجة سطوة الفصائل المسلحة وقرارها المنفرد بدخول الحرب. ويثير هذا الواقع كثيراً من علامات الاستفهام والتعجب في الأوساط الشعبية، وكذلك لدى بعض الشخصيات السياسية، حول حدود دور الحكومة ووظيفتها في مقابل نفوذ الفصائل وسلطتها.

وقد عبّر وزير الخارجية، فؤاد حسين (كردي)، السبت، عن استغرابه مما وصفه بـ«السياسة الشيعية» في إدارة البلاد، المتأرجحة بين التحالف مع الولايات المتحدة والاستجابة لمطالبها من جهة، ومواجهتها من جهة أخرى.

وقال في مقابلة تلفزيونية، إن «ساسة الشيعة ذبحونا بهذه السياسة»، وأضاف: «إنهم ينقدون أميركا من جهة، لكنهم يستجيبون لتغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، في إشارة إلى التغريدة التي رفض فيها ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» نوري المالكي لرئاسة الوزراء.

وذكر حسين، أنه «لا أحد يعرف الفرق بين الحشد والفصائل، وبعضهم يستخدم عجلات وهويات الحشد، والفرق بين الحشد الذي هو مؤسسة أمنية والفصائل غير الشرعية، وهذه صورة صعبة يتم نقلها إلى الخارج، والأميركان يعلمون أن قسماً من هذه الفصائل لديهم أقسام منهم في الحشد».

ارتباط عقائدي بإيران

بدوره، يشير الأكاديمي ورئيس «مركز التفكير السياسي»، إحسان الشمري، إلى مجموعة من العوامل المتداخلة التي تتسبب في عجز الحكومة العراقية عن مواجهة هجمات الفصائل، ومن ضمن هذه العوامل «الارتباط العقائدي لتلك الفصائل، وتحالفها العسكري مع إيران، ما وفر لها قوة كبيرة في الداخل، لا سيما على المستوى السياسي. وبات يُنظر إلى أي استهداف لها على أنه، عملياً، استهداف لإيران ومحاولة لإضعاف نفوذها».

ويضيف الشمري في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «الفصائل المسلحة بعد عام 2018 أصبحت أكثر تمكيناً في الدولة العراقية، من خلال دخول أجنحتها السياسية في مؤسسات الدولة، وقد وفّر لها حصانة سياسية حالت دون بروز أي مساءلة حول ما تقوم به، وصار معروفاً اليوم أن لدى الفصائل نحو 100 نائب في البرلمان».

وإلى جانب «القدم الراسخة» للفصائل في معظم مفاصل الدولة، يقول الشمري، إن «حكومة تصريف الأعمال الحالية التي تشكّلت عن طريق المحاصصة كان للفصائل الدور الأساسي فيها، وفي هذه الحالة يصعب الذهاب نحو فرضية قيام الحكومة بمواجهة الفصائل سياسياً وأمنياً».

غياب الإرادة السياسية

ويضيف الشمري عوامل أخرى للإخفاق الحكومي بمواجهة الفصائل تتمثل في «غياب الإرادة السياسية لدى الفاعل الأكبر وهو الفاعل الشيعي على وجه التحديد».

ويرى أن الفاعل السياسي الشيعي ما زال يعتقد أنه «ليس من الصحيح الذهاب لتقويض عمل هذه الفصائل، خاصة وهي تتمتع بقوة لا يستهان بها داخل منظومة قوى (الإطار التنسيقي)؛ لذلك قد يصعب على (الإطار التنسيقي) عموماً أو على المعتدلين داخله أن يتخذوا موقفاً سياسياً داعماً لأي خطوة من شأنها تقويض أو مواجهة الفصائل».

ويذكر الشمري أسباباً أخرى، من بينها إخفاق معظم الحكومات المتعاقبة في مواجهة نفوذ الفصائل، رغم إصرارها على تضمين برامجها الحكومية مسألة حصر السلاح بيد الدولة. كما تبرز خشية من اندلاع صدام أو حرب أهلية في حال اتخاذ قرار حكومي بمواجهة هذه الفصائل.

«التنسيقي» شرعن للفصائل

ويعلل المحلل والدبلوماسي السابق الدكتور غازي فيصل، العجز عن مواجهة الفصائل بأسباب عدة، أبرزها «قيام قيادات وأحزاب في (الإطار التنسيقي) بتأسيس الفصائل المسلحة وشرعنة وجودها، سواء عبر إدماجها في الحشد الشعبي ومنحها صفة قانونية بقرار من البرلمان، أو من خلال الدفاع المستمر عنها وعدم السماح بمساءلتها».

ويضيف فيصل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «وجود أكثر من 34 فصيلاً مسلحاً، من بينها 6 فصائل خاضعة للعقوبات الأميركية، تدين بولائها الكامل لولاية الفقيه في إيران، يمنحها حماية وفرصة كبيرة للإفلات من المساءلة داخل العراق، في ظل النفوذ الإيراني في البلاد».

ويعتقد أن «الفصائل المسلحة هي امتداد لقوى (الإطار التنسيقي) التي تُهيمن على الحكومة، وهي لذلك بمنأى عن المحاسبة، والمؤكد أنها غير معنية بتعليمات الحكومة وأوامرها، وكذلك غير معنية برؤية مرجعية النجف التي تميل للنأي بالبلاد عن الحرب، وهي تلتزم حصرياً بتعليمات ولاية الفقيه و(الحرس الثوري) الإيراني».

لهذه الأسباب وغيرها، يستبعد فيصل قدرة الحكومة على مواجهة الفصائل، على الرغم من معرفتها الأكيدة بكثير من عناصرها وقادتها، وكذلك عملها في معظم الهجمات التي نفذتها وتنفذها منذ أسابيع، وقد شاهدنا كيف أنها استهدفت مقر جهاز المخابرات العراقي ولم تتحرك ضدها، وقبلها قامت باستهداف منزل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وأخيراً استهدافها منازل القيادات الكردية في أربيل ودهوك.