لبنان يجهد للتصدي إلى موجة هجرة سورية جديدة

عشرات يعبرون الحدود يومياً... و«الشرق الأوسط» ترصد مساراتهم وتحاورهم

أطفال يلعبون في مخيم للنازحين السوريين في بر إلياس بالبقاع اللبناني العام الماضي (أ.ب)
أطفال يلعبون في مخيم للنازحين السوريين في بر إلياس بالبقاع اللبناني العام الماضي (أ.ب)
TT

لبنان يجهد للتصدي إلى موجة هجرة سورية جديدة

أطفال يلعبون في مخيم للنازحين السوريين في بر إلياس بالبقاع اللبناني العام الماضي (أ.ب)
أطفال يلعبون في مخيم للنازحين السوريين في بر إلياس بالبقاع اللبناني العام الماضي (أ.ب)

لم يجد السوري فادي ش. (24 عاماً) بعد وصوله تهريباً إلى بعلبك (شرق لبنان) غير دولار واحد في جيبه، لشراء ما يسد رمقه من السوبرماركت. استنزفت رحلة نزوحه من حمص إلى البقاع اللبناني، كل إمكاناته، وأنهت الـ100 دولار التي أرسلها لها عمه ليدفعها لمهرب، كي ينقله إلى داخل لبنان. يبحث في السوبرماركت عما يأكله بـ«أقل تكلفة ريثما أجد عملاً، بدءاً من صباح الغد»، كما قال لـ«الشرق الأوسط»، حينما التقته الجمعة الماضي.

فادي واحد من عشرات السوريين الذين يعبرون إلى الأراضي اللبنانية يومياً، ضمن موجات النزوح الجديدة، هرباً من الوضع الاقتصادي في بلدهم. ينسق هؤلاء مع مهربين ينقلونهم بالخفاء عبر مسالك غير شرعية إلى داخل الأراضي اللبنانية، وهي قضية استدعت استنفاراً سياسياً وأمنياً في الداخل اللبناني، لمنع هذه الظاهرة التي تفاقمت خلال الأسابيع الأخيرة.

مسلك حدود غير شرعي بين لبنان وسوريا (الشرق الأوسط)

رحلة 13 ساعة

وصل فادي إلى بعلبك بعد رحلة شاقة، امتدت لـ13 ساعة. ويقول إنه انطلق بعد منتصف الليل من حمص عبر آلية، ثم إلى شنشار في ريف حمص بآلية أخرى، ومنها إلى بساتين حيث تمت رحلة العبور سيراً على الأقدام عبر معابر غير شرعية ومسالك وعرة، لكن تم تجاوزها بسهولة «لأن المهربين يعرفون النقاط المخفية عن أعين الأمنين السوري واللبناني».

ويسير العابرون لساعات أحياناً بين الحقول والبساتين للوصول إلى العمق اللبناني. دخل فادي من معبر غير شرعي شمال الهرمل في أقصى شمال شرقي لبنان، مع مجموعة ضمَّت 17 سورياً، معظمهم من الشباب الباحثين عن عمل. توزعوا لدى وصولهم إلى الأراضي اللبنانية؛ إذ لجأ بعضهم إلى مخيمات النزوح السوري في البقاع حيث باتوا عند أقرباء لهم، في حين لجأ آخرون إلى منازل يقطنها أقرباء لهم في قرى بعلبك.

المخيمات باتت مأوى للواصلين عبر التهريب حديثاً إلى لبنان (الشرق الأوسط)

أزمة اقتصادية

والوضع الاقتصادي هو الدافع الوحيد وراء نزوح فادي. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «هربتُ من جحيم الوضع الاقتصادي. من وحش الغلاء في سوريا الذي أصبح لا يُطاق، ولا مقدور لنا للعيش بسبب الغلاء وتراجع قيمة الليرة السورية بشكل كبير، وهو ما يهدد بفقدان الغاز ومحروقات التدفئة على أبواب الشتاء». ويضيف: «الحياة أصبحت قاسية جداً في سوريا بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار الواحد إلى 14 ألف ليرة سورية، بينما لا تتخطى أجرة العامل في الزراعة والبناء في سوريا الثلاثة دولارات يومياً (40 ألف ليرة سورية)»، بينما ارتفعت أسعار الغذاء، حيث «وصل سعر كيلوغرام البندورة والعنب والبطاطا إلى أكثر من 3000 ليرة، وبلغ سعر غالون الزيت 110 آلاف ليرة (8 دولارات)، وارتفع سعر كيلوغرام السكر إلى 13 ألف ليرة (نحو دولار واحد)».

ويقول فادي إن هذه الأوضاع دفعته إلى ترك عمله في حمص. ويوضح أنه لم يستطع تأمين تكلفة الهروب، فاستنجد بعمه المقيم في خارج سوريا الذي أرسل له مائة دولار دفعها لمجموعة تهريب مؤلفة من لبنانيين وسوريين، كي يتمكن من تحسين وضعه الاقتصادي والعمل في لبنان. وبالفعل، وجد ضالته في لبنان، حيث استطاع أن يجد عملاً في اليوم التالي لوصوله، حيث أشار، يوم الأربعاء، إلى أنه بدأ العمل في تلييس البناء، ويتقاضى أجراً بقيمة 8 دولارات يومياً.

صورة من موقع الجيش اللبناني لجندي على الحدود بين لبنان وسوريا

وتؤكد مصادر أمنية لبنانية الرقم الذي دفعه فادي، وتلحظ من خلال التحقيقات مع موقوفين من الهاربين عبر الحدود، أرقاماً أكبر. ويشير مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» في البقاع إلى أن المبالغ التي تتقاضها عصابات التهريب عن كل فرد «تتراوح ما بين مائة دولار و600 دولار، وتتفاوت وفق قوانين الرحلة؛ سواء أكانت في قافلة، أو عمليات نقل أفراد، أو حتى في سيارة المهرب نفسه».

ويشير المصدر الأمني إلى أن بعض الذين يدخلون إلى لبنان خلسة «يستخدمون الأراضي اللبنانية ممراً للترانزيت إلى الدول الأوروبية وتركيا ومصر أو اليونان، عن طريق البحر والمطار، وتتولي أمورهم عصابات تعمل على تأمين السكن لهم في لبنان قبل ترحيلهم إلى الخارج»، لافتاً إلى أن بعضهم «وقع في قبضة الأجهزة الأمنية».

مخيم للنازحين السوريين قرب مدينة زحلة بالبقاع اللبناني عام 2020 (إ.ب.أ)

نزوح ثانٍ

غير أن الوضع الاقتصادي يبقى الدافع الأساس للنزوح إلى لبنان. وتقول سامية (32 عاماً) إنها وصلت الثلاثاء مع ولدها محمد (عامان) إلى مخيم قرب بعلبك عن طريق تهريب غير شرعي، بعدما كانت في وقت سابق قد عادت إلى سوريا لتعيش في كنف عائلتها ظناً منها أن الوضع الاقتصادي في سوريا أفضل من لبنان. وعادت مجدداً إلى لبنان قاصدة سهل البقاع هرباً من «الوضع الاقتصادي الذي يزداد سوءاً في سوريا»، كما تقول، لتسكن مرة أخرى مع زوجها الذي يعمل سائق شاحنة، ويحول لها الأموال من لبنان إلى سوريا.

تقيم سامية اليوم في خيمة كانت قد هجرتها إلى سوريا، لتعود إليها اليوم بعد شهرين عن نفس طريق التهريب ونفس المهربين، وتقول: «عندما غادرت إلى سوريا قبل شهرين عن طريق مهربين كي أعيش هناك مع أهلي وعائلتي، كان الوضع أفضل من اليوم، لكن الوضع الآن أصبح أكثر سوءاً؛ فالحياة أصبحت جحيماً لا يُطاق، وهذا ما دفعني كي أعود مجدداً إلى لبنان».

وتشير سامية إلى أن تكلفة الرحلة بدل الدخول من سوريا إلى لبنان هي 200 دولار أميركي تقاضاها المهربون في رحلة الذهاب كما رحلة الإياب.

معبر تهريب مائي بين لبنان وسوريا (الشرق الأوسط)

تحرك أمني

وتحركت السلطات اللبنانية لإحباط محاولات العبور غير الشرعية. وقالت قيادة الجيش اللبناني في بيان إنه «في إطار مكافحة تهريب الأشخاص والتسلل غير الشرعي عبر الحدود البرية، أحبطت وحدات من الجيش، بتواريخ مختلفة خلال الأسبوع الماضي، محاولة تسلل نحو 1100 سوري عند الحدود اللبنانية - السورية».

وتمتد خطوط التهريب على مساحة كبير، وتبدأ من الصويري جنوباً في البقاع الغربي، إلى أقصى شمال شرقي لبنان، وعلى كامل المنطقة الحدودية في الشمال، حيث يُعدّ التهريب أسهل، بالنظر إلى الغطاء النباتي الذي يخفي المتسللين.

وقال مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» في شرق لبنان إن الجيش اللبناني، ومن خلال فوج الحدود البري، وبمساعدة دوريات من المخابرات، تمكن من ضبط المعابر الشرعية وغير الشرعية، وأقام الحواجز الموازية للطرقات الدولية في البقاع الشمالي منعاً لدخول موجات جديدة من النازحين، بعدما شهد الأسبوع الماضي انفلاتاً أمنياً، لافتاً إلى أن الهاربين إلى لبنان هم مِن جميع المناطق السورية دون استثناء. وقال المصدر إن الأشخاص الذي يضبطهم الجيش يعيد ترحيلهم عبر الحدود مرة أخرى.

مخيم للنازحين السوريين في بر إلياس بالبقاع اللبناني (أ.ب)

ضغوط سياسية

تتصاعد الضغوط السياسية الداخلية لوضع حد لموجة النزوح الجديدة، حيث طالبت «القوات اللبنانية» الحكومة بـ«اتخاذ كل التدابير اللازمة والضرورية والملحَّة وبكل دقة لمنع أي تسلل من سوريا وتحديداً من الجهتين الشمالية والشرقية من الدخول إلى لبنان، خصوصاً أن المطلوب من الحكومة معالجة أزمة اللاجئين القائمة وليس مفاقمة هذه الأزمة».

وقالت في بيان صادر عن دائرتها الإعلامية: «للتذكير، فإننا لم نلمس أي خطوات عملية تترجم من خلال بدء إنهاء أزمة اللجوء السوري في لبنان، بينما المطلوب بالتوازي مع منع التسلل من سوريا باتجاه لبنان، إعادة اللاجئين فوراً من لبنان باتجاه سوريا».

من جهته، أكد النائب سامي الجميل أن اللبنانيين «قدموا كثيراً من التضحيات منذ 12 سنة لتأمين ملاذ للسوريين، وهم يطالبون اليوم بوضع حد لهذه الأزمة وعودتهم إلى بلدهم أو إعادة توزيعهم على دول أخرى تشارك لبنان العبء الذي لم يعد باستطاعته أن يتحمله منفرداً».

بدوره، قال عضو «تكتل الجمهورية القوية»، النائب رازي الحاج: «لا ينفك المهربون السوريون عن الاحتيال وابتداع الوسائل كي يستطيعوا تنفيذ عمليات تهريب الأشخاص كما البضائع»، وأضاف: «لطالما طالبنا الدولة اللبنانية، واليوم أكثر من أي يوم مضى، نطالب بضبط الحدود البرية الشرعية وغير الشرعية».

وتابع الحاج: «آن الأوان لتنفيذ هذه الإجراءات واتخاذ خطوات جدية في هذا المجال. عمليات التهريب واحدة من أبرز علامات تحلل الدولة في القيام بواجبها»، سائلاً: «إلى متى سيستمر هذا التعاطي اللامسؤول مع هذا الملف، ولبنان لم يعد يتحمل هذا التدفق من السوريين، ونحن بأمسّ الحاجة لعودة مئات الآلاف القابعين هنا منذ سنوات».

سوريا... اقتصاد لا يشبه الاقتصاد وحياة لا تشبه الحياة

الرئيس السوري بشار الأسد (إ.ب.أ)

حين سئل الرئيس السوري بشار الأسد عن التحديات التي تواجه عودة اللاجئين السوريين إلى المناطق التي توقفت فيها العمليات العسكرية، رد بسؤال «كيف يمكن للاجئ أن يعود من دون ماء ولا كهرباء ولا مدارس لأبنائه ولا صحة للعلاج؟». بهذه الجملة اختزل الأسد الواقع الاقتصادي والمعيشي في المناطق التي استعادت حكومته السيطرة عليها بدعم الحليفين الروسي والإيراني، والتي تُشكل الجزء الأكبر من مساحة سوريا. فرغم توقف الحرب في هذه المناطق، فإن الحياة فيها ما زالت صعبة، بل أصعب بكثير منها زمن المعارك.

وتحمّل الحكومة السورية المسؤولية عن الانهيار الاقتصادي في البلاد، وعرقلة إعادة إعمارها، للولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية التي تفرض عقوبات اقتصادية خانقة على الحكومة السورية ومن يتعامل معها.

وتوقع البنك الدولي، في مارس (آذار) الماضي، أن يزداد انكماش إجمالي الناتج السوري بمقدار 2.3 نقطة مئوية، ليصل الانكماش إلى 5.5 في المائة في 2023، ما سيؤدي إلى مزيد من انكماش النمو الاقتصادي إذا استمر تباطؤ أعمال إعادة الإعمار.

في المقابل، يحمّل خبراء اقتصاد محليون جزءاً كبيراً من المسؤولية عن التضخم والانهيار الاقتصادي وتدهور قيمة العملة المحلية إلى مستويات غير مسبوقة (14 ألف ليرة مقابل الدولار الأميركي الواحد) للحكومة في دمشق وإلى تخبط سياساتها الاقتصادية في إدارة الأزمات، وكذلك انتعاش اقتصاد الظل الذي تحوّل خلال الحرب إلى «اقتصاد فساد»، وفق وصفهم، أي أنه يقوم على الفساد بمفاصله كافة. وقد نجح هذا الاقتصاد بالقضاء على الزراعة والصناعة والتجارة التقليدية، حين جيّر موارد الدولة لخدمة مصالحه.

ويقول اقتصادي دمشقي لـ«الشرق الأوسط» إن «راتب الموظف بعد الزيادة التي أعلنت في أغسطس (آب) الماضي والتي بلغت 100 في المائة، لا يتجاوز 25 دولاراً، وهو مبلغ لا يغطي مصروف يوم واحد لعائلة صغيرة في ظل ارتفاع الأسعار الناجم عن رفع أسعار الكهرباء والماء والمحروقات... فمن أين يغطّي العامل في الدولة مصاريف بقية أيام الشهر؟ إذن هناك موارد أخرى أبرزها الرشوة، أو العمل الثاني، أو الكسب غير المشروع». ويتابع الاقتصادي: «هذا يحدث في قاعدة الهرم ولا نبالغ بالقول إن الفساد يزداد تغولاً صعوداً، ويتمثل بالاحتكار وتمرير الصفقات الكبرى، ورعاية غير مباشرة للتهريب وعمليات التجارة المشبوهة». ولفت الاقتصادي إلى أن «الفساد والكسب غير المشروع هما ما يجعل الدولة قائمة رغم تهالك كل مفاصلها، وانهيار الاقتصاد»، وهو ما يزيد الفجوة بين طبقة ثرية ضئيلة، وأخرى ضئيلة من بقايا الطبقة الوسطى تتدبر أمورها من المساعدات والحوالات الخارجية، وأغلبية ساحقة مسحوقة يحلم غالبيتها بالهجرة واللجوء إلى أي دولة تستقبلهم.

جانب من الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها مدينة السويداء في جنوب سوريا (إ.ب.أ)

ووفق معطيات «برنامج الأغذية العالمي»، تعد سوريا من ستة بلدان تعاني من أعلى معدلات انعدام الأمن الغذائي في العالم. فهناك حوالي 12.1 مليون شخص في سوريا، أي أكثر من نصف عدد السكان، يعانون من انعدام الأمن الغذائي. كما أن متوسط الأجر الشهري في سوريا يغطي حالياً حوالي ربع الاحتياجات الغذائية للأسرة فقط. كما تشير بيانات «برنامج الأغذية العالمي» إلى أن سوء التغذية آخذ في الارتفاع، مع وصول معدلات التقزم بين الأطفال وسوء التغذية لدى الأمهات إلى مستويات غير مسبوقة. تهدد بحصول مجاعة. ولا تلوح في الأفق أي خطط واضحة للحكومة السورية لمكافحة التضخم، وتحسين الواقع المعيشي، بل إن ما يجري هو العكس، حيث تتعمق مأساة السوريين الذين يفتقدون لأبسط مقومات المعيشة، من مواد طاقة وماء وغذاء ودواء، وهو ما يبدو أحد أسباب اندلاع احتجاجات شعبية تتركز منذ أيام في محافظة السويداء بجنوب سوريا.


مقالات ذات صلة

كنائس سوريا تحيي «الشعانين» وسط إجراءات أمنية مكثفة

المشرق العربي تفتيش دقيق للكنائس السورية قبل انطلاق احتفال عيد الشعانين (الداخلية السورية)

كنائس سوريا تحيي «الشعانين» وسط إجراءات أمنية مكثفة

أحيت الكنائس المسيحية التي تتبع التقويم الغربي أحد الشعانين بالصلوات داخل حرم الكنائس، وسط إجراءات أمنية مكثفة في محيطها.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي سيارة لقوات الأمن أمام كنيسة في السقيلبية اليوم السبت (أ.ب)

سوريا: عودة الهدوء إلى مدينة مسيحية بعد أحداث شغب

عاد الهدوء إلى مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة، بعد ليلة من أعمال الشغب، إلا أن أجواء قلق ما زالت تسود في أوساط المسيحيين قبل «أحد الشعانين».

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي صورة تجمع صالح مسلم وعبد الله أوجلان خلال تشييع عضو الهيئة الرئاسية في حزب الاتحاد الديمقراطي بمدينة القامشلي شمال شرقي سوريا اليوم الجمعة (رويترز)

آلاف يشاركون في تشييع السياسي الكردي البارز صالح مسلم

شارك آلاف المشيعين في مدينة القامشلي، شمال شرقي سوريا، اليوم (الجمعة)، في جنازة السياسي الكردي البارز صالح مسلم.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي حملة أمنية بمحافظة دير الزور استهدفت مواقع تنظيم «داعش» في نوفمبر 2025 (الداخلية السورية)

«داعش» يتبنى قتل جنديين سوريين على طريق حلب

أعلن تنظيم «داعش» تبنيه قتل عنصرين من الجيش السوري على أوتوستراد حلب–الباب (شمالاً)، وسط تصاعد لعمليات التنظيم الإرهابي في البلاد.

سعاد جروس (دمشق)
شؤون إقليمية قوات تركية في منطقة «نبع السلام» شمال شرقي سوريا (الدفاع التركية)

أنقرة: لا انسحاب من منطقة «نبع السلام» في سوريا

نفت مصادر عسكرية تركية ما تردد بشأن الانسحاب من مناطق «عملية نبع السلام» في شمال شرقي سوريا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
TT

المسيّرات رسائل تحذيرية من العراق باتجاه سوريا... ودمشق تدرس خيارات الرد بحذر

أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)
أفراد من «الحشد الشعبي» قرب الحدود العراقية - السورية في 23 يناير 2026 (د.ب.أ)

قالت دمشق إنها تدرس «خياراتها» بالرد المناسب على هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية، فجر الاثنين، في تصعيد لافت جاء عقب دفع تعزيزات عسكرية جديدة إلى الشريط الحدودي مع العراق خلال الساعات الماضية.

وبينما تحدث خبراء عسكريون عن خيارات الرد العسكري المتاحة، رأى سياسيون في دمشق أن هجوم المسيّرات على القواعد الأميركية التي قد تم إخلاؤها يحمل رسائل ذات دلالات مهمة؛ إذ يأتي بعد تنفيذ إسرائيل عملية توغل من جهة جبل الشيخ باتجاه الأراضي اللبنانية.

وأفادت «هيئة العمليات في الجيش العربي السوري» بوقوع هجوم واسع بعدد من الطائرات المسيَّرة استهدف عدة قواعد للجيش قرب الحدود العراقية فجر الاثنين.

ونقلت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) عن الهيئة قولها إن وحدات الجيش تمكنت من التصدي لأغلب المسيَّرات وأسقطتها. وأضافت: «ندرس خياراتنا، وسنقوم بالرد المناسب لتحييد أي خطر، ومنع أي اعتداء على الأراضي السورية».

وبحسب تصريحات الخبير العسكري السوري، العقيد عماد شحود، لـ«الشرق الأوسط»، هناك خياران للرد على مصدر إطلاق المسيّرات في الأراضي العراقية؛ الأول القصف المدفعي بالمدى البعيد «عيار 130»، أو بالراجمات «بي إم 21»، موضحاً أن هذا الخيار لا يحتاج إلى توغل بري.

أما الخيار الثاني، وهو الأفضل، فاستخدام مسيّرات «شاهين»؛ إذ يكون الرد بالمستوى نفسه؛ أي رد بالمسيّرات على هجوم مسيّرات، والأهم أن إصابة الهدف تكون أدق، وفق قوله.

جندي سوري (الجيش العربي السوري - إكس)

وحول الأهداف التي تضربها المسيّرات القادمة من العراق، وهي قواعد عسكرية سورية كانت سابقاً أميركية وتم إخلاؤها قبيل بدء الحرب الإقليمية، رأى شحود أن الغاية من الهجمات توجيه رسائل للحكومة السورية بـ«عدم دخول معركة برية مع (حزب الله) في لبنان، أو تقديم تسهيلات، أو غض النظر عن التوغلات الإسرائيلية من جهة جبل الشيخ باتجاه البقاع الأوسط والبقاع الشمالي»، مشيراً إلى أن إيران ليس لها أهداف في سوريا، وإنما هي رسائل تحذيرية، في حين يضغط الجانبان الأميركي والإسرائيلي على دمشق لتتدخل سوريا برياً ضد «حزب الله»، وهو ما ترفضه دمشق.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، تنفيذ عملية عابرة للحدود انطلاقاً من الشق السوري لجبل الشيخ، وصولاً إلى منطقة جبل روس داخل الأراضي اللبنانية (مزارع شبعا). وبحسب البيان، تهدف العملية إلى تمشيط المنطقة، وجمع معلومات استخبارية، إلى جانب كشف بنى تحتية ميدانية.

ولا تزال دمشق تظهر حذراً حيال الحرب المندلعة في المنطقة «إدراكاً منها لحساسية الموقف»، بحسب تعبير الباحث في الشؤون السياسية عباس شريفة. وبحسب رأيه، فإن الدولة السورية «تأخذ بالحسبان أن تكون هذه الاعتداءات والاستفزازات هي خطة مدروسة من بعض الأذرع الإيرانية في العراق لجر سوريا نحو المواجهة، وتحويل سوريا من عقدة استقرار إلى بيئة متوترة».

وتوقع أن تتأنى دمشق في أخذ أي إجراء حيال هجوم المسيّرات، يوم الاثنين، قبل «التواصل مع الدولة العراقية والجهات الرسمية ومعرفة تقدير الموقف لديها والتعاون». وأضاف شريفة لـ«الشرق الأوسط» أن «الدولة السورية ليست في عجلة من أمرها، خصوصاً أن الموقف الرسمي العراقي رافض لهذه الاستفزازات»، مشيراً إلى أن ما تحتاجه سوريا من الحكومة العراقية «إجراءات ملموسة وذات مصداقية».

معبر اليعربية بين سوريا والعراق (أ.ف.ب)

وكان الجيش السوري أعلن السبت أنه صدَّ هجوماً بطائرة مسيَّرة انطلق من العراق على قاعدة التنف في جنوب شرقي البلاد، التي كانت تضمُّ في السابق قوات أميركية. كما أشار الجيش الأسبوع الماضي إلى استهداف قاعدة أخرى تابعة له في شمال شرقي البلاد بهجوم صاروخي من العراق. واتهم مسؤول عراقي فصيلاً مسلحاً محلياً (تابعاً لـ«الحشد الشعبي»)، بالوقوف وراء الهجوم، وأوقفت بغداد 4 أشخاص على صلة بالحادث.

وفي الأشهر الأخيرة، انسحبت القوات الأميركية المنتشرة في سوريا، في إطار التحالف لمحاربة تنظيم «داعش»، من قاعدتَي التنف والشدادي، وبدأت بالانسحاب من قاعدة قسرك.

ومع تكرار سلوك الفصائل العراقية التابعة لإيران باستهداف عابر للحدود لقواعد في سوريا تم إخلاؤها، يمكن القول إنها «هجمات غير مؤثرة عسكرياً، لكنها تحمل ثلاث دلالات مهمة».

تدريب مقاتلين سوريين (الجيش العربي السوري)

وقال الباحث السياسي نورس العبدالله لـ«الشرق الأوسط»: «الدلالة الأولى توجيه رسائل تهديد لنقل التوترات الإقليمية إلى سوريا بأساليب متعددة، منها الاستهداف ومنها الخلايا الأمنية. وقد سبق أن تم تفكيك خلية تتبع (الحشد الشعبي) العراقي في دير الزور السورية. أما الثانية، فهي في إطار المشهد الأوسع؛ أي كجزء من استراتيجية إيرانية تستهدف توسيع نطاق الحرب مع عدم نجاح التفاوض وزيادة التوترات الأمنية في الإقليم ككل، بما لها من انعكاسات اقتصادية وسياسية. وهذا يرتبط في أحد جوانبه بفكرة إدخال الحوثيين من اليمن، وترابط (الساحات) كما يتم الترويج له».

أما الدلالة الثالثة، فتدخل في تقديره ضمن الحسابات الداخلية العراقية، حيث «تسعى الفصائل التي تقف وراء الهجوم للتأكيد على أنها فاعل مستقل، وقرارها ليس في بغداد، وأن الحكومة العراقية، وإن اتبعت نهجاً حيادياً وسعت للتواصل مع سوريا، وحتى التنسيق الأمني، لن تكون قادرة على فرض رؤيتها».

أما عن رد الفعل السوري، فعملياً التركيز الأساسي كان وما يزال بطابع وقائي عبر تعزيز الحدود والتركيز الأمني، ومنع عمليات نقل السلاح والتهريب، وتعزيز التنسيق مع الجانب العراقي الرسمي، خاصة مع إظهار الحكومة العراقية الحرص على منع استهداف الأراضي السورية رغم عدم قدرتها على ذلك، ولا يُتوقع أن يتغير هذا النهج الحالي إلا بوجود شروط متعددة، منها وجود استهداف متكرر أو تحرك عربي (خليجي تحديداً)، بالانخراط في الحرب، وهذا ما يصبح عليه أيضاً الوضع في الشريط الحدودي مع لبنان.


إسرائيل تعلن قتل قادة بارزين في «حزب الله»

دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)
دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)
TT

إسرائيل تعلن قتل قادة بارزين في «حزب الله»

دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)
دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت بلبنان 30 مارس 2026 (أ.ب)

أعلن الجيش الإسرائيلي عن قتل قادة بارزين في «حزب الله»، مسؤولين عن التنسيق بين الحزب والمنظمات الفلسطينية في غارة جوية استهدفت بيروت في وقت سابق من يوم الاثنين، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال الجيش إن الغارة في العاصمة اللبنانية استهدفت وقتلت حمزة إبراهيم راخين، نائب قائد الوحدة 1800 في «حزب الله»، إلى جانب رئيس عمليات الوحدة وناشط آخر، بحسب صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في موقعها الإلكتروني.

وأضاف الجيش الإسرائيلي في بيان أن «الوحدة 1800 هي الوحدة المسؤولة عن التنسيق بين منظمة (حزب الله) الإرهابية والمنظمات الإرهابية الفلسطينية في لبنان وغزة وسوريا ويهودا والسامرة (الضفة الغربية)».

وأوضح الجيش أن نائب رئيس الوحدة 1800 أشرف، ضمن مهامه، على نشر عناصر فلسطينية مسلحة في جنوب لبنان لمواجهة القوات الإسرائيلية.

وفي غارات أخرى في بيروت يوم الاثنين، قال الجيش الإسرائيلي، إنه قصف مقرات «حزب الله» ومراكز القيادة.

يُشار إلى أن إسرائيل تشن غارات جوية تستهدف الضاحية الجنوبية في بيروت وعدداً من المناطق في جنوب وشرق وشمال لبنان، تخللها توغل بري، وذلك رداً على قيام «حزب الله» منذ الثاني من مارس (آذار) الحالي بهجمات على إسرائيل بعد الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من الشهر الماضي.


فرنسا ترفض مبدأ «وحدة الساحات» والربط بين جبهتَي لبنان وإيران

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)
TT

فرنسا ترفض مبدأ «وحدة الساحات» والربط بين جبهتَي لبنان وإيران

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً بنظيره الأميركي ماركو روبيو الجمعة على هامش أعمال وزراء خارجية «مجموعة السبع» في «فو دي سيرني» قريباً من باريس (أ.ف.ب)

في ردها على الشروط الأميركية الـ15 التي نُقلت إليها عبر الوسيط الباكستاني، لم تتردد السلطات الإيرانية في العودة إلى تفعيل مبدأ «وحدة الجبهات»، وذلك من خلال اشتراطها ربط مصير الحرب الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله» بمصير الحرب الدائرة بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل؛ ما يعني أن مصير لبنان ككل، وليس فقط مصير الجنوب، أصبح مربوطاً بما يمكن أن ترسو عليه تطورات الحرب الدائرة في إيران والمتمددة إلى لبنان. واللافت أنه منذ أن عادت الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، حرص الأول على نفي ارتباطها بما يحصل في إيران، بل إن خطب نعيم قاسم، الأمين العام للحزب، ومسؤوليه دأبت على نفي هذا الربط لكيلا توفر الحجج لمن ينتقدونه بأنه تابع لإيران وينفذ أوامرها. وأكثر من ذلك، فإن ربط طهران بين الجبهتين من شأنه أن «يفرمل» الدولة اللبنانية ومبادرة الرئيس جوزيف عون الذي طرح مبادرة إطلاق مفاوضات سياسية مباشرة مع إسرائيل، والتي يرى فيها الوسيلة الوحيدة لوقف الحرب التي تدمر لبنان.

الورقة الفرنسية

جاءت «الورقة» الفرنسية التي طرحت جدولة زمنية من ثلاث مراحل لتكمل وتدعم مبادرة عون. بيد أن رفض إسرائيل الجذري للمبادرتين، وهو ما تبلغه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في إسرائيل خلال زيارته في 20 مارس (آذار) للقاء نظيره جدعون ساعر، جمّد المبادرة الفرنسية التي كان يراد منها تناول كل جوانب الأزمة اللبنانية. والأهم من ذلك، أن الولايات المتحدة الأميركية التي أرادتها باريس إلى جانبها، لم تُظهر حماسة. وطيلة الأيام الأخيرة، بدا للجانب الفرنسي أن إدارة الرئيس دونالد ترمب راغبة في إعطاء الوقت الكافي لإسرائيل لإتمام عملياتها العسكرية في لبنان، وهدفها الرئيسي تدمير «حزب الله»، وجعل نزع سلاحه شرطاً أساسياً لا يمكن القفز فوقه لقبولها التفاوض.

صورة جماعية لوزراء خارجية «السبع» يوم 27 مارس في «فو دي سيرني» (إ.ب.أ)

لبنان على طاولة «السبع»

كان لبنان أحد الملفات الرئيسية التي بُحثت بمناسبة اجتماع وزراء خارجية «مجموعة السبع» في دير «فو دو سيرني» التاريخي الذي حُول إلى وجهة سياحية غربي العاصمة الفرنسية. وجعلت باريس من لبنان أحد المحاور في الجلسة المخصصة للحرب في إيران وتبعاتها. غير أن المناقشات لم تصل إلى رؤية موحدة أو أي قرار محدد لسببين: الأول، الموقف الأميركي، والثاني قناعة المؤتمرين بأن دخول «حزب الله» في الحرب صبيحة الثاني من مارس ما كان إلا استجابة لما طلبته طهران، وهو يشبه كثيراً استجابة الحوثيين المتأخرة لمطلب مماثل. وتتخوف باريس من احتمال الربط بين الجبهتين، وهو ما أوضحه بارو في المؤتمر الصحافي الذي أعقب انتهاء أعمال وزراء «مجموعة السبع».

وتقوم المقاربة الفرنسية على الدفع باتجاه «المحافظة على استقرار لبنان ودعم مؤسساته الشرعية، وحماية المدنيين، وضمان الاستعادة الكاملة لسيادته»، وهي الرسالة التي شدد عليها الوزير الفرنسي لدى أقرانه. وليس سراً أن باريس، بلسان وزير خارجيتها، في حديث، الأحد، للقناة «الثالثة» في التلفزة الفرنسية، تحمّل «حزب الله» مسؤولية «جرّ لبنان، مرة أخرى، إلى الحرب».

وقال الوزير الفرنسي، عقب انتهاء أعمال «مجموعة السبع»، ما حرفيته: «لم يكن ينبغي للبنان أن يُجرّ إلى حرب لم يخترها. وتقع مسؤولية جسيمة على (حزب الله) في اتخاذ هذا القرار الذي يضع البلاد مرة أخرى على حافة الهاوية».

وعبر بارو عن رفض بلاده الربط بين الجبهتين. كذلك أكد أن لبنان «لا يرغب في أن تعمد قوى خارجية بتحويل لبنان إلى مسرح ثانوي لحرب لم يردها». وأضاف الوزير الفرنسي أنه «على العكس، يجب مضاعفة الجهود من أجل وقف الأعمال العدائية في لبنان، وتسهيل حوار رفيع المستوى - قد يكون تاريخياً - بين السلطات اللبنانية والسلطات الإسرائيلية، بما يتيح لهما الاتفاق على مسار نزع سلاح (حزب الله)، الذي ينبغي أن يسلّم سلاحه، والتقدّم نحو تسوية النزاع القائم بينهما منذ عام 1949».

أنقاض مبنى تعرض لغارة جوية إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية يوم 30 مارس (أ.ف.ب)

مطالب فرنسا

حقيقة الأمر أن باريس تجد نفسها اليوم مفتقدة للقدرة على التأثير في مسار الأحداث بين لبنان وإسرائيل، كما بخصوص تطورات الحرب بين إيران والثنائي الأميركي - الإسرائيلي. بارو عرض مجدداً لائحة المطالب الفرنسية من إسرائيل للمحافظة على لبنان، وقد عدّدها كالتالي: «يجب على إسرائيل أن تمتنع عن أي عملية برية، وأن تمتنع عن أي استهداف للبنية التحتية المدنية، وعن أي اعتداء على المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، ولا سيما بيروت، حتى يظلّ الطريق نحو السلام ممكناً».

والحال أن ملاحظة ما هو حاصل في لبنان، هي أن إسرائيل لا تعير أي أهمية للمطالب الفرنسية؛ فمن جهة، يطالب رئيس وزرائها نتنياهو بتوسيع مساحة الأراضي التي تحتلها القوات الإسرائيلية في لبنان، بل إن وزير الدفاع يريد تعديل الحدود بين لبنان وإسرائيل لدفعها حتى نهر الليطاني الذي يبدو بلوغه هدفاً رئيسياً لتل أبيب. كذلك تريد باريس أن تمتنع إسرائيل عن استهداف البنية التحتية المدنية. لكن ما هو حاصل أن الطيران الإسرائيلي لا يفرق بين مدني وعسكري؛ إذ إنه دمر الجسور الخمسة الرئيسية فوق نهر الليطاني لفصل الجنوب عن بقية المحافظات اللبنانية. أما تجنب استهداف المناطق السكانية فمطلب بعيد كل البعد عن الواقع.

ومنذ توقف الحرب والتوصل إلى هدنة بين إسرائيل ولبنان في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024 بفعل وساطة وضغوط أميركية - فرنسية، سعت باريس لتكون طرفاً في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية (الميكانيزم) بين إسرائيل و«حزب الله»، وكان لها ما طلبت؛ إذ عُين ضابط فرنسي نائباً لرئيس ما سُمي «اللجنة الخماسية». وخلال أشهر، سعت باريس لإقناع إسرائيل بوقف هجماتها في لبنان على مواقع وقادة ومسؤولين من «حزب الله»؛ لأنها تضعف الدولة اللبنانية في سعيها لحصر السلاح بيد القوى الشرعية. لكن جهودها باءت بالفشل؛ إذ استمرت الهجمات الإسرائيلية بحجة أن «حزب الله» لم يحترم بنود الاتفاق، ولم يوافق على تسليم سلاحه. وعرفت «ورقتها» التفاوضية المصير نفسه.

تعزيزات عسكرية إسرائيلية إلى الجبهة المفتوحة بين الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» منذ 2 مارس (رويترز)

واليوم، تقف باريس إلى جانب الرئيس عون والحكومة اللبنانية في سعيهما لتنفيذ القرارات «الشجاعة» التي اتُّخذت، بهذا الخصوص، في مجلس الوزراء، وهو ما يشدد عليه الرئيس ماكرون ووزير خارجيته في كل مناسبة. لكن باريس تعي أن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق ما دامت الحرب دائرة، كما تعي أن تواصلها سيزيد من إضعاف الدولة اللبنانية، وسيراكم الأعباء التي لن تكون قادرة على تحملها، وعلى رأسها التعامل مع أعباء مئات آلاف النازحين؛ لذا فإنها تدعو إلى وقف الحرب الدائرة على الأراضي اللبنانية لتجنيب لبنان «الهوة» التي تحذر منها. وعلى رغم محدودية أدواتها الدبلوماسية والسياسية، فإن باريس تواظب على «طرح الصوت» الذي لم يجد حتى اليوم من يستمع إليه.