سوريون يتألمون من «جرح لا يلتئم»

«الشرق الأوسط» تسلط الضوء على ملف المغيبين لدى تنظيم «داعش»

TT

سوريون يتألمون من «جرح لا يلتئم»

مدينة الرقة في شمال سوريا (الشرق الأوسط)
مدينة الرقة في شمال سوريا (الشرق الأوسط)

بدأ أعضاء من «المؤسسة المستقلة لجلاء مصير المفقودين في سوريا» التابعة للأمم المتحدة إجراء اتصالات عبر خدمة «زوم» (zoom) مع أهالي مفقودين يتحدرون من مدينة الرقة في شمال سوريا، إيذاناً ببداية عملها بعد تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً، نهاية شهر يوليو (تموز) الفائت، بإنشاء مؤسسة دولية توضّح مصير المفقودين السوريين الذين تقدّر منظمات غير حكومية عددهم بأكثر من 100 ألف شخص منذ اندلاع الحرب عام 2011، وتتهم هذه المنظمات الحكومة المركزية بالمسؤولية عن تغيب غالبيتهم، لكن الاتهامات تطال أيضاً مجموعات كثيرة من فصائل المعارضة والتنظيمات الإرهابية.

ويصادف 30 من شهر أغسطس من كل عام اليوم الدولي «لضحايا الاختفاء القسري». ويقول المدير التنفيذي لـ«المركز السوري للعدالة والمساءلة»، محمد العبد الله، إن حصر أعداد الذين خطفهم تنظيم «داعش» في سوريا صعب للغاية، مشيراً إلى أن «عدد السوريين المغيّبين على أيدي التنظيم يقدّر بين 8000 شخص إلى 10 آلاف». وحسب تقديرات أهلية ومن مصادر محلية، يوجد أكثر من 800 حالة اختفاء لأشخاص من مدينة الرقة وحدها.

ومن بين الأهالي الذين اتصل بهم أعضاء من «مؤسسة جلاء المفقودين» الناشط المعارض خلف الغازي الذي خطف عناصر «داعش» ابنه الوحيد عيسى قبل 9 سنوات، وتحديداً في 15 أبريل (نيسان) 2014، وهو تاريخٌ بقي محفوراً في ذاكرة الغازي المتحدر من مدينة الرقة. ففي مثل هذا اليوم قبل 9 سنوات طرق عناصر تنظيم «داعش» باب منزله في ساعة متقدمة ليلاً وأخذوا ابنه عيسى، وهو شاب في ربيع عمره (من مواليد 1997) والابن الوحيد لخلف. ورغم صغر سنّه، كان عيسى ينشط في المجال الإغاثي، وفي تلك السنة كان طالباً في مرحلة البكالوريا بفرعها العلمي، وينوي السفر إلى محافظة الحسكة المجاورة لتقديم الامتحانات بعد خروج الرقة عن سيطرة القوات النظامية في شهر مارس (آذار) 2013.

المعارض السوري خلف الغازي الذي غيب تنظيم «داعش» ابنه الوحيد عيسى قبل 9 سنوات (الشرق الأوسط)

يقول الغازي في بداية حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أفقته من النوم وقلت له إن عناصر التنظيم بالباب يسألون عنك. نزل على الدرج مثل النمر دون خوف أو تردد وسألهم: ماذا تريدون...؟ هنا تدخلت وقلت: سآتي معكم لمرافقة ابني وإعادته للمنزل، لكنهم رفضوا وقالوا: إن استجوابه عبارة عن سؤالين وسنعيده لك بعدها». وأشار الغازي إلى أن عناصر التنظيم كانوا مقنعين وتحدثوا بلكنة أهالي الرقة، ولكن مرت ساعات دون عودة عيسى. وتابع الأب: «بقينا على أعصابنا، وبعد شروق الشمس ذهبت إلى قصر المحافظة سألت عن ولدي ليقولون إنه ليس هنا ولا يعلمون شيئاً عنه».

وعلى الرغم من القضاء على السيطرة العسكرية والجغرافية لـ«داعش» في شهر مارس 2019 شرقيّ الفرات، فإن مصير الآلاف ممن اختطفهم التنظيم لا يزال مجهولاً. وتعيش عائلات المفقودين ومن بينها عائلة الغازي في دوامة من القلق والشكوك، دون وجود أي أدلة على موته أو بقائه حيّاً.

وبعد مرور أيام من تغييب عيسى ساورت الشكوك قلب الأب ليبدأ مهمة البحث. قصدَ بدايةً النقطة 11، وكانت آنذاك من بين أكبر المحتجزات السرية التابعة للتنظيم، إبان سيطرته على مدينة الرقة، دون وجود أي أثر لابنه هناك. فذهب بعدها إلى مكتب شؤون العشائر وكان يرأسه توبات البريش، وهو شخص معروف لدى أهالي الرقة يعمل لدى التنظيم، فوعد بأن يُجري كل اتصالاته ومحاولاته لتحديد مكان عيسى ومعرفة مصيره.

وتابع الأب المكلوم حديثه ليقول: «بالفعل، تمكنّا أخيراً من معرفة مصيره وقد أودع بالسجن دون معرفة التهم الموجه له». وبعد أسبوع من تاريخ احتجازه، أرسل عيسى أول رسالة بخط يده لوالده من داخل سجنه يقول فيها إن وضعه جيد والشيخ المسؤول عنه مصري الجنسية. وفي الأسبوع الثاني، أرسل رسالة ثانية يطلب بعض الألبسة التي يسمح بإدخالها للسجن، منوهاً: «كرر فيها كيف يفكّر كثيراً بالفحوصات لاقتراب موعدها وطلب مني لقاء شخصيات في التنظيم للإفراج عنه».

آلاف الأشخاص فُقدوا خلال فترة حكم التنظيم

وبعد مرور عام كامل من اختفاء عيسى تعرّف والده على طبيب أردني الجنسية كان يعمل في أحد مشافي التنظيم. كشف هذا الطبيب للغازي كيف خُدع على يد شبكات التنظيم بترك أهله ومنصبه الأكاديمي بوهم العيش في كنف «الخلافة» المزعومة. وبعد معرفة قصة عيسى من والده قرر المساعدة. يقول الغازي: «بالفعل، في اليوم التالي جاء لمنزلي وقال إن ابني يلبس نظارة طبية وذكر مواصفاته التي كانت مطابقة تماماً وأيقنت من (صحة) كلامه»، مشيراً إلى أنه تبلغ أنه محتجز مع الأب باولو دالوليو و50 ناشطاً سورياً في سجن سري للغاية ويطلق عليهم «مجموعة الأب باولو». والأب باولو كاهن يسوعي إيطالي معروف قضى نصف عمره في سوريا يخدم كنائسها الأثرية القديمة بريف العاصمة دمشق، وبعد اندلاع حركة الاحتجاجات المناهضة لنظام الحكم وظهور تنظيم «داعش» واختطافه عشرات النشطاء السوريين الذين كانوا يقودون التظاهرات السلمية، وصل هذا الكاهن إلى مدينة الرقة في أواخر شهر يوليو 2013، وفي 29 من الشهر نفسه، دخل قصر المحافظة ظناً منه أنه سيتفاوض مع قادة التنظيم لإطلاق سراح النشطاء المحتجزين. ومنذ ذلك التاريخ وهو في عداد المختفين دون معرفة شيء عنه.

مدينة الرقة شمال سوريا... معقل سابق لتنظيم «داعش»... (الشرق الأوسط)

بقي الغازي يبحث عن ولده عيسى حتى انتهاء معركة الباغوز عام 2019، مشيراً إلى أنه ما زال يتمسك بالأمل. قال: «بعد كلام الطبيب الأردني تجدد عندي الأمل، وبعد انتهاء معركة الباغوز عاد الأمل من جديد». وأضاف أنه بعد تشكيل «لجنة لاستجلاء المفقودين بسوريا» تابعة ولايتها للأمم المتحدة، «تجدد الأمل. إذا فقدت الأمل سأفقد ابني». وارتسمت علامات الحزن على وجهه ليقول: «ننتظر أنا ووالدته أن يطرق عيسى باب منزلنا ويقول ها أنا عدت يا أبي، نشعر دوماً بأن روحه تحوم حولنا ولم تفارقنا ولا لحظة».

هنا توقف خلف الغازي عن الكلام واغرورقت عيناه بالدموع وهو ينظر إلى والدة عيسى التي أجهشت بالبكاء وهما يراقبان فناء المنزل وطرقة الباب التي طال انتظارها.

التنظيم متهم بتغييب أكثر من 8 آلاف سوري

يقول المحامي والمدير التنفيذي لـ«المركز السوري للعدالة والمساءلة» محمد العبد الله إن عملية حصر الأعداد التي خطفها عناصر «داعش» صعبة للغاية. ويضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «خلال سنوات حكم (داعش) في سوريا، يتراوح عدد السوريين المغيبين بين 8000 شخص و10 آلاف، في شمال شرقي سوريا وحدها».

و«المركز» مؤسسة سورية مستقلة بدأت عملها في ملف مغيّبي «داعش» سنة 2019، عملت بدايةً مع «فريق الاستجابة الأولية» التابع لـ«مجلس الرقة المدني»، ثم لاحقاً عملت على دعم تشكيل «فريق شؤون المفقودين والطب الشرعي السوري في الرقة»، حسب العبد الله الذي يقول: «أجرينا أكثر من 400 مقابلة موثقة مع ناجين أو ذويهم كانوا أو لا يزالون مفقودين لدى التنظيم».

وعن قرار الأمم المتحدة إنشاء مؤسسة مستقلة خاصة باستجلاء مصير المفقودين في سوريا، والعمل على الكشف عن أماكن وجودهم وتقديم الدعم للضحايا وعائلاتهم، رحب الحقوقي السوري بهذا القرار ووصفه بالتاريخي، وعلّق قائلاً: «القرار بحد ذاته نقلة نوعية لحل هذا الملف المعقد والشائك، لكن السؤال الأهم: هل ستدخل هذه اللجنة إلى الداخل السوري عن طريق الحكومة السورية وبموافقتها؟»، لافتاً إلى أن عمل أعضاء اللجنة لن يُجدي نفعاً إذا بقيت تعمل من الخارج وتكتفي بسماع شهادات الأهالي ورفع تقارير دورية، «المطلوب إجراء زيارات ميدانية إلى هذه المناطق والكشف عن الحقائق على أرض الواقع».

أم سورية من الرقة تبحث عن ابنها الذي خطفه عناصر التنظيم قبل سنوات... ولم يتبق سوى مجموعة صور على هاتفها الجوال (الشرق الأوسط)

تروي محاسن، وهذا اسم مستعار لفتاة متحدرة من الرقة (30 سنة)، لـ«الشرق الأوسط» قصة أختها عبير (مواليد الرقة عام 1994) التي كانت تعمل في مقهى إنترنت تدير فيه القسم الخاص بالنساء، وهي كانت تعمل في محل مجاور يبعد عنها نحو 500 متر فقط. ومن بين الشروط التي فرضها التنظيم آنذاك على مالكي مقاهي الإنترنت أن تكون مديرة القسم النسائي إما زوجة صاحب القسم الرجالي وإما أخته وإما والدته منعاً للاختلاط بين الرجال والنساء. وذكرت محاسن أن أختها ادّعت أنها زوجة صاحب المقهى، دون وجود هذه الصلة.

وفي 16 من شهر ديسمبر (كانون الأول) 2017 وعند تمام الساعة 3 عصراً، جاءت دورية لجهاز الحسبة (جهاز أمني تابع للتنظيم) إلى المقهى وألقت القبض على صاحب الإنترنت وعبير، أمام ناظري محاسن التي أوضحت: «سألوا من يدير القسم النسائي؟ أجابهم صاحب المقهى إنها شقيقته، أما عبير فقالت إنها زوجته. تضاربتْ الروايتان، وشكّت الدورية في الأمر واعتقلتهم وأغلقوا المقهى».

وقتذاك ذهبت محاسن مسرعةً إلى أهلها لإخبارهم بالأمر، وراجع إخوتها قسم التحقيق في «جهاز الحسبة» لمعرفة أسباب توقيف عبير، وكان جوابهم أنها كذبت عليهم وستعاقَب على فعلتها. بعدها داهمت «الحسبة» منزل شقيق صاحب مقهى الإنترنت وألقت القبض عليه وعلى زوجته بتهمة تسلم مبالغ مالية كبيرة والتعامل مع قوات التحالف الدولي و«قوات سوريا الديمقراطية».

بعدها راجع أهل محاسن أحد المقرات السرية الخاصة بسجون التنظيم لتوثيق حالة الاعتقال ومعرفة مصيرها، ليجيبها المكتب بأن عبير أُعدمت مع 7 فتيات قادمات من مدينة الحسكة بتهمة تزويد قوات التحالف بإحداثيات مقرات التنظيم. وتضيف محاسن: «عادةً إذا نفَّذ التنظيم الإعدام الميداني بمتهم يقومون بتسليم حاجياته الشخصية، وأختي كان لديها هاتف وأساور ذهب. عندما طلبنا أغراضها الشخصية قالوا إنها مصادَرة كونها مرتدّة وكانت تتعامل مع التحالف».

وسط مدينة الرقة التي كانت شاهدة على كثير من الفظاعات التي ارتكبها «داعش»... (الشرق الأوسط)

غير أن محاسن وأهلها شكّوا برواية التنظيم وبعد مرور 20 يوماً اتصلت فتاة على الرقم الأرضي لمنزلهم وقالت إن عبير على قيد الحياة، وقد أُودعت السجن وتريد ملابس صيفية وحاجات شخصية. قالت محاسن: «قصدنا نفس المكتب السري الخاص بالسجون وسلّمنا هذه الأغراض لهم». وبعد مرور شهر، اتصلت عبير عبر الهاتف الأرضي وطلبت مكالمة والدتها وكانت مدة المكالمة قصيرة جداً. وحسب محاسن: «قالت (عبير) إنها بخير. سألتها والدتي عن مكانها وهل ستعود قريباً، فقالت: يمكن أن تعود ويمكن ألا تعود نهائياً... وطلبت بعض الحاجات الشخصية».

وبعد مرور عامين، وفي شهر سبتمبر (أيلول) 2019، اتصل شخص كان مقيماً في تركيا بعائلة محاسن وتربطه بها علاقة قرابة، قائلاً إنه تعرّف عن طريق الصدفة على مسؤول أمني بارز كان يعمل في صفوف التنظيم قبل انشقاقه، وكان يشغل مدير سجن في التنظيم بريف دير الزور. قال لهم، حسب محاسن، «إنه شاهد سجينة مواصفاتها كمواصفات (عبير) واعتُقلت من محل كافيه إنترنت لأنها كذبت. والمواصفات التي ذكرها هي نفسها لأختي. طلب قريبي معرفة المزيد، لكنه (المنشق عن داعش) رفض وسافر إلى ألمانيا». ومنذ ذلك التاريخ تنتظر محاسن وبقية أهلها معرفة مصير أختهم عبير التي مضى على اختفائها 6 سنوات، دون معرفة ما إذا كانت على قيد الحياة أو ماتت.


مقالات ذات صلة

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي صورة وزعتها وزارة الداخلية لعنصرَي «داعش» (سانا)

ضبط خلية لـ«داعش» شمال سوريا «متورطة في شنّ هجمات إرهابية»

أعلنت وزارة الداخلية السورية، الخميس، القبض على خلية تابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي متورطة في تنفيذ عدة هجمات شرق حلب بشمال البلاد. وأوضحت أن ذلك جاء خلال عملية…

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أفريقيا رجال شرطة وسط الأضرار التي لحقت بسوق مدينة مايدوغوري جراء التفجيرات الانتحارية (أ.ب)

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية والجيش قال الضربة دقيقة وليست عشوائية والسوق مركز لوجيستي لـ«داعش» و«بوكو حرام»

الشيخ محمد (نواكشوط)
المشرق العربي الولايات المتحدة أنجزت عملية نقل أكثر من 5700 سجين من المشتبه بانتمائهم إلى «داعش» من سوريا إلى العراق (أرشيفية - رويترز)

العراق يسلم فنلندا والولايات المتحدة متهمَين لم يثبت انتماؤهما إلى «داعش»

أعلن القضاء العراقي، اليوم (الثلاثاء)، تسليم متهمَين اثنين لفنلندا والولايات المتحدة بعد ثبوت عدم انتمائهما إلى تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية انتشار لقوات الأمن التركية في موقع الهجوم على نقطة شرطة بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول في 7 أبريل (أ.ب)

تركيا: إحالة 3 متهمين بهجوم قنصلية إسرائيل على القضاء

أحالت سلطات التحقيق التركية 3 من المتهمين بالهجوم على القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول على القضاء.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع الفلسطيني، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وحظي قرار سلطات كوسوفو بموافقة البرلمان الذي صوّت بالإجماع على تشريع يجيز انضمام عناصر من قوى الأمن في كوسوفو إلى قوّة دولية لإرساء الاستقرار بقيادة أميركية، في حال تشكّلها.

وقد تضمّ هذه البعثة في المجموع نحو 20 ألف جندي، بينهم 8 آلاف إندونيسي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولا يحدّد التشريع عدد العناصر الذين يمكن إرسالهم إلى غزة. وحسب وسائل الإعلام، تعتزم الحكومة إرسال 22 عنصراً.

أما في البوسنة فقد تطرّق وزير الدفاع، زوكان هيليز، إلى هذه المسألة خلال اجتماع في واشنطن مع المسؤول عن الشؤون السياسية العسكرية في وزارة الخارجية الأميركية، ستانلي براون.

وقال هيليز في بيان: «بلغت التحضيرات لهذه المهمّة مرحلة متقدّمة، ونتوقّع أن يشارك فيها أكثر من 60 عنصراً من القوّات المسلّحة في البوسنة والهرسك. وهذا إسهام ملحوظ من بلدنا في السلم والأمن الدوليين».

وقد حظيت مشاركة البوسنة في هذه القوّة بموافقة السلطات في يناير (كانون الثاني).

والتأم «مجلس السلام» الذي أُنشئ أساساً للمساعدة في إعمار غزة بعد الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس»، للمرّة الأولى في واشنطن في فبراير (شباط)، بغية مناقشة سبل تمويل هذه المبادرة وإيفاد عسكريين أجانب إلى القطاع.

وتعهّدت، حينها، إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا، المشاركة في القوة.

وما زال تنفيذ هذه المرحلة من خطّة السلام الأميركية في النطاق الافتراضي، مع تمسّك كلّ من إسرائيل و«حماس» بمطالب متناقضة، وتبادلهما التهم بخرق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بعد سنتين من حرب طاحنة شهدها القطاع الفلسطيني، إثر هجوم غير مسبوق لـ«حماس» على الدولة العبرية في 7 أكتوبر 2023.


عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
TT

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)

وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الجمعة)، كلمة إلى اللبنانيين بعد دخول وقف إطلاق النار مع إسرائيل حيّز التنفيذ، شكر فيها «كل من أسهم في الوصول إلى هذا الهدف، من الدول الشقيقة والصديقة والرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول».

وشدد على أن ما تم التوصل إليه «كان خلاصة جهود الجميع، وثمرة التضحيات التي قدمتموها فأيقظت ضمير العالم، وجهود كل من استضاف أو احتضن أخاه في الوطن، وجهود جبارة، بذلها كل المسؤولين اللبنانيين، مع كل أشقائنا وأصدقاء لبنان في العالم».

وأضاف: «تحمّلنا اتهامات وإهانات وتجنياً وأضاليل، ولم نتراجع حتى ظهر أننا على صواب، وحتى تأكّد للعالم كله أنّ ما قمنا به كان الأصلح وهو الأصوب... متأكدون من أننا سنتعرض في المرحلة المقبلة التي ستشهد الانتقال من وقف إطلاق النار إلى العمل على اتفاقات دائمة، لكل الهجمات لسبب بسيط؛ أننا استعدنا لبنان وقرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن. نحن اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا، لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً».

وشدد على أن هذه المفاوضات «ليست ضعفاً وليست تراجعاً وليست تنازلاً؛ بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، خصوصاً من رفضنا أن نموت من أجل أيٍ كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن».

وإذ أكد استعداده للذهاب حيثما كان «لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي»، أوضح أن مهمته واحدة واضحة محددة؛ وهي إنقاذ البلد وشعبه. وقال: «لن أسمح بأن يموت بعد اليوم لبناني واحد، أو باستمرار النزف من أهلي وشعبي، من أجل مصالح نفوذ الآخرين أو حسابات محاور القوى القريبة أو البعيدة، وبين الشعارات المضلّلة التي تدمّر، والخطوات العقلانية التي تعمّر، أنا وشعبنا مع العقلانية. أنا أدرك أنكم معي، لأنني أعرف حجم التضحيات التي قدمتموها، وأعرف معنى أنْ يفقد الإنسان أحبّته أو بيته، أو شعوره بالأمان».

وأكد أنه «لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية، أو ينتقص من كرامة الشعب الصامد، أو يفرط في ذرّة من تراب هذا الوطن». وحدد أهداف المرحلة المقبلة على النحو الآتي: «وقف العدوان الإسرائيلي على أرضنا وشعبنا، والانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة على كامل أرضها بقواها الذاتية حصراً، وعودة الأسرى، وعودة ناسنا إلى بيوتهم وقراهم موفوري الأمن والحرية والكرامة».

وناشد اللبنانيين أن «يفتحوا قلوبهم وعقولهم ولا يحجبوا الرؤية عن بصرهم ولا الحكمة عن بصيرتهم، بشعارات الاتهامات والتخوين، فالأوطان لا تبنى بالغريزة؛ بل بالوعي والوحدة والثقة».

وختم: «إننا جميعاً في سفينة واحدة؛ فإما أن نقودها بحكمة حتى نصل بها إلى برّ الأمان، وإما أن نغرقها ونغرق معها جميعاً، ولا يحق لأيّ كان أن يرتكب تلك الجريمة، لا بحجة شعار، ولا بغريزة انتحار، ولا ولاء لغير لبنان وشعبه».


ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عجَّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التعبير عن دعمه لوقف إطلاق النار لعشرة أيام بين لبنان وإسرائيل الذي أعلنه، مساء الخميس، الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وكذلك فعل جان نويل بارو، وزير الخارجية الذي وصف «الهدنة» بأنها «تشكل مرحلة أولى ضرورية ومرحّباً بها؛ لأنها توفر للسكان فسحة (من الهدوء) بعد عدة أسابيع من النزاع الدموي في لبنان وإسرائيل»، بيد أن ماكرون سارع للإعراب عن «قلقه» من «أن يكون الاتفاق مهدداً بالفعل بسبب استمرار العمليات العسكرية».

والهم الأول للرئيس الفرنسي، بموازاة الاتفاق توفير الأمن للسكان المدنيين» من جانبي الحدود مع وضع الإصبع على الملف الأصعب الذي يتمثل في «تخلي (حزب الله) عن سلاحه، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تحتلها بإشارته الى «احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه ووقف الحرب». وهذه المخاوف عبَّر عنها بارو الذي دعا إلى «الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار» الذي يعني «الامتناع عن أي عمل من شأنه أن يعرّض تنفيذ هذه الهدنة للخطر». وبطبيعة الحال، تريد باريس الذهاب إلى الهدف الأوسع الذي هو «التوصل إلى حل سياسي يشمل الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح (حزب الله)، وبما يتيح، على نطاق أوسع، رسم مسار نحو السلام والأمن لكلا البلدين ».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث الخميس إلى وسائل الإعلام قبل صعوده على متن مروحية «مارين وان» في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض متوجهاً إلى لاس فيغاس بولاية نيفادا (د.ب.أ)

ولأن فرنسا تعي المخاطر والمطبات التي يمكن أن تعرقل هذا المسار وأهدافه فإنها، وفق ما جاء في إعلان بارو «سوف تظل ملتزمة بشكل كامل، إلى جانب شركائها الأوروبيين والإقليميين والدوليين، بمواكبة العملية الدبلوماسية الجارية».

الدور الفرنسي

أن تشيد باريس بالجهود الأميركية وتحديداً الرئيس ترمب، فلأن ذلك يستجيب لما كانت تطالب به الإدارة الأميركية منذ أشهر طويلة. ودأبت الدبلوماسية الفرنسية على التذكير بأن الجهود التي تبذلها مع واشطن لم تكن تلقى آذاناً أميركية مصغية. من هنا، وأخيراً، فإن اهتمام الرئيس ترمب شخصياً ورعايته اتفاق وقف إطلاق النار يريح فرنسا. وقالت مصادرها إنها لعبت دوراً في «إيصال الرسائل» الى الأطراف المؤثرة في الملف اللبناني بدءاً بالولايات المتحدة والدول العربية الفاعلة، وصولاً إلى الأطراف الأوروبية وأخيراً إلى إيران. وعلم من مصادر رسمية في باريس أن بارو تواصل مع نظيره الأميركي ماركو روبيو بشأن لبنان للنظر في هذه المرحلة وما بعدها.

ليس من العجب أن ترى باريس أن التحديين الرئيسيين اللذين ينتظران السلطات اللبنانية هما من جهة نزع سلاح «حزب الله»، وهو ما التزمت به الدولة اللبنانية، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها. من هنا، فإن مصدراً سياسياً فرنسيا رأى أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، «يميل لصالح إسرائيل» أقله في نقطتين: الأولى، أنه يعطيها الحق في القيام بعمليات عسكرية حتى ضمن مهلة الأيام العشرة لـ«الهدنة» الأمر الذي يذكر بما كان عليه الوضع بعد التوصل إلى اتفاق وقف النار في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، تذكّر الأمم المتحدة بأن اتفاق 2024 تم انتهاكه 15400 مرة، خصوصاً من جانب إسرائيل بين المدة الممتدة من تاريخ إعلانه وحتى مارس (آذار) الماضي. والنقطة الثانية أن بيان «الخارجية الأميركية» لا يتناول ملف الانسحاب الإسرائيلي، بينما رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لا يخفي طموحه بالاحتفاظ بشريط محتل داخل الأراضي اللبنانية يمتد إلى ما بين 8 و10 كلم، ومن البحر وحتى جبل الشيخ.

الخطوات المتقابلة

من المعروف أن العلاقات الفرنسية ــ الإسرائيلية لا تعيش أحلى أيامها. وجاءت تصريحات السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة التي قال فيها إنه «كلما ابتعدت فرنسا عن المفاوضات كان ذلك أفضل» لتكشف عن توترات كامنة بين الطرفين رغم الخطوات التي قام بها بارو، ومنها زيارة إسرائيل مباشرة بعد زيارته الأخيرة للبنان، إلا أن هذا الواقع لا يمنع باريس من تأكيد أنها «ستكون إلى جانب لبنان الذي لا يتعين أن يترك وحيداً». وتعي السلطات الفرنسية أن الرئيس جوزيف عون سيكون بحاجة إلى دعم ومساندة في الأسابيع والأشهر المقبلة لكون لبنان واقعاً بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله». وتخوف باريس أن يكون كل من هذين الطرفين يستخدم الطرف الآخر ليبرر مواقفه؛ حيث إن إسرائيل سترفض الانسحاب ما لم ينزع سلاح «حزب الله»، والأخير لن يتخلى عن سلاحه ما دام الجيش الإسرائيلي لم ينسحب. من هنا، فإن مصادر فرنسية ترى أن الحل يقوم على اقتراح مبدأ «الخطوات المتقابلة» بحيث لا يعاود ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه المبعوث الأميركي توم براك الذي طلب من لبنان نزع سلاح «حزب الله» بالكامل قبل أن تقبل إسرائيل الانسحاب من النقاط الخمس التي تمركزت فيها داخل الأراضي اللبنانية؛ لذا، تدعو باريس لـ«خطوات متوازية ومتقابلة»، لكن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق من غير ضغوط أميركية جدية، الأمر الذي يعيد طرح إشكالية إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بعمليات عسكرية بموازاة المفاوضات في حال قيامها ما سيعني عملياً «التفاوض تحت النار».

نازحون لبنانيون عائدون إلى مناطقهم ومنازلهم في الجنب اللبناني بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان (رويترز)

فرنسا: مساعدة «البلد الشقيق»

تلاحظ السلطات الفرنسية لبلادها دوراً في لبنان الذي تؤكد مصادرها أنه الموضوع الأول الذي تطرحه الدبلوماسية الفرنسية في جميع لقاءاته ومساعيها. وعكست الصحافة الفرنسية مخاوف باريس من أن يكون نتنياهو بصدد فرض «خط أصفر» جديد في جنوب لبنان كما فعل في غزة وسوريا. ووضعت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الجمعة عنواناً بارزاً يشير إلى «تحديات الهدنة الهشة للبنان». ورغم اعتبارها أن «دينامية جديدة» انطلقت مع وقف إطلاق النار، الأولى من نوعها منذ عام 1991، فإنها بالمقابل فصلت التحديات الكبرى التي يطرحها الواقع الجديد: نزع سلاح حزب الله، الانسحاب الإسرائيلي ، ملف النازحين والأسرى وإعادة الإعمار وترسيم الحدود البرية... من هنا، سيكون لبنان بحاجة لكل الإرادات الراغبة في المساعدة وعلى رأسها باريس التي ترى أن لها دوراً في مساعدة السلطات وتقويتها، ودعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وللتذكير، فإن مؤتمراً كان مقرراً عقده لهذه الغاية، الشهر الماضي، تأجل لأمد غير محدد. كذلك تريد باريس أن تكون همزة وصل بين لبنان وسورياً خصوصا في ملف ترسيم الحدود الشرقية. وفي أي حال، فإن فرنسا عازمة على مواصلة دعم لبنان دبلوماسياً وإنسانياً وعسكرياً، وهو البلد الذي يسميه ماكرون «البلد الشقيق».