فيدراليّة اللبنانيّين بين دعاتها ومعارضيها

الدافع لطرحها تمدّد «حزب الله» وتنامي هجرة المسيحيّين

TT

فيدراليّة اللبنانيّين بين دعاتها ومعارضيها

سلاح "حزب الله" بين دوافع طرح الفدرالية في لبنان. هنا مقاتلون من الحزب بسلاحهم في عرض عسكري (د ب أ)
سلاح "حزب الله" بين دوافع طرح الفدرالية في لبنان. هنا مقاتلون من الحزب بسلاحهم في عرض عسكري (د ب أ)

منذ سنة ونيّف بات الكلام عن الفيدراليّة حدثاً يوميّاً في لبنان. لكنْ كائناً ما كان الموقف منها، فإنّ معظم الذين ناقشوها ناقشوا شيئاً آخر. هكذا قُرنت بالتقسيم، وهي تعريفاً ليست كذلك، وعلى جاري العادة نُسبت إلى «المؤامرة» الشهيرة التي لا تكلّ ولا تتعب.

ما يُسجّل للفيدراليّين، على عكس باقي الجماعات السياسيّة في لبنان، أمران: أنّهم قالوا إنّ ثمّة عطباً عميقاً وبنيويّاً في التركيب المركزيّ اللبنانيّ، وهو ما نراه بأمّ العين على الأصعدة جميعاً، وأنّهم قدّموا بديلهم عن ذاك الكائن الذي يموت، وتكريمُ الميّت، كما نعلم، دفنه.

الذين يهاجمون الفيدراليّين هم، ما خلا استثناءات قليلة، كمثل من يحبّ النوم مع جثّة. لهذا نراهم ينكرون الموت والتحلّل بألسنة سياسيّة كثيرة. وفي هذا الصفّ يقف عبّاد الأوطان والوحدات ممّن يعطونها الأولويّة على البشر وإرادتهم وحرّيّاتهم، مردّدين أناشيد مضجرة تعود إلى القرن التاسع عشر، ويقف النوستالجيّون الذين يرون أنّ الماضي أفضل مستقبل، ويقف العاجزون المُستكينون الذين يخافون أن تؤدّي إعادة النظر بالتركيبة الحاليّة إلى تركهم وحيدين في مواجهة مكروهيهم، من دون أن يحرّكوا ساكناً، كما يقف الموهومون بأنّ معالجة النتائج في تركيبة النظام أو في اقتصاده أو ثقافته، هي معالجة كافية للأسباب. لكنْ إلى هؤلاء جميعاً يقف في الصفّ نفسه الخبثاء، وهم وحدهم القادرون على الإفادة من سياسة الإنكار التي يعتمدها الأبرياء. والخبثاء هؤلاء ذوو لغة برأسين، رأس معلن مفاده الحفاظ على لبنان إيّاه، ورأس مضمر هو تحويل لبنان كلّه إلى خندق. وهي مهمّة تتطلّب توسيع المظلّة «الوحدويّة» التي تغطّي هذا الخندق المفتوح، بحيث نحميه جميعاً بدل أن يحمينا.

وحدة زائفة

والحقّ أنّ هذه الوحدة الزائفة، التي يئنّ اللبنانيّون تحت وطأتها، ليست حكراً عليهم وحدهم، إذ نعرفها بأسماء وعناوين مختلفة في سائر المشرق العربيّ. فهناك، وفي ظلّ شعارات الوطنيّة والقوميّة والتوحّد ضدّ «العدوّ المصيريّ»، تكشّفت المركزيّة السلطويّة عن قهر لأجزاء واسعة من السكّان وضيق بهم. وما بين حلبجة العراقيّة ودوما السوريّة، اتّخذ القهر والضيق أشكالاً إباديّة صريحة.

لكنْ أسمَّينا البديل فيدراليّة أو أيّ شيء آخر، فالمؤكّد أنّه لا بدّ من التفكير ببديل تُستأنف معه لبنانيّة اللبنانيّين بأكلاف أقلّ وحرّيّات أكثر. ولا بأس، هنا، باستعادة سريعة لبعض ما نعرفه جميعاً ممّا يقطع بأنّ تمادي الانهيار هو الأفق الوحيد المتاح لوحدة «الشعوب» اللبنانيّة: فالدولة تضمر، والمناطق تزداد تباعداً واختلافاً، والجريمة تمضي بلا عقاب، 14 فبراير (شباط) 2005 أو بلا محاكمة ومقاضاة (المرفأ)، والسلاح غير الشرعيّ يستمرّ في حكم البلد فعليّاً وفي جرّه إلى أوضاع لم يُطلب رأي السكّان فيها، ولا يُطلب، والفساد والكارثة الاقتصاديّة ينامان على زند المحاصصة الطائفيّة (المركزيّة) والسلاح غير الشرعيّ. ولئن فشلت في 2019 المحاولة التي شكّلت آخر الآمال بتوليد وطنيّة لبنانيّة جامعة وإنقاذيّة، فإنّ ضعف الاكتراث الدوليّ بلبنان، بل بالمنطقة، يضيف سبباً آخر لليأس من فولكلور «القيامة اللبنانيّة»...

انفجار مرفأ بيروت رفع نسبة هجرة المسيحيين من لبنان. هنا باخرة تشتعل في المرفأ بيروت نتيجة الانفجار في 4 اغسطس 2020 (ا ف ب).

فوق هذا، فالظاهرات المذكورة وسواها تستند إلى خلاف عميق بين مكوّنات البلد حول سائر المنعطفات الكبرى في تاريخه الحديث كما في راهنه: من انهيار السلطنة العثمانيّة وقيام الانتداب الفرنسيّ إلى مقاومة «حزب الله»، وبينهما تأسيس «لبنان الكبير» في 1920 واستقلال 1943 وحرب 1958 والتنازع حول سلاح المقاومة الفلسطينيّة ثمّ حرب 1975 فالاحتلالات التي تلتها، ثمّ اغتيال رفيق الحريري... عند كلّ حدث من تلك الأحداث الضخمة، هناك على الأقلّ تأويلان وذاكرتان واستنتاجان. أمّا سنوات الاستقرار والوفاق اللبنانيّين في الستينات الشهابيّة، التي تطاولت حتّى منتصف عهد شارل حلو، فكانت أثمانها باهظة: من التنازل عن السياسة الخارجيّة لجمال عبد الناصر، إلى إسقاط بعض أبرز الزعامات المارونيّة (كميل شمعون، ريمون إدّه) في انتخابات 1964، (تماماً كما أسقط كميل شمعون في 1957 بعض أبرز الزعامات المسلمة)، ومن غضّ النظر عن اغتيال الصحافيّ كامل مروّة إلى قضم «المكتب الثاني» بعض الحرّيّات العامّة والخاصّة. وفي النهاية كوفئت الشهابيّة بأن دقّ صعود المقاومة الفلسطينيّة المسمار الأخير في نعشها.

إنّ خلافاً بهذا الحجم، وهذا العمق، وهذا الامتداد في الزمن، ليس تعدّديّة تنطوي على مصدر للغنى. إنّه، بمحموله الدمويّ، صراع ضارٍ ومصدر لحروب لا تنضب. وفي الحساب الأخير، يحقّ لأيّة مجموعة من السكّان أن تعلن رأيها في أحوالها وفي تصوّرها لمستقبلها. أمّا الموقف الطبيعيّ والسويّ لمن يرى شخصين متقاتلين فأن يسعى إلى الفصل بينهما وإبعاد واحدهما، ولو قليلاً، عن الآخر.

مع هذا كان يمكن لرافضي الفيدراليّة أن يحدّوا من وهجها على المسيحيّين لو فعلوا شيئاً يخدم هدفهم: لو فرزت الطائفة الشيعيّة كتلة وازنة ترفض «حزب الله»، أو لو اعتمدت الطائفة السنّيّة مواقف صلبة وعريضة في مواجهته. لا هذا حصل ولا ذاك، بحيث بتنا أقرب إلى زواج قهريّ تُعنَّف فيه الزوجة ويعلو صراخها الذي لا يُستخدَم إلاّ مُستَمسكاً ضدّها: أنتِ تهدمين البيت الزوجيّ السعيد!

استعجال إرادويّ وهويّة مغلقة

يبقى أنّ الانحياز الذي تعبّر عنه هذه الأسطر إلى كسر وحدة ميّتة، لا يعفي من تناول القائلين بكسرها، بالاستراتيجيّات التي يطوّرونها وبالقيم التي يحملونها، وتالياً بالاحتمالات التي يفتحونها لأنفسهم قبل سواهم، وهذا ما يستدعي كلاماً آخر.

فإذا كانت الدعوة إلى مغادرة الوحدة الحاليّة بنظامها المركزيّ مفهومة ومبرّرة، فهذا ما يرافقه شعور بغَصّة مبعثُها الإقرار بفشلنا في بناء وطن تُحفظ فيه الحرّيّات والتعدّد. فالأمر بالتالي عمليّ أكثر منه مناسبة انتصاريّة، واضطراريٌّ أملاه انسداد الواقع الوحدويّ وتصدّعه ممّا تتعدّد المسؤوليّات عنه.

والحال أنّ الإقرار بضرورة كسر تلك الوحدة يعقّد المسائل أكثر ممّا يبسّطها. فالقول إنّ الوحدة الراهنة باتت حلّاً مستحيلاً لا يعني بالضرورة أنّ بديلها المطروح حلّ سهل.

ولا بدّ، بادىء بدء، من توضيح أساسيّ يعرفه المتابعون: إنّ الفيدراليّة بذاتها لا تتناول لبّ النزاعات اللبنانيّة – اللبنانيّة، ممّا يتّصل بالسياسات الخارجيّة والدفاعيّة. وهذا ما يجعل علاجيّة الاقتراح الفيدراليّ مرهونة بمزاوجته مع مبدأ الحياد، وهو ما يبدو أنّ الفيدراليّين، أو بعضهم، على بيّنة منه إذ جمعوا المطلبين، على نحو أو آخر، في دعوة واحدة.

ومن جهة أخرى، سيبقى أمراً مطروحاً على التفكير التغلّبُ على فسيفساء التفتّت اللبنانيّ الهائل ممّا لا يذلّله القول المريح، والصحيح، من أنّ الفيدراليّة مصنوعة لحالات الاختلاف. ذاك أنّ صيغة كاتّفاقيّتي واشنطن ودايتون مثلاً (اللتين حاولتا بصعوبة ضبط التفتّت البوسنيّ وإعادة صياغته فيدراليّاً) ستبدوان فقيرتين جدّاً وعاجزتين أمام درجة التداخل الهائل في المناطق اللبنانيّة.

في المقابل، وما دامت المشاريع الفيدراليّة المطروحة تعامل اللبنانيّين بوصفهم مساوين آليّين لولادتهم في طائفة ما، ولحملهم ثقافتها الفرعيّة، فهذا ما يثير المخاوف المشروعة من الفلسفة التي تسند هذه المشاريع. ذاك أنّها لا تأخذ بتاتاً في اعتبارها وجود من لا يريدون أن يكونوا أبناء طوائفهم، ولا أن يعبّروا عن ثقافتها. وأبعد من ذلك هنا أنّ ما هو حتميّ ومسبق يُعدمان كلّ ما هو اختيار حرّ للأفراد. وهذه، بطبيعة الحال، نظرة خطيرة يصعب نعتها بالحرّيّة والليبراليّة والتقدّم. ولسوف يكون من المشكوك فيه أن تستطيع التراكيب الفيدراليّة، ما دامت تعبّر عن هويّات طائفيّة حصريّة، احتضان سياسات تحرّريّة وعلمانيّة تُنكرها المؤسّسات الطائفيّة التي تشكّل تلك الهويّات المياه الملائمة لسباحة أسماكها.

وبعيداً من الروحيّة الابتزازيّة التي يقول أصحابها إنّ الكيان الفيدراليّ لا يعصم من نزاعات مذهبيّة ومناطقيّة داخله، فاحتمال كهذا ينبغي التعامل معه بجدّ بعد تخليصه من الروحيّة الابتزازيّة. فنظام القرابة العصبيّ الموسّع ليس حكراً على جماعة دون أخرى، ويُخشى أن يتأدّى عن ردّ العالم إلى مجرّد هويّات دينيّة تخصيب هذه الأخيرة بهويّات مذهبيّة ومناطقيّة قد لا يكون ضبطها سهلاً دائماً.

أمّا إيراد هذه التحفّظات فليس هدفه التيئيس والإحباط، إنّما الهدف التنبيه إلى خطورة إطلاق عفاريت الهويّة المطلقة والمغلقة. وتنبيهٌ كهذا إنّما يستند إلى مسوّغ آخر: فأغلب الظنّ أنّ ما من فيدراليّ يتوهّم أنّه بالعنف، والعنف كريه بذاته، يحرز أيّاً من الفيدراليّة والحياد، ناهيك عن إحرازهما معاً. وهذا ما يفرض على حركة الفيدراليّين وعلى خطابهم أن يكونا دقيقين ومرِنين، أكثر سياسيّة وإنصاتاً إلى توازنات القوى، وهو ما لا يُبدونه دائماً. ويُخشى، هنا، بدل المرونة، وهْم التعويض عن نقص الشروط الموضوعيّة بتعويل مبالغ فيه على الإرادويّة وما تستجرّه من فولكلوريّات الهويّة.

فما دام أنّ مطلب الفيدراليّين لا يتحقّق بمحض الإرادة الذاتيّة لصاحب المطلب، وما دام أنّ موافقة أكثر من طرف عليه شرط قاهر لوضعه موضع التنفيذ، بات لا بدّ من مخاطبتين لا تحظيان اليوم بعناية الفيدراليّين المطلوبة: واحدة تستهدف القوى الخارجيّة المؤثّرة في محاولة مُلحّة ومنتظمة لإقناعها بالفيدراليّة والحياد للبنان، والأخرى تستهدف المسلمين الناشطين في الرأي العامّ ممّن يجمعهم بالفيدراليّين حدّ معقول من الاتّفاق، ولو كانوا متحفّظين على الفيدراليّة نفسها. وما يضاعف أهميّة البند الأخير أنّ القوى الخارجيّة المؤثّرة تُبدي، في الوقت الراهن، نقصاً ملحوظاً في الاهتمام وتراجعاً في التأثير.

هكذا فمحاورة هذه البيئات المسلمة، التي لا تربطها إلاّ الخصومة بـ»حزب الله»، وكائناً ما كان ضعفها الراهن، مهمّةٌ لا بدّ منها في سياق عمليّة تأتي متواصلةً ومتصاعدةً لتوسيع قاعدة الأصدقاء وبناء قاعدة متفهّمة عريضة. فالذي لا يستطيع التفاهم مع هؤلاء، ومعظمهم شركاء سابقون في 14 مارس (آذار) ثمّ في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، لن يستطيع التفاهم مع أيّ مسلم، ما لا يترك عمليّاً سوى الحرب وسيلةً للتبادل.

سلاح "حزب الله" بين دوافع طرح الفدرالية في لبنان. هنا مقاتلون من الحزب بسلاحهم في عرض عسكري (د ب أ)

وإذا كان التعويل على العصبيّة المغلقة والمطلقة مدخلاً إلى استفزاز حلفاء محتملين، فإنّ التعويل على القيم مدخل لتطوير الحوار معهم. ذاك أنّ الفيدراليّة والحياد لا ينبغي تحويلهما بديلاً عن مواقف لا يكاد يُسمع للفيدراليّين صوت بشأنها، كالمصالح والحرّيّات والعدالة وما يتعلّق بالعنصريّة أو بالمساواة الجندريّة.

وإذ يزكّي هذا التمركزُ حول «التناقض الرئيسيّ»، بل «التناقض الأوحد»، مبدأ الهويّة المطلقة، فإنّه يهدّد، حتّى لو لم يُرد الفيدراليّون ذلك، بتحويلهم فصيلاً آخر من فصائل اليمين الشعبويّ الرومنطيقيّ المتطرّف، فصيلاً يقرن صرخاته الريفيّة حول «جبلنا» و»صليبنا» و»أجراس كنائسنا» بصورة قديمة، دينيّة وكولونياليّة، عن الغرب و»الحضارة».

ومثل هذا الخطاب لا ينفّر ويستفزّ لبنانيّين كثيرين فحسب، بعضُهم يمكن، ببعض الجهد، كسبه صديقاً متفهّماً لدعوة الحياد والفيدراليّة، بل هو أيضاً منفّر ومستفزّ للعالم العربيّ الذي يرتبط مستقبل لبنان الاقتصاديّ، فيدراليّاً كان أم غير فيدراليّ، بعلاقات جيّدة معه ومع أسواقه، كما يستفزّ قطاعات غربيّة عريضة ومؤثّرة لم يعد الخطاب الدينيّ والكولونياليّ القديم يخاطبها.

لهذا لن يكون مفيداً، فضلاً عن ضعفه الأخلاقيّ، ترداد لازمة: «هذه أمور لا تعنينا». فكلّ مسائل الحقوق والحرّيّات تعني المنشغل بالشأن العامّ، خصوصاً في بلد كلبنان تحكم عليه جغرافيّته بتأثيرات الخارج. ولئن بدا مفهوماً رفض استخدام الموضوع الفلسطينيّ (أو السوريّ أو الأرمنيّ...) لزجّ لبنان في صراعات مسلّحة، فإنّ المواضيع هذه «تعنينا» جميعاً. لا بل يمكن لمُركَّب الفيدراليّة والحياد أن يدشّن حالة قيميّة جديدة تنطوي على طريقة خاصّة في التعامل مع تلك المسائل والحقوق.

وقد يقول فيدراليّ متحمّس إنّ تلك أمور من طبيعة كماليّة، والوفاء بها يستغرق مرحلة زمنيّة أطول، فيما الوضع قاهر يحكمه تمدّد «حزب الله» وتوالي الكوارث وتنامي هجرة المسيحيّين، على غرار ما هو حاصل في لبنان كما في سائر المشرق العربيّ. لهذا، ومنعاً للأسوأ، تكفينا الإرادة الذاتيّة وتعبئة جمهورنا الطائفيّ. لكنْ ألم يكن هذا التغليب الإرادويّ ما حكمَ السياسة في العقود الماضية، وما واكب تحوّلها إلى حروب سبّبت الموت والهجرة والتهجير والاحتلال؟

أغلب الظنّ أنّنا، كأحد الشعوب الملعونة، محكومون للأسف بالخطى البطيئة. وهذا سيّء ومؤلم بما فيه الكفاية، لكنّ أيّة سرعة تكرّر سرعات الماضي ستكون أسوأ وأشدّ إيلاماً.


مقالات ذات صلة

مدارس الجنوب اللبناني في قلب «المنطقة العازلة»

المشرق العربي طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)

مدارس الجنوب اللبناني في قلب «المنطقة العازلة»

يتقدّم ملف استهداف المدارس في جنوب لبنان إلى واجهة المشهد، مع تصاعد العمليات العسكرية واتساع رقعتها، في وقتٍ يتزايد فيه القلق...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود الجيش اللبناني وعناصر الدفاع المدني يتفقدون موقع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت جسر القاسمية المبني فوق نهر الليطاني في منطقة القاسمية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

اشتباكات متواصلة في بنت جبيل وفصل جنوب لبنان بتدمير «جسر القاسمية»

تتداخل مسارات التصعيد الميداني الواسع مع مؤشرات سياسية حذرة على وقفٍ محتمل لإطلاق النار، في مشهد جنوبي مفتوح على كل الاحتمالات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عُقد مؤتمر بيروت بمشاركة معظم الأفرقاء اللبنانيين باستثناء «حزب الله» و«حركة أمل» (الشرق الأوسط)

«مؤتمر بيروت»: توافق لبناني واسع على عاصمة آمنة خالية من السلاح

عقد نواب مدينة بيروت ممثلين غالبية الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية مؤتمراً بالعاصمة دعماً لإعلانها «آمنة وخالية من السلاح».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

سكان ضاحية بيروت يستغلون هدنة غير معلنة لتفقد منازلهم

يتحرّك سكّان بيروت وضاحيتها الجنوبية داخل هامشٍ ضيّق من الأمان المعلن والخطر الفعلي، حيث لا تُقاس الحياة بعودة الاستقرار.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي مركبات ومدرعات عسكرية إسرائيلية أمام مبانٍ مدمرة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

لبنان يشترط وقف النار قبل استئناف المفاوضات مع إسرائيل

تعرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لضغوط متعددة لمطالبة إسرائيل بوقف النار

علي بردى (واشنطن)

ترمب يوقف النار بين لبنان وإسرائيل ويدعوهما إلى البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

ترمب يوقف النار بين لبنان وإسرائيل ويدعوهما إلى البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقفاً للنار بين لبنان وإسرائيل لمدة عشرة أيام بدءاً من الساعة 12:00 منتصف ليل الخميس - الجمعة بالتوقيت المحلي، عقب اتصالين منفصلين أجراهما مع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ سعياً إلى اجتماع بينهما قريباً في البيت الأبيض، والى إحداث اختراق في المحادثات الوليدة للسلام بين البلدين.

وسبق إعلان ترمب هذا اتصالات صباحية أجراها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي يتولى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، مع عون الذي أبلغه أنه يرفض التحدث مع نتنياهو، مكرراً أن لبنان يرفض إجراء مفاوضات إضافية، بعد المحادثات التمهيدية التي أجريت برعاية روبيو بين السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، إذا لم توافق إسرائيل على وقف القتال الدائر مع «حزب الله».

مواطنون هرعوا إلى سيارة تعرضت لضربة إسرائيلية على طريق بلدة الجية جنوب بيروت (إ.ب.أ)

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر وثيق الاطلاع أن روبيو والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى نقلا إلى الرئيس ترمب هذا الموقف الذي يركز على ضرورة أن يحتذي لبنان وإسرائيل بما فعلته الولايات المتحدة وإيران لجهة وقف النار قبل الشروع في المفاوضات. وأضاف المصدر أن الرئيس ترمب «وافق على هذه المقاربة»، ولكنه شدد على «عدم تلازم المسار اللبناني - الإسرائيلي مع المسار الأميركي - الإيراني» على رغم «أهمية التزامن بينهما».

وعلى الأثر، اتصل ترمب بنتنياهو، طالباً منه وقف النار. وحذّره من أنه إذا لم يفعل فإنه (ترمب نفسه) سيعلن ذلك.

الحرب العاشرة

وفي ضوء هذا التطور، كتب ترمب على منصته «تروث سوشال»: «أجريت للتو محادثات ممتازة مع الرئيس اللبناني المحترم جوزيف عون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. واتفق الزعيمان على بدء وقف النار لمدة عشرة أيام، ابتداءً من الساعة الخامسة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (12:00 منتصف الليل بتوقيت بيروت)؛ وذلك لتحقيق السلام بين بلديهما». وأضاف: «الثلاثاء، اجتمع البلدان للمرة الأولى منذ 34 عاماً هنا في واشنطن العاصمة، بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. ووجهت نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية روبيو، إلى جانب رئيس هيئة الأركان المشتركة دان رازين كاين، للعمل مع إسرائيل ولبنان لتحقيق سلام دائم». وزاد: «كان لي شرف المساهمة في حل تسع حروب حول العالم، وهذه ستكون الحرب العاشرة، فلنعمل معاً على إنجازها!».

وبعد دقائق، كتب ترمب مجدداً أنه سيدعو نتنياهو وعون إلى البيت الأبيض «لإجراء أولى المحادثات الجادة بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1983، أي منذ زمن طويل». وأضاف أن «كلا الجانبين يرغب في تحقيق السلام، وأعتقد أنه سيتحقق سريعاً!».

وقبل ذلك، أصدرت الرئاسة اللبنانية بياناً عن الاتصال بين الرئيسين ترمب وعون. وأضاف أن الرئيس عون «جدد شكره للجهود التي يبذلها ترمب من أجل التوصل إلى وقف إطلاق نار في لبنان وتأمين السلم والاستقرار بشكل دائم؛ تمهيداً لتحقيق العملية السلمية في المنطقة. وتمنى عليه استمرار هذه الجهود لوقف النار بأسرع وقت ممكن». ونقل عن ترمب «رده بدعمه للرئيس عون ولبنان وتشديده على التزامه تلبية الطلب اللبناني بوقف النار في اسرع وقت».

وكان ترمب كتب الأربعاء أنه «يحاول إيجاد متسع من الوقت بين إسرائيل ولبنان». وأضاف أن عون ونتنياهو سيتحدثان عبر الهاتف الخميس. غير أن عون رفض ذلك.

وكانت هذه المكالمة الأولى من ترمب مع الرئيس عون منذ توليه منصبه.

سيدة إلى جانب قبر أحد أقربائها في مدينة صور (رويترز)

وكانت الرئاسة اللبنانية أصدرت بياناً آخر بُعيد الاتصال من روبيو، الذي أكد استمرار الجهود المبذولة للتوصل إلى وقف النار تمهيداً لاتفاق طويل الأمد من أجل السلام والأمن والاستقرار في لبنان.

وقبل إعلان ترمب، أفاد مسؤول دفاعي إسرائيلي بأنه يمكن إعلان وقف النار الخميس. وقال: «نحن أمام مفترق طرق. لا شيء نهائياً، لكن من الممكن أن يحدث ذلك».

ويسعى المسؤولون الأميركيون إلى البناء على المحادثات المباشرة النادرة التي أجريت بين لبنان وإسرائيل هذا الأسبوع، علماً أن لبنان وإسرائيل لا يزالان في حالة حرب منذ عام 1948.

وهددت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» بتقويض وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران، والذي ينتهي الأسبوع المقبل. وأصرت إيران مراراً على توسيع الهدنة لتشمل لبنان، وهو اقتراح رفضته الولايات المتحدة وإسرائيل.


الفلسطينيون يشكون محدودية الخيارات وصعوبة التصويت مع بدء العد العكسي للانتخابات المحلية

موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)
موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)
TT

الفلسطينيون يشكون محدودية الخيارات وصعوبة التصويت مع بدء العد العكسي للانتخابات المحلية

موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)
موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)

يشكو الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة، والذين يفترض أن يتوجهوا خلال أيام إلى صناديق الاقتراع في انتخابات بلدية تنظّم للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، من محدودية الخيارات السياسية وصعوبة التصويت في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي، ما يقلّل من حماستهم للمشاركة.

في 25 أبريل (نيسان)، يختار الناخبون ممثليهم في المدن والبلدات والقرى الفلسطينية في أنحاء الضفة الغربية وفي مدينة دير البلح بوسط قطاع غزة، وذلك للمرة الأولى منذ الحرب التي اندلعت في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وتقول لجنة الانتخابات المركزية في رام الله إن نحو مليون ونصف مليون شخص سجلوا للتصويت في الضفة الغربية، مقابل 70 ألفاً آخرين في دير البلح.

ويبدي كُثر خيبة أمل من قانون انتخابي جديد صدر بناء على مرسوم أصدره الرئيس الفلسطيني محمود عباس، يشترط على جميع المرشحين الموافقة على ميثاق وأهداف منظمة التحرير الفلسطينية من أجل التسجيل.

وقال خوميني سليمان، وهو تاجر قطع سيارات من قرية بيت عور قرب رام الله، إن «مسألة (التزام المرشحين) بالاتفاقيات التي تلتزم بها منظمة التحرير (مع إسرائيل)، موضوع لا أتفق معه نهائياً».

ورغم أن بعض المرشحين قالوا إن القوانين الجديدة منعتهم من الترشح، أشار مراقبون إلى تراجع عام على المستوى السياسي.

عناصر من الشرطة الفلسطينية في أحد شوارع قطاع غزة (الداخلية الفلسطينية)

وقال خبير فلسطيني في شؤون الانتخابات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع: «الحقيقة أن الأحزاب السياسية اختفت فعلياً من المشهد السياسي الفلسطيني».

أما المواطن محمد التاج، وهو من سكان رام الله، ورغم أنه «فخور» بمنظمة التحرير الفلسطينية، فقد رأى أن دعم ميثاق المنظمة الذي يعترف بإسرائيل، يجب ألا يكون شرطاً للترشح.

وأكد التاج أنه لن يصوت في الانتخابات قائلاً: «أعتبر نفسي مقاطعاً للانتخابات ترشيحاً وتصويتاً، وأدعو الآخرين إلى مقاطعة هذه الانتخابات».

ولفت إلى أن هذا الاقتناع تولّد لديه بسبب تواصل الاعتداءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.

وينظم الفلسطينيون الانتخابات المحلية بشكل منتظم. أما آخر انتخابات تشريعية جرت فكانت في عام 2006، عندما حققت حركة «حماس الإسلامية» فوزاً ساحقاً على حساب حركة «فتح» بزعامة عباس.

وغالباً ما يدعو المجتمع الدولي عباس (90 عاماً) الذي انتُخب في عام 2005 لولاية مدتها أربع سنوات، إلى إجراء انتخابات رئاسية.

وتوزعت القوائم التي ترشحت للانتخابات المحلية في الضفة الغربية بين تابعة لحركة «فتح» أو مستقلة، فيما غابت القوائم التابعة لحركة «حماس».

ولاحظ عارف جفال، وهو خبير فلسطيني آخر بشؤون الانتخابات، أن هناك بعض «العوامل الإيجابية» في القانون الجديد الذي خفّض سن الترشح إلى 18 عاماً، ورفع حصة تمثيل النساء إلى 25 في المائة.

لكنه انتقد نقل بعض صلاحيات البلديات إلى وزارة الحكم المحلي، مما يعزز سلطة السلطة الفلسطينية بقيادة عباس.

وستتنافس قوائم حركة «فتح» والقوائم المستقلة التي يقودها مرشحون من فصائل فلسطينية أخرى مثل «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، في معظم المدن.

أما في مدينة رام الله، فلم تترشح سوى قائمة واحدة ما يعني أنها ستفوز بالتزكية.

وبدت رائدة البرغوثي (49 عاماً) متحمسة للانتخابات، خصوصاً أن قريتها كوبر ستشهد معركة انتخابية لأول مرة منذ عقد، بعد سنوات فازت فيها قائمة واحدة بالتزكية.

وأملت البرغوثي أن يكون هناك «دور للمرأة على صعيد المشاركة في العرس الديمقراطي... فمن حقنا أن نصوّت».

وفي قطاع غزة الذي تدير حركة «حماس» شؤونه، تُجري السلطة الفلسطينية الانتخابات فقط في منطقة دير البلح «كتجربة (لاختبار) نجاحها أو فشلها؛ لأنه لا توجد استطلاعات رأي بعد الحرب»، وفقاً لأستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر في القاهرة جمال الفادي.

وقال الفادي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الخيار وقع على دير البلح؛ لأنها من المناطق القليلة في غزة التي «بقي سكانها إلى حد كبير في أماكنهم، ولم يتعرضوا للنزوح» جراء أكثر من عامين من الحرب مع إسرائيل.

وبحسب المتحدث باسم لجنة الانتخابات المركزية فريد طعم الله، استعانت اللجنة بموظفي اقتراع من منظمات المجتمع المدني، واستأجرت «شركة أمن خاصة لتأمين مراكز الاقتراع» في غزة.

ورغم أن اتفاق الهدنة أوقف الحرب في أكتوبر 2025، فإن نحو نصف قطاع غزة لا يزال تحت السيطرة الإسرائيلية، مع تواصل الضربات الإسرائيلية وقتل الفلسطينيين.

ولدى سؤاله عن التنسيق مع إسرائيل أو «حماس»، قال طعم الله إن اللجنة تتواصل بشكل غير مباشر مع وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية (كوغات)، و«دون مشاركة أطراف أخرى».


مدارس الجنوب اللبناني في قلب «المنطقة العازلة»

طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)
طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)
TT

مدارس الجنوب اللبناني في قلب «المنطقة العازلة»

طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)
طفلتان نازحتان تلعبان بأحد مراكز النزوح في بيروت (رويترز)

يتقدّم ملف استهداف المدارس في جنوب لبنان إلى واجهة المشهد، مع تصاعد العمليات العسكرية واتساع رقعتها، في وقتٍ يتزايد فيه القلق من تحوّل البنية التربوية إلى أحد أبرز ضحايا التصعيد. وبينما تتحدث إسرائيل عن «أهداف عسكرية» داخل منشآت مدنية، تؤكد الدولة اللبنانية خلوّ هذه المواقع من أي استخدام قتالي، في سياقٍ يربطه مراقبون بمسار أوسع يرمي إلى فرض «منطقة عازلة» على الأرض.

اتهامات إسرائيلية باستخدام المدارس

في هذا الإطار، أعلنت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية، الخميس، أن «قوات (لواء غفعاتي)، العاملة تحت قيادة (الفرقة 98)، عثرت داخل مدرسة في جنوب لبنان على أكثر من 130 وسيلة قتالية».

وأوضحت أن العمليات البرية «تستهدف تدمير البنى التحتية»، مشيرة إلى أن الأسلحة المضبوطة تشمل «بنادق (كلاشنيكوف)، ومسدسات، وأسلحة أخرى، إضافة إلى أعلام ورموز تابعة لـ(حزب الله)».

وأضافت أن القوات الإسرائيلية «صادرت الوسائل القتالية وتواصل عمليات التمشيط»، متهمة «حزب الله» بـ«استغلال السكان المدنيين لتنفيذ مخططات عسكرية».

وتتقاطع هذه التغريدة مع إعلان إسرائيلي سابق عن تدمير مدرسة في بلدة الشهابية في 10 أبريل (نيسان) 2026، حيث زعم الجيش الإسرائيلي أنه رصد «منصات لإطلاق الصواريخ داخل حرم المدرسة»، ونشر مقاطع قال إنها تُظهر راجمة صواريخ في الموقع، معتبراً أن استخدام منشآت مدنية لأغراض عسكرية «يمثل انتهاكاً للقانون الدولي».

مروحين... استهداف وتنديد رسمي

في المقابل، برزت بلدة مروحين في صلب هذه التطورات، بعد تداول مقاطع فيديو تُظهر تدمير مبنى ثانوية مروحين الرسمية إثر انفجار عنيف أدى إلى انهياره.

ولم تتضح على الفور ملابسات الضربة، وسط تباين في الروايات، غير أن وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي دانت ما جرى، ووصفت تفجير المدرسة بأنه «عدوان سافر على البنى التربوية».

صور «سونار» لجنين بين أنقاض مبنى دُمر الأسبوع الماضي بقصف إسرائيلي في بيروت (أ.ب)

وأكدت في بيان أن المبنى «كان خالياً من أي وجود عسكري أو مدني»، داعية المجتمع الدولي، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى التحرك العاجل لـ«تحييد المؤسسات التربوية والتلاميذ».

ولا تبدو مروحين حالة منفصلة؛ إذ جرى تداول مشاهد لتدمير مبنى مدرسي في بلدة «طورا» القريبة من الحدود، ما يعزز مؤشرات على اتساع نطاق استهداف المنشآت التعليمية في القرى الواقعة ضمن مسرح العمليات.

ويأتي ذلك في ظل استمرار التباين بين الروايتين: تأكيد إسرائيلي على وجود استخدام عسكري لهذه المواقع، في مقابل نفي لبناني يضعها ضمن الأعيان المدنية المحمية، ما تضعه أوساط جنوبية في إطار «استهداف ممنهج للبنية المدنية في الجنوب، ولا سيما المؤسسات التربوية لمنع عودة أي مظهر من مظاهر الحياة إلى القرى الحدودية، وتحديداً مناطق جنوب الليطاني».

مزاعم استهداف المدارس تندرج في إطار دعاية كاذبة

رأى العميد المتقاعد بسام ياسين عبر «الشرق الأوسط» أنّ «الحديث عن استهداف مدارس في جنوب لبنان بذريعة احتوائها على وسائل قتالية، يندرج في إطار دعاية كاذبة تُستخدم لتبرير الاعتداءات، في ظل غياب أدلة ميدانية موثوقة تثبت هذه المزاعم»، معتبراً أن ما يحصل «يندرج في إطار دعاية كاذبة تُستخدم لتبرير الاعتداءات».

وأشار ياسين إلى أنّ «ما نشرته المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي بشأن العثور على أسلحة داخل أحد المواقع في بنت جبيل، لا يخرج عن كونه عرضاً لبنادق صيد، وهي موجودة بشكل طبيعي لدى عدد كبير من الأهالي في المناطق الريفية، ولا يمكن تصنيفها ضمن ترسانة عسكرية، أو استخدامها كدليل على وجود بنية قتالية منظمة».

وشدّد على أنّ «استهداف المدارس والمنشآت المدنية لا يمكن تبريره عسكرياً تحت أي ذريعة»، مؤكداً أنّ «ما يجري يتجاوز البعد العسكري المباشر، ويعكس محاولة فرض وقائع ميدانية تحت غطاء إعلامي يفتقر إلى المصداقية».

في موازاة ذلك، يربط العميد المتقاعد بسام ياسين هذه التطورات بمسار ميداني أوسع، معتبراً أن الحديث عن وقف قريب لإطلاق النار «غير واقعي».

وقال إنه «لا شيء اسمه وقف إطلاق نار قبل أن ينتهي الإسرائيلي من موضوع المنطقة العازلة»، موضحاً أن العمليات الجارية «تندرج ضمن خطة لفرض وقائع ميدانية جديدة»، ولافتاً إلى أن التحركات الإسرائيلية تهدف إلى الوصول إلى عمق يقارب عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مع احتمال توسيع الضغط باتجاه البقاع الغربي لـ«قطع التواصل مع الجنوب».

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

البنية التربوية في قلب الاشتباك

وتعكس التطورات إدخال البنية التربوية في صلب المعركة، سواء كهدف عسكري وفق الرواية الإسرائيلية، أو كضحية مباشرة وفق الموقف اللبناني.

وتشير أوساط جنوبية إلى أنّ «استهداف المدارس والمنشآت التعليمية لا يبدو معزولاً أو ظرفياً، بل يندرج ضمن مسار ممنهج يطول البنية التربوية، بما يعكس توجهاً لضرب مقومات الاستقرار المجتمعي في القرى الحدودية».

وبين هذين المسارين تتقاطع العمليات الميدانية مع أهداف أبعد من الاشتباك المباشر، لتطول مقومات الحياة اليومية، في ظل مسار يبدو أنه يسعى إلى إعادة رسم الجغرافيا والسكان معاً ضمن إطار «المنطقة العازلة».