اتفاقيات التعاون اللبنانية - السورية رهن الإلغاء أو التعديل

المجلس الأعلى «عديم الوجود» في ظلّ العلاقات الدبلوماسية بين البلدين

رفع علم المعارضة على السفارة السورية في لبنان بعد سقوط النظام (إ.ب.أ)
رفع علم المعارضة على السفارة السورية في لبنان بعد سقوط النظام (إ.ب.أ)
TT

اتفاقيات التعاون اللبنانية - السورية رهن الإلغاء أو التعديل

رفع علم المعارضة على السفارة السورية في لبنان بعد سقوط النظام (إ.ب.أ)
رفع علم المعارضة على السفارة السورية في لبنان بعد سقوط النظام (إ.ب.أ)

أكثر من 40 اتفاقية تعاون موقّعة بين لبنان وسوريا، باتت رهن الإلغاء أو التعديل مع سقوط النظام السوري الذي صاغ كلّ تلك الاتفاقيات، إلا أن هذه الخطوة رهن إرادة الطرفين ومقاربة الحكم الجديد الذي خلف الرئيس بشار الأسد في سوريا.

ويرى خبراء لبنانيون أن تعديل هذه الاتفاقيات يشكّل حاجة ماسّة للبلدين، ولا بد من إدخال تعديلات عليها تحاكي المتغيرات والتحولات السياسية والاقتصادية، وحتى الأمنية التي يتأثر بها الطرفان، بينما يرى آخرون أنها غير متوازنة ومكّنت النظام السوري من استباحة السيادة اللبنانية سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وحتى اجتماعياً وتربوياً.

ووقع لبنان مع سوريا 42 اتفاقية أغلبها بعد عام 1990، لكن لم تأخذ طريقها إلى التطبيق، وما طبّق منها صبّ في المصلحة السورية، أبرزها هذه الاتفاقيات: «معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق»، و«اتفاقية الدفاع والأمن»، و«اتفاق التعاون والتنسيق الاقتصادي والاجتماعي»، و«اتفاق نقل الأشخاص المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية».

نصوص منمقة

ويرى وزير العدل السابق المحامي الدكتور إبراهيم نجّار، أن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد «كان يرغب دائماً في تطمين الرؤساء اللبنانيين من أن سوريا تتعامل مع لبنان بوصفه دولة مستقلة ذات سيادة، إلّا أن هذه الاتفاقيات كانت مجرّد نصوص منمّقة لا تطبّق، وواجهة لوضع اليد على سياسة لبنان وإدارته». وأشار نجار في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «أهم ما في هذه الاتفاقيات إنشاء المجلس الأعلى اللبناني - السوري برئاسة اللبناني نصري الخوري، على الرغم من إقامة علاقات دبلوماسية وتبادل السفراء بين بيروت ودمشق، لكن المجلس الأعلى تولّى إدارة الأعمال التي تقع في صلب صلاحيات السفارتين». وذكّر نجّار بأنه «شارك في صياغة وتوقيع عدد من الاتفاقيات بين البلدين، بينها اتفاقية نقل السجناء، إلّا أنها لم تأخذ طريقها إلى التنفيذ».

نازحون سوريون يعودون إلى سوريا عبر معبر المصنع بعد سقوط النظام السوري (إ.ب.أ)

وتنصّ المبادئ الدولية على وجوب احترام الاتفاقيات المعقودة بين الدول، انطلاقاً من قاعدة «الاتفاقيات ملزمة وتقيّد أطرافها»، لكن لا يمكن القفز فوق بعض الاستثناءات. ويقول نجّار: «صحيح أن اتفاقية فيينا ترعى الاتفاقيات الدولية، إلّا أنها تنظّم تعديلها أيضاً»، مشيراً إلى «وجود 5 حالات تجيز نقض تلك الاتفاقيات وتأتي في خانة الاستثناءات؛ أهمها: استحالة التنفيذ، واستقواء فريق على آخر، وتبدّل الحالات، ووجود أسباب قاهرة ونقض الاتفاقية من أحد الطرفين»، مذكراً بالقاعدة الشرعية التي تؤكد أنه «لا يُنكر تغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان»، مجدداً تأكيده أن «المجلس الأعلى اللبناني السوري بات من دون ضرورة، ويشكل عبئاً على البلدين، ويجب اعتماد القنوات الدبلوماسية ما دامت سوريا تعترف بسيادة لبنان».

تحكم بلبنان

و«يبدو أن التحوّل الاستراتيجي في سوريا أنهى حقبة غير صحّية وملتبسة وكارثية وظلامية من العلاقات اللبنانية - السورية»، على حدّ تعبير الباحث في السياسات العامة زياد الصائغ، الذي أشار إلى أن «نظام الأسد تحكّم في لبنان بتغطية من حلفائه وأتباعه في لبنان وبغطاء دولي، كما تحكّم بميزان هذه العلاقات حتى أصبح الحاكم الفعلي على كل المستويات السياسية والدستورية والقانونية والسيادية (العسكرية - الأمنية) والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى التربوية، حتى إنه نخر عظام كثير من المؤسسات الدينية ومرجعياتها».

وشدد الصائغ في حديث لـ«الشرق الأوسط»، على الحاجة إلى «تطهير وتنزيه من كل موبقات تلك المرحلة السوداء مع مصارحة ومصالحة مع الذات اللبنانية، وبعدها مع الذات السورية حين توضّح صورة المرحلة الانتقالية». أما عن الاتفاقيات اللبنانية - السورية والمجلس الأعلى اللبناني - السوري الذي يشكل أحد تجلياتها، فيجزم الصائغ بأنه «لم يكن يوماً هناك مجلس أعلى لبناني - سوري، بل منصّة استتباع واستزلام وفرض، وبالتالي هذه المنصّة ساقطة أصلاً بفعل الفلسفة والتركيبة التي حكمت قيامها، عدا عن أنها وكما نقول بالعامية تنفيعة».

حبر على ورق

وفي مؤشر واضح على أن معظم تلك الاتفاقيات بقي حبراً على ورق، يتحدث الوزير نجّار عن تجربة عايشها مع هذه الاتفاقيات، ويضيف: «كنت معنياً بمتابعة موضوع المفقودين قسراً في سوريا، وشكلنا في عام 2009 لجنة لبنانية تضم قاضيين وضابطين أمنيين، وهذه اللجنة عقدت 35 اجتماعاً في جديدة يابوس (الحدود اللبنانية - السورية على طريق دمشق)، ونفى النظام السوري وجود معتقلين لبنانيين لأسباب سياسية وأمنية، لكنه اعترف بوجود سجناء محكومين بقضايا جنائية». وكشف نجار عن إبرام اتفاق يقضي بنقل الأشخاص اللبنانيين المحكوم عليهم في سوريا لقضاء محكوميتهم بلبنان، «وكان همّنا بالدرجة الأولى إخراجهم من السجون السورية، لكن للأسف بقيت الاتفاقية من دون تنفيذ ورفض النظام السوري تسليمنا السجناء رغم المراجعات المتكررة»، لافتاً إلى «أهمية تمسك لبنان بهذه الاتفاقية كما غيرها من الاتفاقيات الواجب استمرارها، وآخرها واجب تعديلها أو إلغاؤها».

استباحة لبنان

وأخذت كل الاتفاقيات أو معظمها طابع استباحة لبنان، لا سيما ما يتعلق باتفاقية الأخوة والتعاون والتنسيق واتفاقية الدفاع المشترك وغيرها، وأكد الباحث في السياسات العامة زياد الصّائغ، أن «كلّ الاتفاقيات المعقودة غير متوازنة، ويغلب عليها طابع استباحة السيادة اللبنانية في كل القطاعات، بما فيها الاقتصادية والاجتماعية»، داعياً إلى «أولوية إسقاطها بآلية دستورية من خلال مجلس النواب ومجلس الوزراء في لبنان، لكن لا أعتقد أن ما سيقوم به رئيس مجلس النواب (نبيه برّي) ورئيس الحكومة (نجيب ميقاتي) سيصبّ بهذا الاتجاه، لاعتبارات ما زالت تحكم الذهنية المرضية التي ينتميان إليها».

أما فيما يعنى بالآلية الأفضل لإسقاط هذه الاتفاقيات، فيعدّ الصّائغ أن «القوى السيادية الإصلاحية مع القوى المجتمعية الحيّة معنية بإعداد مطالعة دستورية قانونية تطعن علمياً بهذه الاتفاقيات، كما بالصفة المعنوية والقانونية الملتبسة، على أن تتقدم بهذا الطعن أمام القضاء المختصّ، ثمّ ينقل إلى مجلس النواب والحكومة العتيدة بعد انتخاب رئيس للجمهورية». وشدد الصائغ على تحويل مسألة الطعن بالاتفاقيات إلى «معركة لتصويب الخلل في الذاكرة اللبنانية والانطلاق في مسار استعادة السيادة، بترسيخ حكم القانون بناء على مقتضيات أمن لبنان القومي والمصلحة الوطنية العليا».


مقالات ذات صلة

جهود حكومية لبنانية على خط الاستقرار ودعم المتضررين

المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز في وقت سابق (رئاسة الحكومة)

جهود حكومية لبنانية على خط الاستقرار ودعم المتضررين

تتواصل الجهود اللبنانية لتثبيت الاستقرار ومواكبة تداعيات الحرب، بالتوازي مع سعي لحشد الدعم الدولي للبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)

تقوية الجيش اللبناني... شرط إسرائيلي جديد للانسحاب من الجنوب

من حماية مستوطنات الشمال إلى نزع سلاح «حزب الله»، وصولاً إلى قدرة الجيش اللبناني على تولّي الأمن، تتعدَّد الشروط التي تربط بها تل أبيب انسحابها من لبنان.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي لافتة تشير إلى اتجاه مزارع شبعا على الحدود بين لبنان وإسرائيل وسوريا (المركزية)

العرقوب بين التوغلات الإسرائيلية وغياب الاحتلال المباشر

تفرض التحركات الإسرائيلية المتكررة في منطقة العرقوب، عند السفوح الغربية لجبل الشيخ والمحاذية لمزارع شبعا، واقعاً أمنياً مختلفاً عن مناطق أخرى في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الاقتصاد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز (إكس)

صندوق النقد: اقتصاد لبنان سينكمش بقوة في 2026 وسط تضخم مرتفع

توقع صندوق النقد الدولي، ​الجمعة، أن يشهد النشاط الاقتصادي في لبنان انكماشاً كبيراً في 2026، وذلك ‌في ‌ظل ​استمرار ‌الصراع ⁠في ​الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي جنود لبنانيون ينتشرون عند أطراف بلدة دير ميماس في جنوب لبنان بعد تقدّم قوات إسرائيلية باتجاه البلدة ونشر دبابات وإلقاء قنابل صوتية (أ.ف.ب)

«الميكانيزم» تحتوي احتكاكاً عسكرياً لبنانياً - إسرائيلياً

شهدت أطراف بلدة دير ميماس بجنوب لبنان، الجمعة، توتراً ميدانياً مباشراً بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية، بعدما تقدمت قوة إسرائيلية في اتجاه نقطة مستحدثة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«حبوب مخدرة» تُسقط متخابراً مع إسرائيل في غزة

رجال الدفاع المدني يخمدون حريقاً في سيارة أُصيبت بغارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (رويترز)
رجال الدفاع المدني يخمدون حريقاً في سيارة أُصيبت بغارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (رويترز)
TT

«حبوب مخدرة» تُسقط متخابراً مع إسرائيل في غزة

رجال الدفاع المدني يخمدون حريقاً في سيارة أُصيبت بغارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (رويترز)
رجال الدفاع المدني يخمدون حريقاً في سيارة أُصيبت بغارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (رويترز)

لم يكن يعلم الشاب الغزي (ن) أن تعاطيه مواد مخدرة أحدثت حالة من الهلوسة عنده، ستكشف عن سر حمله لأكثر من عام، يتعلق بتخابره مع جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك»، الذي جنّده لمهام أمنية بهدف ملاحقة نشطاء من الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية.

في تلك الليلة الظلماء، تناول (ن)، مواد مخدرة، وكان قبلها بوقت قصير قد تلقى اتصالاً من مشغّله ضابط المخابرات الإسرائيلية، يطلب منه إرسال صور لمكان ما يخص مأوى لناشط في أحد الفصائل الفلسطينية البارزة والفاعلة، عبر تطبيق الماسنجر في «فيسبوك»، لكن المتخابر بعد أن تناول تلك المواد لم يكن في وعيه، وبدلاً من إرسال تلك الصور لمشغله، نشرها على حائط حسابه الشخصي في «فيسبوك».

فلسطينيون يحملون جثمان القيادي في «كتائب القسام» نائل أبو عبيد بعد اغتياله بغارة إسرائيلية في خان يونس بغزة 16 سبتمبر 2026 (أ.ب)

قصة حقيقية

هذه التفاصيل لم تكن مجرد قصة خيالية، بل هي أحداث يمكن وصفها بـ«المثيرة» والتي أدت إلى اعتقال المتخابر بعدما رأى أحد أقربائه ما نشره على «فيسبوك»، فاستعجل الاتصال بالشخص الذي صوَّر المكان الخاص به، وأبلغه بما جرى، في وقت حاول أشخاص تنبيه المتخابر نفسه لما نشره من صور اعتقدوا أنها بالخطأ، فقام بحذفها لاحقاً، إلا أنه لم يكن يعلم أن صاحب الشأن قد وصلت إليه المعلومة.

فلسطينيون اتخذوا ملجأ بجوار منزل متضرر من القصف الإسرائيلي على قطاع غزة (أرشيفية - أ.ب)

ويقول مصدر أمني مطلع على التفاصيل لـ«الشرق الأوسط»، إنه تم تجهيز كمين له لاعتقاله، فحاول الفرار إلى الخط الأصفر، جنوب قطاع غزة، بعدما علم من ضابط المخابرات الإسرائيلية بما تم إعداده له لاعتقاله، ليتبين لاحقاً أنه قام بزرع جهاز تنصت صغير في المكان الذي كان يوجد به ذلك الناشط في أحد الفصائل. وهو أمر اعترف به بنفسه خلال التحقيقات معه.

ويوضح المصدر أن سرعة التصرف أدت إلى اعتقاله قبل فراره، مبيناً أن اعتقاله والتحقيق معه وانهياره سريعاً كشف عن تورطه في اغتيال 12 ناشطاً في الفصائل الفلسطينية على مدار عام من تجنيده.

استغلال الظروف

ويشير المصدر إلى أن كثيراً من المتخابرين سقطوا في وحل التخابر لصالح المخابرات الإسرائيلية، بسبب حاجتهم إلى المال، ولكن غالبيتهم بسبب تعاطيهم المواد المخدرة، وكذلك إسقاطهم من متخابرين آخرين أو ضباط مخابرات استغلوا ظروفهم المادية أو الحياتية والاجتماعية والعلاقات المحرمة، لتجنيدهم.

ويؤكد المصدر أنه على الرغم من الظروف الأمنية الصعبة والملاحقة المستمرة من إسرائيل لنشطاء الفصائل الفلسطينية ورجال الشرطة والأجهزة الأمنية، فإن عمليات الملاحقة مستمرة للمتخابرين، وكذلك للمتعاونين أو العاملين مع العصابات المسلحة.

إعدامات سابقة

وأعدمت حركة «حماس» منذ أسابيع، متخابراً اعترف بأنه تسبب في اغتيال عز الدين الحداد، القائد العام لـ«كتائب القسام» الجناح المسلح للحركة، والذي كان قد اغتيل منتصف مايو (أيار) الماضي، بعد قصف مركبة كان يقودها في مدينة غزة.

وكان ذلك المتخابر قد اعتقل بعد يوم واحد فقط من اغتيال الحداد، بعدما كان يتجول داخل مجمع الشفاء الطبي ويحاول الحصول على معلومات بشأن أسماء ضحايا ومصابين، وبعدما شوهد أكثر من مرة في مكان اغتيال الحداد وكذلك في أماكن معينة.

وعلى مدار الحرب وبعد وقف إطلاق النار، نُفذ عديد من عمليات الإعدام لغزيين ثبت تخابرهم وتسببهم بمقتل قيادات ونشطاء في الفصائل الفلسطينية بعدما تم اكتشافهم في ظروف مختلفة.

فلسطيني ينقِّب الخميس عن أشياء بين أنقاض مبنى سكني انهار بعد تضرره في قصف إسرائيلي سابق بمدينة غزة (أرشيفية - رويترز)

ويوضح مصدر أمني آخر لـ«الشرق الأوسط»، أن غالبية المتخابرين يكونون من خارج الفصائل الفلسطينية، في حين أن بعضهم يكون على علاقة مع الشخص المستهدف سواء بقرابة أو من الجيران أو من بيئة اجتماعية معينة، أو حتى يكون شخصاً لا علاقة له به، كما كان الحال بين الحداد والمتخابر الذي تسبب في اغتياله.

ضحايا وتصعيد متواصل

في سياق آخر، أُعلن في قطاع غزة، السبت، مقتل 4 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على مناطق متفرقة، من بينهم طفلة أُعلنت وفاتها متأثرةً بجروح حرجة أُصيبت بها ظهر أمس، إثر إطلاق نار شمال مخيم النصيرات وسط القطاع.

ومن بين القتلى، شاب قُصفت مركبته قبيل عصر السبت، في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، وأُصيب 7 بينهم حالة حرجة في الحادثة نفسها، فيما قُتل الشاب بصير البرش، نجل منير البرش، مدير عام وزارة الصحة بغزة، بعد أن استهدفته طائرة مسيَّرة بصاروخ واحد غرب مخيم جباليا شمال القطاع، فيما قُتل شاب آخر بغارة مماثلة في شارع مشتهى بحي الشجاعية، وهو المكان الذي تعرَّض لاحقاً لقصف من طائرات حربية.

جهود الإنقاذ جارية بعد انهيار مبنى كان قد تضرر جراء قصف إسرائيلي سابق في مدينة غزة (رويترز)

وقصفت المدفعية الإسرائيلية عدة مناطق، فيما أطلقت آليات ومسيَّرات النار في أكثر من مرة، مما أدى لإصابة بعض الفلسطينيين خصوصاً قرب الخط الأصفر. وسط عمليات نسف عنيفة نُفِّذت في مناطق متفرقة من القطاع.

وتوغلت عدة آليات عسكرية إسرائيلية برفقة آليات هندسية في المنطقة الواقعة ما بين بلدة المصدر ومخيم المغازي شرق وسط قطاع غزة، تزامناً مع عمليات تجريف وإطلاق نار متقطع في تلك المناطق، مما أدى إلى إصابة شاب وسيدة بجروح، بينهم الأخيرة التي وُصفت حالتها بالخطيرة، ويحاول الأطباء في مستشفى شهداء الأقصى إنقاذ حياتها.

كان 5 فلسطينيين قد قُتلوا في سلسلة غارات وعمليات إطلاق نار يوم الجمعة، من بينهم ناشطان في «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس»، قُتلا في غارتين منفصلتين في ساعات المساء، بينهم الشاب محمد الرفاعي، الناجي الوحيد من أفراد عائلته بعدما كانت إسرائيل قد قتلت والديه وأشقاءه وشقيقاته بقصفين سابقين خلال الحرب في منزل ومركز إيواء كانوا يوجدون به.

انهيار جزئي لمبانٍ

في سياق آخر، أعلن الدفاع المدني أنه أنقذ عائلتين، السبت، بعدما انهارت منزلاهما بشكل جزئي في مدينة غزة، مشيراً إلى أن طواقمه تمكنت من إنقاذ شاب آخر سقط عليه سطح منزل عائلته المتضرر في حي الزيتون، جنوب مدينة غزة.

وأعلن الجهاز، الجمعة، إنقاذ عائلة أخرى إثر تضرر منزلها الذي تعيش فيه بحي الصبرة، جنوب مدينة غزة.

وكان 21 فلسطينياً قد لقوا مصرعهم، فيما تم إنقاذ العشرات بعد انهيار مبنى مكون من 6 طوابق بمنطقة الصبرة.


المستوطنون يواصلون هجماتهم بالضفة الغربية... والجيش الإسرائيلي يوسع عملياته العسكرية

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

المستوطنون يواصلون هجماتهم بالضفة الغربية... والجيش الإسرائيلي يوسع عملياته العسكرية

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

كثَّف المستوطنون الإسرائيليون من هجماتهم بحق الفلسطينيين في مناطق الضفة الغربية، ونفَّذوا عمليات ومحاولات أخرى لإحراق منازل وممتلكات في قرى وبلدات عدة، تزامناً مع توسيع الجيش الإسرائيلي عملياته بمناطق مختلفة، وتنفيذ اعتقالات طالت العشرات، في الأيام القليلة الماضية.

وشنَّ المستوطنون، اليوم (السبت)، هجوماً على قرية برقا، شرق رام الله وسط الضفة الغربية، من ثلاث جبهات، بهدف تشتيت انتباه المواطنين الذين يتصدون لهجماتهم باستمرار، مستهدفين منازل الفلسطينيين وممتلكاتهم، وتسببوا بإصابة مسن.

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأطلق مستوطنون الرصاص الحي صوب منازل المواطنين في منطقة شعب اللوز بقرية المغير، شمال شرقي رام الله، دون أن يُبلَّغ عن أي إصابات، فيما اقتحمت قوات عسكرية منزلين في القرية، واحتجزت أفراد عائلة أحدهما واستجوبتهم.

وقطع مستوطنون آخرون خط المياه المغذي لقرية أدقيقة في بادية يطا، جنوب الخليل؛ ما أدى إلى حرمان نحو 700 مواطن من المياه.

وكان 5 شبان فلسطينيين أُصيبوا، الجمعة، إثر هجوم المستوطنين بالحجارة على مركبتهم قرب مدخل قرية يبرود شرق رام الله، فيما أصيب فتاة بشظايا رصاص حي أطلق من قبل مستوطن تجاهها في بلدة عقربا جنوب نابلس. بينما أُصيب مواطن إثر اعتداء على عدد من العائلات في منطقة خربة علان بالجفتلك، شمال أريحا، والأغوار.

مستوطنون يرفعون أعلاماً إسرائيلية على طريق رئيسي يؤدي إلى مدينة جنين بعدما أعادوا بناء مستوطنات في المنطقة (أرشيفية - إ.ب.أ)

كما هاجم آخرون منشأة صناعية، وبركساً يعود لفلسطيني في بلدة بيتا جنوب نابلس، في وقت اقتحم مستوطنون منطقة برك سليمان السياحية الواقعة بين بلدة الخضر وقرية أرطاس، جنوب بيت لحم، وقرية عين سينيا، شمال رام الله، وحي الطيرة في المدينة؛ حيث تجولوا بين منازل الفلسطينيين، ونفَّذوا أعمالاً استفزازية، وسط الصراخ وإلقاء الشتائم على المواطنين.

وهاجمت مجموعة أخرى من المستوطنين المزارعين الفلسطينيين، واعتدوا عليهم في منطقة واد الشنار ببلدة حلحول، شمال الخليل، واحتجزوا عدداً منهم، ونكَّلوا بهم، أثناء محاولتهم الوصول إلى أراضيهم.

ووثَّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 4914 اعتداءً للمستوطنين منذ مطلع 2026، وحتى نهاية أغسطس (آب) الماضي، مبينةً أن تلك الاعتداءات ألحقت أضراراً مباشرة بـ164 فلسطينياً، بينهم 20 طفلاً و17 امرأة، وطالت أعمال التخريب 21508 أشجار، بينها 19375 شجرة زيتون.

السفير الأميركي مايك هاكابي على سطح منزل في ترمسعيا بالضفة الغربية التي تعرضت لهجمات من مستوطنين في 3 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

هاكابي والاستيطان

وفي السياق، ذكرت صحيفة «هآرتس» العبرية، الجمعة، أن السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، يُعدّ صاحب النفوذ الأكبر في جماح التوسع الاستيطاني بالضفة، لا سيما فيما يتعلق بكل ما يحدث في القرى الفلسطينية التي يقطنها فلسطينيون يحملون الجنسية الأميركية، وهو أمر أكده مسؤول أمني إسرائيلي في حديث للصحيفة.

ووفقاً للصحيفة العبرية، فإن السفارة الأميركية والضباط الأميركيين المسؤولين أيضاً عن تدريب قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية يبذلون جهوداً حثيثة في رصد أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون، ويطالبون الحكومة والجيش الإسرائيلي باتخاذ خطوات للحد من المضايقات التي قد تنطلق من بؤر استيطانية ومزارع رعوية محددة.

وكان هاكابي، وهو مسيحي متديِّن، من أبرز الداعمين للاستيطان لسنوات، لكن ما رآه على أرض الواقع، في العام الماضي، هزَّه بشدة. وقد عبَّر عن ذلك في تصريحات علنية، وفي العديد من الاتصالات غير الرسمية.

كما تقول «هآرتس»، مضيفةً: «هذا كافٍ لإثارة قلق القيادة السياسية في إسرائيل ورؤساء المجالس الإقليمية للمستوطنين، الذين يخشون فقدان الدعم الأميركي، ويخشون تدهور علاقاتهم مع السفير. أما مثيرو العنف أنفسهم، فهم أقل اكتراثاً، ويستمرون في هجماتهم، كما جرى عدة مرات في الأسبوع الأخير».

وتقول الصحيفة: «أما ممثلو الدول الأوروبية في إسرائيل، فهم أكثر إحباطاً من الأميركيين، وتأثيرهم على ما يجري على الأرض ضئيل، ويجد السفراء والملحقون العسكريون من الدول الكبرى والمهمة صعوبة حتى في الحفاظ على علاقات عمل مستمرة وفعالة مع وزارتي الخارجية والدفاع في إسرائيل...».

عمليات موسَّعة

يأتي تكثيف المستوطنين هجماتهم، على وقع عمليات عسكرية واسعة تستمر لساعات طويلة في عدة مناطق من الضفة الغربية ومخيمات القدس الشرقية، بحجة ملاحقة المسلحين واعتقالهم، ومصادرة أي أسلحة، وتفجير المخارط والسيطرة عليها.

مستوطنون وجنود إسرائيليون مسلّحون في بلدة حوارة بالضفة الغربية المحتلة (أرشيفية - أ.ف.ب)

واعتقلت القوات الإسرائيلية، يوم الخميس، في عمليات واسعة، عشرات الفلسطينيين، وطالت الاعتقالات بلدة حجة، شرق قلقيلية، ومخيم العين في نابلس، وبلدتَي علار وصيدا شمال طولكرم، وبلدة كوبر في رام الله، وبلدة حلحول شمال الخليل. وحقَّقت مع المعتقلين داخل منازل حوَّلتها لثكنات عسكرية بعد إخلائها من سكانها.

ووُصفت تلك العمليات فلسطينياً بأنها عمليات مصغرة من تلك التي طالت مخيمات شمال الضفة الغربية، وغيَّرت معالم تلك المخيمات، خصوصاً في جنين وطولكرم، وسط تهديدات إسرائيلية مستمرة بعمليات أخرى تطال مخيمات جديدة.

وفي السابع من الشهر الحالي، قال وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إن سياسة قواته في الضفة قائمة على مواجهة ما وصفه بـ«الإرهاب الفلسطيني»، وتطوير وتعزيز الاستيطان اليهودي، والحفاظ على الاستقرار الأمني القائم على اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لمنع تدهوره، وأنه في حال كان هناك أي تهديد أمني قائم فسيتم إخلاء سكان المدن والقرى التي تنطلق منها أي هجمات، والقضاء على «المخربين»، وتدمير جميع البنية التحتية لهم، وبقاء الجيش الإسرائيلي في تلك المناطق والسيطرة عليها، كما فعل بمخيمات شمال الضفة، وأنشأ مناطق أمنية بغزة ولبنان.

من جهة أخرى، بحث نائب رئيس دولة فلسطين، حسين الشيخ، مع مفوّضة الاتحاد الأوروبي لشؤون المتوسط، دوبرافكا شويتسا، هاتفياً، الجمعة، التطورات المحلية والإقليمية والدولية، وسبل تعزيز التعاون والدعم الأوروبي للفلسطينيين، مثمّناً ما قدمه الاتحاد من دعم لهم، متطرقاً للوضع الكارثي بغزة، وتصاعد إرهاب المستوطنين في الضفة، واستمرار التوسُّع الاستعماري والاستيلاء على الأراضي، وما يشكله ذلك من تهديد لأمن واستقرار للفلسطينيين ولإمكانية تحقيق السلام وحل الدولتين.


جهود حكومية لبنانية على خط الاستقرار ودعم المتضررين

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز في وقت سابق (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز في وقت سابق (رئاسة الحكومة)
TT

جهود حكومية لبنانية على خط الاستقرار ودعم المتضررين

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز في وقت سابق (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز في وقت سابق (رئاسة الحكومة)

تتواصل الجهود اللبنانية لتثبيت الاستقرار ومواكبة تداعيات الحرب، بالتوازي مع سعي لحشد الدعم الدولي للبنان، وجهود حكومية وإنسانية لتأمين المساندة للعائلات المتضررة والنازحة، ولا سيما في الجنوب.

سلام في نيويورك وواشنطن

وفي هذا الإطار، غادر رئيس مجلس الوزراء نواف سلام إلى الولايات المتحدة، في زيارة تبدأ من نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ حيث يُلقي كلمة لبنان، ويعقد على هامشها سلسلة لقاءات ثنائية مع عدد من قادة الدول والمسؤولين الدوليين، حسب بيان رئاسة الحكومة.

ومن نيويورك، ينتقل سلام إلى واشنطن؛ حيث يلتقي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، ورئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا، إضافة إلى عدد من المسؤولين الأميركيين والدوليين.

وتأتي هذه اللقاءات في سياق المساعي اللبنانية لحشد الدعم الدولي، وطرح الملفات السياسية والاقتصادية المرتبطة بمرحلة الاستقرار والتعافي، في ظل استمرار تداعيات الحرب والحاجة إلى دعم مؤسسات الدولة وقدرتها على مواكبة احتياجات المواطنين.

مساعدات للعائلات والنازحين

وبينما تتحرك الحكومة على المستوى الإنساني لدعم العائلات الأكثر تضرراً، أكدت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، خلال زيارة إلى روما، أهمية الدور الإيطالي والدولي في مساعدة لبنان على الانتقال من مرحلة الطوارئ إلى التعافي؛ خصوصاً عبر دعم الأسر النازحة ومساعدتها على استعادة سبل عيشها.

وأشارت حنين السيد إلى أن تحالف «متجذرون من أجل لبنان» جمع منذ إطلاقه في مايو (أيار) نحو 338 ألف دولار من التبرعات الخاصة، ستُحوَّل مباشرة إلى أُسَر جرى التحقق من أهليتها، مع إعطاء الأولوية لكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والأُسَر التي لديها أطفال، والأُسَر التي تعولها نساء.

ويأتي ذلك في ظل مساهمة إيطالية أوسع في الاستجابة الإنسانية؛ إذ خصصت روما 10 ملايين يورو لدعم المتضررين في لبنان، إلى جانب 30 طناً من المساعدات العينية، تشمل الأدوية والمواد الغذائية والمستلزمات الصحية، في خطوة تعكس استمرار الدعم الدولي للبنان في مواجهة تداعيات الأزمة.

بعض أهالي بلدة المنصوري يراقبون تصاعد الدخان جرَّاء تفجير نفَّذته القوات الإسرائيلية وأدى إلى تدمير أجزاء من البلدة كما بدا من بلدة الحنية جنوب لبنان (أ.ب)

من جهته، رفض النائب آلان عون الحديث عن فشل اتفاق الإطار، وقال: «لا يحق لـ(حزب الله) الحكم على اتفاق الإطار بالفشل، من دون منح الدولة حصرية السلاح».

واعتبر في حديث تلفزيوني أن «التأخير في المسار التفاوضي بالتوازي مع التقدُّم الإسرائيلي سيُصعِّب أكثر التوصل إلى اتفاق، وما هو قادم قد يكون أخطر».